الحضارية «ثقافة ومجتمع»

الأربعاء: 06/05/2009

 

الخوف والإرادة /1

 

د. يسرى تركي سعيد
 

 

 مفهوم الإرادة :

الإرادة : هي استجابة مؤجّلة ، ويعني ذلك انقضاء مدة بين حدوث المؤثر والاستجابة له . وأهم ما يجري خلال هذه المدة بين حدوث المؤثر والاستجابة له هو الخطوات الآتية :

1.  التفكير: ويتصف في المحاولة والخطأ على المستوى العقلي واستبعاد المحاولات التي لا توصل الى قرار مرضٍ كما يساعد التفكير في تركيز الانتباه، وإدراك كل ما يتعلق بالموقف وهذا يحتاج في ذاته الى توجيه إرادي.

2.  الكف: للوصول إلى قرار يلزم كف الدوافع المعارضة وبذلك يسهل ترجيح كفة الدوافع الاخرى. كما يشمل كف الانفعالات التلقائية غير المدروسة.

3.  الحصانة: قد لا يسهل الوصول الى قرار حينئذ يلجأ الإنسان إلى حضانة الأفكار المختلفة والدوافع لمدة من الزمن ثم إعادة النظر فيها، وعملية تأجيل الوصول الى قرار هو عملية إرادية.(شاهين،1967، ص202)

وقد قصر وليم جيمس تفرقته بين الرغبة والإرادة على زاوية واحدة ضيقة هي عدم قابلية الرغبة للاستحالة إلى فعل، إلا أنّ الصورة المتكاملة للفعل الإرادي والتي تميزه عن الرغبات هي:

1.  خضوع الرغبات لتنظيم معين فلا تظل عفوية انفعالية في الفعل الإرادي.

2.  خضوع الرغبات لتنظيم معين تلبس الرغبة بالفكر.

3.  التخطيط؛ إذ إن الرغبة تسير بشكل عفوي تلقائي بينما الإرادة تخضع للتخطيط لتحقيق الهدف.

4.    التوافق المستمر للتخطيط فالظروف المحيطة بالأفراد لا تصل إلى حالها بل تتغير فلا بد من تعديل الخطط.

5.    التوتر المناسب؛ فالفعل الإرادي يتميز بالتوتر العصبي المناسب الذي يضمن الانتباه والتحفيز.

6.    الاتّزان الوجداني، ويعني التوزيع العادل للوجدان على الجوانب المتباينة بالموقف في الفعل الإرادي.

7.    الابتكار واتخاذ خطوات التغيير حيث يشعر الشخص بأنه صاحب تصرفاته.(أسعد، 1998، ص13)

1- المنظور الفلسفي الإسلامي للإرادة:

   إن قضايا حرية الإرادة في الإسلام والموقف من الاجتهاد أو التقليد تقودنا إلى دراسة علم الكلام الإسلامي ومعه أسس الحياة العقلية في الإسلام (روزنتال، 1978، ص13) لأن تاريخ علم الكلام هو تاريخ تطور التفكير النظري في الإسلام، وهو تاريخ النظر بالعقيدة والنظر هو منهج ورأي وطرائق للاستدلال، ووجهات نظر مبنية عليه، ومن هذه الزاوية يمكن التمييز بين عدة مذاهب في تاريخ علم الكلام، ومنها مذهب المعتزلة الذي يقابله مذهب الأشعرية (الجابري، 1998، ص16).

   وقد كان لآراء المعتزلة الدور الداعم الكبير لهذا المفهوم إذ إنها جعلته أساساً لعقيدتها دفاعاً عن العدل الالهي (الراوي، 1982، ص25) ولقد عالج المعتزلة مسألة حرية الإرادة والاختيار تحت أصل العدل. ففي إطار هذا الأصل كان الصراع مع التيارات الجبرية، وقد استدلوا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ودليل العقل في إثبات هذه المسألة، وفي الوقت نفسه كان أخذهم بالتأويل عندما تقتضي الضرورة، ففي اعتمادهم على الآيات القرآنية في توضيح هذه المسألة نجدهم يستدلون بآيات كثيرة تنفي الظلم عنه سبحانه وتعالى، فهو لا يريد الظلم وينهى ويحذر من عواقبه كقوله عز وجل في سورة غافر بسم الله الرحمن الرحيم [وما الله يريد ظلماً للعباد] وسورة البقرة [والله لا يحب الفساد]. فمن هذه الآيات وغيرها استدل المعتزلة على بغض الله للظلم والفساد وغير ذلك من القبائح وأنه تنزه وتعالى عالم بقبحها فلا يجوز أن يفعلها ولو أرادها لكان محباً لها وراضياً بها على أن المحبة والرضى هي إرادة على بعض الوجوه وأجمعت الأمة على خطأ من قال ذلك على الله سبحانه، بل إن متكلمي المعتزلة يقرّون باستقلالية الإرادة الإنسانية عن إرادة الله حتى لا ينسب الشر والأفعال القبيحة إلى الله عز وجل (السيد، 1995، ص19).

   ونجد أن القرآن الكريم يتضمن آيات تنسب الفعل إلى الإنسان كقوله تعالى في سورة الحجر: بسم الله الرحمن الرحيم [فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون] (آية/93) وفي سورة الأعراف [ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين] (آية /23).

اما الأحاديث النبوية التي استدل فيها المعتزلة في دعم رأيهم بمسألة الإرادة الإنسانية فمنها قوله (ص): (يرحم الله عباده في دعم ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يقولون هي من عند الله) وقوله (ص) (يكون في آخر الزمان قوم يعملون بالمعاصي ثم يقولون الله قدرها علينا).

    أما دليل العقل فإن الذي دعا المعتزلة للقول بحرية الإرادة الإنسانية هي نظرتهم التنزيهية للذات الإلهية من الأفعال الإنسانية وإيمانهم المطلق للعدالة الإلهية فالله سبحانه عادل فلا يصدر عنه الظلم وحكيم فلا يصدر عنه السفه، فلو كان الانسان مجبراً على أفعال الفسق والكفر والإيمان والطاعة بمنزلة واحدة، لكانت مراده لله وكان بعث الانبياء عبثاً لأنهم ينهون الناس عما قدر الله له ان يكون (السيد، 1995، ص25).

     ويحدد علماء الإسلام بعدة معانٍ منها الاختيار والمحبة والعزم والقصد والإيثار والمعاني المغايرة لها هي الشهوة والتمني (السيد، 1995، ص11) ومن علماء الإسلام من فرق بين الاختيار والإرادة، ومنهم الفارابي فقال إن الإنسان قد يتقدم فيختار الأشياء الممكنة وتقع إرادته على الأشياء غير الممكنة مثل إن الإنسان يهوى أن لا يموت، فالإرادة أعم من الاختيار، فإن كل اختيار هو إرادة وليس كل إرادة اختيار (صليبا، 1976، ص60).

   ومن علماء الإسلام الآخرين الذين أولوا موضوع الإرادة اهتماماً كبيراً هو الإمام الغزالي فهو يقول كل حركة وسكون اختياري لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم وإرادة وقدرة.  

ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقاً للغرض. ويتردد الغزالي في تحديد الموقف من الحرية فيؤيد رأي الأشعرية في أن الاختيار والكسب للإنسان، والإرادة والخلق لله (الشمالي، 1965، ص542). وقد عد الغزالي الإرادة أحد جنود القلب التي يحصرها في ثلاثة أصناف؛ الأول الباعث، وهو الإرادة، والثاني المحرك لتحصيل المقاصد، وهو القدرة، والثالث هو المدرك المتصرف للأشياء. ويعبر عن هذا بالعلم والإدراك ( الغزالي/ بلا، ص6). أما الإرادة عند المتصوفين فهي ابتداء الكد وترك الراحة حتى لقد قال الجنيد الإرادة هي أن يعتقد الإنسان بالشيء ثم يعزم عليه ثم يريده ولا يكون إلا بعد صدق النية (صليبا، 1976، ص62). أما ابن باجة الذي أنشأ مذهباً يجمع بين تعاليم الصوفية ومبدأ الجهاد في الحياة. فقد فرق بين الغريزة والإرادة ودعا الإنسان الى إخضاع أعماله الغريزية للعقل والإرادة فيعد عمله إنسانياً والعمل الإنساني يرمي الى قصد معين، وتسيره إرادة معينة يتميز بها عن الكائنات الدنيا (الشمالي، 1965، ص610).

    فيما يرى المعتزلة أن العمل الانساني يمر بمرحلتين الأولى تتضمن إرادة الفعل واختياره بعد العلم، والمرحلة الثانية هي إحداث الفعل من خلال القدرة عليه (السيد، 1995، ص31).

    إن الجدل الكلامي الإسلامي في مسألة حرية الإرادة لم يكن أكثر من محاولة شكلية لتأكيد وجود حيز للحرية في النسج العام لأشياء وإن منهج مناقشة حرية الإرادة في الإسلام لم يكن يساعد على السير في اتجاه الانماء العام للمفهوم كما انه لم يكن يؤدي ايضاً الى قضاء عليه (روزنثال، 1978، ص29) ويتبلور الحل الوسط بين مشكلتي الجبر والاختيار من خلال عبارة (لا جبر ولا تفويض لكن أمر بين أمرين) وهو مذهب الإمامية وبذلك يكون الإنسان غير مجبر على أفعاله كالجمادات، ولا متحيزاً بحيث تكون أفعاله شبيهة بأفعال الخالق فهو مخلوق مستمد وجوده وقدرته من الله سبحانه.

 وبتأكيد المسؤولية الإنسانية فضلاً عن تنزيه الله عز وجل أقر المعتزلة بمسؤولية الإنسان عن أفعاله التي يفعلها (السيد، 1995، ص111).

2 –المنظور الفلسفي الغربي للإرادة:

    عند ذكر مفهوم الأرادة لا بد من عرض آراء الفلاسفة باختلاف أزمانهم ونظرياتهم لأن هذا المفهوم أحتل مكانة خاصة في فكرهم الفلسفي، فالفلسفة الاغريقية تؤكد بأن للإنسان ارادة حرة وأن رائدي الفلسفة اليونانية أفلاطون وأرسطو يذهبان إلى أن الفضيلة والرذيلة هو المسؤول، وليست السماء مسؤولة عنه (غالب، 1981، ص18)

أما أرسطو، فهو يرى أن الفضيلة هي ملكة الاختيار، والاختيار صادر من الإرادة والعمل الارادي يقتضي معرفة ونزوعاً، وبين أن الفعل الاختياري أضيق من الإرادي، وأن الإنسان في أفعاله الصالحة وغير الصالحة يحمل تبعتها، فيحسن الاختيار فتكون الفضيلة ويسيء الاختيار فتكون الرذيلة (الشمالي، 1965، ص68).

   أما ديكارت الذي يعد من أبرز الفلاسفة الذين تحدثوا عن الارادة، فيقول بأن الارادة متسقة بطبيعتها، وأنها لميزة عظمى أن تكون لنا القدرة على العمل بواسطتها، ويرى ديكارت إن لنا إرادة حرة تقوم على إستطاعتنا أن نفعل الشيء أو لا نفعله، وأن نثبته أو ننفيه، وأن نقدم عليه أو نحجم عنه، أي أن نتصرف بمحض اختيارنا (غالب، 1981، ص28).

   أما فيما يخص العلاقة بين الإرادة والفكر فقد ميز ديكارت بينهما وقال: إن الإرادة هي واقعية الاختيار وأن الفكر هو الفهم الذي يمثل واقعية المعرفة، وقد اختلف بذلك مع سيبنوزا الذي يشير الى ان الإرادة والفكر هما شيء واحد بل هما شيء واحد  بل هما نفس الشيء (غزوان ، 1999، ص25)، ويقول أيضاً بأن ليس هناك ما يسمى بقوى النفس، فلا تميز بين نفس وقوى، ومن ثمة لا تميز بين الارادة والعقل. ولكن الإرادة ترجع إلى العقل، أي إن الإرادة ميل العقل إلى قبول ما يروقه من المعاني واستبعاد ما لا يروقه، فما يسمى بالفعل الإرادي هو فكرة تثبت نفسها أو تنفي نفسها.

 ويرى (كنت) أن الإرادة خيرة في ذاتها بغض النظر عما يسفر عنها من نتائج فمعنى هذا إنه إذا قصد الإنسان أن يفعل فعلاً خيراً أياً كان نوعه ولكن محاولته باءت بالفشل فهنا لا يمكن أن نعد الإرادة غير خيرة لمجرد أنها فشلت في العمل الذي قصدت إليه، فهي خيرة سواء أدت إلى النتيجة التي أرادت الوصول إليها أم فشلت في ذلك طالما أنها استخدمت كل ما لديها من إمكانيات (المعيني، 1999، ص80).

     وعندما يقول (كنت) إن الإرادة الحرة هي الركيزة الأساسية والدعامة الضرورية لكل أخلاقية، فمعنى هذا إن (كنت) قد أقام الأخلاق وأسندها إلى أساس من الطهارة المطلقة للقلب بالإرادة الصالحة التي ينبع خيرها من باطنها (المعيني، 1999، ص82).

   أما (شوبنهاور) فجاء بما أسماه (إرادة الحياة) ولتوضيح ميكانيكية عمل الإرادة لدى (شوبنهاور) لا بد من استيعاب فهم (شوبنهاور) لهذه الإرادة، إذ إنه لم يتناول الإرادة على أنها أختيار حر مبني على أسس قائمة يمليها العقل بشكل خاضع لمنطق العقل الإنساني بل على العكس، فالإرادة عند شوبنهاور إذا لم نقل بأمر العقل فهي تعمل بشكل يجعل من العقل عنصراً ثانوياً عند الإقدام على فعل معين وبموجب هذا الوصف تخرج إرادة شوبنهاور عن العقل وعن الاختيار لأن هذا الاختيار مبني على الامتثال وهذا ما يجري في المخ وعبر شروط امتثال الفكرة في الذهن، إذن هي إرادة خارج نطاق العقل وعمليات الامتثال الذهنية، وعلى هذا الأساس تقترن الأرادة بكل ما يجري بالعالم وعلى كل الموجودات (غزوان ،1999، ص79).

    أما (نتشه) فهو يرى أن الارادة هي في صميم الطبيعة الإنسانية وعن طريقها يمكن تفسير كل المظاهر الأخرى للوجود وهذه الفكرة التي يطرحها (نتشه) صادرة من القوة وتقديس القوة، فليس الوجود إلا حياة وليست الحياة إلا إرادة وليست هذه الأرادة إلا ارادة القوى، فالحياة إذن هي إرادة سيطرة واستيلاء وما دامت كذلك فلا يمكن أن تستمر من دون كفاح وألم، فلا تنفصل إرادة القوة عن الألم (غزوان، 1999، ص174).

   ونجد أن (نتشه) يرى أن العدوان والخصومات تتناسب طردياً مع الحياة ومن ثم تعد تحقيقاً لإرادة القوة وكلما زادت الخصومات زادت قيمة الحياة نحو تحقيق إرادة القوة، أما عن كيفية قيام هذه العملية، فذلك يتم من خلال ابتداع حالة من التواتر الدائم بينهما وبين الآخرين أو بينهما وبين نفسها، فالحالة الأولى تتجسد من خلال شعورنا بالخطر ومن ثم فهذا يستدعي فينا معرفة ما لدينا من قدرة لمواجهة هذه الأخطار، ولهذا يقول (نتشه) (لكي تجني من الوجود أعظم الثمار وتنعم بما فيه، عش في خطر). إن إرادة القوة عند (نتشه) هي الكفيلة في رفعنا إلى المراتب العليا وتزيد من اندفاعنا لتحقيق التقدم في الحياة (غزوان، 1999، ص174). فالإرادة هي الفضيلة العليا والقتال والكفاح هو السبيل للتقدم لأنه يظهر مواضع الضعف ومظاهر القوة (ليشتاتيرجر، 1954، ص105).

    أما (سارتر) فإن يقول أن الإنسان ليس سوى ما يصنعه هو بنفسه وهذا هو المبدأ الأول من مبادئ الوجودية، وإنيه يجعل من القلق شعوراً ملازماً لإدراك الإنسان لحريته (غالب، 1981، ص56) وإن القلق مرتبط عند الوجودية بفكرة الاختيار سواء كان هذا الاختيار، اختيار الإنسان لمصيره أو حريته أو تمييزه بين الخير والشر (ناصر، 1990، ص18).

    فالفلسفة الوجودية تجعل من الإنسان مسؤولا كلياً عن تقرير مصيره ومسؤولاً أمام ذاته وأمام الآخرين الذين يلتزم معهم في وجوده، لأن الإنسان كما يقول (سارتر) حينما يختار ذاته ويلتزم بها فإنه يختار الآخرين ويلتزم بذواتهم الإنسانية في الحياة (ناصر، 1990، ص17) إذ إن أهم سمات هذه الفلسفة هي أنها تبدأ من الإنسان، وأنها فلسفة للذات، فالذات هي التي توجد اولاً وبذلك فهي تعترض على أي رأي يعد الإنسان شيئاً، وهي تقف ضد أي تيار تطمس فيه العقلية الجمعية تلقائية وحدة الشخصية الفردية في المجال الاجتماعي. وهي تقف ضد كل النزعات الاستبدادية في المجال السياسي (ناصر، 1990، ص15). فالفلسفة الوجودية تؤمن بأن الحرية هي الشيء الملازم للإنسان في وجوده في الحياة. وهو يملك إرادة لأختيار نوع الحياة التي يريد أن يعيشها، وهو الذي يحدد مصيره وجوداً إنسانياً في إطار هذه الحرية.

    وخلاصة هذا المذهب وقل سارتر: إن الإنسان مطلق الحرية في الاختيار يصنع نفسه بنفسه ويملأ وجوده على النحو الذي يلائمه (ناصر، 1990، ص13).

3- المنظور الأكلينيكي

اضطراب الإرادة:

    ينطلق المنظور الاكلينيكي نحو الجهة المعاكسة عندما ينظر إلى اضطراب الإرادة. وهو يرى أن اضطراب الإرادة هو اضطراب باثولوجي كبير في السلوك والاتجاه يحدث في الجهاز العصبي، وأن جميع الأعراض المصاحبة تظهر خصائص السلوك المضطرب التي تقتضي المعالجة (Murray, 1997, p.33).

    وإذا كان علم النفس المرضي يتخذ علم النفس السوي أساساً له يفسر في ضوئه، حيث يقف على المرض في ضوء الصحة، فإننا من جهة أخرى نستطيع أن نتعرف على الحالات المرضية الخفيفة في ضوء الحالات الشديدة. إذ نستطيع أن نعدّ الحالات الخفيفة بوادر ومقدمات للحالات الشديدة، وليس هذا يعني أن حالات العجز الإرادي الخفيفة لا بد أن تنتهي إلى حالة عجز إرادي كامل، بل هناك تدرج مستمر من الصحة إلى المرض، وأيضا من الحالات المرضية الخفيفة إلى الحالات المرضية المستعصية (أسعد، 1998، ص122) وإن التفكك في بنى الوظائف النفسية يؤدي إلى تحطيم الوحدة والاتصال في النشاط النفسي في جميع ميادينه كالفكر، واللغة، والإرادة، والصفات الرئيسية للاضطراب هي: الكف والتعطيل والإعاقة. ويكون السلوك المرضي إما مندفعاً أو متصلباً تغلب عليه الآلية (وهبة، 1974، ص371). ومن مظاهر الاضطراب أيضاً خمود الطاقة والتردد قبل الإقدام على أي عمل وإذا ما اتخذ قراراً فسرعان ما يتحول إلى رأي آخر وهكذا تضطرب الإرادة (الدباغ، 1977، ص163) والطب النفسي يقسم الإرادة إلى قسمين هما الإرادة الوزاعة والإرادة المحركة، وإن ممارسة أي فعل إرادي تقتضي ممارسة النوعين معاً، وإن من أهم مظاهر اضطراب الإرادة هي تضخم الإرادة، ويمكن أن تكون مرضية كما في حالات الذهان، أو أن تكون طبيعية. وفيه تتركز قوة الإرادة في ناحية معينة، أما ضعف الإرادة وهي حالة عامة من حالات الاضطرابات النفسية والتخلف العقلي ينتج منها عدم القدرة على التركيز أو الانتقائية كما في اضطرابات الرهاب والوساوس. أما التباسات الإرادة فتتجلي بضعف الإرادة التي يمكن أن تنجم عن ثنائية العواطف أو عن الفصام أو عن أي اضطراب يضعف الإرادة في طريقة عمل العواطف بشكل يشل الإرادة (النابلسي، 1997، ص96).

    ويمكن تلخيص أعراض اضطراب الإرادة فيما يأتي:

1. التردد (Hesitancy)، إن الحد المرضي في التردد لا يعجز فيه الإنسان على اتخاذ القرار فحسب بل يعجز عن الانتاج بأنواعه كافة. إذ أن طاقته تستهلك هذه العملية. ويستتبع ذك العجز عن التكيف الاجتماعي، وهي إذا زادت عن الحد الطبيعي تمثل عرضا مرضياً.

2. القابلية للاستهواء (Suggest Ability)، وهي التأثير بآراء الآخرين وأفكارهم من دون تمحيصها واتخاذ رأي خاص حيالها.

3. الطاعة الآلية (Automatic Obedience)، وهي نوع مبالغ فيه من الاستهواءز وتعني الاستجابة للأوامر أو الحركات استجابة آلية من دون تفكير في الأمر، وهي ظاهرة لها ثلاثة مظاهر مرضية:

(أ) المصاداة (Echolalia): وهي أن يعيد المريض الكلمات التي يسمعها وكأنه صدى لما يقال.

(ب) المحاركة (Echopraxia): وهي أن يقلد المريض الحركات التي يراها.

(ج) التصلب الشمعي (Flexibilities Cered): وهي حالة من تصلب أعضاء المريض في أي وضع يوضع فيه ويستمر على هذا الوضع لمدة طويلة تفوق المدة التي يمكن للإنسان العادي أن يتحملها.

4. الوسواس القهري (Obsessions Compulsion)، وهنا يحس المريض أن فكرة ما مسيطرة عليه على الرغم من إرادته، وعلى الرغم من محاولته مقاومتها وإذا استتبعت الفكرة القيام بعمل حركي سمي ذلك قهراً.

    وهناك من الأعراض ما نجد اضطراب الإرادة غير مقرون فيه بأعراض محددة بل قدي يمثل العرض الرئيسي في المرض. ففي النقص العقلي فإن المريض فيه يتميز بسهولة الاستهواء بسبب النقص الفطري في الارداة نتيجة نقص الخلايا المخية المسؤولة عن هذه العملية. أما في السلوك السيكوباثي فيتصف ضعف الإرادة بعدم القدرة على تأجيل الاستجابة لأي مدة من الزمن (شاهين، 1968، ص209).

    إن من عناصر الإرادة الأساسية هي الدافعية، واتخاذ القرار والفعل الإرادي. فالدافعية هي العوامل التي يدركها الفرد على أنها أسباب للقيام بعمل ما، واتخاذ القرار هي تلك اللحظة التي تمر في الذهن، ويتبين عزم الفرد على العمل. أما الفعل الإرادي فهو النشاط بين لحظة اتخاذ القرار والهدف الذي يسعى إليه الفرد. وتظهر اضطرابات الإرادة في أي عنصر من هذه العناصر الثلاثة (جلال، 1968، ص147).

 

المنظور الفيزيولوجي للإرادة:

إن (ريبو) قد تأثر بالعليل البافلوفي فهو يرى في نظريته أن الإرادة مشتقة من الفعل المنعكس. وهي تنظيم محكم لمجموعات مختلفة من الأفعال المنعكسة وهذا الفعل الإرادي يمتلك القدرة الحافزة على دفعنا إلى الأمام (ياسين، 1981، ص34)، أما نظرية وليم جيمس الفكرية الحركية فإنها تقوم على أن أساس الأفعال تنبثق من أفكار الحركة ومن صور شعورنا بالحركة. وأن الحركات الإرادية هي التي تكون نتيجة لتشكل صورة عقلية واضحة عن التغذية الراجعة للإحساس بالحركة (تايلور، 1996، ص36) ويرى أيضاً أن مجرد وضع الفكرة في الانتباه هي كل شيء في الإرادة والأمر بعد ذلك مجرد حادث فسيولوجي (محمود، 1973، ص140). ولقد اهتم علماء الفسلجة وعلماء النفس بالعمليات التي تقع في الدماغ والرامية إلى الربط بين الخبرات. فالخبرة الجديدة لا تتفاعل خبرة واحدة مرت بنا بل تتفاعل مع مركب هائل من الخبرات التي تشكل شخصياتنا. وفي ضوء هذا المفهوم التراكمي لاكتساب الخبرات الشخصية، فإن الإرادة عند أي شخص لا تكون طفرة واحدة وإنما تنمو نتيجة التفاعلات المستمرة بالخبرات المتجددة وتترك آثارها بالدماغ وتستحيل إلى واقع فسيولوجي بالمخ (أسعد، 1998، ص24).

وقامت (ي. كومسكايا) (1969-1972) بإثبات أن المناطق قبل الجبهة (اللحاء) دوراً هائلاً في تنظيم حالات التنشيط والوعي والإرادة التي تنشأ على أنها نتيجة الأشكال المعقدة في النشاط الواعي (ياسين، 1981، ص65)... ويعد اللحاء أكثر الأجهزة العصبية ترابطاً وفيه تكون كل الاستحابات الإرادية (وهي المظهر النهائي للسلوك) لأنه يترجم ويصور ويختار ويقرر (حفي، 1986، ص352).

فالجهاز العصبي في الإنسان من الناحية التشريحية أو البنائية ينقسم إلى جزأين، هما:

أ) الجهاز العصبي المركزي، ويتكون من المخ والحبل الشوكي.

ب) الجهاز العصبي السطحي، ويتكون من جميع الأعصاب الخارجية بالنسبة للجسم نفسه. فيما يتركب المخ من طبقة رمادية اللون تعرف باسم لحاء المخ وهو يتكون من ملايين الخلايا العصبية.(عيسوي، 1974، ص44)

        ولقد أوضح (هيب) في نظريته السيكوفيزيولوجية (1950) أن الدماغ يكون دائما موجهاً منظماً بما ينعكس على السلوك الإنساني من خصائص فريدة راقية يتميز بها (ياسين، 1981، ص62).

        وأظهر (كورتهرير 1974) بعد قياسه للجهود الكهربائية المتولدة في القشرة الدماغية قبل تنفيذ عمل إرادي بسيط مباشر، أن جهداً سلبياً يتنامى ببطْ أطلق عليه جهد التأهب وصل في بدئه إلى (800) ملم في الثانية قبل الشروع بالحركة في الإشارات المرسلة إلى المناطق القشرية (اللحائية) وهذا ما يبرهن على وجود نشاط داخل الدماغ في أثناء عملية (مشيئة) حدوث الحركة. وعلى هذا فإن مفهوم الإرادة لا يتم إخضاعه للتجربة فحسب بل يمكن النظر إليه على أنه يمتكل أساساً فيزيولوجياً عصبياً (تايلور، 1996، ص46).