الحضارية «قراءات ومتابعات»

الاربعاء: 09/07/2008



«الفوضى الخلاقة» صورة من صورالعنف الأمريكي

حسام علي المدامغة(*)

تعود جذور نظرية الفوضى الخلاقة، أو بالأحرى نظرية «الدمار الخلاق»، إلى ما طرحه الفيلسوف «ماكونين» في القرن التاسع عشر، حين اعتبر أن من «الضرورة أن ندمر أولا كي نبني»، لكن أفكاره دخلت في سياق الحركات الفوضوية التي ازدهرت في ذلك القرن والتي كانت تمتلك فلسفة خاصة تجاه قضايا عصرها.
ويبدو أن مفهوم الفوضى الخلاقة مستورد من فيزياء الكم حيث ثمة احتمال حدوث سلسلة من التفاعلات أعلى كلما كانت المقادير هائلة. مجال هذه النظرية هو الفيزياء الكونية والفيزياء الذرية. ثمة معقولية لها، لكنها معقولية لا إنسانية تتعامل مع كميات وذرات واجرام تتحرك بمنطق فيزيائي يمكن فهمه لكنه بعقل عاجز عن فهم ذاته.
سقنا ما تقدم كخلفية لفهم تحول السياسة الأمريكية في المنطقة نحو التغيير بدل الاستقرار، ومنهج الفوضى الخلاقة كطريقة للتغيير.
يلخص هذا التحول ويمثل عليه روبرت ساتلوف «المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»: تاريخيا كان السعي للحفاظ على الاستقرار ميزة اساسية في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. جورج بوش كان أول رئيس يقول أن الاستقرار بحد ذاته عثرة في طريق المصالح الأمريكية في المنطقة. بعد أحداث 11 أيلول 2001 سعت الإدارة الأمريكية نحو سياسة عدم الاستقرار البناء، بناء على الاعتقاد بأن حماية المواطنين الامريكيين والمصالح الامريكية تتم عبر تغييرات أساسية في أنظمة الشرق الاوسط. وفي هذا المجال اتخذت الولايات المتحدة سلسلة من الاجراءات القسرية وغير القسرية بدءا من الحرب على أفغانستان والعراق وصولا إلى عزل ياسر عرفات وتشجيع رئاسة فلسطينية جديدة أكثر توائما مع المتطلبات الأمريكية الجديدة، ثم إلى الضغط بلطف على مصر والسعودية للمضي في طريق الاصلاحات.
مثلت هجمات 11 ايلول تحديا فريدا للولايات المتحدة، كان عليها إما أن تغير نظامها وعقلها السياسي، وإما أن تسحق من هاجموها وتلاحقهم في كل أرجاء الأرض. لن نناقش الاحتمال الأول وإن كان ليس ثمة ما يسوغ صرفه من الأذهان.
تكونت لدى الأمريكيين الصورة الآتية عن الشرق الأوسط: منطقة تمتد من مصر إلى باكستان، ومن الدار البيضاء إلى طشقند، أكثر سكانها مسلمون، وجميع العرب في ضمنها، حدودها دموية على حد تعبير صموئيل هنتنغتون، منبع للبترول ومعادية لاسرائيل، وتشكل على العموم استثناء من المد الديمقراطي العالمي، وفوق ذلك هي خزان لا ينضب للارهاب في العالم. النتيجة لا ينبغي ترك المنطقة على ما هي عليه لأنها ستتسبب بانتشار الارهاب وإلحاق الضرر بأمريكا والغرب، ومن أجل ذلك ينبغي إحكام الهيمنة الأمريكية عليها.
وتتقاسم تفسير الارهاب في الولايات المتحة نظريتان: تقول الأولى أنه حصيلة غياب الديمقراطية، والنظم الاستبدادية الحاكمة في دول المنطقة، وتقول الثانية أنه نابع من الإسلام. والنظريتان متكاملتان في الغرب، إذ كثيرا ما ينظر إلى نظم المنطقة بأنها تجسيد لمبادئ الإسلام وثقافته، أو نظريته السياسية، ولذلك ينبغي أن تكون السياسة العملية بناء على هاتين النظريتين هي تقرير الديمقراطية أو إصلاح الإسلام، وهذا شيء يتراوح بين استئصاله عند أصوات أمريكية متطرفة، أو إعادة تشكيل وتعديل المناهج التعليمية وما إلى ذلك.
ويسود كتابات أمريكية عن المنطقة بعد 11 أيلول واحتلال العراق شعور بأن ثمة شيئا زائفا بصورة كبيرة في تكوين المنطقة ونظمها السياسية ونفسية أهلها، وفسادا كيانيا لا يعالج علاجا عاديا ولا يقبل اصلاحا بالمناهج التي قد تجدي بخصوص مشكلات الصين أو أمريكا اللاتينية أو بالطبع الغرب.
ولعل أبوة هذا التوجه تعود إلى أفكار برنارد لويس في مجمل كتبه الذي يعلن أن قطار عالم الإسلام قد انحرف عن مساره وعن سكة التقدم في القرن الخامس عشر، وأنه بات يعاني من عطب أساسي في وعيه لنفسه وللعالم، فبدلا من النظر إلى المرآة يلوم العرب الأوربيين أو اليهود والنتيجة أن عدم اهتدائهم لمكامن هذا العطب هو الذي يضعهم في مواجهة مع أمريكا والغرب.
بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 لم يعد فريق المحافظين يكتفي، وخصوصا بعد احتلال العراق بمطلب بناء الدول والأمم، بل صار يراهن على مهمة كبيرة تطال إعادة بناء الديانات والثقافات، وهم يحصرون هذه المهمة، بالدين الإسلامي، والثقافة الإسلامية وينشدون صياغة اسلام على مقاسهم، إسلام «مدني وديمقراطي» يتقبل قيم العلمنة والحداثة.
إذا كانت الإدارة الأمريكية هي المبادرة بدءا بالحرب على العراق، فقد كانت المبادرة في توضيح معالم النظام العالمي الجديد، وخلال العقد والنصف المنقضيين دخلت مصطلحات جديدة، عبرت عن آفاق الوضع الجديد، او الذي يراد له أن يكون جديدا، وكان مصطلح النظام العالمي الجديد هو أولها، حيث بدا أن الولايات المتحدة قررت أن تنهي النظام العالمي الذي كان قائما، والذي أخذ بالانهيار مع انهيار جدار برلين سنة 1989، وبالتالي تعلن أنها قررت كذلك، عبر جيوشها، ومن خلال الحرب تأسيس النظام العالمي الجديد حيث هي الملك المتوج فيه.
تم تعميم مصطلح العولمة سنة 1994، الذي اصبح يتكرر بطريقة لا فتة، وبات مجال تداول يومي، ليعلن انتفاء الحاجة للتعبير السابق، ولقد كان المنتدى الاقتصادي العالمي (منتدى دافوس) الذي يجمع نخبة الرأسمالية في الاقتصاد والمال، كما في السياسة والفكر، هو هذه المرة منتج ومعمم هذا التعبير بالرغم من تداوله بشكل محدود منذ ستينات القرن الماضي. وهذا التعبير ببساطة هو «أمركة العالم» إذ إن هذا الاصطلاح لم يعد يشمل الاقتصاد والثقافة والسياسة، بل تعداه إلى التوسع العسكري الأمريكي عبر الاحتلال ونشر القواعد في مقاطعات واسعة من العالم.
وإذا كانت حقبة «بل كلنتون 1993-2001» قد مزجت بين توسيع التجارة المشتركة في التدخل العسكري، فقد جاءت رسالة جورج بوش الابن برؤية جديدة أطلق عليها «مبدأ بوش» ومنذئذ تعممت جملة مصطلحات سياسية وعسكرية، باتت تتكرر والأخطر باتت تتحول إلى ممارسة. منها ما يتعلق بتوصيف دول معينة. إذ قاد تحليل النظام العالمي إلى تحديد فجوات فيه، هي الدول التي تحتاج إلى تغيير فيه لدمجها في العولمة ولقد سميت «الدول المارقة» لكنها تحددت لاحقا «بمحور الشر» ثم مؤخرا «محور الطغيان»، ومنها ما يتعلق بالحرب، إذ كان الحادي عشر من سبتمر فرصة سياسية لجورج بوش وشركة هاليبرتون والبنتاغون والمجمع الصناعي العسكري من أجل تغيير الوجه، فكان «الحرب على الارهاب» ومن ثم «الحرب الاستباقية»، ومنها ما يتعلق بمنطقة ستراتيجية مهمة، هي المنطقة الممتدة من المغرب إلى آسيا الوسطى والتي باتت تسمى: «الشرق الأوسط الموسع» تمييزا عن منطقة الشرق الأوسط.
ولقد كان نشر الديمقراطية هو الشعار العام الذي حكم السياسة الامريكية منذ احتلال العراق، استنادا إلى نظرية «الدومينو» التي تعني تدحرج النظم الاستبدادية واحدة بعد الأخرى انطلاقا من المفاعيل التي أحدثها سقوط «النظام البعثي» في العراق وبناء «عراق ديمقراطي» بحيث يجب تغيير وضع النظم في كل المنطقة.
وعلى الرغم من أن بوش في خطاب تسنمه للولاية الثانية، قد نقل الحرب ضد محور الشر إلى كونها ضد محورالطغيان، فقد طغى فجأة تعبير جديد قلب كل المعادلة، لأنه أوحى بسياسة أمريكية أكثر تعقيدا من أن يكون هدفها هو نشر الديمقراطية، التعبير هو «الفوضى الخلاقة»، أو «الفوضى البناءة»، الذي بات يعتبر أصل سياسة جورج بوش الشرق أوسطية منذ الحادي عشر من سبتمر وفق ما يقول روبرت ساتلوف المدير التنفيذي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ليبدو بوش أول رئيس أمريكي يقول أن الاستقرار في حد ذاته يعتبر عثرة في طريق المصالح الأمريكية، ويسعى إلى زعزعة الاستقرار وإحداث نوع من الانهيار الكبير أو التفكك الإقليمي والتدمير الخلاق الذي يعقبه إزالة الانقاض ثم يتبعه تصميم جديد لبناء مختلف.
وبالتالي فقد كان هذا التعبير الذي صمم في معهد «أمريكانا انتربرايز» يلخص استراتيحية كاملة أعدت للمنطقة. العملية تهدف إلى إجراء حملة طويلة من الهندسة الاجتماعية تفرض بالقوة. وحسب ما يكل ليدن، العضو البارز في المعهد، فإن التدمير البناء هو صفتنا المركزية وبالتالي فإن الوقت قد حان لكي تصدر الثورة الاجتماعية من أجل إعادة صياغة المنطقة العربية عبر تغيير ليس التنظيم فسحب، بل والجغرافية السياسية كذلك إنطلاقا من رؤية خاصة تعود إلى تصميم جديد لبناء مختلف.
تستند هذه الرؤية إلى التراث الاستشراقي خصوصا «برنارد لويس» و «فؤاد عجمي» الذي لا يستطيع أن يرى الوطن العربي إلا أن يكون تجمعا لأقليات دينية وعرقية عاجزة عن العيش سوية في كيانات دولية وطنية. وإذا كان الشعار هو «قضية الديمقراطية» المرتبطة بمصالح أمريكا، فإن تحقيقها يرتكز على الاستخدام الصريح للطائفية في إطار تلك الاستراتيجية، بمعنى أن الديقراطية هنا لن تتحقق إلا عبر التفتيت الطائفي بحيث أن التنوع الطائفي والديني والإثني الذي يسكن المنطقة يصبح في حالة تناقض مستحكمة، الأمر الذي يفرض أن تشكل كل دين وكل طائفة وإثنية في تشكل سياسي خاص حسب وضع كل دولة عربية قائمة، وهنا يتحول التنوع إلى كارثة وتكون الديمقراطية هي منتج التدمير الخلاق.
وفرت أبحاث لويس وعجمي حسب بوش ومساعديه «رؤية شاملة وخطوطا توجيهية» لاستراتيجية الفوضى البناءة، وكان اساس النظر لواقع يجب تدميره من أجل نشر الفوضى لأن الاستقرار لم يعد يخدم المصالح الامريكية.
هذا التصور القائم على مواجهة العرب كافة بالتنوع الذي تتضمنه هذه الأمة، لم يتحقق بفعل داخلي فقط على الرغم من الدعم الامريكي له، لهذا بات احتلال العراقي هو المدخل لتحقيقه، ومن هذا المنطلق يصبح العراق هو المثال كما وعد بوش، وسنلمس هنا طبيعة الارتباط بين الديمقراطية والتفكيك، ولتكون قضية الديمقراطية هي قضية التفكيك كذلك.
ويمكن أن نلخص الصورة العامة لاستراتيجية الفوضى البناءة في العناصر الآتية:
1. تفكيك النظام الاقليمي العربي عبر دفع كل دولة للتعامل مع الاجندة الأمريكية من دون اعتبار للدول الاخرى.
2. وضع الأنظمة في حالة قلق مستمر عبر ممارسة الضغوط أو التلويح بضرورة التغيير وإحداث تغيير بطيء لبعض الدول مثل مصر، وسريع بالنسبة إلى دول أخرى مثل سورية ولبنان.
3. إعادة صياغة الأنظمة وفق المثال العراقي حيث جرى تهديم الدولة والبنى التحتية وتعاد صياغته إنطلاقا من أنه كيان يتشكل من كتل متناقضة هم الشيعة والسنة والأكراد، وبالتالي يجب أن تصاغ الدولة على اساس فدرالي يستوعب استقلالية هذه المجموعات بصفتها مجموعات متميزة ومتجانسة، وإنشاء الديمقراطية على أساس طائفي وإثني لتكون ديمقراطية طوائف كما في لبنان.

(*) اكاديمي جامعة ذي قار.

المصادر
ـــــــ
1. ناتان شارنسكي، في كتابه «قضية الديمقراطية».
2. هنتنغتون، صدام الحضارات.
3. اليوت كوهين، القيادة العليا.