|
|
 |
الحضارية
«ثقافة ومجتمع» |
|
الاربعاء: 09/07/2008
إشكاليات الديمقراطية لدي العرب
جلال
القيسي
ابد بادئ ذي بدء من تبديد
سوء تفاهم محتمل: فليس المقصود بـ«الديمقراطية العربية» على منوال
«الاشتراكية العربية» الذائعة الصيت أي أسطورة من أساطير الخصوصية
المتجوهرة المتعالية. وانما صفة «العربية» ههنا تشير الى شروط تطبيق أو
ممارسة الديمقراطية في العالم العربي، على تباين الهويات القطرية في هذا
العالم، وعلى تفاوت درجات تطور (أو تخلف) المجتمعات العربية، وبالتالي
على اللاتساوي في درجات تقبل هذه المجتمعات للديمقراطية. ومن منظور شروط
الممارسة العربية للديمقراطية، فإن أول ما يمكن ملاحظته أن الديمقراطية
في العالم العربي هي موضوع طلب ايدولوجي شديد، ولكن بدون عرض على صعيد
الواقع الفعلي، وبدون تأسيس نظري على صعيد المفهوم. ولسنا في صدد تحليل
الواقع السياسي والاجتماعي للعالم العربي الذي لا تتألق فيه الديمقراطية
الا بغيابها، وانما ينحصر همنا بتحديد بعض الاشكاليات النظرية التي قد
تساعد على تبلور المفهوم وعلى سوقه من مجال المصادرة الأيدلوجية اللامفكر
بها الى مجال الوعي النقدي الذي لا يطأطئ رأسه للمسلمات حتى ولو كانت
مجمعا عليها الاجماع العربي الراهن على الديمقراطية، على صعيد
الانتلجنسيا على الأقل. ولسنا بصدد اتخاذ موقف هجائي من الانتلجنسيا
العربية، ولكن ما كنا لاحظناه من اضراب للانتلجنسيا العربية عن التفكير
بصدد مسألة العلمانية قابل لأن يسحب على موقفها من مسألة الديمقراطية،
فهي تقبل هذه الأخيرة بالنحو اللامشروط نفسه الذي ترفض به الأولي.
وبطبيعة الحال، نحن لسنا من رفضة الديمقراطية، ولكننا نعتقد بجزم بضرورة
الانتقال من أيديولوجيا الديمقراطية الى ابستمولوجيا الديمقراطية، علما
بأن ما يميز الفكر الابستمولوجي عن الفكر الأيديولوجي هو اخضاعه نفسه، في
مسلماته بالذات، للنظر النقدي.
المفتاح والتاج
من منطلق هذا اللاتسليم بالمسلمات فإن أولى اشكاليات الديمقراطية العربية
قابلة، على ما نعتقد، لتسمية مجازية: اشكالية المفتاح والتاج. فالموقف
الايديولوجي يرى في الديمقراطية مفتاحا لحل مشكلات المجتمعات العربية،
وهذا المفتاح هو بالضرورة من طبيعة سحرية، مثله في ذلك مثل سائر
«المفاتيح العجائبية» التي أناطت بها الايدولوجيا العربية معجزة النقلة
الفجائية، بلا مجهود ولا كلفة ولا زمن، من واقع التأخر الى مثال التقدم.
ففكرة الديمقراطية تضطلع اليوم بالوظيفة نفسها التي اضطلعت بها في طور
فائت فكرة الاشتراكية، وفكرة الثورة، ومن قبلهما فكرة الوحدة، أو حتى
فكرة النهضة. فالديمقراطية تعمل ههنا كمطلق. فهي الشرط السابق لكل شرط،
بدونها لا شيء، وبها كل شيء. وكدواء لجميع الأدواء، فانه لا يجري أبدا
التفكير بأن الديمقراطية قد لا تكون قابلة، حتى كترياق، لأن يتحملها
الجسم المريض أو المسموم، وهذا لا يعني أن الديمقراطية لا تصلح لأن تكون
نقطة انطلاق، ولكن ذلك فقد بقدر ما تشكل في الوقت نفسه نقطة وصول. واذا
كان لها أن تدشن تطورا بعينه، فليس يجوز أن يغيب عن الوعي أنها تتوج
التطور. وقبل أن تكون الديمقراطية مفتاحا لجميع الأبواب الأخرى، فإنها هي
نفسها بحاجة الى مفتاح. ولعل بابها لا ينفتح الا بعد أن تكون جميع
الأبواب الأخرى قد فتحت أو بالتواقت معها على الأقل. وحتى اذا أمكن تصور
الديمقراطية كسابقة، لا كلاحقة، فليست هي عصا الجنية، بل معول فعلة
التاريخ الذين هم بشر من لحم ودم وعرق ومادة سنجابية.
وليس الهدف من هذا التوكيد على مشروطية الديمقراطية تسفيه من يرفعون
شعارها كشرط، بل فقط التحذير من وهم المعجزة ومن منطق المعجزة. فليس ما
يقتل المثال كالغلو في انعتاقه من قيد الواقعية. وبقدر ما تتحول
الديمقراطية الى مذهب من مذاهب العصر الذهبي، فان الديمقراطية قد تكون
قاتلة للديمقراطية. فالديمقراطية منطق لا لاهوت، معادلة جبرية لا صيغة
سحرية، ومغارتها لا تفتح بأي «سمسم» ولا تنطوي على كنوز، وهي أصلا ضد
منطق الكنز، ولا تعد بأي فردوس، ولا تندر الحالات التي تكون فيها
ممارستها «جهنمية»، كما في فرنسا في ظل الجمهورية الرابعة، أو في ايطاليا
في عهد الأزمات الوزارية المتتالية، أو في تركيا في ظل التهديد الدائم
بالانقلابات العسكرية. بل لعل الديمقراطية تتعارض، في ماهيتها بالذات، مع
فكرة المثال. فهي أكثر مذاهب الحكم واعية، و لا تتطلب أبطالا ولا أطهارا،
بل كلما كان الحكام «عاديين» كانت ضمانات الممارسة الديمقراطية، من حيث
هي بالتعريف «لعبة» وأكبر.
اذا لم تكن الديمقراطية ثمرة برسم القطف، بل ـ وبالقدر نفسه على الأقل
بذرة برسم الزرع، فإن السؤال يطرح نفسه: هل الديمقراطية هي مجرد صيغة
للحكم، أم هي أيضا ثقافة؟ هنا تحديدا تكمن، ثانيا، اشكاليات الديمقراطية
العربية. فهي تصور من قبل أنصار المذهب الديمقراطوي، وكأنها فاكهة الجنة،
مع أن الحاجة أشد ما تكون، في الحالة العربية، الى رعايتها كبذرة. ففي
حالات التطور العضوي كما في الديمقراطيات الغربية، قد تتبدى الديمقراطية
وكأنها تحصيل حاصل ولا يحتاج اشتغالها الى أكثر من اجرائيات. ولكن في
حالات التطور المنقطع أو المبتسر، كما في الحالة العربية، فان اختزال
الديمقراطية الى مجرد اجرائيات من شأنه أن يقتل بذرتها في مهدها.
فالثقافة الديمقراطية هي ههنا شرط تخصيب التربة وشرط النماء. وبدون ثقافة
الديمقراطية التي ينبغي أن تكون في رأس جدول وظائف الانتلجنسيا العربية
المتدقرطة فان الاجرائية أو الشكلانية الديمقراطية كما قد يؤثر بعضهم أن
يقول، قد تنقل وبالا على الديمقراطية نفسها.
فالديمقراطية هي بالتعريف نقيض الطغيان وترياقه، ولكن بدون ثقافة
الديمقراطية فان الشكلانية الديمقراطية قد لا تكون حاملة معها الا اسم
الطغيان، وحصرا منه طغيان العدد، وهذا ما يقودنا الى ثالث اشكاليات
الديمقراطية العربية: اشكالية الغالبية.
اشكالية الغالبية
الديمقراطية، تعريفا، هي بكل تأكيد حكومة العدد الأكبر، أو بتعبير أدق
الحكومة التمثيلية للعدد الأكبر، ولكن هذا العدد الأكبر ليس مطلقا، وليس
في الديمقراطية أصلا مكان للمطلقات، فالعدد الأكبر متغير دائم ومقولة من
مقولات النسبية. وبعكس الغالبيات في الأنظمة الاطلاقية، فان الغالبية في
الديمقراطية مقولة أفقية لا عمودية، ونسبة المقولة الأفقية الى العمودية
كنسبة المتحول الى الثابت، فما هو عمودي في المجتمع هو كل ما له صلة
بالهوية، سواء تجلت هذه الهوية بالدين أو الطائفة أو الإثننية أو الطبقة
المغلقة (على الطريق الهندية). أما ما هو أفقي فما هو عابر لتلك الكيانات
الثابتة والدائمة، وما يمكن أن يتمثل بالطبقات (بالمعني الماركسي) أو
الأحزاب السياسية (بالمعنى الحديث للكلمة) أو النقابات... الخ. ونظرا الى
ضعف ثقافة الديمقراطية في المجتمعات العربية، فإنه كثيرا ما يلحظ انحياز
في تصور عامة الناس، كما في كتابات بعض المشاهير من المثقفين «الديمقراطويين»
من المفهوم الأفقي للغالبية الى مفهومها العمودي، فنصاب الغالبية عندهم
جوهري لا عرضي، انطولوجي لا أيديولوجي، ماهوي لا مقولي، ومسرح الصراع هو
المجتمع نفسه، في عمق عمقه، لا مؤسسات السطح السياسي من برلمان أو غيره،
ديانة في مواجهة ديانة، وطائفة في مواجهة طائفة، واثنية في مواجهة أثنية،
والغالبية هي غالبية اسلامية أم مسيحية، سنية أم شيعية، عربية أم بربرية
(أوكردية). والتمثيل، كما في «الديمقراطية» اللبنانية، تمثيل طوائفي لا
حزبي، وحتى ان وجدت أحزاب، كما في لبنان دوما وأخيرا، فان المقياس الأول
للغالبية هو العدد الاحصائي لأبناء طائفة بعينها. فالغالبية كانت بالأمس
القريب مسيحية، وهي اليوم ربما كانت مسلمة. ولانتقال السلطة برأسها
الرئاسي وجذعها البرلماني، من غالبية سابقة الى غالبية لاحقة، فليس من
سبيل سوى حرب أهلية. ورواندا تقدم مثالا على العكس، فالسلطة كانت بيد
الأقلية (أثنية التوتسي). وكيفما تستعيد الأكثرية (أثنية الهوتو) حقها
«الديمقراطي» فيها، فلابد من تذبيح التوتسي (ما بين مليون ومليونين).
ومثل هذا النكوص من مفهوم جدلي ومتطور لديمقراطية الغالبية الى مفهوم
سكوتي ومتخلف يلحظ اليوم حتى في بعض البلدان العريقة في محاكاتها
للديمقراطية الغربية مثل الهند في الشرق الأقصي واسرائيل في الشرق الأدني.
ففي الهند تكف الغالبية عن ان تكون مؤتمرية (نسبة الى حزب المؤتمر) لتصير
أكثر فأكثر هندوسية. اما في اسرائيل فان الأقلية، لا الأكثرية، هي التي
تتدين وتتطرف. ولكن نظرا الى توازن القوى ما بين الغالبيتن، اليسارية
واليمنية، فان الأقلية المتدينة والمتطرفة في سبيلها الى أن تفرض نفسها
بقوة أكبر بأكبر لا على الحياة السياسية فحسب، بل أيضا على الحياة
الاجتماعية والمدنية. وهذه النقلة للصراع من السطح السياسي الى العمق
المجتمعي هي التي تجعل بعض المراقبين يتحدثون من الآن عن احتمالات حرب
أهلية في اسرائيل.
وتقدم إفريقيا الجنوبية بدورها مثالا على احتمال نكوص من هذا القبيل، فقد
استطاع هذا البلد أن يحقق قفزة ديمقراطية كبيرة الى الأمام بإلغائه نظام
التفرقة العنصرية (الابارتيد)، ولكن الخطر الذي يتعدد افريقيا الجنوبية
مستقبلا قد لا يقل فداحة عن السرطان العنصري الذي كان يلتهم خلاياها
ماضيا. فكما كانت الأقلية الديمغرافية السوداء، فإن أيلولة السلطة الى
السود دون البيض من شأنها أن تعيد الى مفهوم الغالبية والأقلية مع قلب
الأدوار محتواه الديمغرافي والاثني، مما ينذر بحرب أهلية لا تقل بشاعة عن
الحرب الرواندية. وواضح للعيان أن بقاء اللعبة الديمقراطية لعبة لا
تحولها الى مذبحة فعلية هو وحده الذي من شأنه أن يضمن لافريقيا الجنوبية
مستقبلا. وهذا المستقبل مرهون بانعتاق جدلية الغالبية والأقلية من طابعها
العمودي الاثني وبابقائها أسيرة السطح السياسي والصراع البرلماني والحزبي
ما بين قوى ايديولوجية عابرة للهوية اللونية. والحال ان مستقبلا من هذا
القبيل ليس مضمونا للعديد من أقطار العالم العربي، فمصيبة العالم العربي
لا تكمن في كون وجود حكومات مستبدة عمودية ترتكز على عصبيات دينية
وطائفية وقبلية، وغير قابلة للتغيير بالتالي الا بكلفة بشرية باهظة، هذا
ان لم تأخذ شكل حرب أهلية .
ومما يزيد في وخامة هذه الصورة ان الحكومات المستبدة لا تواجه في الغالب
من قبل المعارضات من مواقع ديمقراطية فعلا. فالمعارضات العربية، شأن
الحكومات التي تعارضها، تقف في الغالب على نفس الأرضية الطائفية أو
القبلية، ولكن من خندق مضاد، والأقليات الحاكمة لا تكره ولا تعارض لأنها
حكومة أقلية بقدر ما تحارب لأنها حكومة طائفية بعينها، سواء كانت طائفة
أكثروية أو أقلوية. وليست الحكومات بحد ذاتها هي موضع المعارضة، بل
طبيعتها الطائفية، أو القبلية المغايرة. وعلى هذا النحو فليست
الديمقراطية هي المرشحة لأن تخلف استبدادا ساقطا، فالاستبداد سيبقي،
بينما الطائفة أو العشيرة هي وحدها التي ستتغير. وبين نار الحكومات
الفئوية والمعارضات الفئوية، فان الفرد الديمقراطي حقا يقف حائرا، وفي
وضعية من الاستقالة. ومن هذا المنظور تحديدا فان وظيفة الانتلنجسيا
العربية لا تكمن في ممارسة المعارضة بقدر ما تكمن أساسا في ممارسة
التربية الديمقراطية. فما دام مسلسل الدكتاتوريات والفئويات متواليا، فإن
ما يحتاجه العالم العربي ليس تغيير الحكومات، لا سيما وأن مثل هذا
التغيير بات عالي الكلفة بالعنف والعنف المضاد، فضلا عن دورانه على محور
فارغ، بل أخذ الوقت «لبذر» الثقافة الديمقراطية من خلال فترة «هدنة» تعلق
فيها شعارات«اسقاط» الأنظمة القائمة لصالح مطلب اصلاحات ديموقراطية
متدرجة. وقد يقال ان مثل هذه الاستراتيجية الطويلة النفس لا تخدم في
نهاية المطاف سوي الاستبداد وهذا اعتراض وجيه، ولكن بشرط ألا يوظف ولا
محالة من أن يوظف في خدمة الاستبدادات اللاحقة، والطريق الى الخروج من
هذه الدائرة المقفلة على نفسها واحد لا ثاني له: انه الانتقال من مفهوم
عمودي للغالبية، الى مفهوم أفقي، وليست للغالبية الأفقية سوى مكان واحد
لتتظاهر فيه: حرم البرلمان، مسرح العنف اللفظي والرمزي، لا رحبة المجتمع،
مسرح العنف الفعلي. وفي حال غياب البرلمان الديموقراطي فعلا وذلك هو حال
أغلب الأقطار العربية فان الشارع، كما تعلمنا ذلك تجارب بلدان اوربا
الشرقية، يمكن أن ينوب مؤقتا منابه، الشارع الأفقي كنقطة تجمع مكشوفة
للتظاهرات السلمية التي تتسع للمشاركة جميع الاثنيات وجميع الطبقات وجميع
طوائف الأمة، وليس المعاقل ولا الخلايا السرية التي لا تستطيع أن تنشط
الا عموديا ولا أن تمارس لغة أخرى غير العنف والارهاب. ووحدها
الدكتاتوريات التي تسقط بلا عنف، وبإجماع الشارع البديل المرحلي لبرلمان
الأمة يمكن أن تخلفها ديموقراطيات، أما العنف فليس من شأنه ـ ولو كان
مضادا ـ الا أن يؤيد الاستبداد والدكتاتورية، وزهرة الديمقراطية الهشة لا
تنمو أبدا في تربته. الشارع، كما يكون فعالا في مواجهة سليمة مع
الاستبداد، يستلزم اجماعا, والسؤال يطرح نفسه للحال: هل ثمة اجماع في
العالم العربي على الاشكالية الديمقراطية؟ ان الجواب الجاهز لدى
الايدولوجيا الديمقراطية الرائجة سوقها حاليا في أوساط الانتلجنسيا
العربية هو بلي، ومع ذلك فان السيطرة المتصاعدة للحركات الأصولية على
الشارع في العالم العربي تجعل طرح السؤال، ان لم يكن التشكيك في ايجابية
الجواب، مشروعا. فصحيح أن بعض التيارات الهامشية في الحركة الأصولية
نفسها تؤكد شعارنا على تمسكها بالقيمة الديمقراطية، ولكن سواد الحركة
الأصولية لا يخفى مجانبته لها. فالديمقراطية، كما يدل اسمها بالذات، قيمة
«غربية» والحضارة الغربية بأسرها مرفوضة. وحتى لو استولى الاصوليون على
السلطة بطريقة ديموقراطية، فان أول عمل لهم سيكون، كما صرح بذلك المسؤول
الثاني في الجبهة الاسلامية للانقاذ بالجزائر (أوائل التسعينات من القرن
الماضي)، الغاء الديمقراطية نفسها بوصفها نظاما مستوردا ودخيلا. ومن هنا
تثور رابعة اشكاليات الديمقراطية العربية: هل تباح حرية النشاط السياسي
لقوى سياسية لا تؤمن بالديمقراطية ولا تتوسل بها الا بهدف الغائها؟
حرية نشاط القوى غير الديمقراطية
ان الجواب النظري عن هذا السؤال لا يحتمل الشك: فلئن اختارت غالبية
الشعب، من خلال الأصوليين أو غيرهم، أن تلغي الديمقراطية، أو أن تعلقها
لأجل غير مسمى، فليس لأحد أن يماري في الشرعية الديمقراطية لهذا
الاختيار. فليس لشعب أن يكون ديموقراطيا رغما عن أنفه. ولكن الديمقراطية
هي في الوقت نفسه عقد، وكما في كل تعاقد، فإن التزام جميع الأطراف بشروط
العقد شرط لقيامه وسريان مفعوله، والحال أن العقد الديمقراطي لا يقبل
زغلا أو تدليسا، وفضلا عن ذلك، فانه سريع العطب، والاخلال بشرط من شروطه
وكم بالأولي اذا كان شرطه الرئيسي يعادل الغاءه من أساسه.
هل معنى ذلك ان الدفاع عن العقد الديموقراطي يبيح للأنظمة القائمة أن
تقمع الحركات الأصولية لا ديموقراطيا، على نحو ما تفعل حاليا؟ اننا، كما
نرفض أن نعطي براءة نية للحركات الأصولية، نرفض أن نعطي براءة ذمة
للأنظمة الاستبدادية، ولا ننسى ان هذه الأنظمة كانت قمعت القوى
الديمقراطية بمثل العنف الذي تقمع به اليوم القوى الأصولية. والواقع ان
مطالبة الأنظمة القمعية باحترام شروط العقد الديمقراطي، كمطالبة الحركات
الأصولية به، هي اشكالية زائفة، فالطرفان كلاهما يقفان خارج نطاق العقد
الديمقراطي وكل ما هنالك أن الممارسة اللاديمقراطية الراهنة من قبل
الأنظمة هي عند الأصوليين ممارسة مؤجلة، وبين ناري هاتين الممارستين فان
ضربا من الاستقالة يفرض نفسه. نقول ذلك مهما بدا هذا التعبير مؤلما أو لا
أخلاقيا. فالفرد الديموقراطي يرفض الغرق في دوامة العنف والعنف المضاد،
ومن المنظور الطويل الأمد لثقافة الديمقراطية، فان ما يحرص عليه الفرد
الديموقراطي لا وجود له أصلا، بلا مطلب تهيئة الشروط، المادية والفكرية،
لقيام هذا العقد مستقبلا. بمعنى آخر، انه لا يستطيع أن يقطف ثمرة
الديمقراطية ناضجة من شجرة وهمية، بل دوره المرحلي ان يمهد التربة لبذر
البذرة، وهذا الدور هو من الصعوبة في منتهاها. فالديمقراطية ليست جنة
موعودة، والطريق اليها قد تكون مبلطة بنار جهنم، اذ ما دامت الديمقراطية
ثقافة وليست مجرد آلية انتخابية، فان الموضع الأول لتظاهرها هو في الرؤوس
وليس فقط في صناديق الاقتراع. وثقافة الديمقراطية لا تستقر في الرؤوس
بدون ثمن باهظ، ولولا ان التعبير بات ممجوجا لتكلمنا على ضرورة ثورة
ثقافية.
وثورة كهذه لا تقتضي أقل من اتخاذ الذات موقفا نقديا من ذاتها وانسلاخا
عن موروثها المتواضع فيها عبر قرون متواصلة.
هنا نجدنا وجها لوجه أمام خامس اشكاليات الديمقراطية العربية.
فالديمقراطية لا يمكن ان تكون نظاما فصاميا. فهي لا يمكن ان تكون نظاما
للحكم بدون أن تكون نظاما للمجتمع، وليس لها أن تسير العلاقات بين الحكام
والمحكومين بدون ان تسير العلاقات بين المحكومين أنفسهم. ومع انها
بالتعريف نظام للدولة، فانها بالجوهر نظام للمجتمع المدني، معني ذلك أنه
لا وجود لديموقراطية سياسية بحتة، فالديمقراطية هي بالأساس ظاهرة
مجتمعية، والمجتمع هو في المقام الأول نسيج من العقليات.. ولئن تكن
الحرية الديمقراطية تنتهي لا محالة الى صندوق الاقتراع، فإن الصندوق
الأول الذي تنطلق منه هو جمجمة الرأس، وان لم يتضامن صندوق الرأس مع
صندوق الاقتراع، فإن هذا الأخير لن يكون الا معبرا الى طغيان غالبية
العدد. وأول مؤشر على كذب الواجهة الديمقراطية وعلى صدق البطانة
الاستبدادية هو التصويت الجماعي، بل الجماعي. وهنا تتدخل مرة ثانية جدلية
الأفق والعمود، فعلى مستوى السطح السياسي وحده يصوت الأفراد كأفراد، أما
في العمق الاثني أو الديني أو الطائفي فان التصويت يأخذ بالضرورة شكلا
جمعيا، بل قطيعيا، وفي هذه الحالة يكون صندوق الاقتراع مرادفا لقبر
الديمقراطية.
الديمقراطية نظام للمجتمع
الديمقراطية اذن غير قابلة للرد الى محض آلية انتخابية، وان يكن الانتخاب
أهم آلياتها باطلاق، وهذه الآلية غير قابلة للاشتغال أصلا بدون زيت، وزيت
الآلية الانتخابية للديموقراطية هو مرة أخرى ثقافتها. ولنملك الجرأة على
أن نعترف: فان تكن العديد من الحكومات العربية القائمة تقيم العثرات أمام
الآلية الديمقراطية، فان المجتمعات العربية الراهنة تقيم العثرات أمام
الثقافة الديمقراطية. فالحكومات العربية لا تتحمل انتخابا حرا، ولكن
المجتمعات العربية لا تتحمل رأيا حرا. بل أن الانتلجنسيا العربية نفسها،
على انتصارها في ربع الساعة الأخير للايدولوجيا الديمقراطية، لا تقبل، في
التيار الغالب والسائد منها، رأيا حرا، وحسبي المثال التالي. ففي ندوة
حول الديمقراطية عقدت في المغرب وحضرتها نخبة من الباحثين والأساتذة
الجامعيين، دار كلام كثير وغير مشروط على الديمقراطية بوصفها مفتاح جميع
الاقفال، هذا الطرح اللانقدي يطرح السؤال التالي: ان الديمقراطية تتضمن
لا محالة حرية الرأي وحرية التعبير، فهل نحن كنخبة مثقفة ـ وكم بالأولي
كمجتمع عربي على استعداد لتقبل لوثر مسلم أو فولتير عربي؟ نحن، حتى
كمثقفين، نريد الديمقراطية اذن في السياسة، ولا نريدها في الفكر، ولا على
الأخص في الدين، ولا بطبيعة الحال في العلاقات الاجتماعية.
لهذا أسمى خامسة اشكاليات الديمقراطية العربية اشكالية العسل والعلقم،
فنحن نستسهل الديمقراطية ونريد وردتها بلا شوكتها، ومن الاستسهال كما من
الاختزال ما قتل.
عن:
الزمان
|
|
|