الحضارية «قراءات ومتابعات»

الاثنين: 07/07/2008



أطفال العراق.. لفتة نظرـ لا غير

لافا خالد(*)
(خاص للمعهد)

ليسوا ضحية التلوث الإشعاعي ومخلفات أسلحة الدمار الشامل في العراق وليسوا ضحايا الأسلحة المتطورة الفتاكة المشعة التي استخدمتها داعية الديمقراطية أمريكا في حربها ضد العراق ولم يصيبوا بما أصابهم جراء التلوث البيئي, وليسوا بأبناء المسؤولين المحصنين في مناطق فارهة أو في المنطقة الخضراء أو في أقبية لا تصلها لربما حتى أصوات أقوى المفخخات, إنهم أيتام حرب لا بل حروب أهلكت الحرث والنسل وكشفت عمق المأساة العراقية على مختلف الأصعدة في زمن الديمقراطية الأمريكية التي تجري تجاربها على شعوبنا المثقلة بالأمراض و التخلف.
هؤلاء البؤساء، من يهتز عرش الرحمن لتوجع احدهم, لا تتحرك شعرة في رأس فرقاء العراق أمام جرائم متلاحقة تترتكب بحقهم، بل تسعى الدولة نفسها ان تطوي صفحات الكثير منها، حتى تلك التي كشفت عنها قوات الاحتلال ووضعتها شاهدا بين أيدي المسؤولين العراقيين، العام الماضي، في واحد من ملاجئ الايتام.
الطفل العراقي بائس
قد تكون المشكلة إن الكثيرين من ساسة العراق غارقون حتى الثمالة إزاء الوضع المتراجع في العراق، ولربما لاتسعهم الظروف وانشغالاتهم؛ بتوديع واستقبال وشجب واستنكار، أو تصفية حسابات شخصية أو سياسية، أوسفراتهم إلى مقاصف أوربا ومصايف الشام الجميلة، ليفكروا بالوضع الداخلي وقضايا الطفولة الغائبة عن ذهنهم، أو يحتفلوا بالمناسبة من باب التذكير بأنهم أي الأطفال من ضمن أجندتهم، ويعملوا معاً لوضع البرامج مع بعض المراجعات لتقييم ما أنجز, وإن عماد بناء عراق آمن ومستقر بمستقبل واعد هم هؤلاء الأطفال..
وأيا كانت انشغالات الساسة فما يجري من مأساة الأمومة والطفولة المتفاقم يوماً عن آخر في عراق يزعمونه محررا هو أولى أن يقفوا عنده ولو بمراجعة خشية يوم حساب عسير، وهم في موقع المسؤول.
ولمن خانته الظروف أن يتابع ويضطلع على واقعهم المؤسف ما عليه سوى العودة للشارع العراقي الجريح المنكوب؛ أرامل وثكالى وأطفال يتامى كثر.. وعاهات نتيجة السيارات المفخخة.. أو مشوهون بفعل الإشعاعات التي تبثها أسلحة المحتل.. وهناك أطفال الشوارع وأطفال لم ينتشلهم أحد من بؤس حالهم فانتشلهم الشارع ومنحهم شهادة فقر الحال بامتياز، فلجأوا للسرقة وارتكبوا جنحاً وقاسوا مرارة أسوأ الظروف بفقد الوالدين أولاً والوطن الآمن ثانياً .. لم يجد الكثيرون منهم المأوى فاحتضنتهم دور الأيتام الحكومية على شاكلة الصور التي رآها الجميع,أو تقع أبصار العراقيين عليهم في شوارع بغداد وأزقة مدن أخرى.
للمسؤولين فقط
ربما كانت صور أيتام العراق .. فضيحة عام 2007، التي أفجعت كل من وقعت بصيرته على هكذا انتهاكات مؤذية، ظنها الكثيرون نسخة أخرى من سجن أبو غريب وتفاجئوا حينما علموا بأنهم أطفال في ملجأ حكومي .. لكن ما هو أشد رعبا وانذارا بالخطر هو أن تلك الصور ونظيراتها التي يعرفها العراقيون افض من غيرهم، لم تفجع العراقيين كثيراُ.. فوضع العراق عندهم كله سواء, ابتلاء بأنظمة مستبدة، ومحتل لم يترك حرمة لشيء إلا وانتهكها .. تعودوا على رؤية أشلاء ذويهم تتمزق، وبيوتهم تتدمر بيد غريب وأخ قريب، وسجون ستبقى شاهدة على فظاعة ما عايشه العراقيون لزمن طويل.. هذه الصور كانت ستبقى طي الكتمان كما انتهاكات أخرى كثيرة عاناها ويقاسيها العراقيون في حالة يلفها صمت مظلم إلى أن كشفت شبكة عالمية بدعم أمريكي و بتقرير مصور عدداً من الأطفال العراقيين في أحد المؤسسات الحكومية التي تدعي بأنها ترعى الأيتام في بغداد كلهم حفاة عراة جياع مهملين في زوايا معتمة تظهر على أجسادهم النحيلة البريئة صور التعذيب النفسي و آثار المجاعة والمرض والإهمال.. في نفس الوقت الذي تكتمت فيه معظم الجهات المسؤولة على الحدث الكبير إلى وقت متأخر واعتبرته إهمالاً أو أمراً عرضيا في عراق يتعافى من آثار نظام مستبد يختلفون معه جملة وتفصيلاً ..لابل علق أحد المسؤولين بان الأطفال في عهد النظام السابق كانوا يموتون بالملايين أما الآن فهي انتهاكات لوضع طارئ.. هكذا، وختم الامر.. هذا مع أن هذه الجهة المسؤولة أو غيرها لم تلتفت إلا بعد تنديد المنظمات الدولية والحقوقية ..
ويبقى السؤال الاكثر أهمية: ماذا فعلت الحكومة العراقية ومؤسسات المجتمع المدني لأجل الطفولة المعذبة بشكل مستمر في عراق ينام على خوفه ويستيقظ على جرح لايبدوا إنه يتعافى كثيراً؟؟
أيتام العراق أمانة عند الجميع
تبدوا المشكلة في أساسها كارثة اجتماعية خطيرة في ظل الأعداد المتزايدة والتي لا يمكن حصرها برقم معين، فكل يوم أيتام وأرامل جدد.. عشرات الضحايا ستفترسهم الأيادي الخفية والوطن المفتوح على كل الاحتمالات.
تؤكد التقارير بأن عددهم بالملايين وأشارت مصادر أخرى بتقدير النسبة لغاية شباط 2002ب أكثر من 5 ملايين و 200 ألف طفلاً يتيما.. أتراها كم أصبحوا الان بعد منتصف 2008 ؟
أيتام صغاريعيشون في كنف أرامل وثكالى لاحول لهم ولا معيل، معظمهم يعاني من سوء التغذية، والأمراض المزمنة والانتقالية، وقسم كبير منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.وتضم بعض دور الأيتام عدداً قليلاً وهي بدورها فقدت مصداقيتها بعد الصور المرعبة التي تسربت من إحدى الدور الحكومية لوسائل الإعلام وكشفت حقيقة الانتهاكات المرعبة.. والقسم الأكبر من الأطفال اليتامى يعيشون بلا مأوى حفاة، عراة تحتضنهم شوارع غير آمنة، وعصابات الجريمة المنظمة في العراق هي الاخرى تنتزع باستمرار براءة الطفولة.. فكم أشارت بعض وسائل الإعلام الى استخدام بعض من الأطفال اليتامى أو أطفال الشوارع في عمليات التفخيخ التي تستهدف الأبرياء من العراقيين؟
هؤلاء هم أيتام العراق الذين يتزايدون لا الشارع هو مأمن لهم ولا الدور الحكومية هي الملاذ, هل يعي المسؤولون في العراق تبعات هذه التركة الصعبة في الأرض.. وحتى يوم حساب السماء؟؟

(*)
كاتبة صحفية من قامشلي، سوريا.