الحضارية «قراءات ومتابعات»

الاربعاء: 16/07/2008

 

 

مقومات الأمن الغذائي في العراق

 

عماد علو

تشير الدلائل اليوم إلى أن شعوب العالم والفقيرة منها بالذات على أبواب أزمة غذائية خطيرة تنعشها الزيادة المستمرة في الاعتماد على المصادر الخارجية لسد العجز في ميزانها الغذائي. ولا تقتصر الأزمة على سلعة غذائية محددة وإنما تشمل مجموعة كبيرة من السلع الغذائية الأساسية وعلى رأسها الحبوب التي تمثل الركيزة الأساسية للاستهلاك الغذائي في العراق. وتنصب المشكلة في هذه المعاناة من عدم الاطمئنان إلى استمرار توفر مواد الاستهلاك الغذائي الأساسية وعدم زيادتها بالمعدلات المطلوبة لتغطية حاجات النمو السكاني، الأمر الذي دعا منظمة الغذاء والزراعة الدولية الفاوF.A.O. إلى عقد قمة دولية مطلع حزيران الجاري في مقرها في العاصمة الايطالية روما حضرها الأمين العام للأمم المتحدة و(40) رئيس دولة لمناقشة الأزمة الغذائية الحالية أسبابها وتداعياتها.
فلقد أدى استيراد المواد الغذائية بمعدلات نمو متزايدة إلى هزة قوية أصابت الاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي للعديد من الدول النامية والفقيرة ومنها دول الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الماضية نتيجة لقصور الطاقة الإنتاجية الزراعية عن تأمين حاجات الاستهلاك وبسبب السياسات التي اتبعتها القوى الكبرى الطامعة في السيطرة والهيمنة على تلك البلدان، الأمر الذي جعل من عملية تأمين الغذاء واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه العديد من الدول النامية والفقيرة، وتجعلها عرضة للضغوطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخارجية وبما يتناقض مع مصالحها الحقيقية، ومن ابرز الأمثلة الحية على هذه الحالة هو العراق،الذي تشير الدلائل الراهنة إلى حقيقة راهنة ومثيرة للدهشة والأسى في آن واحد، وهي تحول العراق بالرغم من الوفرة النسبية في موارده الأرضية والبشرية والمالية، من بلد شبه مكتفٍ غذائيا في مطلع السبعينيات إلى إحدى أكثر البلدان عجزا اليوم، حيث اهتز التوازن بين إنتاج الغذاء محليا والطلب عليه وتفاقم منذ عام 2003 وحتى هذه اللحظة. إن النتائج السلبية لأزمة الغذاء التي تتجه نحو التفاقم خصوصا" في بلدان الشرق الأوسط ومن ضمنها العراق، خطيرة جدا وهي تنعكس بشكل مباشر على الميادين الاقتصادية والصحية والسياسية والاجتماعية والإستراتيجية، للدول التي تعانيها، وهو ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في هذه الدراسة الموجزة.
إن التضييق على حاجات الإنسان الغذائية هو بمثابة اعتداء على الحياة نفسها، وهذا ما لمسه وعاناه الشعب العراقي أثناء الحصار الاقتصادي الذي فرض عليه منذ مطلع التسعينيات من القرن المنصرم. ومن هنا حساسية الفئات الشعبية الواسعة ذات الدخول المحدودة على أي ارتفاع في أسعار السلع الغذائية الحيوية وردود فعلها التي لن تكون خالية من الغضب بطبيعة الحال. وإذا عدنا إلى مقولة (من لا يملك قوته لا يملك إرادته) نرى أن هذه المقولة لم تكن اصدق وابلغ مما عليه من الحال الذي نحن عليه اليوم، فالعلاقة بين الغذاء وثمنه السياسي يدفعه العراقيون دماء كل يوم وقد استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق بشكل واضح ومتميز ملفت للنظر استحقت عليه احتلاله منذ سنتين إن لم يكن في الواقع والحقيقة منذ عام 1990. إن استمرار العجز الغذائي في العراق واحتمال استمراره واستفحاله مستقبلا في ظل الظروف المعقدة التي يعانيها المجتمع العراقي يفرض طرح السؤال الجوهري القديم الجديد: ما العمل؟
هل من بدائل أو خيارات أخرى ملائمة؟ وما هي؟
إن الموارد الزراعية الأرضية والمالية والبشرية من جهة والمعطيات الموضوعية الأخرى من توقع ازدياد تكاليف وصعوبات الاعتماد على الخارج في توفير الاحتياجات الغذائية المتنامية مستقبلا، كل ذلك يحصر الجواب في خيار واحد لا بديل عنه في نظرنا وهو تنظير وتبني إستراتيجية تنموية زراعية إنتاجية مستقلة اقتصاديا وسياسيا ومستندة إلى التخطيط المرن والفعال ومعتمدة على النفس وعلى تنمية بشرية مطردة وعادلة اجتماعيا متجددة تقنيا وحريصة بيئيا.
إن حق الإنسان في التنمية الذاتية المستقلة هو جزء من الحقوق الأساسية والمشروعة، أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 41128 بتاريخ 4121986(إعلان حق التنمية) وهو حق لامناص للعراقيين من التمسك به وممارسته، لضمان حماية موارد العراق والقبض على أو استرجاع المهدور منها وضمان ترشيد استغلالها وحسن توظيفها. إلا أن ذلك يتوقف على إرادة العراقيين السياسية الحرة الواعية والمصممة، وعلى سيادة القرار السياسي الإنتاجي الاجتماعي السليم الذي يشكل أهم المفاتيح إلى عالم التنمية بل والى عالم النهضة الشاملة بأبعادها المختلفة، لاسيما وان العراق بلد تتوافر فيه مقومات الأمن الغذائي كافة.
مما لاشك فيه أن العقود الثلاث الأخيرة أشرت ظهور وتفاقم عجز" غذائي" تصاعد خلال احتلال العراق من قبل جيوش الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003 ليبلغ أحياناً مستويات حرجة، الأمر الذي يدفع إلى ضرورة العودة للتركيز على دراسة مقومات الأمن الغذائي في العراق، خصوصا في عالم تشتد فيه اليوم حمى التنافس للسيطرة على الأسواق ويزداد فيه استخدام الغذاء كوسيلة للضغط الاقتصادي والسياسي وهو ما سارعت القوى الكبرى إلى استخدامه وبمختلف الوسائل والأساليب بلغت لمستوى الإرهاب لتوسيع الفجوة الغذائية التي تعانيها البلدان النامية وذلك لتسهيل عملية الهيمنة والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها،
وعليه فإن أهم مقومات الأمن الغذائي العراقي ما يلي:
1- الخصائص الجغرافية والمناخية والبيئية
جغرافياً العراق واسعة مترامية الأطراف، إلا أن الموارد الزراعية لهذه المساحة الشاسعة لا تشكل سوى نسبة ضئيلة وذلك اليوم لأسباب مختلفة منها أن العراق يقع في المنطقة الجافة وشبه الجافة التي تتلقى سنوياً أقل من 300 ملم من المطر ويصل في بعض الأحيان إلى اقل من 100 ملم وذلك بسبب انعدام التأثير البحري وارتفاع درجات الحرارة وشدة الجفاف مما سبب ضعفاً في الغطاء النباتي أو حتى انعدامه بصورة كاملة في السنين الأخيرة وفي معظم المناطق. ومع هذا يتميز العراق بالتشكيلات التضاريسية والمناخية والبيئية ففيه المناطق الجبلية المتوسطة الارتفاع والعالية وفيه الهضاب والسهول الواسعة والمناطق المنخفضة وكذلك البوادي والصحاري ما يجعل التنوع المناخي في العراق يشكل أحد أهم وابرز خصائصه الطبيعية الأمر الذي يؤدي الى تنوع بيولوجي رائع يتجسد بدوره في البيئة بجناحيها النباتي والحيواني مما يؤمن مجالاً رحباً لتكامل زراعي في الغلة الغذائية العراقية.
2- المراعي الطبيعية والغابات
على الرغم من أهمية المراعي بيئياً واقتصاديا واجتماعيا فان ثمة لامبالاة بهذه المراعي أو عدم إدراك لقيمتها الحقيقية، ويتجلى ذلك الى حد كبير في نقص واضطراب البيانات والمعلومات الخاصة بها وفي قلة الملاكات المختصة وضعف أو غياب الإدارة الرعوية وما نجم وينجم عنه من إهمال للمراعي وسوء في استغلالها وتقصير في حمايتها، بل والقيام بتدميرها أحيانا في العديد من مناطق العراق نتيجة الحروب وأعمال العنف التي اجتاحته بعد عام 2003.
3- الأراضي الزراعية في العراق
إضافة إلى الأراضي المستغلة المزروعة حالياً في العراق فان الأراضي القابلة للزراعة وغير المستغلة هي حتى الآن غير معروفة بدقة. أن هذا الغموض في تقدير مساحات الأراضي القابلة للزراعة غير المستغلة في العراق ربما قد يكون ناجماً على الأرجح عن عدم استكمال الحصر والمسح والتصنيف الشامل لتلك الأراضي الأمر الذي يوقع الكثير من الخطط والقرارات والسياسات الاقتصادية في أخطاء فادحة مما يزيد من أهمية مشكلة العجز الغذائي العراقي ويبدو إن هذه الأخطاء أو التزييف في البيانات أو المعلومات تشير بشكل أو بآخر على النفوذ والهيمنة التي تقع تحت تأثيرها الجهات الزراعية والإحصائية ذات العلاقة تحت ضغوط قوى خارجية تتطلع للإبقاء على حالة اللا أمن غذائي في العراق ليتسنى لها استمرار السيطرة والهيمنة على مقدراته وثرواته الأخرى.
4- الموارد المائية
على الرغم من توافر العراق على مصادر مائية متمثلة بالنهرين العظيمين دجلة والفرات وروافدهما، إلا إن تزايد عدد سكان العراق بمعدل سنوي يقدر بـ 2.8 % (مما يعني مضاعفة عدد السكان كل 25 سنة). وحتى في حال التناقص التدريجي لمعدل النمو السنوي للسكان بسبب الظروف التي يمر بها العراق حاليا إلى 2.5 % مثلاً ثم إلى 2 % ثم إلى 1.5 % خلال العقود الثلاثة أو الأربعة القادمة فأن هذا سوف يترجم دوماً زيادة سنوية كبيرة في السكان مع ما يرافق ذلك من زيادة الطلب على الماء الأمر الذي يعني بالتالي أن العراق يتجه بشكل سريع نحو حالة من ندرة المياه شأنه شان بقية بلدان المنطقة. إن ندرة المياه واتجاهها نحو التفاقم وربما التأزم سيجعل من المياه أغلى موارد المنطقة وأحد أهم موضوعاتها التنموية والجيوسياسية والإستراتيجية المستقبلية. ومن هنا فالضرورة الحيوية للعمل ليس فقط على تنمية تلك الموارد وزيادتها وإنما أيضا على ترشيد استخدامها وحمايتها من الهدر والتلوث ومن المصادرات والاعتداءات والأطماع الحالية المتمثلة بمشاريع السدود التركية.
5- الموارد البشرية
كانت الموارد البشرية في العراق قبل عام 2003 في حالة تحول ديناميكي نشط سواء من حيث الكم أو الكيف أو من حيث التوزيع القطاعي والجغرافي، أو من حيث الأحوال المعيشية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية وان التسارع في نمو حجم السكان في العراق خلال القرن الماضي ومعدلات هذا النمو يشكل ابرز خصائص التحرك الديموغرافي. وعلى سبيل المثال فأنه خلال المدة (1900-1992) تضاعف عدد السكان في العراق 9.64 بمرة رغم الضغوطات الأمنية و الخارجية التي أدخلت العراق في حروب وأزمات سياسية واقتصادية وعسكرية للعقود الأربعة المنصرمة جعلت الأداء التنموي العراقي متواضعاً ومعتمداً على الاستيراد الخارجي الأمر الذي جعل الأمن الغذائي هو البطن الرخوة في جسد العراق.
6- الثروة الحيوانية في العراق
أن الدور الأهم لقطاع الثروة الحيوانية في العراق باعتباره أحد مقومات الأمن الغذائي يكمن في مساهمته في توفير المواد الغذائية اللازمة بكميات متزايدة. وفي توفير البروتينات الحيوانية ذات الأهمية الخاصة من خلال توفير اللحوم بأنواعها (حمراء وبيضاء) والألبان ومنتجاتها والبيض بالكميات الكافية والنوعية الجيدة وبالأسعار الملائمة للمستهلك، وهو ما عجز قطاع تربية الحيوان في العراق عن تلبيته بدليل القصور الغذائي النوعي الفاضح في الراتب الغذائي للفرد العراقي وبدليل الفجوة الغذائية المتفاقمة (استيراد تصدير)، والطلب على تلك المنتجات هو في تزايد مستمر ومتسارع بسبب معدلات التزايد السكاني الكبيرة من جهة وتحسين دخل ومستوى معيشة بعض الفئات من جهة أخرى، ثم بسبب ضرورة تدارك النقص النوعي للراتب الغذائي لمعظم السكان من جهة ثالثة. وعليه فان التبعية الغذائية للدول الغنية وخصوصاً الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية سيترتب عليه انعكاسات سلبية على الأمن الغذائي العراقي ومن ثم على متخذي القرار، الأمر الذي يستوجب العمل على تطوير القطاع الزراعي الحيواني وتحديثه خصوصاً أن الموارد الطبيعية والحيوانية متاحة بانتظار الاستغلال العقلاني الملائم لها.
7- التكنولوجيا الحديثة
إن الثورة التقنية في مجال إنتاج الغذاء فرضت نفسها كأحد أهم مقومات الآمن الغذائي خصوصا وأن قطاع إنتاج الغذاء العراقي يحوي التقنيات الأكثر بدائية والتقنيات الأكثر حداثة جنباً إلى جنب إلا أن الأولى هي الأكثر بسبب ما أصاب البنية التحتية الزراعية من دمار نتيجة الحروب وأعمال العنف والسلب والنهب التي تعرض لها العراق خصوصا بعد عام 2003.. أن استخدام التقانة الحديثة في قطاع إنتاج الغذاء في العراق خلال العقود القليلة الماضية بقي محدوداً نسبياً ولا يزال بعيداً عن بلوغ المستوى المأمول والمطلوب فضلاً عن أنه كان مستورداً في جزء كبير منه. إن استيراد التقنيات المختلفة في مجال إنتاج الغذاء يعني تبعية تقنية تشكل بالتالي مشكلة بنيوية جوهرية لابد من العمل على تجاوزها أو تقليصها إلى حدودها الدنيا. وذلك بتشجيع وحماية الصناعات المحلية وبدعم وتطوير التقنيات المحلية الملائمة وتشجيع البحث العلمي والابتكار والإنتاج الوطني وبما يتلاءم مع حاجات المجتمع العراقي وإمكانياته بحيث يتم الارتقاء التدريجي ولكن الثابت والفعال من مرحلة استيراد التقنيات والاقتصاد على استخدامها أو تجميعها إلى مرحلة استيعابها وتطويعها، ثم إلى مرحلة إبداعها وتصنيعها وإنتاجها محلياً وبصورة ذاتية. وعليه فإن ضمان الأمن الغذائي العراقي لا يتم إلا عن طريق امتلاك ناصية التقدم العلمي والتكنولوجي.
استنتاج نهائي
خلاصة القول يعد الأمن الغذائي في العراق متوافراً في حالة حصل كل فرد من أفراد المجتمع العراقي وفي كل الأوقات على حاجتهم من الغذاء كي يعيشوا موفوري الصحة وهذا يتطلب ضمان توافر الغذاء وتثبيت الأسعار وزيادة فرص العمل والدخول والإنتاج الغذائي.
كما يتضح لنا أيضاً بأن الأمن الغذائي في العراق هو ضرورة ملحة لابد أن تسعى الدولة لتحقيقه ومواجهة الصعوبات والعوارض الطبيعية والتهديدات الخارجية والداخلية وتأمين كل الظروف من أجل توفير الغذاء للجميع من مصادره المحلية والخارجية.

عن: المدى