|
الاثنين: 07/07/2008
العنف الطائفي أوائل تأسيس الدولة العراقية الحديثة
د. مؤيد شاكر الطائي(*)
(خاص للمعهد)
تعد ظاهرة العنف من الظواهر البارزة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر على
حد سواء، ولا بد من الإشارة الى أن بروز هذه الظاهرة بشكل كبير ويسترعي
الانتباه بعد عام 2003، لا يعني أن انطلاقها قد بدأ بهذا التاريخ، بل إن
الأمر يرجع الى فترة تاريخية سابقة بعشرات السنين.
وعلى الرغم من اختلاف الظروف السياسية بين الأمس واليوم، الا إننا نرى أن
الطائفية صاحبة الشأن الكبير لمثل هذه الظاهرة، وما يثبت ذلك الأحداث
التاريخية التي شهدها العراق ما بعد عام 2003 او كما يسمى «العراق
الجديد» الذي تحول فيه الشعب الى مجموعة طوائف ومذاهب متنازعة ومتصارعة
فيما بينها كل منها تطالب بما أسمته بحقها التاريخي في حكم البلاد
وقيادته، أو بالأحرى ادعت صفة السيادة على الآخر، وحقيقةً لم يتردد أي
طرف من هذه الأطراف عن محاولة ممارسة الإبادة ضد الطرف الآخر.
لقد عانى العراق في السابق ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في 23 آب
1921 كما يعاني الآن من ظاهرة العنف، وإنْ اختلفت نسبته بين اليوم
والأمس، إلا أن المسببات الرئيسة وكما يبدو واحدة وهو بناء الدولة وفق
الأساس الطائفي. فقد جرت العادة ولفترة طويلة من الحكم الملكي 1921-1958،
ان لا يمثل الأغلبية الساحقة في البلاد، وهم الشيعة، التي يبلغ عددها نحو
60% من سكان العراق الكلي سوى مقعد أو مقعدين في الوزارة، وغالباً ما
تسند لهم وزارات ثانوية، والحال يسري على الوظائف المهمة في البلاد، بل
وصل الأمر حتى إلى مهنة التعليم. وكان كل من يطالب بحق الإنصاف والمساواة
مع الطرف الآخر يوصم بتهمة الطائفية.الأمر الذي أدى الى نشوء مجتمع غير
منسجم ومتجانس يمثل أغلبية محكومة وأقلية حاكمة وكلاهما في غاية
الاستعداد لمزاولة العنف ضد الآخر، بل زاول العنف الطائفي على أرض الواقع
في عدة مناسبات كما في حادثة النصولي في كانون الثاني 1927 عندما جمع
وطبع أنيس زكريا النصولي، المدرس السوري الأصل والجنسية، في الثانوية
المركزية في بغداد، محاضراته التي كان يلقيها على الطلاب بعنوان «تاريخ
الدولة العربية في الشام» ووزعه على المكتبات لغرض البيع، وكان ذلك
بتوجيه من مدير المعارف «التربية» ساطع الحصري.
كان الكتاب يدور حول أمور تمس في الصميم عقائد الشيعة في محيط اكثرية
سكانه تقيم، إلى الآن، المآتم على استشهاد الإمام الحسين عليه السلام،
وفي بلد تضم أرضه المراقد المقدسة لمعظم أئمة الشيعة، وانطوى على إهداء
إستفزازي جاء فيه «إلى من أحق بتاريخ بني أمية من أبناء أمية، والى من
أحق بتاريخ معاوية والوليد من أبناء معاوية والوليد، اقبلوا يا أبناء
سورية هذه الثمرة» إلى مجموع صفحاته وخاتمته التي عدت الإمام الحسين
يستحق ما جرى له في معركة الطف كونه قد خرج على إمام زمانه. وانتقد أيضا
ممارسات الشيعة يوم العاشر من محرم. فما كان أمام وزير المعارف السيد عبد
المهدي المنتفقي وهو الشيعي الوحيد في الوزارة آنذاك وهي وزارة جعفر
العسكري الثانية، ونزولاً عند رغبة الرأي العام الشيعي سوى طرد النصولي
من التعليم وتسفيره الى سورية، إلا أن القرار لم يرض الرأي العام السني،
وبتحشيد من بقية المدرسين السوريين في بغداد وبجهود من ساطع الحصري، خرج
بمظاهرات كبيرة في شوارع بغداد تطالب بإرجاع النصولي وحماية حرية الفكر
الأمر الذي أدى الى نشوب حالة عنف وصدامات دامية بين المتظاهرين ورجال
الشرطة أوقفت بعد جهد كبير، وانتهى الأمر بطرد المدرسين السوريين وفصل
الطلاب المسببين للحادث مع استقالة وزير المعارف ومديرها. إلا ان آثار
هذا الحادث بقيت كامنة في الرأي العام العراقي لتخرج الى حيز الوجود مرة
أخرى في أواسط العام نفسه أي عام 1927 في حادثة الكاظمية أيام العشرة
الأولى من شهر محرم حينما شهدت شوارع المدينة قتالا عنيف شيعيا ـ سنيا
بسبب اعتراض السنة على بعض طقوس الشيعة في محرم كانت نتيجته مقتل العشرات
من كلا الطرفين.
إن مثل هذه الحوادث وعشرات الحوادث الأخرى، مثل حملات القتل ضد عشائر
الرميثة في مايس 1935، وفي حزيران 1936، وحملات المذابح ضد عشائر سوق
الشيوخ في مايس 1935 من قبل وزارة ياسين الهاشمي الثانية، وبجهود من وزير
الداخلية رشيد عالي الكيلاني كانت الأساس في تعزيز النسيج غير المتجانس
بين افراد المجتمع وتغذية حالة الطائفية التي يعاني منها العراق الآن، بل
إن مايعانيه العراق في هذا الوقت هو نتاج طبيعي لنوعية الكيان الذي شيدت
وفقه دولة العراق الحديثة عام 1921.
ليس القصد من استذكارنا لمثل هذه الحوادث هو اظهار من هو الظالم ومن هو
المظلوم، أو تأجيج روح الطائفية في المجتمع، أو إيجاد الغطاء الشرعي لأي
عمل طائفي قد يزاول في البلاد، بل ان هدفنا الرئيس من ذلك هو إظهار مدى
بشاعة الطائفية وحالات العنف التي تولدها. ونستدل وفقا لذلك ان ما ينشده
العراق من أمن واستقرار وتقدم في غاية الصعوبة مع وجود طاعون الطائفية،
والأمر يستوجب استئصال هذا الطاعون للوصول للأهداف المنشودة بعدة وسائل
في مقدمتها: اخراج المثقف العراقي من سجن التهميش الذي فرض عليه، وان
يؤدي دوره في المجتمع قيادةً وتثقيفاً لتسود روح الثقافة التي يتمتع بها،
وسيادة الديمقراطية واحترامها، والتسامح الديني، واحترام الرأي الآخر، مع
نسيان أحقاد الماضي، ووضع مصلحة العراق في مقدمة الأولويات.
المصادر:
ــــــ
(*) جامعة ذي قارـ كلية الآداب.
1. سامي عبد الحافظ القيسي، ياسين الهاشمي ودوره السياسي في العراق.
2. عبد الامير هادي العكام، الحركة الوطنية في العراق.
3. عبد الكريم الازري، مشكلة الحكم في العراق من فيصل الأول الى صدام
حسين.
4. مؤيد شاكر كاظم الطائي، السيد عبد المهدي ودوره السياسي في العراق.
|