"خاتون"
بغداد
لمحات تاريخية وشخصية من سيرة جرترود بيل/1
فخري الوصيف

"ها هو فيصل يقفز على
أكتافنا". عبارة قصيرة أرسلتها جرترود بيل Gertrude Bell الى
صديقين من المبشرين الأمريكيين كانا يقيمان في البصرة، يوم الأحد
14 أغسطس/آب سنة 1921، اليوم الذي تم فيه اختيار فيصل بن الشريف
حسين ملكاً على العراق في استفتاء عام. جملة موجزة تعني الكثير. من
جهة، مولد الدولة العراقية بحدودها الدولية الحالية؛ ومن جهة
ثانية، تتويج للجهود البريطانية التي بذلت من أجل إقامة مملكة
عربية تضمن الولايات العثمانية السابقة في بلاد الرافدين: البصرة
وبغداد والموصل، وتدين بالتبعية للتاج البريطاني؛ ومن جهة ثالثة،
ذروة نجاح النشاط السياسي والجاسوسي للآنسة البريطانية جرترود بيل
التي وصفت حينئذ بأنها "ملكة العراق غير المتوجة". كما كانت تُعرف
بـ"الخاتون"، وهي تسمية اشتهرت بها حتى بين البريطانيين المقيمين
بالعراق، ولم يكن يقصد بها فقط "السيدة"، أو "الست"، كما كان يحلو
لبعض العراقيين أن يناديها، بل أيضاً سيدة البلاط التي تحتفظ
بعيونها وآذانها مفتوحة من أجل صالح السلطة القائمة. كما أطلق
عليها بعض ظرفاء العراقيين "أم المؤمنين"، وهي فيما يبدو أخذت هذه
التسمية على محمل الجد وكانت فخورة بها على ما يتضح من خطاب أرسلته
لأبيها بهذا الشأن.
جرترود بيل
(1868-1926) شخصية مثيرة للجدل، فهي لبعض العرب صديقة كريمة، حتى
أن الملك فيصل كان يصفها بأنها أخت عزيزة، وللبعض الآخر استعمارية
بغيضة وتمثل الرمز الكريه للإمبريالية البريطانية؛ ولبعض
البريطانيين الذين عملوا معها امرأة دساسة فضولية، ومتغطرسة
مستبدة، بل وخائنة لأنها كانت تدين بولائها للعرب، وللبعض الآخر
ذكية شجاعة وضليعة في شؤون الشرق العربي.
والحقيقة أنّ حياة
الخاتون المثيرة، والمؤثرة في تاريخ العراق، تتسع لكل هذه الآراء
رغم قصر عمرها الزمني نسبياً (حوالي 58 سنة). وهذا ما تجليه سيرتها
التي لاقت اهتمام بعض الكتّاب الغربيين مثل الكاتبة الأمريكية
المهتمة بالشرق الأوسط جانيت والش Janet Wallach، فوضعت عنها
كتاباً بعنوان: Desert Queen: The Extraordinary Life of Gertrude
Bell: Adventurer, Advisor to Kings, Ally of Lawrence of Arabia
(صدرت الطبعة الاولى عن دار نشر Nan. A. Talese- نيويورك 1996).
ونال الكتاب نجاحا صيباً فطبع طبعة ثانية عن دار نشر Anchor Books
(نيويورك 1999)، وترجم الى عدة لغات عالمية. والكتاب يتميز بقدر
كبير من المصداقية لأنه اعتمد على اليوميات الخاصة لصاحبة السيرة،
وعلى قدر هائل من خطاباتها الشخصية، فضلا عن مذكرات لشخصيات معروفة
وعلى أوراق سرية، بالإضافة الى الكثير من المراجع الخاصة بتاريخ
العراق والشرق العربي خلال الحرب العالمية الأولى والسنوات التالية
لها.
من الاستشراق الى الجاسوسية:
من باب الاستشراق دخلت
الآنسة بيل الى الشرق العربي، ومنه دلفت الى بلاد الرافدين لتلعب
دوراً تاريخياً في مستقبله. فمن المعروف أن الاستشراق قد قدم خدمات
هائلة الى الاستعمار الأوربي في القرنين الفائتين، ولا يزال، على
المستوى الكاديمي بجمع المعلومات وتصنيفها وتحليلها ودراستها، وعلى
المستوى السياسي والجاسوسي، بأن يكلف بعض المستشرقين بأعمال سياسية
وجاسوسية مباشرة. ومن هؤلاء جروترود بيل، وزميلها توماس إدوارد
لورنس الشهير بلورنس العرب، وعالم الآثار المعروف المستشرق ديفيد
هوغارث، الذي أصبح بعد الرئيس الواحد والعشرين للجمعية الملكية
الجغرافية البريطانية.
وعلى هذا الأخير تعرفت
جرترود في مطلع شبابها عن طريق أخته جانيت هوغارث، صديقتها
وزميلتها في جامعة أكسفورد. وعندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى
في يوليو/تموز- أغسطس/آب 1914 كان هوغارث يعمل ضمن مجموعة محدودة
من الآثاريين والمستشرقين والصحفيين في مكتب الاستخبارات العسكرية
الإنجليزية في القاهرة، المكتب العربي فيما بعد، وألح على رؤسائه
في القاهرة ولندن على تجنيد جرترود للعمل معه، وحينما تمت الموافقة
على طلبه أرسل إليها خطاباً بهذا الشأن في نوفمبر/ تشرين الثاني
1915، وهذه قبلت بسعادة، ووصلت الى القاهرة مساء الجمعة 26 نوفمبر
1915، وكان في استقبالها هوغارث ومساعده لورنس، وفي اليوم التالي
ذهبت الى مقر عملها الجديد الكائن حينئذ في فندق سافواي.
حقيقة كانت العملية
البريطانية الجديدة في مطلع خريف العمر (47 سنة) عندما ب>ات العمل
رسميا مع الاستخبارات البريطانية، ولكنها لم تكن حديثة العهد
بالشرق الأدنى والاستشراق. فقد عملت في هذا الحقل على مدى ربع قرن،
وحققت قدرا طيباً من الشهرة كمؤلفة وآثارية ورحالة. وكان أول كتاب
نشرته ترجمة لمختارات من شعر حافظ، تلاه عدد من الكتب مثل "الصحراء
والمدر"، و"الإسلام في الهند"، و"الف كنيسة وكنيسة" بالاشتراك مع
عالم الآثار سير ويليام رمزي، و"من وإلى عمورية"، الى جانب العديد
من المقالات والأبحاث التي نشرت في صحف ومجلات شهيرة مثل التايمز
والملحق الأدبي للتايمز ومجلة الآثار ومجلة بلاك وودز. ولكن الكثر
إثارة في مسيرتها كان مجموعة الرحلات التي قامت بها فيما بين سنتي
1900 و1914 في بادية الشام وصحراء النفود، فكانت أول امرأة أوربية
تصل الى هذه الأماكن. فضلا عن ذلك قامت بأسفار الى تركيا وإيران
والهند.
حرصت جرترود في كل
أسفارها أن تسجل في يومياتها كل ما تشاهده وتلاحظه وتقابله من بشر
وحيوان ونبات وأماكن وأحداث وآراء، وكانت ترسل الكثير من ذلك الى
صديقها الصحفي المعروف بالتايمز فالنتين شيرول او دمنل، والذي كان
في ذات الوقت يعمل لحساب وزارة الخارجية البريطانية، وإلى أبيها
سير توماس هيو بيل أحد كبار رجال الصناعة، والذي كان بدوره على صلة
وثيقة بالطبقة الحاكمة البريطانية. أي أنها كانت بشكل غير مباشر
مصدراً من مصادر المعلومات عن الشرق الأدنى للحكومة البريطانية.
ومن المرجح أن جرترود
كان لديها ميل طبيعي الى الإخبار والاستخبار. فكونها مؤرخة، محبة
للتاريخ دارسة له، كانت تشارك غالبية المؤرخين غريزة الفضول
والتقصي. بيد أنها لم تقتصر مثل الأكثرية على الدرس والكتابة فحسب،
بل كانت حريصة على نقل الخبر او المعلومة الى الآخرين، والآخرون
ليسوا بأناس عاديين، اذ كانوا نخبة من دوائر السلطة وصنع القرار،
ولم يكن الخبر مرتبطا فقط بموضوعات ثقافية أو تاريخية بحتة، بل
أيضاً عن موضوعات سياسية تعلم مدى أهميتها. وكانت في نقلها
المعلومات أشبه بآلة تصوير لاقطة لأدق التفاصيل إلى درجة النقل
الحرفي حتى أنها كانت أحيانا مثار سخرية زملائها. فيُحكى أنها
عندما كانت في بغداد متولية منصب السكرتير الشرقي كانت تتحدث مع
شيخ قبيلة حضر إلى مكتبها ضمن وفد من شيوخ القبائل، فسألته عن
الأحوال، فقال لها: "تعوي الريح"، وما أن خرج الرجل حتى ذهبت تعدو
إلى رئيسها سير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني لتخبره بقالة
الإعرابي وكأنتها تنقل إليه إحدى تنبؤات الطقس، فصارت متداولة بين
زملائها الضباط البريطانيين في بغداد.
كما كانت رغبة جرترود
عارمة منذ مبتدأ وعيها وعلى مدى حياتها في إثبات وجودها الفاعل
واقتلاع اعتراف أفذاذ الرجال بها كشخص ذكي متميز بغض النظر عن
جنسها كامرأة، وذلك إبان العصر الفيكتوري المتزمت، الذي ولدت فيه
وترعرعت، والذي كانت تحتل فيه المرأة مكاناً ضئيلاً في الحياة
العامة مقارنة بالرجل، فعلى سبيل المثال كانت مناصب الإدارة العليا
والعمل الدبلوماسي والجيس حكراً على الرجال. وحاولت جرترود منذ
صباها كسر الطوق الأنثوي الفيكتوري، وبدأته بالحصول على الإجازة
الجامعية في التاريخ الحديث، فكانت أول امرأة تنالها من جامعة
أكسفورد. وتتوالى المحاولات، فكانت أيضاً أول امرأة بريطانية تتوغل
في الصحراء العربية بمفردها ولعدة مرات، وتعرضت خلالها لأخطار
كثيرة منها بقاؤها أسيرة في حائل، حاضرة بني رشيد، قرابة أسبوعين
(24 فبراير/شباط-8 مارس/آذار 1914). وثمة شواهد أخرى كثيرة على
شخصيتها المتحدية، ولكن أكثر ما يعنينا في هذا المقام أن ميدان
الإخبار والاستخبار القائم على المعرفة (اللغات والتاريخ
والجغرافيا والآثار) والمغامرة (الرحلة) والعلاقات الشخصية كان
الميدان الذي اصطنعته جرترود لتؤكد تفوقها كإنسان في المقام الأول.
واهتمت جرترود كثيراً
بنسج شبكة من العلاقات، كان خيطها الأول بطبيعة الحال طبقتها
البرجوازية العليا، فتعرفت على شخصيات مهمة في عالم السياسة
والدبلوماسية والاستشراق، فعن طريق أبيها تعرفت على اللورد كرومر
واسكويث وغيرهما. كما أنها اتصلت بالحياة الدبلوماسية عن طريق زوجة
أبيها فلورنس التي كانت أختها ماري متزوجة بالدبلوماسي فرانك
لازسيلز. ففي بيته ببوخارست عندما كان سفيرا لبريطانيا في رومانيا
تعرفت على صديقها الصحفي شيرول المشار إليه آنفاً، وعلى الدبلوماسي
تشارلز هارينغ، الذي تولى منصب نائب الملك في الهند فيما بعد.
وعندما انتقل عمها فرانك إلى طهران سفيراً لبريطانيا قضت في منزله
شهراً كاملاً، وتعرفت بالمستشرق الألماني فريدرش روسن الذي كان
يعمل حينئذ مستشارا اقتصادياً بالسفارة الألمانية، وشجعها على
دراسة اللغة العربية، وعندما حمله عمله الدبلوماسي إلى القدس
استضافها في بيته في أواخر سنة 1899 حيثبدأت من هنالك أولى رحلاتها
سنة 1900، فتوغلت في صحراء شرق الأردن، ومنها صعدت إلى جبل الدروز
ثم دمشق.
وفي سفرتها بصحبة
أبيها وأخيها إلى الهند سنة 1902 التقت هناك سير برسي كوكس، القنصل
البريطاني حينئذ في مسقط وكبير المندوبين البريطانيين في الخليج،
وكان لهذا اللقاء أبعد الأثر في حياة الآنسة بيل، فحديثه عن أكبر
زعيمين في وسط شبه جزيرة العرب: ابن رشيد من قبيلة شمر وعبد العزيز
آل سعود من قبيلة عنيزة أثار فضولها ورغبتها في لقائهما واكتشاف
هذه المنطقة، كما أن برسي كوكس سيصبح فيها بعد رئيسها المباشر في
العراق ومعه ستشارك بشكل فعال في مستقبل العراق السياسي.
وفي رحلتها الثانية
إلى بادية الشام وآسيا الصغرى 1905، والتي بدأتها أيضاً من القدس
التقت اللورد مارك سايسك في منزل القنصل البريطاني بالقدس، وسايكس
مع زميله الفرنسي جورج بيكو هما صانعا الاتفاقية المعروفة باسمهما،
والتي بمقتضاها اقتسمت إنجلترا وفرنسا كعكعة الشرق العربي بعد
هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى. كان اللقاء ودوداً في
الظاهر، ولكن مراسلاتهما الشخصية تثبت ضيق كل منهما من الآخر،
واختلافهما الفكري خاصة في نظرتهما إلى العرب. وفي نهاية رحلتها
تلك تعرفت على المستشرق الفرنسي المعروف رينيه ديسو الذي تحدث معها
عن البقايا الأثرية المحتمل وجودها في نجد فأثار فضولها ورغبتها في
الذهاب إلى هناك، وكذلك تعرفت في قونية على الأثري المعروف ويليام
رمزي الذي تعاونت معه بعد عامين في حفائر أثرية بتركيا واشتركت معه
في وضع كتاب "ألف كنيسة وكنيسة". وفي نفس الفترة، وبالتحديد سنة
1907، تعرفت على ريتشارد دوتي-ويلي، الدبلوماسي البريطاني في قونية
ثم في اسطنبول، والذي كانت تتبادل معه المعلومات.
وفي رحلتها الثالثة
سنة 1911، التي انطلقت فيها من دمشق إلى أعالي الفرات، فجنوباً إلى
النجف، ثم شمالا مرة أخرى باتجاه الفرات، توجهت إلى قرقميش (حالياً
جرابلس في أقصى شمال سوريا) يوم 19 مايو/آيار للاطلاع على الحفائر
التي كان يشرف عليها صديقها هوغارث في تلك المنطقة لحساب المتحف
البريطاني، وهناك تعرفت على مساعديه الشابين: كامبل تومسون، الذي
سيصبح فيما بعد أحد زملائها في بغداد، ولورنس ذائع الصيت لاحقاً.
والمثير أنهما إلى جانب عملهما في الحفائر كانا يضطلعان بنشاط
استخباري يتمثل في تقديم معلومات عن الألمان الذين كانوا يعملون في
أحد مواقع إنشاءات الخط الحديدي برلين-بغداد على بعد500 متر من
منطقة الحفائر.
وأيضاً تعرفت جرترود
خلال رحلاتها الأربع في الصحراء العربية على بعض الأعيان العرب مثل
نقيب بغداد عبد الرحمن الكيلاني، الذي التقته مرتين، وعلى عدد من
شيوخ القبائل التي مرت بمنازلها مثل عجيل والحويطات وشمر وعنيزة،
وعقدت صداقة خاصة مع بعضهم مثل فهد بك بن هذّال، شيخ عنيزة
بالعراق، والذي كان من حلفاء البريطانيين.
معرفتها المباشرة
والعميقة بأرض وسكان وتاريخ منطقة الشرق العربي، بالإضافة إلى
دراستها الأكاديمية، جعل منها مرجية معترفاً بها في شؤون هذه
المنطقة، كما أن علاقاتها الوثيقة بمراكز الحكم والقرار في
بريطانيا صيّرها مصدراً مهما وموثوقاً به للأخبار والمعلومات، بيد
أنها كانت مصدراً تطوعياً،فلم تطلب منها الحكومة البريطانية رسميا
أية مساعدة حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى في
يوليو/تموز-أغسطس/آب سنة 1914. فقد أدى تحالف الأتراك مع الألمان
في الجبهة الشرقية إلى إثارة قلق البريطانيين على طرقهم التجارية
إلى الهند وعلى آبار النفط الإيرانية في الخليج ومصفاة النفط في
عبدان، وأخذوا في إعداد العدة لحماية مصالحهم في الشرق والتفكير في
الاستعانة بالعرب بتأليبهم على الأتراك. وهنا ازدادت الحاجة إلى
طلب المساعدة من العارفين بالشرق العربي، ومنهم الآنسة بيل، وهذه
لم تتأخر في تزويد الحكومة بمعلومات طازجة من واقع رحلتها الأخيرة
عن القبائل العربية وضعف سيطرة الحكومة العثماينة عليها.
وفي 5 سبتمبر/أيلول
1914 أرسلت تقريراً مفصلاً عن الأوضاع في الشرق الأدنى إلى مدير
العمليات العسكرية في القاهرة، والذي بدوره أرسله في الحالة إلى
وزير الخارجية سير إدوارد غراي. ومما جاء في هذا التقرير قولها إن
"أهل الشام، خاصة في الجنوب، حيث أنهم مطلعون بشكل أفضل على
الازدهار المصري، مولون للبريطانيين لأقصى حد. ففي الشتاء الماضي
أخبرني صديق ألماني قديم اسمه لويتفد، وهو شخص ذكي جداً وموجود
الآن في حيفا، إن ليس من قبيل المبالغة القول بأن الرغبة الحقيقية
لأهل الشام هي أن يكونوا تحت الإشراف الإنجليزي، وأنا أصدّقه". أما
في العراق، "فأعتقد بوجه عام أنهم لا يودون أن ندخل الحرب ضد
تركيا، فهم لن يشاركوا فيها بشكل إيجابي. وبغض النظر عن ذلك، فإنه
من المحتمل أن يوجّه الأتراك اهتمامهم إلى استمالة الزعماء العرب
الذين يعتمدون على حمايتنا، ولكن مثل هذا العمل لن يحظى بالقبول
بين الوحدويين العرب الذين يعتبرون شيخ الكويت والسيد طالب وابن
سعود زعماء أقوياء مناصرين للوحدة العربية". ومع ذلك، فالزعيم
الشيعي السيد طالب، نجل نقيب البصرة، من وجهة نظرها، شخص مراوغ ولا
يهمه غير المال، "وهو وإن لم يتلق منّا مساعدة مالية فإن رجالنا
التجار يحتفظون بعلاقة طيبة معه"؛ وشيخ الكويت "يعتمد على
مساعدتنا"؛ "وابن سعود مهتم أكثر بتلقي اعترافنا النهائي به،
وسيكون من السهولة أن نجعله حليفا لنا". وتُجمل تقريرها بقولها
"أعتقد أننا يمكن أن نسبب للأتراك كثير من المشاكل في الخليج". كما
أشارت بتنظيم ثورة عربية ضد الأتراك.
وأمام الجزع على الوضع
البريطاني في الشرق العربي، استعد الجيش البريطاني في مصر لمواجة
هجوم تركي محتمل علىقناةالسويس، وهو ما حدث بالفعل في فبراير/شباط
1915، ولكنه فشل. وتقدم أسطولبريطاني كبير قادم من الهند إلى
العراق واحتل البصرة في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1914. وإلى جانب
النشاط العسكري البريطاني كانت السياسة البريطانية تُعِدّ للثورة
العربية ضد الحكم العثماني انطلاقاً من الحجاز. وفي هذا الإطار، في
منتصف مارس/آذار 1915 طلبت وزارة الحرب البريطانية من جرترود أن
تقدم لها خرطائها غير المنشورة عن بلاد الشام، كما دُعيت لإعطاء
المزيد من المعلومات عن الشرق العربي إلى الموظفين الإنجليز. وفي
نوفمبر 1915 طُلب منها إعداد خرائط تفصيلية عن شمال بلاد العرب.
وفي نفس الشهر انضمت إلى المكتب العربي بالقاهرة. وكان عملا طالما
تمنته، فهو سينقلها من الهواية إلى الاحتراف، ومن الإعجاب بقدراتها
إلى الاعتراف الرسمي بها، ومن الملاحظة المحدودة لأحوال المشرق إلى
الانخراط الفعلي والمتابعة اللصيقة، ثم إنه سيوفر ما كانت تنفقه من
مالها الخاص ومال أسرتها على رحلاتها بما ستحصل عليها من راتب، كما
سيجعل منها موظفة بريطانية وأول امرأة في جهاز المخابرات
البريطانية في الشرق الأدنى، وأخيراًسيبعدها عن بلدها فتنسى وفاة
حبيبها دوتي-ويلي الذي قتل في موقعة غاليبولي 1914 مبتدأ الحرب
العالمية الأولى.
من القاهرة إلى البصرة مروراً
بدلهي:
تعد العقيدة
الاستعمارية من المكونات الأساسية في فكر جرترود، وهو اعتقاد قوي
سيطرعلى فكرها وعملها، ولم يتغير على مدى حياتها. فهي مثل غالبية
وسطها الاجتماعي كانت ترى أن السيطرة البريطانية العالمية عملنبيل
وحتمي من أجل صالح الشعوب الأقل حظا: ثروة وحضارة، وأن البريطانيين
ولدوا لتكون مهمتهم الأولى الأخذ بيد هذه الشعوب، وأن هذا يتحقق
بفضل تجارتهم وتقدمهم وشجاعتهم ووعيهم بتفوقهم.
ورغم ذلك كانت نظرتها
للعربي كإنسان متوازنة لحد كبير مقارنة بآخرين من بني جلدتها مثل
اللورد مارك سايكس. فقد وصف عرب الموصل ودمشقبأنهم فصحاء دهاة،
ولكنهم ماكرون عصبيون وجبناء، وأيضاً حقراء كسالى ودمويون
متغطرسون. أما هي فكانت ترى أن العربي لا يختلف كثيرا في طبيعته
الإنسانية عن سائر البشر وإن اتسم بقدر من السذاجة والافتقار إلى
العملية: "إن المشرقي مثله مثل طفل طاعن السن.. إنه ليس عملياً
–حسب مفهومنا لمعنى هذه الكلمة- أكثر من طفل، وفكرته عن "الجدوى"
ليست بفكرتنا. ولكن من جهة أخرى، تتفق أفعاله مع تقاليد سائرة
وأخلاقيات تمتد إلى فجر الحضارة الإنسانية، وهي تقاليد لم تتبدل
حتى الآن بفعل أي تغيير جوهري في شكل الحياة الذيينتهجه والذي تكمن
فيه أصوله. وما عدا ذلك، فالمشرقي مثلنا، ولم تعان الطبيعة
الإنسانية تغييرا كلياً شرقي السويس، وليس من المستحيل الشعور
بالصداقة والتعاطف مع سكان هذه المناطق، بل إن مثل هذه المشاعر
تظهر –في بعض الملامح- بسهولة أكثر مما في أوربا".
وعندما وصلت جرترود
إلى القاهرة سنة 1915 كانت المراسلات قد بدأت بين هنر مكماهون
المندوب السامي البريطاني في مصر والشريف حسين في يونيو/حزيران من
نفس العام بقصد إشعال ثورة العرب ضد الأتراك. وفي العام السابق شجع
الجنرال جلبرت كليتن رئيس المكتب العربي بالقاهرة، وكان ممن راهنوا
على الثورة العربية، حاكم عسير على الثورة على الحكم التركي. وبوجه
عام، كانت فكرة الثورة العربية عنصراً أساسياً في السياسة
البريطانية في مصر لتحريك عرب المشرق ضد الأتراك. وهذه الفكرة لم
تكن سوى توظيف أو استغلال سياسي لعقيدة القومية العربية التي كانت
في صعود واضح في الأقطار الخاضعة آنذاك للحكم التركي خاصة في بلاد
الشام.
والملفت للنظر أن
الآنسة بيل، العضو الجديد في المكتب العربي بالقاهرة، وإن أيدت
فكرة تأليب العرب على الأتراك، كانت ترفض فكرة القومية العربية،
وتسخر من إمكانية الاتحاد بين العرب، وكتبت في سنة 1915 خطاباً
بهذا المعنى إلى صديقها اللورد روبرت سيسيل، الذي كان يشغل وقتئذ
منصب السكرتير البرلماني لوزارة الشؤون الخارجية، كما قالت له إن
العرب غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم. ولم يكن هذا بغريب من
جرترود، ففي سنة 1905 كتبت أنه لا يوجد شعور قومي عربي، فإن
"الإسلام هو رباط الوحدة بين الجزء الغربي والأوسط من القارة
الآسيوية، إنه أشبه بالتيار الكهربائي الذي ينقل الأحاسيس، وتُلمس
قوته متنامية لأن الشعور القومي الضئيل أو المعدوم لا يعادل هذه
الرابطة. فالتركي أو الفارسي لا يفكر أو يتكلم عن "بلدي" بالشكل
الذي يفكر أو يتكلم به الإنجليزي أو الفرنسي؛ فقوميته تنحصر في
المدينة التي ولد بها، أو المكان الذي ينتمي إليه، وبالمثل يجيب
الشامي بأنه ولد في دمشق أو في حلب. وحسبما قلت من قبل إن "الشام"
ليست أكثر من مصطلح جغرافي لا يقابله أي شعور قومي في قلوب سكانه".
وفي القاهرة كلفت
جرترود بتقديم معلومات عن القبائل العربية في الخليج والعراق ونجد،
وهو عمل مكتبي يبدو أنه لم يكن يروق لها كثيرا، لأنها اعتادت على
الاتصال الحي بالمعلومة وعلى العلاقة المباشرة بمصادرها، وربما
تمنت عملا مشابها لما كان مكلفاً به زميلها لورنس. إذ أنه بالإضافة
إلى قيامه بإعطاء معلومات عن قبائل غرب بلاد العرب، كانه منوطاً به
الرصد الميداني لكل ما يتعلق بسكة حديد الحجاز وتحركات القوات
وطبيعة الأرض والمناخ، فضلا عن رصد عدد الخيول والجمال والنعاج
الموجودة ووضع خرائط تفصيلية بكل ذلك. غير أنه لم يكد يمضي شهران
على عملها بالقاهرة حتى انتقلت إلى عمل آخر تفضله وإلى مكان مختلف
محبب إليها، وساعدها في ذلك تقلبات السياسة.
ففي صيف 1915 حاول
اللورد سايكس في زيارته إلى دلهي إقناع نائب الملك لورد هاردينج
بتأييد وتمويل الثورة العربية التي كان يجري الإعداد لها والتي
ستقود إلى قيام مملكة عربية تضم العراق ضمن أملاكها. ولكن نائب
الملك رفض الفكرة برمّتها لأنه رأى فيها خطراً على الحكم البريطاني
في الهند، فهي ربما تثير المسلمين الهنود الذين في غالبيتهم من
السنة، وبالتأكيد سيرفضون الثورة العربية على الخليفة السني سلطان
تركيا، وقد يضايقهم حدوث اضطرابات ومشاكل في الأراضي المقدسة. كما
أبدى انزعاجه من وعد مكماهون بإعطاء العراق إلى الشريف حسين ضمن
الدولة المزعومة، إذ كانت الإدارة البريطانية في الهند تطمح إلى
وضع العراق تحت إدارتها، وكان رجالات هذه الإدارة، خاصة القائمين
على الحملة الإنجليزية الهندية في البصرة، يرون أن المستشرقين في
القاهرةإنما يخلقون بهذه الفكرة "وحش فرنكشتاين". ولم يتردد اللورد
هاردينج في أن يوجه خطاباً إلى وزير الشؤون الخارجية يعرب فيه عن
معارضته الشديدة لفكرة الدولة المزعومة التي تتبناها الإدارة
الإنجليزية في القاهرة، ويؤكد على أنه "لم توجد خطة مناوئه للمصالح
البريطانية في الشرق الأدنى أكثر من هذه المطروحة. إنها تعادل
اللاحكم والفوضى والفساد، فلم يوجد أبداً، ولن يوجد، تلاحم أو
تماسك فيما بين القبائل العربية".
وبات واضحاً أن هناك
تنافسا وتعارضا بين الإدارتين الانجليزيتين في القاهرة ودلهي بخصوص
مستقبل العراق، وتصاعد الخلاف مما أدى إلى تضاؤل الاتصالات الرسمية
بين الطرفين. وعبّرت جرترود عن هذا في خطاب لأبيها بقولها "توجد
خلافات كثيرة بين الهند ومصر بسبب المسألة العربية، مما يؤدي إلى
نقص خطير في التعاون بين وكالتي الاستخبارات في كلا البلدين، ولكما
امتد الوقت على هذا الحال ازداد الوضع سوءاً". وهنا اختار الجنرال
كليتن الآنسة بيل لتذهب إلى الهند لإقناع نائب الملك بمشروع الدولة
العربية، فهي تعرفه معرفة شخصية، كما إن صديقها الأثير
والمتنفذشيرول يعمل هنا الآن في مشروع خاص بالحكومة الهندية.
وبالفعل انطلقت جرترود
على ظهرباخرة عسكرية بريطانية من السويس في 24 يناير/كانون الثاني
1916، وفي أواخر الشهر التقت اللورد هاردينج وصديقها شيرول، وفي
نهايات فبراير/شباط من نفس العام اتخذت طريق العودة بعد أن هدّات
من ثورة نائب الملك في الهند، وحسنت لحد ما العلاقة بين الإدارتين.
بيد أنها لم ترجع إلى القاهرة، بل ذهبت إلى البصرة في مهمة أوكلها
إياها نائب الملك: جمع معلومات عن قبائل العراق لوضع معجمجغرافي
عربي، وإقناع عرب العراق بالتعاون مع البريطانيين، والعمل كضابط
اتصال بين الاستخبارات البريطانية في كل من القاهرة ودلهي. ووصلت
إلى البصرة في صباح 3 مارس/آذار 1916 حاملة معها خطاب تزكية من
نائب الملك في الهند إلى سير برسي كوكس المسؤول المدني البريطاني
في البصرة، والذي فيه يصف الآنسة بيل بأنها "امرأة أريبة، في غاية
الذكاء، لها عقل رجل". ولا شك أن جرترود لم يعجبها هذا الوصف، وودت
لو خلت هذه العبارة من أي إشارة إلى النوع.
القومندان الآنسة جرترود بيل:
منذ التحاقها
بالاستخبارات العسكرية البريطانية لم تلق جرترود أي ترحيب من
العسكريين البريطانيين، سواء في القاهرة أو البصرة. إذ كانوا
ينظرون إليها كدخيلة، وهي ذات النظرة التي كانوا ينظرونها إلى
المستشرقين أو المدنيين الذين كانوا يعملون معهم. كما إن كونها
امرأة، وكان هذا أمراً جديداً تماماً، أثار حيرة العسكريين في
كيفية التعامل معها. وازدادت العلاقة تعقيدا في البصرة لأن جرترود
كانت تمثل فكرة القاهرة المرفوضة من قبل العسكريين البريطانيين
هنالك، والتي كانت تتعارض مع رغبتهم في ضمّ بلاد الرافدين إلى
الهند. ولهذا كان العسكريون، في غالبيتهم، يعادونها، ويظهرون
تبرمهم ممنها، ويضايقونها بوسائل كثيرة مثل إخفاء المعلومات عنها،
أو رفض إمدادها بها. وكان أشد المعادين لها الضباط أرنولدت ويلسون،
الرجل الثاني بعد سير برسي كوكس. وزاد الطين بلة أن جرترود لم تكن
تحتل وظيفة محددة، ولم يكن اسمها مندرجاً بعد في قائمة الرواتب،
فكانت لهذا محط ازدراء الكثيرين من البريطانيين في البصرة، ولم يكن
يخفف من وضعها الصعب إلا لطف سير برسي كوكس معها.
ورغم أنها لم تكن
أبداً امرأة صبورا، فقد تذرّعت بالصبر لتواجه موقف التحدي الجديد
في حياتها، فانطلقت إلى العمل بطاقة هائلة.سعت إلى الاتصال بالعرب
وراء خطوط الأعداء (الأتراك)، خاصة بشيوخ القبائل مثل فهد بك شيخ
قبائل عنيزة المنتشرة غرب الفرات، وشيخ قبيلة دليم، وغيرهما. وكانت
تضع الخرائط المفصلة بأماكن القبائل وتحركاتها، وتشارك بالمعلومات
والأخبار في "النشرة العربية الإخبارية"، وهي نشرة سرية بدأ
بإصدارها المكتب العربي بالقاهرة، وكانت توزع على كبار ضباط
المخابرات البريطانية، عن السياسة والشخصيات في الشرق الأدنى. وأخذ
سير برسي كوكس يعتمد على الآنسة بيل أكثر فأكثر خاصة فيما يتصل
بالأخبار والمعلومات العربية مثل الرصد المستمر لمشاعر العرب تجاه
الأتراك والبريطانيين، ومراقبة تحركات ابن سعود وابن رشيد، ونشاط
الجواسيس الألمان. ولم تكتفبذلك،بل أبقت جميع خطوط اتصالها مفتوحة
مع أصدقائهاالأقوياء في العاصمة البريطانية مثلسير اسكوي، وسير
مونتيجو، سكرتير الدولة لشؤون الهند، واللورد كرومر، فكانت تضعهم
جميعاً في صورة ما يحدث في العراق، وكان هذا يسبب ضيقاً أكثر
للعسكريين البريطانيين في البصرة، خاصة ويلسون. كما ظلت على دأبها
بكتابة الرسائل الدورية لوالدها، الذي كان لا يتوانى عن نقل
محتوياتها إلى أصدقائه بالهوايت هوم.
ولم ينته عام 1916 إلا
وقد عُيّنت جرترود من قبل الإدارة البريطانية في الهند كضابط اتصال
برتبة قومندان لتصبح المرأة الوحيدة التي كانت تشغل منصباً عسكرياً
في الجيش البريطاني وقتئذ.
وفي خلال هذا العام،
في 10 يونيو/حزيران 1916، أعلن الشريف حسين الثورة العربية، وتقر
جرترود بأنها لم تشترك في تشجيع الشريف حسين على الثورة، ولكن، على
حد قولها، "ذهبتُ إلى الهند من أجل كل هذه المسألة".ويبدو أنها رغم
العمل المهم الذي كانت تقوم به في العراق كانت تتمنى أن تقوم بدور
مباشر يتفق مع ميلها لحب المغامرة، ولهذا كانت تشعر بنوع من
الإخفاقلأنهانسبياً مقيدة الحركة بحكم كونها امرأة،مقارنة بزميلها
لورنس الذي بدأ في نفس العام أولى مغامراته مع جيش الشريف حسين
بالحجاز. وكتبتتعبيراً عن ذلك "لكوني امرأة، فلأذهب إلى الشيطان مع
بنات جنسي. المرأة قادرة على القيام بما هو أكثر من الجلوس وتقييد
ملاحظات".
وظل نائب الملك في
الهند على معارضته للثورة العربية، وقال عنها في يونيو/ حزيران
إنها "مفاجأة غير سارة" لخشيته أن يعدها مسلمو الهند "تدخلاً
مسيحياً" في الدين الإسلامي. وظهرت حاجة البريطانيين التابعين
لإدارته في البصرة للتحالف مع القادة الإقليميين، والذي كان أبرزهم
عبد العزيز آل سعود. كان البريطانيون، من جهة، يأملون أن يتحالف
معهم ضد الأتراك لتدعيم مركزهم المزعزع في العراق؛ ومن جهة أخرى،
يبغون تجنب معارضته للشريف حسين الذي كان على وشك أن يعلن نفسه
ملكاً على العرب. وبالفعل دعا البريطانيون ابن سعود لزيارة البصرة،
فوصل إليها قادماً من الكويت في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 1916،
ونظموا له جولة على شرفه، وكانت جرترود طوال الجولة إلى جانبه
تحادثه بالعربية. وكتبت عنه تقريراً في الأسبوع الأول من
ديسمبر/كانون الأول 1916 أرسلته إلى الخارجية البريطانية، والحكومة
البريطانية في دلهي، والنشرة العربية بالقاهرة. ووصفته جرترود في
تقريرها بأنه شخصية عظيمة ومذهلة، و"إنه ممتلئ بالدهشة، ولكنه ليس
على الإطلاق بفاغر فاه، فقد أثار عدداً لا متناهياً من الأسئلة،
وأدلى بتعليقات ذكية.. ابن سعود سياسي وحاكم وفاتح، ويمثل شخصية
تاريخية. إن الرجال الذين على شاكلته يمثلون استثناء في أي جماعة
بشرية، ولكن الجنس العربي في بيئته الخاصة يفرز مثلهم بشكل متكرر،
ويؤدون مهامهم في العالم العربي. الآن ومثلما كان على طول التاريخ
العربي، يكمن المصدر الأخير للسلطة في شخصية القائد، ومن خلاله
سواء كان خليفة عباسياً، أو أميراً من نجد تُحتفظ الهوية السياسية،
وعندما يختفي القائد تسقط هذه الهوية". وكانت مثل سير برسي كوكس
تؤيد ابن سعود وتتمنى أن يتحد مع الشريف حسين في ثورته ضد الأتراك،
ولكن لم يحدث ما تمنت على ما هو معروف تاريخيا.
قطوف بغداد:
ليس هناك من شك أن
جرترود بيل كانت عاشقة للعراق ومعجبة بعاصمته الأسطورية بغداد، فقد
ألمحت إلى هذا مرات وذكرته صراحة مرات أخرى، فهي بنص كلماتها "بلاد
مثيرة"، و"هي الشرق الحقيقي"، كما أن "الشعر الذي يتدفق من كل
جنباتها يؤثر فيّ ويأسرني". ولكن عشقها لم يكن عشقاً خالصاً،
حلالاً، بل كان عين العشق الحرام، لأنه غرام الرغبة في الاستحواذ
على إرادة المعشوق، أو سلبه من أصحابه الشرعيين، طوعاً أو كرهاً،
فهم لا يستحقونه، أو على الأقل لا يقدرونه حق قدره، ولكن هي وبني
جنسها يعرفون قدره ويثمّنونه أعلى تثمين، لأنهم أكثر تحضراً
وتقدماً. هذا هو الغطاء الأخلاقي، أو بالأحرى التبرير، الموجود
دائماً، إنه هنا الأخذ بيد بلاد الرافدين إلى الحرية والازدهار، أو
على حد قولها عندما سقطت بغداد: "لدي الثقة في أن نحول بغداد إلى
مركز عظيم للحضارة العربية، وإلى مكان مزدهر". ولهذا عندما علمت
باستيلاء القوات البريطانية على البصرة أرسلت خطاباً إلى صديقها
شيرول، الذي كان في مهمة عمل بالشرق الأدنى سنة 1914، تقول فيه:
"كم أتوق أن أسمعك تقول أن بغداد قد سقطت، وعندها ستتأكد أن
المقاومة ضئيلة".
ولكن خاب تقدير
جرترود، فبعد السقوط السريع للبصرة لم تستطع القوات البريطانية على
مدى أكثر من سنتين أن تتقدم إلى الأمام، وعانت خسائر موجعة، خاصة
في كوت العمارة (مارس/آذار-أبريل/نيسان 1916). وحاول البريطانيون
تخطي عقبة الكوت بالخداع عن طريق تقديم رشوة لقائد القوات التركية
الجنرال خليل، الذي كان يحاصر القوات البريطانية في الكوت، وذهب
لورنس مع زميل له من ضباط المخابرات البريطانية من القاهرة لتنفيذ
هذه المهمة، بيد أنها باءت بالفشل. وأخيراً في شتاء 1917 تمكنت
القوات البريطانية من فك الحصار، وتقدمت في طريقها إلى عاصمة
الرشيد، ثم دخلتها في 10 مارس من نفس العام بقيادة الجنرال مود.
وكان ذلك من كبرى انتصارات البريطانيين في الحرب العالمية الأولى،
فإلى جانب أنه وضع نهاية للحلم الألماني بالسيطرة على الشرق
الأدنى، فإنه حققالأهداف البريطانية المرجوة: استكمال السيطرة على
الطريق الآخر الموصل للهند، وتأمين آبار البترول الإيراني الذي
كانت تقوم الشركة البريطانية الإيرانية باستغلاله، والسيطرة على
منابع البترول التي ستكتشف آجلا في الخليج وبلاد الرافدين.
وكذلك نالت جرترود
نصيبها من ثمرات بغداد، فبعد أيام من سقوط عاصمة الرافدين، عينها
سير برسي كوكس في منصب السكرتير الشرقي، وهو المنصب الذي وصفته
جرترود عندما كان يتولاه في مصر المستشرق رونالد ستورز بأنه "عيون
وآذان وترجمان المندوب البريطاني.. وأكثر من ذلك". وبالفعل شغلها
لهذا المنصب جعل منها أعلى سلطة للمخابرات البريطانية في العراق
فيما يتصل بالشؤون الشرقية، فعلى عاتقها كان يقع جمع وتصنيف
المعلومات، إلى جانب تقديم المشورة في المسائل العربية، فضلا عن
القيام بعمل التقارير والمقالات عن بلاد الرافدين وتركيا وآسيا
الصغرى وتقديمها إلى وزارة الحرب البريطانية. وبعبارة أكثر معاصرة،
أنها بتوليها هذا المنصب أصبحت المسؤولة عن جهاز المخابرات
والإعلام في السلطة البريطانية بالعراق. وفي هذه الفترة كثّفت من
اتصالاتها بجميع القوى السياسية في العراق، في بغداد بالنقيب عبد
الرحمن الكيلاني وغيره من وجهاء البلد، وبزعماء القبائل مثل فهد بك
شيخ عنيزة وغيره من زعماء القبائل، وبزعماء الشيعة، وكان مكتبها لا
يكاد يخلو يومياً من لقاء عين من أعيان العراقيين، وإلى هذه الفترة
تعود تسميتها بـ"الخاتون".
وفي أبريل من ذلك
العام، 1917، علمت جرترود باتفاقية سايكس-بيكون، وكانت مثل رئيسها
لا تعلم شيئا عنها. وعندما علم بها سير برسي كوكس غضب أشد الغضب.
فمنجهة، تحول الاتفاقية دون ضم العراق إلى الإدارة الهندية وتنصيب
ابن سعود ملكاً عليه. وهو ما كان يسعى إليه المعتمد البريطاني. ومن
جهة أخرى، لا تحقق هدف الإدارة البريطانية في مصر بإعطاء العراق
ضمن الدولة العربية الموعودة إلى الشريف حسين حسب وعود ماكماهون.
وعلى العكس من ذلك تطرح وضعا مختلفا يقوم على تقسيم بلاد الرافدين
بين البريطانيين في العراق الجنوبي من بغداد إلى البصرة،
والفرنسيين في الموصل، وعلى ضم الاراضي العراقية الواقعة فيما بين
المنطقتين المشار اليهما إلى دولة عربية مستقلة "تحت زعامة رئيس
عربي". وطلب كوكس إيضاات،ووصل رونالد ستورز إلى بغداد في يونيو
1917 لعرض موقف وخطط المكتب العربي بالقاهرة. وأيا كانت الإيضاحات
التي قدمها ستورز، فالثابت أن الخطط البريطانية بشأن العراق تحت
الاحتلال لم تكن واضحة المعالم بعد. وكان مما دونته جرترود في
يومياتهاعن ستورز وصفه لفيصل الابن الثالث للشريف حسين، والذي كان
في ذلك الوقت يقود الجيش العربي في الجانب الغربي من شبه جزيرة
العرب. إذ وصفه بأنه قائد ماهر، نحيفوعصبي، رجل استراتيجية داهية
وقوي الشكيمة. ولم يكديمضي عامان حتى عادت جرترود إلى استرجاع ما
دونته عن فيصل.
ورغم المنصب الهام الذي
كانت تشغله جرترود في بغداد، كانت تشعر بنوع من الضيق بسبب النجاح
الذي كان يحققه زميلها لورنس فيما بين سنتي 1917 و1918، خاصة بعد
معركة العقبة التي حولته إلى بطل أسطوري. ففي قرارة نفسها كانت
تعلم أن جزءا من نجاح لورنس يرجع إلى المعلومات التي قامت هي
بتزويد المكتب العربي بها عن القبائل العربية المنتشرة بين سكة
حديد الحجاز والنفود، خاصة قبائل الحويطات، وذلك ما اعترف به بعد
موتها هوغارث، صديقها ورئيسها الأسبق. ووجدت العزاء فيما رأت أنها
تقوم به من تأسيس دولة جديدة. فحينما كانت الحرب تتجه إلى نهايتها،
كلفت برسم حدود الدولة العراقية، وعلى مدى ثلاثة أسابيع من ربيع
1918 انشغلت بدراسة وفحص خرائط إيران وتركيا والكويت وبلاد
الرافدين، ومستعينة بمعرفتها العميقة والدقيقة بحدود هذه البلاد
وضعت في النهاية الخرائط الخاصة بالحدود السياسية للدولة الوليدة،
التي ضمن داخلها ولايات الموصل وبغداد والبصرة. وكانت فخورة بعملها
ومعرفتها العميقة للبلاد، فتقول في رسالة لأبيها: "إنها لعبة مسلية
حينما تكون البلاد معروفة جيدا، مثلما هي لي بأجمعها تقريباً؛ إنه
لمن حسن الحظ إنني استطعت عبور البلاد في مرات عديدة، وتقريبا في
كل الاتجاهات". وعملها هذا، بالإضافة إلى اشتراكها الحثيث مع بني
جلدتها الإنجليز في وضع قوانين الدولة وتنظيمها الإداري، أدخل في
نفسها شعوراً بالزهو الاستعماري، وشبّهت ما كانت تقوم به من إنشاء
دولة جديدة بخلق الآلهة للعالم.
.....................
المصدر : من موقع :
http://huna-maktbty.blogspot.com/