جريدة 'الزوراء' وخمسون عاما من تاريخ العراق
الزوراء في أعدادها الاولى
أظهرت قدرة المثقفين العراقيين على نقد حكامهم واوضاعهم العامة.
د.
إبراهيم خليل العلاف

في أي محاولة للكتابة في تاريخ
العراق الحديث والمعاصر، تمثل الصحف إلى جانب الوثائق والكتب
والمذكرات الشخصية أهمية بارزة كمصدر لا غنى عنه للمؤرخ، ولعل ذلك
يأتي من ناحيتين، اولهما: إن الفترة المنقضية بين وقوع الحدث
التاريخي وتسجيله صحفيا، هي في العادة قصيرة. وثانيهما: إن الصحافة
تعكس أكثر من غيرها، أراء الناس ومشكلاتهم وحقيقة واقعهم السياسي
والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وفي جريدة الزوراء، التي صدر
عددها الأول ببغداد صبيحة يوم الثلاثاء 15 حزيران/يونيو عام 1869،
ثروة زاخرة من المعلومات والحقائق والآراء التي تعكس حركة المجتمع
البغدادي خاصة، والعراقي عامة خلال حقبة مهمة من تاريخ العراق
الحديث.
وامتدت هذه الحقبة منذ عهد
مدحت باشا (1869-1872) وحتى بدء الاحتلال البريطاني لبغداد يوم 11
آذار/مارس 1917.
ولأن جريدة الزوراء قد احتوت
البيانات الحكومية ونصوص المراسيم والقوانين، فضلا عن اهتمامها
بالأخبار والأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية ورسائل القراء
وانتقاداتهم، فأنها تعد ابرز مصدر يعتمد عليه المؤرخ في الكتابة عن
تاريخ العراق، في الاعوام الخمسين الأخيرة من عهد السيطرة
العثمانية.
إن تاريخ جريدة الزوراء يرتبط
بإنشاء أول مطبعة آلية في بغداد، سنة 1869، وهي المطبعة التي جلبها
الوالي مدحت باشا بنفسه حين وصل بغداد. وقد بلغ ما صدر من الزوراء
ابتداءا من عددها الأول وحتى عددها الأخير الذي صدر في 13 آذار
1917 2607 إعداد.
وكانت تصدر بأربع صفحات من
الحجم المتوسط (43سم*27سم): صفحتان باللغة العربية وصفحتان باللغة
التركية. وتعد مقدمة العدد الأول من الجريدة بمثابة المفتاح الأساس
لدراسة تاريخها. وفي المقدمة توضيح لأهدافها وأسباب صدورها
وفلسفتها المستقبلية، فضلا عن أنها عكست أبعاد مشروع مدحت باشا
لتحديث العراق وإصلاح اوضاعه العامة.
لقد اعتادت الزوراء نشر نصوص
الفرامين (المراسيم) التي يعين بموجبها ولاة بغداد واعتادت كذلك
نشر خطبهم عند تسلمهم الولاية. وكانت هذه الخطب بمثابة المنهاج
الوزاري في أيامنا المعاصرة. وكان لتأثير مدحت باشا بأفكار الثورة
الفرنسية وتحمسه للحرية والمساواة، اثر كبير في أن تعكس الجريدة
قدرة المثقفين العراقيين آنذاك لنقد حكامهم وأوضاعهم العامة على
صفحات الجريدة وقد ظهر ذلك واضحا في أعدادها الأولى خاصة.
ولقد ساهم في تحرير الزوراء
عدد من الأدباء والمثقفين العراقيين وقسم منهم تولى ادراتها أو
تحريرها نذكر من هؤلاء احمد عزت محمود العمري الموصلي واحمد الشاوي
وجميل صدقي الزهاوي وطه الشواف ومحمود شكري الالوسي وفهمي المدرس
ومعروف الرصافي.
وكان في جريدة الزوراء كأي
جريدة متقدمة أقسام للتحرير والترجمة والترتيب. وفوق هذا فإنها
كانت تتابع من خلال أعدادها حركات العشائر ونصوص المعاهدات
والأوامر السلطانية وعلاقات العراق بالدول المجاورة ولم تهمل
السياسة الدولية.
وكانت تنقل بعض أخبارها من صحف
اسطنبول وباريس ولندن، كما اعتمدت في معظم أخبارها الخارجية على
برقيات وكالات الأنباء (الاجانسي) الأجنبية والفرنسية منها على وجه
الخصوص.
واهتمت الزوراء بأخبار تطوير
أوضاع ولاية بغداد والذي ظهر ذلك من خلال تشكيل لجان خاصة بأمر من
السلطة المركزية للبحث في سبل وأسباب الأعمار الذي كانت تحتاج إليه
بغداد، على حد تعبير الجريدة آنذاك.
وكثيرا ما اهتمت بمتابعة مظاهر
التأخر الذي كانت تعانيه بغداد، فعلى سبيل المثال أشارت إلى قدم
وتخلف وسائل الإنتاج المستخدمة آنذاك ولجأت إلى أسلوب التهكم
والسخرية عند تناولها هذه المسائل.
واهتمت الزوراء بوسائل
المواصلات وخطوط التلغراف والسفن التجارية (الوابورات) التي كانت
تمخر عباب نهري دجلة والفرات أو التي كانت تروح وتغدو إلى دار
السعادة أي استانبول. وفي الجريدة أسماء هذه السفن ومواعيد تحركها
ومقدار حمولتها. وانصرفت الجريدة لمتابعة أخبار مشروع سكتي حديد
بغداد والحجاز. وناشدت المسؤولين والأهالي على اقتناء المخترعات
الحديثة.
واستأثرت المشاكل الاجتماعية
باهتمام الزوراء وتابعت أخبار القضاء والمحاكم والضرائب والبلدية
ودعت إلى ضرورة تغطية أحياء بغداد بأنابيب المياه وتبليط الشوارع
العامة وكرست الزوراء العديد من صفحاتها لشؤون الصحة ودعوة الأهالي
إلى اتخاذ الاحتياجات أثناء انتشار الأمراض والأوبئة.
ونالت قضايا التربية والتعليم
والثقافة اهتمام الزوراء، وعكست جانبا من انتقادات المثقفين
العراقيين للسياسة التعليمية العثمانية والمتمثلة بإهمال التعليم
ورداءة طرق التدريس السائدة في المدارس وعدم قدرة المدارس التي
كانت موجودة على تلبية احتياجات المجتمع العراقي.
وتابعت الزوراء أنباء احتجاج
وجهاء ومثقفي بغداد على قرار غلق مدرسة (كلية) الحقوق سنة 1912،
هذه الكلية التي فتحت سنة 1908 بحجة أنها أصبحت بؤرة للفكر القومي
العربي المضاد للدولة العثمانية.
وتفيدنا الزوراء في متابعة
أخبار حركة التنقيب عن الآثار، وتكشف المعلومات التي نشرتها جانبا
من صراع القوى الاستعمارية الأوروبية على آثار العراق والنهب الذي
تعرضت له هذه الآثار.
ومن خلال الزوراء نتعرف على
مكتبات بغداد العامة والخاصة. ومن الطريف أنها تبنت رغبة بعض
الأدباء والكتاب في دعم وتحقيق ونشر المخطوطات التراثية. كما تولت
نشر قصائد الشعراء المعروفين آنذاك.
ومن هنا فهي تعد مصدرا لتاريخ
الأدب العراقي الحديث وتياراته.
والزوراء مصدر مهم لمعرفة
الكثير من المفردات والألفاظ والمصطلحات والتسميات التي كانت شائعة
في العراق ابان السيطرة العثمانية.. ومعظمها غريبة عن اللغة
العربية. ومن هذه المفردات: البروغرام (المنهاج) والبوستة (البريد)
والبولتيقة (السياسة) والقونطوراتو (العقد).
والزوراء كذلك تعد مصدرا
لمعرفة معلومات طيبة عن الأبنية والمؤسسات والمنشات المعمارية
المدنية والعسكرية التي كانت موجودة في بغداد آنذاك. ومن ذلك قشلة
العسكرية والحداد خانة والحديقة الملية (العامة) وخستخانة (مستشفى)
الغرباء وليمان دائرة سي (السجن). ونستفيد من الزوراء في معرفة
إحصاءات سكان بغداد إبان السيطرة العثمانية.
ونتعرف من خلال صفحاتها على
أساليب التجار والحرفيين والأطباء في الإعلان عن أعمالهم
ومنتجاتهم.
وأخيرا فان الزوراء مصدر مهم
لمعرفة بعض المعلومات والأخبار عن علاقات العراق والدولة العثمانية
مع دول العالم وأقطاره، ونتعرف من خلالها على أن بغداد كانت تضم
قنصليات أجنبية كثيرة، منها القنصليات البريطانية، الأمريكية،
الفرنسية والألمانية.
وهكذا فإن الزوراء تعد مصدرا
لتاريخ بغداد والعراق كله خلال الفترة الواقعة بين 1869 و1917.
وللأسف فإنها لم تحظ، لحد الآن بدراسة أكاديمية،لا من الناحية
الفنية ولا من الناحية التاريخية.. وجدير بنا أن نوجه الأنظار
إليها.. وهي متوفرة في دار الكتب والوثائق ببغداد ذلك أن توجيه
الأنظار والاحتفاء بها ودراستها.. يعد في ،اعتقادنا، مسالة علمية
ووطنية جديرة بالاحترام والتقدير.
....................
(*) مركز الدراسات الإقليمية- جامعة الموصل
.....................
المصدر : من موقع :
http://www.middle-east-online.com/iraq/?id=81661