|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
الثلاثاء:
29/07/2008
آليات علمية جديدة لمحاربة الفساد الإداري والمالي
د. غزوان هادي
النزاهة تلج المضمار الأكاديمي
زاوجت هيئة النزاهة في العراق بين عملها الوظيفي، وبين الجانب العلمي
(الأكاديمي) في أطره القانونية والإدارية والمالية والمحاسبية، من خلال
إشراك أكاديميين ومتخصصين في هذه المجالات لتحسين أدائها، في خطوة هي
الأولى من نوعها لمحاربة تفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي في القطاعين
العام والخاص، وليس مكافحته فحسب، وذلك بوضع آليات وصيغ جديدة تعتمد احدث
الأساليب لإرساء قواعد بناء ستراتيجية وطنية لمحاربة الفساد، وتعميم
ثقافة النزاهة، في خطوات تأخذ أبعادا علمية(أكاديمية)، وواقعية إدارية
(تطبيقية)، وذلك بتطبيق الأطروحات العلمية(الأكاديمية) في ميدان العمل
الحقيقي التطبيقي (الواقعي) لهيئة النزاهة في محاربة الفساد الإداري
والمالي من جهة، وتعميم ثقافة النزاهة مجتمعيا من جهة أخرى.
- الفساد الإداري والمالي في العراق وسبل معالجته
عرفت المجتمعات المختلفة وعلى مر العصور ظاهرة الفساد الإداري والمالي،
ما يمكننا القول بأنها ظاهرة عالمية مستمرة، لأنها لا تخص مجتمعا بذاته،
أو مرحلة تاريخية بعينها، فهي ظاهرة ملازمة للحضارات البشرية، وجزء لا
يتجزأ من الصراعات السياسية والاجتماعية عبر التاريخ، فما من أمم انهارت
أو أنظمة سقطت إلا وكان الفساد عنصرا فاعلا فيها، لقد كان العراق واحدا
من بين الدول التي ابتليت بهذه الظاهرة، بدءا من هدر المال العام،
والإسراف غير المحسوب على حسابه من دون رقيب أو حسيب، تبددت على أثره
ثروات البلد، وبانت بسببه مظاهر التخلف الاقتصادي والاجتماعي في كل مظاهر
الحياة.
عنيت ظاهرة الفساد باهتمام الكثير من الباحثين والمختصين، واتفقت الآراء
على ضرورة تأسيس إطار عمل مؤسساتي يهدف إلى تطويق هذه الظاهرة وعلاجها،
من خلال إتباع خطوات جدية ومحددة، لمكافحة الفساد بكل صوره ومظاهره، وفي
جميع مجالات الحياة، للتعجيل في بناء التنمية الاقتصادية، وذلك بسن
العديد من القوانين التي تجرم الفساد وتكافحه، وكان لتأسيس هيئة النزاهة،
واستحداث دوائر للمفتشين العامين في الوزارات كافة، خطوة أساسية لسطوع
بارقة أمل وشعور بالاطمئنان لعهد جديد دخله العراق.
- الآثار الاجتماعية للفساد
يفرض الفساد الإداري والمالي تداعيات اجتماعية خطيرة على المجتمع العراقي
في الوقت الراهن، والتي قد تمتد إلى الأجيال المقبلة، إذا لم تبذل الجهود
للحد منها، وعليه تكون معالجة الموضوع في اتجاهين رئيسين: الأول، إعادة
النظر في التداعيات الاجتماعية للفساد الإداري والمالي على المجتمع
والدولة في عدة مستويات أهمها: تراجع التقاليد الإدارية، وضعف المسؤولية
الوطنية تجاه حاضر ومستقبل المجتمع، فضلا عن تمتع الموظفين الحكوميين
وأصحاب الشركات الخاصة بحرية واسعة في التعامل مع المشاريع المطروحة في
مقابل ضعف المساءلة القانونية تجاههم، والثاني، السعي لبناء ستراتيجية
وطنية للحد من هذه التداعيات، من خلال تعزيز الانتماء الوطني، وبلورة وعي
شعبي يسعى لفضح الفساد ومحاربته، فضلا عن محاربة البطالة والفقر،
والافادة من الجهود الدولية في هذا المجال.
تواجه مكافحة الفساد الإداري والمالي في العراق مشاكل وتحديات عدة، منها:
* ضعف الإرادة السياسية العامة في مواجهة الفساد الإداري والمالي.
بالرغم من وجود الإرادة الشعبية لمكافحة الفساد، إلا إن هناك تقبلاً
مجتمعياً للفاسدين والمفسدين.
* مع وجود الإرادة الدستورية والقانونية لمكافحة الفساد، فالقانون يعاني
من خلل واضح في مواجهة الفساد.
* ارتباك الرؤية العراقية بشان مفهوم الفساد أو المؤسسات التي تواجهه،
واليات مكافحتها.
* ضعف الآليات المتبعة في مكافحة الفساد، وضرورة البحث عن آليات جديدة
وفاعلة.
- حوكمة الشركات للحد من فسادها
تعاني الشركات الدولية الكبيرة، والشركات والمؤسسات في القطاعين العام
والخاص، من حالات التلاعب والاستغلال، وظاهرة الفساد الإداري والمالي،
وغالبا ما تعرض هذه الظاهرة الشركات والمنظمات إلى فقدان السمعة، وانعدام
الرغبة في المساهمة والاستثمار، وأحيانا الخسارة والإفلاس، لذا كان من
الضروري البحث عن الوسائل الأكثر نجاحا في معالجة مثل هذه الظاهرة، ووضع
الشركات والمنظمات على الطريق الصحيح والمنتج، ويعد نظام الحوكمة واحدا
من أهم أساليب الرقابة والضبط في هذا المجال، والتي أسهمت كثيرا في الحد
من ظاهرة الفساد، إلا إن هذا الأسلوب هو أكثر ملاءمة للشركات الكبيرة
والدولية، غير إن حاجات الشركات المحلية والمؤسسات الحكومية، أصبحت ماسة
إلى نظام حوكمة يشملها، بعد تطويعه بما يتلاءم مع ظروفها ومتطلبات عملها،
لذا يعد من الضروري تطويع نظام حوكمة الشركات مع ما يتناسب ومتطلبات عمل
الشركة أو المؤسسة الحكومية العراقية.
- موقع العراق من اتفاقيات مكافحة الفساد الدولية
اثر اكتشاف سرعة انتشار ظاهرة الفساد الإداري والمالي، واتساع نطاقها
لتتجاوز الحدود المحلية والإقليمية، وتركز آثارها السلبية في جميع مفاصل
الدولة، وتوزعها أفقيا بين مجموعة من الدول، أدرك المجتمع الدولي خطورة
هذه الظاهرة، فبذل المزيد من الجهود الإقليمية والدولية، والتي تحول
بعضها إلى صيغة معاهدات ومواثيق دولية، كان أبرزها اتفاقية البلدان
الأميركية لمكافحة الفساد، التي اعتمدتها منظمة الدول الأميركية في 29
آذار 1996، واتفاقية مكافحة الفساد بين موظفي الجماعات الأوروبية، التي
اعتمدها مجلس الاتحاد الأوروبي في 26 أيار 1997، واتفاقية مكافحة رشوة
الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية، التي
اعتمدتها منظمة التعاون والتنمية الدولية في الميدان الاقتصادي في 21
تشرين الثاني 1997، واتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومحاربته،
التي اعتمدها رؤساء حكومات الاتحاد الإفريقي في 21 تموز 2003، وقد اتسمت
هذه الاتفاقيات والمعاهدات بالصبغة الإقليمية لذا كانت الحلول التي
قدمتها محدودة التأثير، فكانت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد
للعام 2003، التي سجلت حضورا كبيرا بحجم المعالجة لمشاكل الفساد الإداري
والمالي دوليا.انضم العراق إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد،
وصادق عليها في 30 آب 2007، هذا الانضمام الذي مثل أهمية كبيرة في بعدين:
الأول، كونها اتفاقية عالمية النطاق، اشترك في إقرارها أكثر من 120 بلدا،
والعديد من المنظمات الدولية، والثاني، لأنها تمثل ستراتيجية شاملة
لمكافحة الفساد، تقوم على اتخاذ جملة من التدابير التشريعية وغير
التشريعية، منشئة آلية لمراقبة خطوات تنفيذها عبر مؤتمر الدول الأعضاء في
الاتفاقية، بهدف التعاون القضائي بين هذه الدول على جميع صعد مكافحة
الفساد.يفرض انضمام العراق للاتفاقية الالتزام القانوني بأحكامها، ما
يجعلها جزءا من النظام القانوني الوطني، الذي يترتب عليه ضرورة تحقيق
الاستجابة والمواءمة التشريعية بين ما تضمنته أحكام الاتفاقية، وبين
الأحكام الواردة في القوانين العراقية في هذا المجال.
- العقود والمناقصات والمزايدات في دائرة الفساد
تعد القوانين المنظمة للعقود والمناقصات والمزايدات الحجر الأساس الذي
تستند إليه المؤسسات الحكومية في عملها، كونها أداة هذه المؤسسات للقيام
بأعمالها في تنظيم وتيسير عمل المرافق العامة المنقولة وغير المنقولة،
وبأسلوب اقتصادي فاعل، من خلال التصرف بها بيعا أو إيجارا تحقيقا للصالح
العام، ما دعا واضعي القانون إحاطة هذه العمليات بالتنظيم والتفصيل تجنبا
لأي اجتهاد شخصي في التنفيذ، نظرا لحساسيتها ودقة التعامل بها، بالرغم من
كل هذه الاحتياطات، إلا إن هذه العمليات يشوبها في كثير من الأحيان
العديد من المخالفات الإدارية والمالية، والتي تدرج ضمن لائحة الفساد
الإداري والمالي، بدءا من أولى مراحلها، وصولا إلى إبرام العقود المتعلقة
بتنفيذها، الأمر الذي يستوجب معرفة الجهات المعنية بهذه العمليات
بالقواعد والأسس القانونية التي تحكم عملها درءا لأية مخالفات إدارية
ومالية محتملة، كون العقود والمناقصات والمزايدات من ابرز الوسائل التي
تلجأ إليها مؤسسات القطاع العام في تنفيذ أعمالها، والحصول على السلع
والخدمات التي تحتاجها.
رسمت التشريعات العراقية المنظمة لإجراء المناقصات والمزايدات الحكومية،
والمتمثلة بسلسلة من التعليمات الصادرة عن الجهات الحكومية المختلفة،
منها التعليمات الصادرة بموجب قرار مجلس التخطيط الملغى رقم 14 في 19
كانون الثاني 1975 وتعديلاته، وتعليمات تنفيذ ومتابعة مشاريع وأعمال خطط
التنمية العقدية للعام 1988، وتعليمات المناقصات لدوائر الدولة والقطاع
الاشتراكي لعام 2001، وأخيرا قانون العقود العامة الصادر بموجب أمر سلطة
الائتلاف رقم 87 لسنة 2004، والتعليمات الصادرة على إثره، كانت قد رسمت
السياسات الإجرائية لعملية التعاقد الحكومي مع جهات غير حكومية، إلا إنها
لم تضمن معالجتها لجميع المخالفات التي ترافق تنفيذ أحكامها، فضلا عن
كونها غير منتظمة، ويعتري عدم الاتساق والغموض بعض أحكامها، ما يؤثر سلبا
في أداء الجهات المكلفة بتنفيذها، الأمر الذي يسهل اتساع ظاهرة الفساد
الإداري والمالي في إرساء المناقصات والمزايدات على شركات وجهات محددة
بناء على اتفاقيات مسبقة.
هكذا ترتبط حاجة المؤسسات الحكومية لإشراك الأفراد والشركات الخاصة في
تنفيذ مناقصاتها ومزايداتها، بإيجاد هيئات للمراقبة والتدقيق والمراجعة،
بهدف حماية المناقصات من الغش أو الهدر أو سوء استخدام المال العام، وحتى
الخطأ في الإجراءات.
عن: الصباح
|
|
|