الحضارية «ثقافة ومجتمع»

الثلاثاء: 05/08/2008

 

 

الطفولة والتربية(5)
مقالات مترجمة من كتاب (Supper Nanny)

جو فروست
ترجمة علي البدران(*)
(خاص للمعهد)

الروتين والقوانين
إنني أؤمن بقوة بجدوى الروتين بالنسبة للأطفال الصغار. فالروتين يخلق نظاماً واضحاً للحياة اليومية. وهو كذلك يتيح لك ترتيب الأمور بحيث يتمكن كل شخص من أفراد العائلة أن يستثمر وقته بالشكل المطلوب.
عندما تكون الأشياء أكثر توقعاً، وعندما تحدث في نفس الوقت من كل يوم تقريباً، سيصبح التعامل مع الطفل أفضل بكثير، وهناك أسباب منطقية جداً لهذا الكلام. فعلى سبيل المثال، عندما لا يكون هناك وقت محدد يأوي فيه الطفل إلى الفراش، فإنك أحيانا قد تجبرين الطفل على النوم في وقت هو لا يشعر فيه بالنعاس أو التعب، أو ربما يكون العكس صحيح، قد تتصورين أن الطفل مستعد للعب فيما هو أحوج ما يكون إلى النوم.
إن وقت نوم الطفل مهم جداً، وأهميته لا تقتصر على الطفل نفسه بل يمتد تأثيره إلى بقية أفراد الأسرة. وفي السياق ذاته، لا يدرك الكثير من الآباء إن تغيير وقت الغذاء بشكل كبير، أو جعل فواصل كبيرة بين تلك الوجبات الغذائية للطفل، من شأنه أن يتسبب بفوضى عارمة في نسبة السكر في دم الطفل مما قد يؤدي إلى اضطراب في المزاج وبروز حالات من التعب كان بالإمكان تجنبه.
فالروتين إذن يمكنك من توفير حاجات طفلك الضرورية في الوقت المناسب، فهو يحصل على طعامه عندما يكون جائعاً، كما يحصل على نومه عندما يكون تعباً. إن تحديد وقت معين لكل من الحاجات الرئيسية للطفل يعتبر أمراً أساسياً. وإن اتخاذ نفس الخطوات يومياً يجعل الطفل يعلم ما هي الخطوة اللاحقة. وبدون إيجاد روتين محدد، فإن الطفل سيشعر أن أي شيء يمكن أن يحصل في أي وقت، وهذا ما يجعل الأولاد يشعرون بالتوتر وعدم الاطمئنان. ولا عجب في ذلك، فعندما يواجه الأطفال أمراً غير متوقع فسوف لن يتمكنوا من الاستقرار والاسترخاء، وسوف يواجهون أي تغيير في أي فعالية بثورة من العصيان والغضب لأنهم في الواقع غير مهيأين لهذا التغيير.
الروتين من ناحية أخرى يتيح لكِ ترويض الطفل عبر مراحل من خلال إخباره بما سيحدث في المرحلة اللاحقة، لذلك فهم سوف لن يشعروا بالمفاجأة أو الاستعجال. فالثبات على وتيرة واحدة من الروتين يساعد العائلة على أن تنعم بنمط ثابت من الحياة. أنت أيضاً بحاجة إلى الاتفاق على مجموعة من القوانين مع طفلك قبل البدء بفرض سلسلة من الضوابط على سلوكه. عليك أولاً أن تقرري ما هو مقبول و ما هو غير مقبول. وبعد ذلك عليك أن تنتبهي جيداً، فإن أي تراخي في تطبيق تلك القوانين أو تحريك في مواقع الأهداف يجعل طفلك غير قادر على فهم ما يجب عليه فعله، وسوف لن يأخذ أياً من تلك القوانين على محمل الجد. وسيسأل نفسه: «هل سأواجه مشكلة فيما لو فعلت ذلك أم لا؟»
في أغلب الأحيان، وعندما تتغير القوانين باستمرار، أو عندما يكون هناك عدم إصرار على تطبيقها، فإن الطفل سيجد في ذلك فرصة ذهبية لكي يفعل ما يريد.
كيف تجدولين وقتك:
الحياة العصرية هي حياة محمومة كما هو معروف. وعندما يصبح لديك أطفال صغار فإنك ستبدئين بالاعتقاد بأن ساعات اليوم لا تكفي لتلبية حاجات كل واحد منهم، وستكون تلبية حاجاتك هي الأقل بين الجميع. إذن الحل يكون بإتباع نظام الأولويات.
بمجرد أن يشعر الآباء أنهم مضغوطون في مسألة الوقت، فإنهم قد يلجئون إلى اقتطاع جزءا من الوقت المخصص لهم أو لأولادهم الآخرين من أجل تلبية حاجات الأطفال الصغار، لكن في النتيجة لا أحد سيكون سعيداً بهذا الإجراء. فعندما لا يكون لديك الوقت الكافي لنفسك أو لتكونا معا كزوجين، فحينئذ ستتولد حالة من الاستياء، وستكون حياتكما الزوجية تحت حالة من التوتر. وعندما يشعر الأولاد الأكبر سناً أنهم لا يحصلون على الاهتمام الكافي فحينئذ سيلقون باللائمة على إخوانهم الأصغر سناً منهم، كما سيشعرون تجاههم بشيء من الغيرة، أو ربما سيبدءون بالتصرف بشكل غريب فقط لأنهم يريدون أن يلفتوا انتباهكم إلى أنهم موجودون. وفي أفضل الأحوال قد يشرع طفلك بركل الأرض نتيجة لشعوره بأنك تتعاملين معه بجفاء، وقد تتطور الحالة إلى نوبة من الغضب العارم.
إن وضع جدول أو روتين منزلي يتيح لك تلبية حاجات كل فرد من أفراد العائلة واهتماماته، كما يوفر للطفل نمط واضح للحياة يشعره بالطمأنينة.
بعض الآباء لا يحبذون الروتين لأنهم يعتبرونه أمراً قاس ٍ جداً. لكن الروتين في الواقع يعطيك مساحة أكبر للمتعة، فهو يقضي على الكثير من التوتر الناتج عن محاولتك إيجاد حل لمسألة ضيق الوقت. فعندما لا تؤثر فعالية ما على وقت فعالية أخرى فإن الجميع في هذه لحالة سيكون رابحاً، وسوف تشعرين فجأة بأنك بدأت تتنفسين الصعداء من جديد، وأنك تعيشين في فسحة من السعادة، إذا لم تعد محكومة بضغوط الحياة اليومية.
خلال تجربتي العملية مع بعض العائلات، قمنا بكتابة الروتين اليومي وألصقناه على باب الثلاجة، طبعا لا يتحتم عليك أن تفعلي نفس الشيء، وكل ما عليك فعله هو إيجاد النموذج الأنسب لعائلتك وعليك تذكره باستمرار.
نصائح مفيدة لإعداد الروتين:
• وقت الطعام وكذلك وقت النوم هما حجر الزاوية بالنسبة للروتين. أنا شخصياً أفضل أن يكون وقت وجبة المساء بالنسبة للطفل الصغير بين 5 - 5.30.
• إن الهدف من الروتين هو مساعدتك في إنجاز مهامك في فترة زمنية معقولة. فعلى سبيل المثال لو استغرقت فترة تحميم الطفل ونومه زمناً طويلاً جداً، فإن ذلك سوف يأخذ الكثير من فترة المساء المخصصة لك. ومن ناحية أخرى، سيكون من الصعب على الطفل التجاوب معك إذا ما أحس أنك تستعجلينه في أمر ما.
• لا تكوني صارمة مع الطفل فإنه من المجدي جداً أن تمارسي معه سياسة الشد والإرخاء.
• كوني واقعية، فإذا كان طفلك في الغالب يتأخر في عملية تغيير ملابسه، فعليك إعطاءه الوقت الكافي لذلك ولا تصعبي الأمر على نفسك كثيراً.
• ربما يتوجب عليك إرجاء وقت نوم الطفل في الصيف إلى نصف ساعة، لأنه من الصعب على الطفل أن يخلد إلى النوم عندما تكون الأنوار مضاءة.
• اجعلي لكل طفل من أطفالك وقتاً خاصاً، وخصيه بانتباه خاص، والأفضل أن يحاول الآباء تبادل هذا الدور، فلو قامت الأم مثلاً بمهمة تحميم الطفل، فليقم الأب بقراءة القصة له قبل النوم لمساعدته في الخلود إلى النوم. وليكن الأمر معكوساً في اليوم التالي، وإذا لم يكن هذا الأمر ممكناً فاحرصي على أن يكون ذلك في عطلة نهاية الأسبوع.
• اجعلي لنفسك ولشريكك وقتاً خاصاً، واعلمي أن هذا الأمر مهم جداً، وهو ليس من الأمور الكمالية - إذاً عليك أن تفعلي ذلك، أليس كذلك؟ -
حدثي أطفالك باستمرار عن الروتين
فور انتهائك من وضع الروتين الخاص بعائلتك - سواء أكان ذلك الروتين مجرد أفكار في عقلك أم كانت مكتوبة على ورقة وملصقة على باب الثلاجة- بادري بالحديث مع طفلك عن ذلك الروتين وكرري الحديث في كل يوم وفي كل وقت من أوقات اليوم.
الأطفال الصغار في العادة تكون ذاكرتهم محدودة، فهم لا يتذكرون الأشياء لفترات طويلة فهم لا يستطيعون قراءة الروتين المكتوب والمعلق على الجدار، وهم بالتأكيد لا يستطيعون قراءة أفكارك. الروتين ينجح فقط وفقط إذا استمريتي بالتذكير به. وبخلاف ذلك ستشكل عملية الانتقال من فعالية إلى أخرى مفاجأة بالنسبة له. إذا كنت تعرفين أن وقت حمام الطفل سيحين بعد خمس دقائق فإن طفلك سوف لن يعرف بذلك ما لم تخبريه بذلك.
ربما تجدين نفسك أشبه ما يكون «بالساعة الناطقة» لكن عليك أن تتذكري أن هذا الأمر هو جزء مهم لنجاح الروتين. لا تترددي، أصدري توجيهات واضحة وهادئة وبشكل متكرر، ولتكن هناك بضعة دقائق بين تحذير وآخر. إن هذا الإجراء يعطي طفلك الصغير فرصة ليتهيأ للفعالية القادمة. وهذا الأمر سيقلل من حالات التمرد التي تنتاب الطفل أو محاولاته لفرض سيطرته على الأمور.
فمثلا إذا أردت أخذه في جولة في المتنزه قولي له: «سنذهب إلى المتنزه خلال خمس دقائق، علينا أن نجد حذائك» استخدمي نبرة متفائلة وأنت تتحدثين معه، فالطفل يتأثر كثيراً بنبرة صوتك التي تستخدمينها معه.
أو إذا أردت إدخاله إلى الحمام قولي له: «ماما، أنا أحضرت المنشفة الآن وسيحين موعد استحمامك بعد دقيقتين».
استمري بالتحدث إلى طفلك طوال اليوم، ولكن ما لا ينبغي عليك فعله هو إعطاء الطفل حرية الاختيار. فمثلاً، قولي له: «دعنا نلبسك حذائك» ولا تقولي له: «هل ترغب بلبس حذائك». والأسوأ من ذلك أن تقولي له: «أي حذاء تحب أن تلبس». نعم لا بأس أن تعطي الطفل خيارين بشرط أن يكون كلاهما مقبول لديك، لكن وضع الطفل أمام مجموعة من الخيارات يعطيه انطباعا بأنك لا تدرين ماذا تفعلين - وإلا لماذا تسالين - وهذا ما يجعل الطفل يأخذ بزمام الأمور.
الشيء نفسه ينطبق على المساومة، تجنبي القول لطفلك: «إذا لبست حذائك فسنذهب إلى المتنزه» بل قولي له: «دعنا نلبس أحذيتنا ونذهب إلى المتنزه» قد يبدو الفرق بين العبارتين ضئيل جداً، إلا أن الاختلاف في النتائج سوف لن يكون كذلك.
إن أخذ الوقت الكافي عند التحدث مع الطفل بهذه الطريقة سيوفر عليك الكثير من الوقت والجهد على المدى البعيد. في العادة عندما يكون الأبوان منهمكان في عمل ٍ ما، فإنهم يتحدثون مع الطفل يتحدثون مع الطفل بنبرة متوترة، ويوجهون له أوامر صارمة، بشكل لا يترك له أدنى مجال للمناورة ويجد الطفل نفسه محشوراً في الزاوية. لا يدرك الآباء أن هذه النبرة المتوترة تسبب ذعراً للطفل. فالأطفال سرعان ما يلتقطون الإشارة ويدركون أنك متوترة. وفي الغالب يتصرف الأطفال بطريقة معينة بحيث يستثمروا هذه الفرصة لصالحهم باللجوء إلى نوبة من نوبات الغضب. ففي مثل هذه الحالة إذا تصرفت بهدوء وأخذت الوقت الكافي لتهيئة الطفل للخطوة اللاحقة، فإن طفلك سيدرك بأنك أنت من يتولى زمام الأمور.
أجواء هادئة:
إن الروتين المنتظم يجعل يومك خالياً من الفوضى، ذلك لأنه يجعلك تتحكمين بوقتك بالشكل المناسب. وحالما تبدأين بتطبيق الروتين فستدركين أن الأمور من حولك بدأت تصبح أكثر هدوءاً.
حاولي أن تبقي بيتك منظم بشكل معقول، لأن الفوضى إذا كانت تعم المكان فذلك يعني أنك ستهدرين الكثير من الوقت وأنت تقلبين البيت رأسا على عقب بحثا عن منامة طفلك أو جواربه. كما أن الفوضى ستطلق العنان للطفل وتعلمه أن لا يحترم المكان الذي يعيش فيه. والواقع أن المشكلة تكمن في أن معظم الفوضى يتسبب بها الأطفال أنفسهم وسنأتي لا حقاً على ذكر الأساليب المناسبة لمعالجة هذه الحالة.
والمهم أن نذكر هنا أن الأصوات العالية تزعج الأطفال كثيراً على الرغم من أنهم هم من يقوم في الغالب بالصراخ والصياح. إذن عليك أن لا تضيفي مستوى آخر من الضوضاء برفع صوت التلفاز أو الاستماع أصوات صاخبة من الراديو أو الكاسيت.
بين سن السنة و18 شهراً يتولد لدى الطفل خوف مفاجئ من الأصوات المرتفعة. فالمكنسة الكهربائية وخلاط الفواكه والألعاب النارية كلها أشياء قد تتسبب بإصدار هذه الأصوات. هذه الحالة عادة لا تدوم طويلاً، لكن عليك في نفس الوقت اختيار الوقت المناسب لتشغيل خلاط الفواكه مثلاً. ذات مرة طلب مني الاعتناء بطفلة كانت تخشى صوت الخلاط بشكل كبير. فكنت أتركها فجأة على الأريكة على بعد عشرة أقدام مني، وأحذرها بأنني سوف أشغل الخلاظ وأطفأه بسرعة. كررت الحالة عدة مرات فبدأت الفتاة تعتاد على الأمر. إذاً تذكري أن الطفل كلما كان أقرب إلى مصدر الضوضاء كلما كان أكثر ذعراً.


(*) كاتب من العراق.

 

 

abadr70@hotmail.com