الحضارية «رحلة في كتاب»

الخميس: 03/07/2008


الشباب ومشكلاته الاجتماعية في المدن الحضرية

المؤلف: د.علي بوعناقة
قراءة: صادق الروازق(*)

(خاص للمعهد)

موضوع الشباب من المواضيع الحيوية التي تحتل مكانة بارزة في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كما أنه محور اهتمام علماء النفس والتربية، وأيضاً ميادين الاعلام ووسائل الاتصال، كونه موضوعاً يتعلق بشريحة واسعة ومهمة من الشعب. وربما يشكل الشباب نسبة 50% في المجتمع العربي. فكان لزاماً التفكير بسبل تنمية هذه الطاقة وصونها من الانحراف كونهم يمثلون أمل المستقبل. فالأمم تثبت وجودها ـ على الأصعدة كافة ـ من خلال عطاءات شبابها، وبذا فالحكومات التقدّمية تولي رعاية خاصة لهذه الشريحة، وتدفع بهم إلى ديمومة الحياة واستمرارها، مع لحاظ ما يعكسه الشباب من معطيات وابتكارات ضمن التوجه الصحيح للدولة ونظامها السياسي الحاكم.
هذا الكتاب الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه يتناول موضوع الشباب وأهمية دورهم في بناء الأمم والدول، وركـّز كثيراً على معالجة الانحرافات الحاصلة في أوساطهم، مختصاً بدراسة واقعهم في الوطن العربي من خلال دراسة نظرية أولاً ومن ثم دراسة ميدانية، أشار المؤلف إلى ذلك من خلال أرقام وبيانات وجداول استطاع بها أن يعزز دراسته النظرية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الفكر الأوروبي الاجتماعي والسياسي عنى بالدراسة والتحليل عقب الثورة الصناعية، وأفضت الدراسات إلى نتائج لا يمكن الركون إليها واتخاذها كمسلمات وقضايا عامة في دراسة موضوع الشباب في مجتمعات العالم الثالث، والمجتمع العربي بشكل خاص. حيث ان التباين في أنساق القيم والأنساق الاجتماعية والاقتصادية حاصل من مجتمع إلى آخر.
ومن هنا يوجب على الباحث العربي أن يبادر إلى البحث بنفسه من خلال واقعه دون الانطلاق مما أسسه الأوربيون من مسلـّمات ونتائج، ولكن لا يعني ذلك عدم الاستفادة من النظريات والمناهج الأوروبية كأدلة وآليات بحثية تساعد في البحث. وعلى ضوء ذلك أفرد المؤلف فصلاً كاملاً عن السلوك الاجرامي من خلال نظريات عديدة متباينة في التفسير مع الاشارة إلى الدراسات النقدية التي قام بها بعض الباحثين العرب.
يولي المؤلف نظرية (المخالطة الفارقة)(Differential Association) أهمية خاصة.
فهذه النظرية تسمى نظرة «المصاحبة» أو«المخالطة الفارقة» نظرية أثــْرت علم المجتمع وأغنت مباحثه. وبخاصة في مجال الانحراف، والسلوك الاجرامي، ما أدى إلى ذيوع صيتها، فهي تؤكد: ان الأفراد إنما يصبحون منحرفين: فذلك بسبب مخالطة الآخرين.
ففي نظر إدوين سذرلاند (Edwin Sutherland) ان الانحراف والجريمة تتولـّد من أنماط الحياة المشكـّلة التي يعيش في إطارها الشخص، فالفرد المجرم ـ بحسب هذا المنظور ـ هو فرد غير متكيف مع معايير المجتمع الكبير، وذلك يعود إلى التناشز بين الثقافة الفرعية التي ينتمي إليها وبين واقع حياته، ويرى إدوين أيضاً أن البيئة التي ينتمي إليها هذا المجرم ليست من صنع المجتمع الكبير، إنها نتاج مغاير، إنها الجماعة التي ينجذب إليها ذلك الفرد الفاشل في التكيف مع معايير المجتمع، وهي مدرسته التي تصنع منه مجرماً.
ويتبلور المعنى من قوله: «ان الفرد الذي أصبح مجرماً هو نتيجة للمخالطة المغايرة، فلو تعامل مع جماعة مضادة لهذا السلوك ـ الاجرامي ـ لما أصبح مجرماً. فالفرد المنحرف ـ بحسب هذا المنظور ـ وكما يقول المؤلف؛ قد تزود بتجارب سابقة وميول وقدرات تسلح بها عند تعامله مع تلك الوضعية في حياته. فالجريمة تحدث عندما تكون الظروف ملائمة لها.
وعلى ضوء ما تقدم يتلخص مفهوم السلوك الاجرامي عند إودين بـ :
1ـ السلوك الاجرامي مكتسب وليس موروثاً، فمن لا يتعلم الاجرام لا يخترع الجريمة.
2ـ السلوك الاجرامي متولد عن المخالطة.
3ـ يكون تعلم السلوك الاجرامي عن طريق اندماج الفرد مع الجماعة ذات الانماط السلوكية الإجرامية.
أما أوسكار لويس (Oscar Lewis) فهو يتبنى وفق نظرية المخالطة مفهوم «ثقافة الفقر»، وهو لا يريد بها قضية الحرمان أو الاختلال في النظام العام نتيجة لنقص شيء ما، بل هي الثقافة بالمعنى الانثروبولوجي التقليدي فهي تزود الإنسان بمخطط الحياة وبمجموعة من الحلول الجاهزة لمشاكله اليومية، كما تقدم له مفاهيم تـُساعده على التكيف مع الوسط، فهي جماعة لها ميزاتها وخصوصياتها. ويرى أوسكار أن هذه الجماعة تعيش في أحياء هامشية، يتميز سكانها بالتخلف، ومن سماتها؛ الجهل، الكسل، البخل، القذارة، العنف، الشر، الجرم. وبالجملة هي غير قادرة على تأمين الحياة الاعتيادية. أما المؤلف بوعناقة فهو يعلق على رأي أوسكار لويس، قائلاً: ان هذه التصورات والاستدلالات ما هي إلا محاولة لتضليل الفكر بإقحامات غير موضوعية يكتنفها اللبس والغموض.
أما دراسة كوهين ـ وكما يقول المؤلف ـ فهي اعتنت بثقافة الانحراف لاعلى طريقة أسلافه، حيث ان مفهوما يشير إلى نمط حياتي لمجموعة من الأولاد، يوجدون بشكل واضح في أحياء الانحراف في المدن الأمريكية الكبرى، وهم منحرفون لأن ظروفهم قادتهم إلى الاختلاط والالتحاق بمجموعة الأحداث المنحرفين، لا لشيء إلا لكونهم يعيشون في مثل هذه الأحياء التي أتسمت بذلك التخلف.
فمنظور كوهين ينطوي على فكرتين أساسيتين: أولاهما: وجود مصدر للانحراف في المجتمع ذاته، والثانية: وجود عنصر التدعيم الجماعي للسلوك الانحرافي، فهو يقول ان المنحرف يصير منحرفاً بمقتضى الأختلاط مع الشلـّة غير المناسبة، فالانحراف هنا مكتسب وليس فطرياً، يكتسب عن طريق الاختلاط المغاير. مؤكداً ـ كوهين نفسه ـ أن الانحراف يقتصر على مناطق الفقراء وهو ادعاء يبطله الواقع. ويستخلص المؤلف من دراسته لنظرية كوهين: ان كوهين كان يسعى إلى السيطرة على انحراف الأحداث، فهذه السيطرة أصبحت قضية حيوية تهدد استقرار نظام المجتمع، وبذلك جاءت معالجته جزئية بعيدة عن البناء الاجتماعي للمجتمع الأمريكي.
أما دراسة ريتشارد كويني (Richard Quinney) فقد ميّزت بين السلوك الاجتماعي والسلوك الإجرامي، فسلوك الفرد يصبح غطياً من خلال تصرفاته وثقافة المجتمع، فكل فرد يقوّم ذاته على نحو ما، وبمقتضى هذا التقويم، يكتشف موقعه الاجتماعي، فيتصرف بمتقضى ذلك مع المحيط الذي يمشي فيه، فإذا تصرف معارضاً أو متحدياً النظام الاجتماعي، فسر المجتمع تلك التصرفات على أنها انحراف وإجرام. ومن ذلك يتضح أن كويني أكد على ان الانحراف لا ينمو إلا من خلال الاختلاط بمجموعة ما. وهذا ما سماه بنظرية «المخالطة الفارقة»، ثم تبين له ان المنحرف يحتاج إلى أكثر من مجرد الاختلاط، وهذا مما أدى به إلى إبدال مفهوم المخالطة الفارقة إلى مفهوم المخالطة في الهوية (Differential Identity).
يرى الباحث، الأستاذ بوعناقه، أن منظور كويني جاء مفتقراً للصياغة النظرية وللنظرة الشمولية للظاهرة، وأن استنتاجاته تفسح المجال للوقوف على تفسيرات مطابقة للتفسيرات السابقة التي أرجعت الانحراف الى عوامل ذاتية ونفسية اجتماعية دون الاحاطة بعوامل أخرى.
ومن ناحية ثانية فإنه يذهب إلى أن كل هذه التفسيرات السابقة لم تجب عن: كيف؟ ولماذا يظل الانحراف قائماً في البيئات الفقيرة؟
يقول المؤلف: هذا ما يوجب على المنتمين إلى العالم الثالث، كما يرى فرانك «Frank»، بناء نظرية اجتماعية قادرة على الكشف عن آليات تحقق التنمية وتتجاوز ذلك إلى تطوير تلك الآليات عند هذه الشعوب لنقلها من الواقع الراهن، وتتجاوز آليات التخلف، هذه النظرية بإمكانها خلق ثورة كاملة تحطم وتهدم النسق الرأسمالي الذي ما زال يهيمن على تخلف العالم الثالث، ليس اقتصادياً فحسب بل اجتماعياً وثقافياً.
الاتجاه المادي (الاقتصادي) في نظريات معالجة الانحراف والاجرام
درس المؤلف ثلاثة اتجاهات لهذه الظاهرة، أولها اتجاه البنائية الوظيفية، وثانيها: اتجاه التسمية، وثالثها: الاتجاه المادي الاقتصادي.
فالاتجاه الأول وضح العلاقة بين السلوك الاجرامي وبين العوامل الاجتماعية الأخرى، وهو ما تقدم عرض نظرياته وتقييمها آنفا.
أما الاتجاه الثاني: فهو يعد تقدماً ملحوظاً نحو نظرية اجتماعية كاملة حول الانحراف، فهذا الاتجاه يرفض الحساب ذا العوامل المتعددة للجريمة والانحراف والمركـّز على طبيعة الأسباب الانحرافية والاجرامية المطلقة، ولا ينظر إلى الانحراف على أنه قضية متأصلة في السلوك، لأن العمل المنظور إليه كانحراف يجب وصفه بذلك من ناحية المجتمع، فهيكل المجتمع نفسه... كما يرى أصحاب هذا الاتجاه ـ هو مصدر المشاكل الاجتماعية، وعليه فإن نتائج تلك المشاكل نفسها هي التي تدل على تلك المشاكل وتحددها مهما كانت أسبابها.
وخلاصة الأمر: إذا كان المنظور الأول يركز على الطبقة الاجتماعية الدنيا، فإن اتجاه التسمية قد نظر إلى الظاهرة من حيث المركز الاجتماعي والاقتصادي وإطار الثقافة.
أما الاتجاه الثالث: فهو الاتجاه الاقتصادي والذي ينظر إلى الظاهرة من خلال مجموعة من المواقف التي تتميز بمنطلقات نظرية شاملة، مؤكدة على الإدراك الكلي لظاهرة السلوك الاجرامي، فالربط بين هذا الاتجاه والسلوك الاجرامي ينطلق من اعتبار ان المجتمع ليس مجرد تجمع آلي للأفراد، وأن التطور الاجتماعي عملية تحكمها قوانين معينة، وعلى العالم الاجتماعي الكشف عن تلك القوانين الأساسية للتأريخ الاجتماعي للمجتمع. لذلك فان النظام الاقتصادي الحـُرّ المبني على الاستغلال في نظر الاتجاه المادي هو الذي يخلق الانحراف.
ففي النظام الرأسمالي في ظل العلاقة غير المتكافئة بين المالك الذي يحصل على فائض العمل وبين العامل الذي يزيد فقراً وضعفاً نتيجة حرمانه من جهد عمله. فإن ذلك يحدث صراعاً وتضارب مصالح وهذا ما يؤدي إلى خرق النظام.
فالنظرية المادية ـ وكما يقول المؤلف ـ تنطلق من حقيقة اقتصادية مؤداها «أن العامل يزداد فقراً كلما زادت الثروة التي ينتجها، وكلما زاد إنتاجها قوة ودرجة، والعامل يصبح سلعة أكثر رخصاً كلما زاد عدد السلع التي يخلقها. فتوزيع الثروة بين المالك والعامل تخلق بين الناس تفاوتاً اجتماعياً بين مالكين يملكون وسائل الانتاج، ومحرومين، هم البروليتاريا التي تصبح في ظل ظروف أكثر تطوراً عاجزة عن اشباع حاجاتها الأساسية، حين يكون المحروم مغترباً عن عمله، وعن ذاته لأن حاصل عمله غير عائد عليه، ما يجعله عرضة للاغتراب فالإنزلاق إلى مهاوي الجريمة.
ويرى ماركس (Marx) للاغتراب أنماطاً هي:
1ـ اغتراب الفرد عن الطبيعة.
2ـ اغتراب الفرد عن العمل.
3ـ تغريب الفرد عن الآخر.
ومن ذلك فان علاقة الإنسان بذاته لا تصبح موضوعية وواقعية كما يرى كارل ماركس، فهي علاقة تنتج عن الملكية الخاصة التي تنتج بدورها إنساناً منسلباً، وعملاً مغترباً، وحياة مغتربة. وهذه كلـّها أسباب يرى فيها ماركس أنها تؤدي إلى ظاهرة الانحراف وحصول الجريمة.
أما إنجلز (Engels) كما يرى نسبت (Nisbet) في عرضه للاتجاه المادي بأنه إذا «عمدت السلطة إلى إفساد الأخلاقيات والتصرفات بشكل غير عادي، فقد يصبح العامل مجرماً، بفعل المعاملة الوحشية التي يمارسها البرجوازيون على العمال بشكل غير عادي، فيتحول العامل بالضرورة إلى مجرد أداة تخضع إلى قوانين الطبيعة، ثم يفقد معها صفة الاختيار تماماً».
أما فانون (fanon) فقد أعطى للاغتراب مفهوماً شاملاً:
1ـ الاغتراب عن الذات.
2ـ الاغتراب عن الآخرين المهيمنين اجتماعياً.
3ـ الاغتراب عن الناس.
4ـ الاغتراب عن الثقافة الخاصة، أي الشخصية.
5ـ الاغتراب عن الحدود الاجتماعية الخلاقة.
وهذه النقاط الخمسة هي خير تشخيص للدوافع الحقيقية للجريمة لان الإنسان في الاغتراب سوف يفقد هويته عن هوية مجتمعه العامة. وأيضاً ما يحصل من استلاب الانتماء العائلي، فالدوافع للجريمة كما يراها فانون و أصحاب اليسار الجديد هي دوافع اجتماعية ونفسية.
أما ريكس (Rex) وضمن هذا السياق الاقتصادي وفي باب الصراع والتحليل الطبقي، فيؤكد أن الطبقات الأكثر تدنياً هي التي تتكون من الفقراء المعدمين الذين لا يعملون في الغالب ويعتمدون على المساعدات الاجتماعية، هم يشعرون باحتقارهم من كلّ الطبقات، ويعيشون وضعاً متبايناً اجتماعياً واقتصادياً، يخلق ميكانيزمات أخرى متفاعلة، من تعليم متدن، وخدمات اجتماعية ضعيفة، وتنشئة اجتماعية تتميز بالفتور، والتي تأتي كلها انعكاساً للوضع الاقتصادي الجوهري للفرد الذي سُلب منه.
وأمام هذا العرض من آراء وأفكار ومفاهيم لفلاسفة وباحثين، يفرد المؤلف مجموعة نقاط تسائلية وهي بمثابة قراءة نقدية على صيغة تعليقات صغيرة عابرة. ثم يخلص إلى:
1ـ قضية عدم إشباع الحاجات الأساسية في الدول النامية نتيجة الخلل الذي يعيشه اقتصادها بين التبعية والتضخم والارتفاع في الأسعار الذي يزيد البطالة تفاقماً، والشباب أحد العناصر الحيوية الأكثر تعرضاً لهذه المؤثرات، يجنح إلى السلوك الإجرامي.
2ـ دور التنمية غير العادلة بين أقاليم ومحافظات وقرى ظلت نقطة بارزة لعدم انهاء مشاكل المجتمع.
الدراسة الميدانية:
يعتمد المؤلف في دراسته لظاهرة الانحراف الاجرامي على الدراسة الميدانية، والتي أثبتها في الفصل التاسع من كتابه هذا مـُشخصاً نسبة الجريمة، ومن ثم أعطاء الحلول لعدم تكرارها. فمثلاً يفرد المؤلف جدولاً حول نمط الجنحة المرتكبة:

 

الفئات التكرارات النسبة (في المئة)
السرقة 117 58.5
الضرب والاغتصاب 44 22.0
تكوين العصابات 33 16.5
أخرى 6 3.0
المجموع 200 100

ويتضح من هذا الجدول ان الجرائم المتواترة بين الشباب هي من النوع الفردي، السرقة، سرقة المحلات أو المساكن أو السيارات أو الأشخاص في الأماكن العمومية كالحافلات بواقع بلغ 75.5%، أما الضرب والاغتصاب فقد بلغت نسبتهما نحو 22%، أما تكوين العصابات فقد كان قرابة 16%.
ويعلق المؤلف: ان ارتفاع نسبة السرقة يوحي أن هذه العينة وقعت تحت العوز المادي لعدم توافر مصادر الإعالة أو العمل، ما دفع بها إلى التعويض بالسرقة، لإشباع حاجتها، ولعلاج هذه الظاهرة من البديهي التشديد على ضرورة إيجاد فرص عمل وفق خطة شاملة للمجتمع، إلى جانب التوعية أما ظاهرة الاغتصاب والضرب ـ والقول للمؤلف ـ فإنها تشير إلى رد فعل طبيعي للكبت النفسي بشتى صوره الجنسية وغير الجنسية، الذي عانته عينة البحث، وهنا يأخذ المقترح مسارين:
1ـ مسار سياسي اجتماعي لمعالجة كل أشكال الكبت والقهر السياسي والديني والطبقي والطائفي.. الخ، بمزيد من الديمقراطية.
2ـ مسار اقتصادي اجتماعي، وذلك بتهيئة الفرص التي تسمح للشباب بالارتباط المشروع بالجنس الآخر، وهذا يتطلب مساكن لللأسر الوليدة، وفرص عمل، ونظم ادخار وتسليف وتعاون، تسهم في مساعدة الشباب على الزواج بدلاً من الانحراف.
وفي مسح ميداني آخر، حول ظروف العمل والبطالة، كان هذا الجدول:

الفئات التكرارات النسبة (في المئة)
الشباب لا يحب العمل 11 5.5
الشباب غير المؤهل 11 5.5
لصغر سنه 23 11.5
صعوبة الحصول على العمل 155 77.5
المجموع 200 100

بالطبع،ومن البداهة أيضاً أن البطالة سبب يؤدي إلى ظهور شريحة اجتماعية، تمر بمراحل ثم تتحول إلى شريحتين، فالعاطلون بداية، شباب عانوا الحرمان والطرد والتهميش منذ طفولتهم في البيت، ثم في المدرسة، وفي ما عداها من المؤسسات الاجتماعية، ووصل بهم المطاف إلى مرحلة البحث عن العمل من دون نتيجة ايجابية، ويضيف المؤلف: وحينما تتكرر المحاولة مكررة معها النتائج السلبية، تتحول هذه الشريحة إلى تيارين: تيار يُصاب بالإحباط، والشعور بالقهر والإضطهاد والصد والتهميش، ما يؤدي بهم إلى الاغتراب، فاليأس فالانحراف، بحيث أنهم لو توافر لهم العمل بعد ذلك استجابوا، وهم يشكلون نسبة ضئيلة كما ورد في الجدول، 5.5 في المئة، ما يجعلنا مطمئنين إلى عدم خطورتها. ولكن هذا لا يعني عدم تكرارها في المستقبل والتحاق يائسين جدد من الذين يعانون عدم التأهيل أو صعوبة الحصول على عمل، وهم الذين يشكلون نسبة كانت على التوالي: 5.5% و 77.5% هؤلاء الذين ينتظرون أول فرصة عمل مناسبة كي يندمجوا بالمجتمع هم عناصر سوية، وهنا ـ وكما يقول المؤلف ـ تبرز أهمية التأهيل المستمر، وتوفير المزيد من فرص العمل لمعالجة اسباب هذه الظاهرة ونتائجها.
أما الأنماط والمراحل التي يمرّ بها الشباب العاطل:

الفئات التكرارات النسبة (في المئة)
بالقلق 45 22.5
بالاغتراب 77 38.5
بالضياع 78 39.0
المجموع 200 100

ويثير هذا الجدول جملة من النقاط تعبر عن واقع مجتمع البحث والدراسة إزاء العمل الذي يعد من أساسيات الحياة، ومن ثم يعتقد ان فقدانه (العمل) يعد معوقاً اجتماعياً في عملية الانغراس الاجتماعي، وهذا ما تأكد ـ كما يقول المؤلف ـ من واقع أجوبة المبحوثين التي رصدت في هذا المسح الميداني أعلاه.
أما صورة الشباب في تعاطي الحشيش والمخدرات، فهي كما جاءت من خلال المسح:

الفئات التكرارات النسبة (في المئة)
يتعاطى 25 12.5
لا يتعاطى 75 87.5
المجموع 200 100

يقول المؤلف: من الملاحظات التي رصدتها ودونتها خلال المقابلة، ان الشباب الذين لا يملكون المال للحصول على المخدرات، اخترعوا طريقة تمكنهم من الحصول على المخدرات، وطريقة تمكنهم من الحصول على مركب له مواصفات المخدر: زجاجة من العطر+ علبة سجائر+ بتل السجائر بالعطر+ تمرر على النار فتتحول إلى مخدر.
ثم يفرد المؤلف فصلاً كاملاً استوحاه من مسحة ميدانية يتعلق بكيفية العناية بشريحة الشباب ضمن اطار عينة من المجتمع، وإن كانت هذه العينة ليست معينة بالدرجة الكبيرة، أو بالأدق لم تكن على مستوى تطلعات وطموحات الشباب، إلا أن نسبة أكثر من 50% هم في موقف الدعوة إلى رعاية الشباب.
وبشكل عام فإن الدراسة الميدانية هي انعكاس حقيقي لأي مشكلة يمكن للباحث الاجتماعي الوصول إلى اسبابها ومداخلاتها ونتائجها. ولذا فان الباحث الدكتور (علي بوعناقة) استعرض موضوع الشباب في الوطن العربي والعالم الثالث، وبالأخص دولة الجزائر موزعاً على ثلاثة فصول مهمة حاول فيها المسح الواقعي لأغلب الأسباب والتداخلات المتعلقة بحيويتهم ودورهم وخلص إلى نتائج لا يمكن لأي دارس اجتماعي لهذا الموضوع اغفالها. ثم وضع «توصيات» في آخر دراسته، هي الأخرى جاءت نتيجة اندكاكه الميداني بهذه الدراسة، فمنها:
1ـ أن تدرس قضية الشباب دراسة شاملة، تتظافر فيها الجهود بين الاجتماعيين والنفسانيين ورجال الإحصاء بما لديهم من مادة حيّة عن الشباب.
2ـ ضرورة معرفة عدد الأطفال الأيتام واللقطاء ومن لا أسر لهم بسبب طلاق الأبويين.
3ـ دراسة الجانب الاقتصادي لهذه الأسر وعلاقة ذلك بحجم الاشباعات المختلفة التي لم تدرس دراسة وافية في هذا البحث.
4ـ ان الفتاة في المجتمع الجزائري لم تدرس حتى الآن، وهي تعاني مثلما يعاني الشاب.
5ـ تبين أن الشباب بمختلف مستوياته لا يمكنه الارتباط بكثير من القضايا المجتمعية، وهو أمر ذو أهمية يتطلب الدراسة الشاملة، مع إعادة الإعلام الوطني ليسهم في ربط الشباب بواقعه، ومساره، وبهويته.

 

(*) كاتب وباحث من العراق.