|
السبت:
01/03/2008
إشكالية النهضة بين الليبرالية الاغترابية والإسلامية الإجتهادية
المؤلف:
الدكتور عفيف فرّاج
الناشر: دار الآداب، بيروت
الطبعة: الأولى عام 2006م
قراءة: صادق الروازق
(خاص للمعهد)
بين الجمود والحركة بون واسع، فبين أن تبقى الشعوب تتقهقر تحت رحمة
الاستبداد والظلم والتسلط، وبين أن تنفض عن نفسها غباراً من تراكمات
أزمان طويلة حسرت فيه نفسها وتخندقت بأفكار لا تنهض مع تطور الزمن
ومتطلبات الحاجة والحياة. فلابد ان تكون هناك نهضة، نهضة حقيقة يقودها
فكرٍ متنور، ولابد لهذا الفكر من رجال يدفعون الأمة بافكارهم إلى عصر
النهوض، عصر الثورة على كلّ مخلفات الركود والنكوص والخدر والجمود، فلابد
من حركة لابد من نشاط، لابد من وقفة تأمل في اولويات الفكر، لابد من
تحريك آليات هذا الفكر، فظهرت البوادر مع أولى حركات المصلح الأفغاني
وتنقلاته في البلدان الإسلامية، فجمع حوله النواة الأولى ممن سوف يضع
لمساته التأريخية على ابواب هذه النهضة، فكان محمد عبده من أبرز تلامذته
المتنورين، كما ظهر في الوسط الليبرالي رجال تركوا لبناتهم على واقع
النهضة، فكان للاسلاميين فكرهم ورؤاهم في كيفية صياغة أطر النهضة،
وبالمقابل كان لليبراليين مسارهم الخاص بهم. فمنهم من بقى متمسكاً بمساره،
ومنهم من رأى واقع النهضة مع المصلحين الإسلاميين وهذا ما حاول المؤلف
استعراضه في هذا الكتاب وذكر مصاديق مسار النهضة ورجالاتها بالغور عميقاً
في تتابع الأحداث ومقارباتها ومفارقاتها.
فالكتاب بمحتواه المكون من فصوله السبعة لم يحتو على وحدة موضوع، بل ان
المؤلف استغرق في تفاصيل كثيرة تتعلق بإشكالية النهضة دون ان يستعرض مسار
النهضة بشكل مفصل، وربما جاءت هذه المنهجية جراء اجتهاد ابنته «عائدة»
بعد رحيله تاركاً لماً من الفصول والتي لم تنجز بعد، وهذا ما أكدته (عائدة)
نفسها في مقدمتها على هذا الكتاب. وهي تستعير فصل «تغريبة طه حسين وغربة
المشروع الليبرالي المأزوم» ومقدمة هذا الفصل من دراسة قد نشرها المرحوم
في جريدة السفير 22 آب من عام 2003م.
ولتلافي كلّ ما قد يوجه لهذه المنهجية من خلل أو ضعف، وفقت بأن تستكب
الكاتب صادق جلال العظم، تقديماً أستوضح فيه دور المؤلف واهتمامه بالجديد
المفيد في الفكر والثقافة «العربية» ومن ثم أهمية هذا الكتاب ومنهجيته
التي نحا فيها المؤلف معرّفاً عمق اشكاليات النهضة عند الإسلاميين وعند
الليبراليين، في الوسط العربي والوسط الأوروبي.
فيقول العظم: تناول المؤلف عصر النهضة بروح نهضوية حقيقية وبمنهجية حساسة
أعادت له واقعيته التاريخية الملتبسة كعصر انتقالي حكما، لأن النهوض يعني
مغادرة مواقع كنا فيها سابقاً والتوجه، في الوقت ذاته، نحو مواقع جديدة
نريد الوصول إليها، ان عصر النهضة بهذا المعنى، هو هذه الحركة بين
المواقع الأولى والثانية بكل ما تنطوي عليه النقلة من التباسات وتداخلات
ومفارقات وازدواجيات ومجازفات وتخطيات، ثم يقول العظم: إن أجمل ما في
كتاب (عفيف) هو هذه الملاحقة النقدية لجوانب التنافر ولأوجه التعارض في
فكر عصر النهضة وفي مجموع إنجازاته ومجمل تراجعاته كما في مفارقاته
الكثيرة جداً.. ويأتي عصر الانتقال هذا، في معالجة (عفيف) اللطيفة له،
حاملاً لكثير من خصائص الزمن الذي تركه وراءه وسماته وأعراضه وأمراضه،
ومنطوياً في الوقت نفسه على جنين هو مجموع الخصائص والسمات والأعراض التي
سيؤول إليها العصر العربي هذا مستقبلاً.
الكتاب احتوى على سبعة فصول، وهي:
الفصل الأول: الطهطهاوي ومحمد علي: مثقف الأمير.. وأمير المثقفين.
الفصل الثاني: الليبرالية في مصادرها الفكرية والسياسية.
الفصل الثالث: محمد عبده «مجدّد الدنيا بتجديد الدين».
الفصل الرابع: صدام التيارين النهضويين: المسيحي المغترب والإسلامي
المجدّد، مجادلة فرح أنطون ومحمد عبده نموذجاً.
الفصل الخامس: حركة الإصلاح الديني بين مارتن لوثر والمصلحين الإسلاميين.
الفصل السادس: طه حسين ـ تغريبة طه حسين وغربة المشروع الليبرالي المأزوم.
الفصل السابع: عموميّة المثال الثقافي النهضوي ـ خصوصيّة الواقع اللبناني
الطائفي.
وللمزيد من نقف التوضيح على أهم ما جاء في هذه الفصول من عناوين فرعيّة
وجدنا فيها ما يمكن ان يوضح بعض ما تناوله المؤلف عن إشكالية النهضة.
ففي الفصل الثالث، ينحى المؤلف إلى استعراض مواقف وتطلعات الشيخ محمد
عبده، ووصفه «مجدد الدنيا بتجديد الدين»، وهو يقول: ان الأفغاني وتلميذه
محمد عبده يتطلعان إلى تثوير الإسلام ليصبح دليلاً للثورة ورافعة للحضارة،
فهما سعيا لاستعادة الصورة التي رآه عليها هيجل الذي حدّد الإسلام بأنه:
«ثورة الشرق المتـّجهة إلى التوحيد ضد الغرب النازع يومذاك إلى التجزئة
والتفكك» ويضيف المؤلف: وفي ضل هذا الإسلام المرتجى من ائمة الإصلاح
الديني صاغ أدونيس أفهومته القائلة «لا ثورة إلا بالإسلام لكن لا ثورة
إلا في الإسلام» وأدونيس يرى أن فكر الإمام محمد عبده لا تحدّه أوصاف «التجديد»
و«التوفيق» فهو فكر «نقديّ» أولاً وعن الإمام محمد عبده يقول المؤلف جاء
ليجدد للأمة دينها، وأول التجديد هو نقد التقليد والمقلـّدين، و«فئتان
عظيمتان» كما لاحظ الإمام: «طلاب علوم الدين، وطلاب علوم العصر» فكان
جوابه للفئة الأولى من المقلـّدين المتمترسين في جامع الأزهر من الذين
اتهموه بمفارقة الأشاعرة واتباع المعتزلة: «اُترك تقليد الجميع وآخذ
بالدليل» أما بالنسبة لمقلدي الحداثة الغربية فكان يدلـّهم على الفارق
بين النسخ الذي يولـّد المسخ من جهة، والتمدين العميق، وليد التمرّس
الطويل الذي يبدّل الأخلاق ويغيّر العادات ويوقظ الأفكار من جهة ثانية،
وكان «الأمر العظيم الأول» الذي دعا إليه محمد عبده هو «تحرير الفكر من
قيد التقليد وإطلاقه في فضاء التوحيد»، فالإسلام ـ كما يقول المؤلف من
منظور الإمام عبده: «جاء ليعتق الأفكار من رقـّها، ويحلـّها من عقالها،
ويـُخرجها من ذلّك الأسر والعبوديّة» وقد تقدم محمد عبده على طه حسين في
تبيان العلاقة بين الفكر والزمن التاريخي، وإذا اعتبر أن الاجتهاد تابع
لعصره، فمتى انقضى العصر وزالت مقتضياته، فإن الاجتهاد الذي تم بحسبها
يُعدّ، هو أيضاً منقضياً. ويضيف المؤلف ايضاً: ان تقدم عبده على طه حسين
حتى في التشكيك في صدقيّة تاريخ مرحلة ما قبل الإسلام مفترضاً أن «تاريخ
مرحلة ما قبل الإسلام مغلوط في الإسلام نظراً لانعدام الضامنين» وما
أضافه طه حسين هو أنه دفع بمنهج الشك العقلي إلى حدّه القصيّ بحيث أدرك
القرآن نفسه، بينما اعتبر الإمام عبده القرآن «بداية تاريخ جديد
للإنسانية».
كما ولم يكن محمد عبده مفتقراً إلى الاعتقاد بالمنهج التجريبي، الذي
طالعه فرح أنطون في بيكون، وقرأه محمد عبده في مقاربات العلماء العرب،
وكانت نصيحته «جرب وشاهد ولاحظ تكن عارفاً». ويؤصل لويس عوض الاتجاه
العقلانيّ في مدرسة محمد عبده «الراسخة» مشيراً إلى أن مريديه «أخذوا عنه
الكثير من دعوته للإصلاح، بعضُهم في اتجاه عقلانية الدين مثل رشيد رضا،
وبعضم في اتجاه عقلانية الدنيا مثل أحمد فتحي زغلول وقاسم أمين ولطفي
السيد، إلى جانب تلميذه وزميله في الكفاح أيام ثورة عُرابي: سعد زغلول».
مشروعية الفكر
يقول المؤلف: كان الافغاني وعبده يتلمّسان مشروعية الفكر الذي يقع خارج
الدين في داخل الدين، بينما كان أنطون والشميل وسلامة موسى يحاولون نفي
الدين بالإلحاد المستمد من منهجيات بيكون وكومت وبعض فلاسفة التنوير
الماديين ونظرية دارون، أي بآليات فكرية من خارج الدين والتراث، وهكذا
بقي العقل النهضوي حبيس الاستقطابين: العلمويّ الغربيّ والإسلاميّ.. وقد
توافقت استنتاجات العديد من الباحثين اليساريين مع توجّه محمد عبده، فيرى
أنور عبد الملك أن «الاتجاه العقلي العلمي لا يتنافى، ولا داعي لأن يتنافى
مع الإيمان، فالدين في عالمنا العربيّ ـ الإسلامي أولاً، وكذا في
المسيحية الشرقية، تكوّن عبر أجيال متراكمة بوصفه الدرع الواقيّة لحياتنا
السياسية القومية وحضارتنا المميّزة في مواجهة حملات الاستعمار، من
الصليبيّة إلى الأمبريالية وإلى الصهيونية، ومن هنا كان بديهياً أن يكون
للعامل الديني في عالمنا العربي مكانته التي حدّدها التاريخ والوجدان معاً
بوصفه الإطار الأعمّ لتراثنا الفكري عبر الاجيال».
وبهذا الخصوص يلاحظ غالي شكري: «لا مجال في أي ثورة مقبلة لإستبعاد الدين
أو تجاهله، فضلاً عن محاربته» بل يطالب بالمزيد من الإصلاح الديني بدأ من
علمنة الأزهر وانتهاءً بعلمنة الدولة والمجتمع، ويرفد العلامة محمد حسن
الأمين تيار «العلمانية المؤمنة» بالقوة، معرفاً العلمانية بأنها: «مشتقة
من العالم وتتأسس على ان الحقيقة ليس مصدرها شيء آخر غير العالم نفسه».
وينتهي المؤلف بهذا الفصل ذاكراً الكثير من المفارقة الكبرى في جدل أنطون
ـ عبده كما ويختم فصله هذا بالمواقف المتناقضة لليبراليين، فيقول في
بعضهم «من يصدّق أن شبلي الشميل»، زعيم فكرة النشوء والتطور وناقل معركة
دارون ضد الدين والتقليد من الغرب إلى الشرق، يظاهره أنطون في مجلة
الجامعة، وناقل مفهمومي «تنازع البقاء» و«البقاء للأصلح» إلى مجالات
السياسة والاجتماع والحضارة؟ من يصدّق أن الشميل هذا يـُلقي برأسه المتعب
على وسادة الإيمان بوحدة الوجود، ويسند صوفيته الشرقية المسيحية إلى
قاعدة علميّة قوامها الأصل الواحد لكل الأنواع الحية، ويستخدم مصطلحاً
لغوياً صوفياً توحيدياً، وإشراقياً عن نزعة روحيّة متأصّلة؟
وفي الفصل الخامس من الكتاب يفرد المؤلف ابعاد حركة الإصلاح الديني بوجه
مقارن بين حركة مارتن لوثر والمصلحين الإسلاميين، فيقول المؤلف: وإعجاب
رواد الإصلاح الإسلامي جميعاً بحركة الإصلاح الديني التي قادها لوثر يصدر
عن تلمّسهم لتشابه وتماثل بين مبادئه ومفاهيم إسلامية أساسية أرادوا
إحياءها وأسندوا إليها حركتهم الإسلامية الإصلاحية، فيقول محمد عبده: «إن
المجددين البروتستانتين خالفوا ما اُشتهر من نصوص الكتاب (الانجيل)
وقلـّدوا في ذلك الدين الإسلامي وسمّو مذهبهم مذهب الإصلاح» ومعنى ذلك ـ
كما يقول المؤلف ـ ان نجاح هؤلاء المصلحين يقاس بمعيار أو مقدار مفارقتهم
للمسيحية ومقاربتهم للإسلام، وإذا كانت حركة الإصلاح الديني لم تتقدّم
بأوربا إلا لأنها تلاقت مع القيم والمثالات الحية في الإسلام، فإن عالم
الإسلام لن يتقدم لملاقاة أوربا إلا على طريق تشتقه حركة إصلاح دينيّ
إسلامي مماثلة لحركة لوثر:«إن سبيل الشرق الوحيد إلى النهوض هو القيام
بحركة دينية كحركة لوثر في الغرب». فالامام محمد عبده يتعمد التريب بين
البروتستانتية والإسلام، ويتقصد إظهار التماثل بينه وبين مؤسس المذهب
البروتستانتي، فحركة الإصلاح الديني التي قادها لوثر جاءت في إصلاحها بما
لا يبعد عن الإسلام إلا قليلاً ـ كما يقوم محمد عبده ـ مضيفاً أن بعض
الطوائف البروتستانتية ذهبت في العقائد إلى ما يتفق مع عقيدة الإسلام إلا
في التصديق برسالة محمد(ص)... ثم أخذت أمم اوروبا تنفك من أسرها وتُصلح
من شؤونها، حتى استقامت أمور دنياها على مثل ما دعا اليه الإسلام، غافلةً
عن قائدها، لاهية عن مرشدها، وتقررت أصول المدنيّة الحاضرة التي تفاخر
بها الاجيال.
ويعلل المؤلف هذا التقارب بين المسيحية والإسلام قائلاً: وهذا التماثل
الذي تلمّسه الإصلاح الإسلامي بين الحركة البروتستانتية والإسلام مردّهُ
في التحليل الأخير إلى تأصيل مارتن لوثر للعهد الجديد في العهد القديم،
وإلى العودة بالمسيحية إلى الأصول العبريّة التي كانت قد استقلت عنها،
فالحركة البروتستانتية تنأى عن المسيحية وتقارب الإسلام بقدر ما تمثـّلت
قيماً ومثالات عبريّة، وإسلامية مشتركة تنأى بالديانتين عن المسيحية.
ومن ثم يذكر المؤلف آليات الاصلاح عند لوثر وما يماثلها عند محمد عبده
ومنها:
1- الدعوة إلى تحرير المسلم = الدعوة إلى تحرير الرجل المسيحي.
2- تمجيد العمل = نبذ العناوين التي تؤدي إلى التبطل والكسل، والعمل وحده
المقدس.
ثم يوضح المؤلف بعض أسباب الثناء على حركة الإصلاح الديني قائلاً: إنها
أنشأت انقسامات بين الشعوب وجعلت كل شعب يُغار من الآخر ويحاربه في سلوك
سبيل النجاح، فالأفغاني يومئ هنا إلى نشوء الحركات القومية في دول أوربا،
وهي الحركات التي رفدتها ثورة لوثر على المركز الكاثوليكي، وإلى الدور
الذي لعبته حركته في تفكيك وحدة العالم المسيحي إلى قوميّات تقودها
بورجوازيات متنافسة، بيد أن الافغاني يتجنب استخدام المصطلحين التجزيئين؛
القومي والطبقي، كي يحافظ على خطوط التوازي بين حركة الإصلاح الديني في
الغرب وحركته الإصلاحية.
ومن عناوين الفصل السادس الذي دار بأكمله حول الدكتور طه حسين وتغريبته
وغربة المشروع الليبرالي المأزوم. يفرد المؤلف العنوان التالي: «المرجعية
اليونانية لفكر طه حسين»، فيقول: وعلى كثرة ما كتبه طه حسين غلب على
رؤيته إلى الحضارة، تاريخاً وفلسفة، الطابع الهيجلي الذي يقسم الحضارة
إلى حضارتين متباينتين شرقية وغربية تتخالفان جوهراً ووجوداً تخالفُ
العقل الفلسفي والعلمي الحُرّ ـ وهو عقل يوناني الجذر والمصدر ـ والعقل
الشرقي الذي لم ينتج إلا الأنبياء والأديان، ولم يعرف من الأنظمة
السياسية إلا (الملوك ـ الآلهة)، أو نظام حرّية الواحد وعبوديّة الكل...
ونهضة مصر ـ كما يقول المؤلف ـ تبدأ عند طه حسين حيث بدأت نهضة الغرب
الحديث من اليونان، وفي ضوء هذه القناعة نقرأ إطراءه لأحمد لطفي السيد «أستاذ
الجيل بحق» فهو «ناقلُ أرسطو إلى العربيّة» ولا تفوته أسماء كل الذين
ترجموا عن اليونان (عبد الرحمن بدوي، سهير القلماوي، صقر خفاجة، زكي نجيب
محمود، لويس عوض) وكان هو المشجّع لهم في الغالب. والخلاف مع طه حسين لا
يتمحور حول قيمة مدارس أثينا أو سموّ المدارج العليا التي أرتقاها الفكر
اليوناني، ولا حول ضرورة إدخال خمائر الفكر الإنسانوي اليوناني في عجين
الثقافة العربية الإسلامية، وإنما يتركـّز حول قراءة طه حسين الغربية
التمركز أو الأصولية الهيجلية لتأريخ الحضارة الذي يعظـّم أثينا
باعتبارها أصلاً وجذراً للحضارة العالمية ويتجاهل مفاعيل حضارات الشرق
القديم، خاصة بلاد مابين النهرين «أرض البدايات».
ويضيف المؤلف: ثم إنّ طه حسين يتحدث عن الحضارة اليونانية وكأنها بنيّة
كليّة متجانسة العناصر، مبرأة من مفاعيل ومؤثرات «أرض البدايات» الحضارية
في بلاد ما بين النهرين، وفي مصر التي هاجر إليها كبار فلاسفة اليونان
وأبرزهم فيثاغوراس وأفلاطون ـ ونقلوا إلى الفلسفة اليونانية التيار
الإشراقيّ الذي يؤصّله برتراند رسل في الشرق ويصنـّفه شرقياً، وهذا
التيار هو تيار أساسي لا هامشي في الفلسفة اليونانية، ويترمـّز في
الحركات الصوفية والإغريقية (الأورفية والهرمسيّة) ويتجسّد في رموز
فلسفيّة، كبارها فيثاغورس وأفلاطون وسقراط. وقارئ هوميروس الشاعر،
وهيرودوتس المؤرخ، وسوفوكل المسرحي، يقع على تعظيم لأستاذية مصر الحضارية
وإشارات إلى دور فينيقي ترمّز في قدموس.
ويستمر المؤلف في استعراض مواقفه النقدية لآراء طه حسين، قائلاً: إن طه
حسين يخالف مرجعيّات أساسية في تاريخ الشرق القديم كمرجعية ج. هـ. بريستد
الذي أثبت في كتابيه (انتصار الحضارة) و(فجر الضمير)، أن الضمير الإنساني
ولد في مصر، وأن قيم العدالة الاجتماعية والأخلاقية انتقلت من مصر إلى
العبريين والتوراة، وأن ديانة التوحيد المصرية هي أم الديانات التوحيدية،
وأن موسى تلقـّى مبدأ التوحيد في المعبد المصري. ويضيف المؤلف: وتتعارض
أصولية طه حسين اليونانية الأوروبية كذلك مع مرجعية ص.ن.كرايمر الذي أكد
في كتابه (الشرق الأدنى القديم) أن ارض الرافدين هي أرض البدايات الأولى
لأكثر من ثلاثين حقلاً معرفياً يحددها ويعرض نماذجها.
ثم يقول المؤلف في موقعٍ آخر من عنوان آخر: وخلافاً لما يقوله طه حسين عن
تأصيل الثقافة المصرية أو العقل المصري في أثينا وروما، فإن مصر امتشقت
أسلحة ثقافية من نتاج دياناتها الفرعونية (عبادة أوزوريس) لمقاومة
الهيلنة، وحين تحوّلت روما الامبراطورية إلى المسيحية في عهد قسطنطين
طورت مصر نسختها المسيحية الشرقية الخصوصيّة (القبطية) لتؤكد تمايز
هويتها الثقافية ونزوعها إلى الاستقلال عن روما المسيحية، ثم أقبلت بحماس
على الإسلام الذي وجدت روحها الثقافي في توحيده، لتتابع ممانعتها وتعزّز
حصانتها وتؤكد شرقيتها في إسلام اشتمل على أهم الملامح الثقافية لشعوب
المنطقة التي سادها ـ وهو ما أهـّله ليكون «ثورة الشرق» كما يصفه هيجل.
ثم يقول المؤلف: ومما لا شك فيه ان الحقبة الرومانية الألفية التي امتدت
بين عام 334 (تاريخ انتزاع الاسكندر لمصر من يد الفرس) وعام 641 (تاريخ
الفتح العربي الذي اقتلع الروم البيزنطيين من أرض مصر) كانت الحقبة
الأكثر خطورة على هويّة مصر الثقافية، ذلك أن احتلال الإسكندر لمصر لم
يكن مجرّد احتلال لأرض الكنانة، بل كان غزوة ثقافية، لكن الغزوة لم تتحول
إلى «فتح عقلي» كما أحبّ طه حسين أن يتصور، وصحيح أن مدينة الاسكندرية
التي حملت اسم منشئها تطوّرت وتقدّمت لتصبح مركزاً هاماً للحضارة
الهيلينية ووريثاً شرقياً لمدينة أثينا، وأنها غدت في عهد الرومان «المدينة
الثانية بعد روما، في مقامها العلمي وفي منجزاتها الفكرية، لكن كونيّة
الثقافة الهيلينية تخالفت مع عنصريّة المحتلـّين اليونانيين واستبدادية
الروم التمذهبين على جمود؛ فامتنع الروح المصري على المحتلين وأعاد إنتاج
تراثه الثقافي على شكل أسلحة معتقدية، دافع بها عن شخصيّته الوطنية».
تناقضات الفكر الإصلاحي
يؤكد المؤلف من خلال هذا العنوان، على ان الاصلاحيين انفسهم لم تكن لهم
المنظومة الفكرية الموحدة، وبالمفهوم الدقيق الذي وصفهم به أنهم لم
يكونوا أصلاء في ثقافتهم، حيث كانت ثقافتهم نتاج علاقة هجينة: «ان
الليبراليين النخبويين هم نتاج العلاقة الكولونيالية التي انعقدت بين
المستعمر البريطاني وشريحة الأعيان والتجار المصريين المحليين، وهذا
القران بين السيد الاجنبي وتابعه المحلي هو الذي ولـّد النخبة الثقافية
المهجّنة والحاملة لثنائيات شتـّى كانت تتأرجح بين أقطابها وتتهافت»
وأماعن دور المثقف الإسلامي الإصلاحي والثوري فيقول المؤلف: كان له
تكوّنه الخصوصي هو الآخر، فقد دفعته الهجمة الأوروبية إلى التعاطف مع
دولة الخلافة، وإلى استبقاء مقولات وتشريعات إسلامية تشدّ أزر التقاليد
الاجتماعية، فأزدوج هو الآخر بين فكر سياسي تحرّري متقدّم، وفكر ديني
رجوعي متخشـّب يعادي تحرّر المرأة وحرية الفكر في المساءلة والنقد
والتجدد».
ثم يذكر المؤلف مصاديق لهذا النكوص والتخشب، فيقول: «فمن وجهة محض فكرية
كشف الحزب الوطني عن رجوعيّة مؤرثة حين هاجم من على صفحات جريدة اللواء
الناطقة باسمه، قاسم أمين ودعوته إلى تحرير المرأة، وحين اصدر علي عبد
الرازق كتابه «الإسلام وأصول الحكم» (1925م) هاجمته جريدة الأخبار لسان
حال الحزب آنذاك، وأمطرته بقذائف التكفير والالحاد والخروج على دين
المسلمين ودين الدولة والراية المصرية. ولم يجد كتاب علي عبد الرازق الذي
ينتمي إلى الاحرار الدستوريين، من يدافع عنه إلا جريدة حزبه الجريدة التي
يرأسها أحمد لطفي السيد والتي حاججت بقوة ضد هيئة كبار العلماء، وأظهرت
بطلان حقــّهم في التسلط على الفكر، وفضحت ثنائيات مسالكهم حين ساءلت
الدولة عن سبب «انزعاجها» من البحث الفكري الحر و«سكوتها» عن ترخيصات
الدولة للعاهرات ولتجّار الخمور ونوادي القمار بالعمل، وطالبت بالاحتكام
إلى الدستور الذي يكفل حق المفكر في التعبير عن فكره» واللطيف هنا ما
يذكره المؤلف عن مواقف حزب الأمة، فيقول: «لكن حزب الأمة الذي حاجج بأن
الدستور قد كفل في مواده حرية الرأي وأن لا سلطة لهيئة كبار العلماء على
الفكر، هو الحزب نفسه الذي ارتضى في العام نفسه (الذي أصدر فيه عبد
الرازق كتابه) أن «يشترك في حكم البلاد بلا دستور»، وفي وقت كان فيه سعد
زغلول، زعيم حزب الوفد والأمة مبعداً. ويلتقط أحمد بهاء الدين هذا
التفارق بين تقدميّة حزب الأمة الليبرالي إلى الفكرية وتبعيته السياسية
حين يتساءل: «كيف تزعجهم إلى هذا الحد مصادرةُ رأي كاتب واحد، ولا تزعجهم
مصادرةُ الدستور وآراء الناس جميعاً؟ كيف يثورون لحرية الرأي في نفس
الوقت الذي كانوا يؤيدون فيه وزارة تعطـّل الدستور وتصادر الحريّات جميعاً»؟.
وفي خاتمة سابع فصول الكتاب يذكر المؤلف قصدية للشاعر الراحل نزار
القباني يستنطق منها الانسان النهضوي وما يعيشه من حالة الاغتراب الجسدي
والروحي ومن الواضح ان
الجغرافيا = الاغتراب الجسدي، بيد أن من المدهش هو الاغتراب الروحي =
الهروب من التراث الثقافي الحضاري، وهي حالة كما يقول المؤلف خارجة عن
مألوف «أدب المهجر».
ذاهباً حتى نهايات السفر
هارباً من هذه الشمس
التي تجلدني
بكرا بيچ الضجر
هارباً من مدنٍ نامت قروناً
تحت أقدام القمر
تاركاًً خلفي عيوناً من زجاج
وسماءً من حجر
ومضافات تميم ومضر
لا تقولي: عدّ إلى الشمس فإني
أنتمي الآن.. إلى حزب المطر
فيعلق المؤلف على هذا النص الشعري:
على الثقافة أن تمسك جيداً بالأقلام وتكتب كي لا يتكثـّف «موسم الهجرة
إلى الشمال» وكي لا تستقرّ العقول المبدعة في بلاد المطر مرّة وإلى الأبد،
فتنقطع جدليّة «مشرقة الغرب» و«غربنة الشرق» وبانقطاعها لا يبقى سوى شمسٍ
تـُشرق من الغرب.
|