الحضارية «رسائل جامعية»

الثلاثاء: 31/10/2007 01:44 م

العراق/ البحث عن الهوية الوطنية

ليورا لوكيتز ..

في اطروحتها للدكتوراه المقدمة الى جامعة هارفارد الاميركية تحت عنوان”العراق..البحث عن الهوية الوطنية“ تناولت ليورا لوكيتز البحث عن الهوية الوطنية من خلال دراسة تاريخية - اجتماعية للواقع من والسياسات في العراق خلال الفترة 1920-1958، فقد طرحت الباحثة عدة اسئلة واجابت عليها، السؤال المركزي كان، هل يمكن جمع خليط من القوميات لها تاريخها وثقافاتها وذاكرتها الجماعية الخاصة بها في كيان سياسي واحد، وخلق شعب متجانس منها يتجاوز كل الخصوصيات والهويات السابقة؟
تجيب لوكيتز بالقول:”انني اشك في وجود تجربة ناجحة واحدة في التاريخ المعاصر للشعوب في العالم“.
ويبدو ان اجابتها هذه غير صحيحة اذا ما تركت باطلاق دون تحديد للنظام السياسي الذي يستطيع استيعاب كل هذا الجمع الخليط من خلال المساواة التامة بين جميع اجناسه وضمان مساهمة الكل في الحكم والادارة من خلال نظام فيدرالي ديمقراطي، كما هو الحال في الاتحاد السويسري والاتحاد البلجيكي وغيرها.
وبالنسبة للعراق تعتقد لوكيتز الى ان تواجد حكومة مركزية، والتبشير القوي بايديولوجيات جديدة ساعدت على خلق انطباع بان عملية بناء الدولة/ الامة في العراق تقدمت بدرجة قطعت الطريق على ظهور الميول الانفصالية الاخرى، والذي ساعد على هذا الانطباع هو الاعتقاد السائد بان التحديث والتطور لابد ان يؤدي الى بناء امة يعبر من خلالها جميع سكان العراق عن انفسه سياسيا.
وتعتقد لوكيتز بان الطبيعة البشرية المعقدة للتشكيلات البشرية وصعوبة ايجاد قاسم مشترك بينها تلقي بظلالها على العديد من هذه المراحل، كما ان الاندماج الوطني ليس عملية لا رجعة فيها، وان هوية الجماعات ليست احادية البعد كما ان صعوبة تحديد العوامل التي تساهم في تحديد كل مجموعة فاذا اخذنا شيعة العراق كمثال يتضح مدى صعوبة قياس العوامل التي تحدد موقفهم وهكذا بالنسبة للمجموعات الاخرى.
وتتوصل الباحثة الى ان تشكيل الدولة العراقية الحديثة المتحالفة مع بريطانيا والاعتراف البريطاني بالهيمنة السنية على البلاد جاء نتيجة جهود بريطانيا للتخلص من التزاماتها المتعلقة بادارة الشؤون الداخلية العراقية التي كانت مكلفة لتختار اللجوء الى السلاح الجوي من اجل فرض الاستقرار، بهذا الشكل المصطنع تم اخضاع الاقاليم الى سلطة بغداد.
وتشرح الباحثة مشكلة الآشوريين وكيفية طردهم من قبل الاتراك عام 1915 من مناطقهم الاصلية في جبال هيكاري جنوب شرقي تركيا ومحاولة بريطانيا زجهم في جيش لخدمة مصالحهم من جانب، وعدم منحهم الحقوق القومية من جانب آخر، بالمقابل فان الحكومة العراقية، آنذاك، كانت قلقة من محاولات الاشوريين في منع بسط سلطتها على الاقاليم الشمالية. ثم تتناول التمردات العشائرية في الجنوب والفرات الاوسط، وتعتبرها نابعة من التنافر الثقافي والخصومات السياسية بين النظام العشائري والدولة، ومحاولات بريطانيا في تلك الفترة وضع شيوخ العشائر كملاكين كبار، لكن بتطور عملية بناء الدولة حصل تغيير في الوضع بظهور محور الحكومة السنية المتسلطة المدعومة من قبل البريطانيين واصبحت طبيعة العلاقة بين الدولة والملاكين الكبار تتحكم بمحاولات الدولة في السيطرة على الريف التي كانت تعتبر اولى الاولويات.
اما ردود الافعال السياسية والثقافية للشيعة على نشوء الدولة فهي كما ترى الباحثة تجسدت بعاملين:
الاول: الصراع التقليدي بين السنة والشيعة المتسم بالطائفية.
والثاني: الصراع السياسي والاجتماعي بين المجتمع العشائري والمجتمع المدني، وتشير الى ان بروز وحدة وطنية خلال ثورة العشرين حالة مؤقتة، اعقبها بعد فشل الثورة ان ظهرت الخلافات من جديد وعكست احتجاجات الشيعةبمرور الزمن والتذمر العميق، الذي كانوا يشعرون به تجاه محاولات دمجهم في كيان سياسي وثقافي سني.
ثم تناولت بروز التيار القومي في المشرق العربي منذ خمسينيات القرن الماضي، وتذكر ان الوطنية المبنية على الاسس القومية لم تكن تتلاءم مع الواقع العراقي المتسم بالتعددية القومية، في حين ان مفهوم القومية المبنية على الاساس الجغرافي/ المناطقي، التي تعني الاعتراف بالتعددية الثقافية الاثنية في منطقة جغرافية كانت اكثر ملاءمة للظرف العراقي الخاص، لكن القادة العراقيين كانوا يخططون لتحقيق التطلعات القومية العربية لتشمل الوطن العربي.
وفي البحث عن الهوية الوطنية العراقية درست الباحثة تكوينات المجتمع العراقي والتأثيرات الخارجية والداخلية التي اثرت فيه والتطورات التي طرأت على السياسة والمفاهيم والاقتصاد، تتوصل الباحثة الى ان: دور علماء الدين بجميع الاديان والمذاهب الموجودة في العراق لم يقتصر على الجانب الديني، بل اصبح منذ اواخر العشرينيات متعدد الابعاد، فان نمط التنظيم الاجتماعي الديني داخل كل مجتمع من تلك المجتمعات كان له تأثير كبير في تحديد اطر النشاطات السياسية لافرادها وكذلك قادتهم في مواجهتهم مع الحكومة دفاعا عن القيم الجماعية لتلك المجتمعات.
لقد درست الباحثة التطورات التي مرت بها مناطق العراق وتطور الولاءات والهويات وتتوصل الى فشل التجربة العراقية في اقامة امة بسبب الفكرة والسياسة التي مورست للترويج لثقافة معينة لا تتجاوب مع القيم المقبولة لدى الاغلبية التي يمكن لها ان تتجذر على ارض الواقع.
ان المحاولة التي يمكن ان تحقق نجاحا وقبولا هي التي تعبر عن اهتمامها بالتقاليد الدينية والثقافية المميزة للمجتمعات القومية والدينية، وبالتالي تستطيع توفير الارضية اللازمة لظهور هوية مشتركة، وللتوصل الى ان دولة تتمتع بوحدة جغرافية كالعراق لابد تتوفر فيها ايضا ثلاثة شروط اساسية هي:
1. وجود اقتصاد مندمج، وشبكة مواصلات تربط مراكز الانتاج بالاسواق.
2. عصرنة الاساليب البيروقراطية في الحكم.
3. توحيد الثقافة عن طريق ايجاد لغة ادارية موحدة وخلق لغة مشتركة للتفاهم.