|
الاثنين: 23/06/2008
سوزان روز
أكرمان(*)
يحدد الفساد العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، حيث
يلعب موظفو الدولة أحيانا الأدوار الرئيسية. وفي أحيان أخرى يهيمن القطاع الخاص
بصفته القوة الأكبر. وتحدد القدرات النسبية للمساومة بين هذه الجماعات كل من
التأثير العام للفساد على المجتمع وتوزيع المكاسب بين الراشين والمرتشين.
وتحليل الفساد هو جزء من هذا الحوار المستمر الذي لا ينتهي حول أي شكل حكومي هو
الأكثر مساهمة في النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من ميل الدول الغنية إلى اعتناق
الديمقراطية، إلا أنه لا توجد علاقة إحصائية بسيطة بين النمو وبين الحكم الديمقراطي
(هيوبر، روشماير، سيتنز 1993م، برويورلسكي وليمونجي 1933م) ولا يصعب فهم السبب لهذا،
فالديمقراطية ببساطة هي تعبير عام جداً لا يمكنه استيعاب سلسلة الأشكال الحكومية
التي تندرج تحت هذا العنوان. كذلك فإن النسبة الحكومية التي تثبت نجاحها في بلد ما
قد تتسبب في اختلال وظيفي في بلدٍ آخر. فالاختلال الوظيفي الراسخ والواسع الانتشار
هو شكل من أشكال الفساد.
هل تدخل إقامة الديمقراطية في إستراتيجية مكافحة الفساد؟ إن الرغبة في إعادة
الانتخاب تقيد جشع السياسيين. فحماية الحريات المدنية، وحرية الرأي، التي غالباً ما
ترافق عملية الانتخابات الديمقراطية، تتيح المجال للشفافية والانفتاح في الحكومة.
وعلى النقيض من ذلك، فالحكومات غير الديمقراطية تتميز بالحساسية تجاه الحوافز
الفاسدة، لأن رؤسائها يميلون إلى تأليف حكومة قليلة القيود والتوازنات. ولكن هذا
التناقض يبدو شديد الحدية. وعلى المرء أن لا ينظر أبعد من مدن نيويورك وشيكاغو في
الولايات المتحدة ليجد أنظمة فاسدة راسخة التأسيس تماثل الأنظمة الديمقراطية. فقد
أظهرت فضائح الرشاوي الحالية، مدى تورط السياسيين المنتخبين في المكسيك وإيطاليا
وكوريا واليابان. كذلك ينتشر الفساد على مستوى الحكومات الحالية في فرنسا وألمانيا،
ويظهر هذا بوضوح، أن الأنظمة الديمقراطية لا تنجح دائماً في ضبط الفساد. ولذلك فمن
الأجدى أن نطرح السؤال التالي وهو: أية مظاهر من الحكومات الديمقراطية يمكن أن
تساعد في وضع حد للمصالح الشخصية التي تساهم في إيجاد الفساد.
وقبل أن نتحرك نحو اعتبارات أعمق لهذه القضية في الفصل التالي، سأبدأ بتحليل أكثر
عمومية حول قدرة الموظفين في الحكومة على المساومة أمام لاعبين فاسدين من القطاع
الخاص. وهذا النقاش ينطلق من تفاصيل الأنظمة السياسية، ويركز بشكل بديل على المؤسسة
الصناعية للفساد. تعتمد طبيعة الفساد ليس على مؤسسات الحكومة فحسب بل كذلك على
مؤسسات وسلطات القطاع الخاص. والقضية الأساسية هنا هي هل كل من الحكومة والقطاع
الخاص يملك سلطة احتكارية في التعامل مع الآخر. يمكن الخروج باستنتاج أساسي من
البداية. إلى المدى الذي توزع فيه الحكومة الديمقراطية السلطة بين موظفيها، فإنها
تستطيع إعطاء كل منهم سلطة تفاوضية تقف وجهاً لوجه أمام المصالح القوية للقطاع
الخاص. وقد تحتاج الديمقراطية الناجحة لتشجيع إيجاد أسواق خاصة تنافسية، ٍإضافة إلى
تأسيس نظام تنافسي سياسي. وأنا أميز هنا بين الأنظمة القائمة على النهب والتي ينتظم
الفساد على رأسها وبين الدول الأخرى التي يتوزع الفساد على عدد واسع من موظفيها من
الدرجة الدنيا كذلك يجب تحديد الجهة الأخرى من سوق الفساد. هل هناك عدد قليل من
اللاعبين الخصوصيين الفاسدين، أم أن دفع الرشاوي موزعاً على شريحة كبيرة من
المؤسسات والأفراد؟ يوضح الجدول رقم (2) الحالات المحورية الأربعة: حكومة النهب،
الاحتكار الثنائي، الحكومة المدارة من قبل المافيا وحكومة التنافس على الرشاوي وسوف
أبدأ بحكومات النهب وثم أناقش الحالتين اللتين يملك فيهما الراشون سلطة احتكارية.
أما الحالة الأخيرة التي تلعب فيها الرشاوي دور الأسعار في سوق غير مركزي فتتطلب
معالجة متواصلة. فالسوق الفاسد يمكنه أن يكون مكلفاً حتى لو لم يمارس أحد سلطات
احتكارية على عملياته.
حكومات النهب
لنفترض أولاً حالة يواجه فيها الحاكم الناهب عدداً كبيراً من دافعي الرشوات
المحتملين وغير المنظمين. في أقصى حد، يقوم الرأس القوي في الحكومة بمأسسة النظام
السياسي من أجل دفع الاستفادة من احتمالات انتزاع الأموال إلى أقصى حد. مثل هذا "اللص
الساكن" (حسب تعبير مانكور أولسون) يمكنه أن يعمل كمحتكر خاص يسعى إلى رفع فعالية
إنتاجه، ولكنه يقيد مردود الاقتصاد من أجل زيادة أرباحه. (أولسون 1993م) والاحتكار
الخاص يقلل من المردود، لأنه يحقق الأرباح من الفرق بين سعر البيع والتكلفة وإذا
قام النهاب مثله مثل المحتكر الخاص ببيع بضاعة إلى الأفراد والشركات، فهذا أيضاً قد
يقيد الإنتاج. (فندي 1991م، بروزوسكي وليمونفي 1993م : 58- 59، شليفر وفيشني 1993م)
وعلى سبيل المثال إذا قامت الدولة بتسيير أمور القطارات ونظام الهاتف فإنها قد تضع
أسعاراً احتكارية، مقيدة التزويد لحساب الحصول على الحد الأقصى من الأجور. كذلك قد
يقوم حاكم نهاب تسيطر بلده على توريد لسلعة خام أو محصول زراعي إلى العالم بتقييد
الإنتاج من أجل الإبقاء على أسعار مرتفعة وانتزاع أقصى الأرباح. وفي نفس الوقت قد
يسعى هذا الحاكم إلى عزل مثل هذه البضاعة عن السياسة اليومية. ويقوم الحاكم
بالتضحية بمكاسب الامتياز، وبالمحاباة الضيقة من أجل الحصول على أرباح تولدها
الأعمال الاحتكارية لذا, حين يكون التصدير الرئيسي بيد الدولة، فإن الحاكم يميل إلى
اتباع نهج صحي سلطوي في التوظيف والترقية، يكافئ الإنتاج العالي والممارسات الجيدة
في العمل. كما يقوم الحاكم النهاب بدعم السياسات التي تنقل معظم المصادر إلى جيبه
في نفس الوقت الذي تحافظ فيه على الإنتاجية الاقتصادية، ويعادي السياسات التي توزع
المكاسب على قاعدة اجتماعية عريضة، مع وجود فرص قليلة لانتزاع الرشوات مركزياً.
والحكام الفاسدون يدعمون السياسات التي تجني الأرباح الشخصية، حتى ولو أدى ذلك إلى
هبوط عام في الثروة الاجتماعية. ومعظم الحكام النهابين مع ذلك، ليسوا بقوة عصابة
أولسون الساكنة. فهدفهم هو رفع قيمة ثروتهم الشخصية إلى أقصى حد. ولكن الأدوات
المتوفرة لهم ليست كاملة. فهم يسيطرون على الدولة ولكن ليس على مجمل الاقتصاد وقد
يمتلكون خدمات مدنية ضعيفة وغير موالية، ومورداً أساسياً فقيراً وإطاراً قانونياً
غامضاً ومشوشاً. وعلى الحاكم أن يعمل ورافعاته بين يديه. وهذه الأحوال قد تكون غير
فعالة في تحصيل المكاسب. والحاكم قد يدعم بعض التدخلات التي لن ترفع من الدخل
القومي لأنها تقدم له مكاسب شخصية كرئيس للدولة، ومع ذلك فحتى الحاكم النهاب، في
النهاية، يصل إلى النقطة التي يصبح فيها عجز التدخلات الحكومية الإضافية كبير لدرجة
تهمِّش فيها أرباح الرشوات. وعندها يميل الحاكم النهاب الضعيف إلى تفضيل دولة
منتفعة وغير فعالة من أجل زيادة فرص الفساد. ويفضل المواطنون تحت حكم نهاب ضعيف،
حكومة مصغرة عندما يكثر الفساد، ولكنهم يحصلون عادة على حكومة مضخمة.
الأمثلة التي تناسب هذا النموذج جيداً هي في الحكم الدكتاتوري الطويل للرئيس
الفريدو ستروسنر في باراغواي (1954م – 1989م) وموبوتو سيسيسيكو في زائير (1965م –
1997م). وحكم فرنسوا وجان كلود دوفاليير في هاييتي (1957 ـ 1986) يقول أحد العلماء
في باراغواي أنه كان يُنظر إلى القطاع العالم كإقطاعية شخصية لستروسنر وقد عكست
إدارة موجودات الدولة نقصاً في التمييز بين المجال الاقتصادي والمجال السياسي
إضافة إلى غياب حدود واضحة المعالم بين الممتلكات العامة والخاصة.
وكانت النتيجة أن ستروسنر وبطانته من المتعاونين توزعوا موارد القطاع العام فيما
بينهم وكأنها ملكيتهم الخاصة (نيكلسون 1966م : 239).
أنواع الحكومات الفاسدة
الراشون المضاعفون
راشين قلائل
متلقو الرشاوى يتكدسون في قمة الحكومة
نظام النهب:(أ) دولة مغتصبة(ب) دولة ضعيفة.
احتكارية ثنائية
متلقو الرشاوى مضاعفون في المستويات الأدنى في
الحكومة رشوة
تنافسية مع إمكانية حصول الالتفافات دولة مسيطر
عليها من المافيا
النقطة الأسياسية هنا ليست أهداف ستروستر الناهبة
بحد ذاتها ولكن بطانته التي أصًّرت على تجميع الثروة لنفسها. فبدلاً من إدارة دولة
احتكارية كفوءة، ضَمِن ستروسنر دعماً عسكرياً من خلال السماح لكبار الضباط بالتورط
في تهريب السلع المحظورة والمخدرات وتجارة السلاح (نفس المصدر)، وعادت مشاريع مثل
إقامة مصنع إسمنت أو بناء مطار غير ضروري، بالأرباح الفاسدة على ستوسنر ومعاونيه
ولكنها لم تكن خيارات مولدة للثروة بالنسبة للبلاد بشكل عام (نفس المصدر، 245-
246).
وقد حصل نفس الشيء في زائير حيث يمكن وصف الرئيس موبوتو ومعاونيه كسالبي غنائم
الدولة. وضع موبوتو ثلث ميزانية الدولة تحت سيطرته وقام بامتصاص ربع الموارد
الإجمالية من صادرات النحاس. ولكن موبوتو أيضاًَ كان عليه أن يتشارك في الأرباح
الفاسدة مع موظفيه الكبار ومفتشي الجمارك الصغار وغيرهم من المسؤولين. وقد أدى
الفساد والنهب إلى تدمير القطاع الخاص السياسي واستخدمت مشاريع البنى التحتية
المتسمة بالمبالغة الحمقاء كمصادر رشوة للرئيس ومعاونيه (دويديمان 1997م، 462
– 465) وحقيقة فإن زائير بحاكمها النهاب لم تكن تدار على شكل احتكار منتج فعال في
صنع الأرباح.
في هاييتي أفادت الدكتاتورية بضع آلاف من أفراد الشعب المقربين من رجال السلطة سواء
بالنسب أو بالقرابة أو الصداقة. وظهرت بوادر عدم استقرار السياسي، ليس نتيجة
للتحركات الشعبية، ولكن من أعضاء النخبة الذين سعوا إلى الحصول على حصة أكبر من
غنائم السلطة (غرافتون ورولاندز 1996م : 267).
بالنسبة لدائرة التجارية في الولايات المتحدة، فقد بلغت الاختلاسات الحكومية ما بين
عام 1997م – 1979م، 63% من دخل الحكومة (نفس المصدر: 267) وينتج عن أهداف الحكام
النهابين مزيج غير فعال من الأرباح وقد أقيمت مؤسسات أدت إلى عرقلة التنمية
واستخدمت احتكارات الحكومة كالأبقار الحلوب وميزت الدولة بين الناس ذوي القدرات
وذوي الدوافع. (نفس المصدر: 268 – 269)
وكما تبين حالات ستروسنر وموبوتو والأخوة دوفاليير، فإن تأثير الحاكم الفاسد لا
يمتد إلى حجم الحكومة فحسب، بل أيضاً إلى مزيج أولويات الضرائب والإنفاق وتعتبر
الضرائب والقوانين وأموال الدعم وتثبيت الأسعار والخصخصة أمثلة على نشاطات القطاع
العام التي يمكن للحكام النهابين أن يتلاعبوا فيها لمصلحتهم.
ولأن الاقتطاعات الضريبية يمكن منحها للأفراد والشركات الفاسدة مقابل دفع الرشاوى،
فإن الحاكم النهاب يضع معدلات ضرائب رقمية عالية لتشجيع دفع الرشاوى. كذلك يمكنه أن
يفرض رسوماً جمركية عالية على الأساسيات التي يحتاجها الفقراء ويعفي الكماليات،
فعلى سبيل المثال كانت البضائع الواردة إلى هاييتي بين الأعوام 1960م و 1970م
مثل الخمور الثمينة معفاة من الضريبة تقريباً في حين كانت تفرض الضرائب العالية على
القطن والأقمشة والصابون والكاز (لوندهال 1997م، 35).
ينظر الحكام النهابون إلى النظام القانوني كمصدر الأرباح الشخصية إذ يمكنهم فرض
القوانين ومتطلبات التراخيص التي لا يوجد لها مبرر سوى خلق عنق زجاجة، تجعل الشركات
على استعداد لدفع الرشوة كي يتجنبوا عبوره. كما أن القوانين الإصلاحية الفعالة،
غالباً ما يتم استعدائها من قبل الحكام النهابين إذا ما تبين أن هذه الإصلاحات
ستحول الأعمال غير القانونية إلى أنظمة تسعير قانونية. كذلك يركز الحاكم النهاب على
إعطاء الدعم للأفراد والشركات التي تكون على استعداد لدفع الرشاوى. بالطبع حتى
الحكام المتسلطين الفاسدين قد يحتاجون لإرضاء عامة الشعب من أجل الاحتفاظ بالسلطة
ولكنهم يقومون أيضاً بنشر البرامج التي تحث المترفين على الدفع من أجل تحقيق
المكاسب. فقد يقوم الحاكم على سبيل المثال بإنشاء نظام دعم استثمارات تتمايز في
توزيع أربحها. ولا يمكن لأحد قانونياً الحصول على هذه الأرباح، بل على الجميع أن
يحاول المراهنة على تحصيلها من الحاكم. وتعتبر التخصيصات الشحيحة لتبادل العملة
الأجنبية، والقدرة على الوصول للقروض مصادر إضافية لأرباح الحاكم. كذلك يمكن للحاكم
النهاب أن يؤثر على مكاسب الخصخصة. إذ يحتمل أن يميل مثل هذا الحاكم إلى خصخصة
الاحتكارات التي تجني أرباحاً زائدة. كما أنه قادر على انتزاع حصة من الأرباح. ولكن
رغبة الحاكم النهاب في خصخصة شركة حكومية تبقى شيء ورغبة مستثمري القطاع الخاص في
طرح المناقصات شيء آخر. فالشركة الخاصة قد تكون ذات قيمة وضيعة للمستثمرين إذ كانت
جميع أرباحها عرضة للضرائب، أو عرضة للتأميم بدون دفع تعويضات ملائمة، أو عرضة لفرض
قوانين مفرطة واعتباطية. فقط حين تكون الدولة مستعدة للالتزام الصادق باتباع سياسة
مستقبلية معقولة، تكون المؤسسات الحكومية جديرة بأن تصبح كياناً خاصاً. ولكن الحاكم
الفاسد يواجه مصاعب خاصة حين يلتزم فقط بتحقيق ثروته الشخصية، كذلك حتى ولو ربط
نفسه باتفاقيات ملزمة مع المستثمرين، فإن هؤلاء سيظلون قلقين من مخاطر خلعه، فأي
تغير في النظام قد يؤدي إلى إلغاء كافة التفاهمات السابقة. وقد يقوم الحاكم النهاب
بمعارضة بعض التخصيصات التي ينظر إليها من قبل نظام شريف على أنها فعالة ويقوم بدعم
تلك التي تعتبر غير فعالة ولكنها قادرة على توليد رشاوى ودفعات فاسدة. وعدم مقدرة
الحاكم على القيام بالتزامات صادقة يقلص من قيمة المؤسسة أمام مستثمري القطاع الخاص
مما يرجح الميزان باتجاه استمرار ملكية الدولة لها.
إضافة إلى ذلك فإن ملكية الدولة ترتبط بوجود فرص للحصول على أجور تزيد عن أرباح
المشروع نفسه. وإذا ما استُخدم المشروع الحكومي لتوليد أجور من خلال أدوات مثل بيع
الوظائف وتوقيع صفقات محابية أو معاملات خاصة لبعض الزبائن، فقد يصبح مسار المكاسب
أعلى بالنسبة للحاكم النهاب من مسارها بالنسبة للحاكم الشريف. وأحياناً يتم إلغاء
التمييز بين المال العام والأموال الخاصة للحاكم. ففي هاييتي تحت حكم دوفاليير كانت
الشيكات تكتب لأفراد العائلة الحاكمة وبعض المواطنين من قبل مختلف الاحتكارات
الحكومية (لونداهل 1997: 39 ـ 40) كما أن سيطرة القطاع العام على المشاريع الكبرى
يمكن أن تصبح طريقة لزيادة فرص بقاء المرء في السلطة على الرغم من فساده.، فمثل
هؤلاء الحكام يوجدون شبكة من الالتزامات والشراكات وقد يهددون شركائهم بالفضح إذا
ما تم خلعهم.
ومع ذلك، وتحت مثل هذه الظروف، فإن الحاكم النهاب قد يصبح مخصخصاً مفرطاً في الحماس.
فقد يستطيع على سبيل المثال أن يهندس عملية الخصخصة بطريقة تنطوي على بيع بالقوة له
ولأفراد عائلته بأسعار أقل من سعر السوق. ففي أندونيسيا مثلاً دعم سوهارتوا عدداً
من مشاريع الخصخصة التي انطوت على نقل الموجدات لشركات يديرها أولاده ومعاونه (شوارتز
1994: 148 ـ 149) وحتى لو تم البيع لجهة خارجية، فإن الحاكم النهاب قد يدعم بعض
التخاصيات التي قد تواجه الرفض من قبل محسن اجتماعي يسعى إلى تنمية ثروته. وبقبوله
لبعض المكاسب الحالية، يضيع الحاكم فرصة للحصول على دخلٍ مستمر مستقبلاً. هذا الأمر
قد يبدو معقولاً إذا حصل الحاكم على خصم أكبر من مستثمري القطاع الخاص بسبب خوفه من
الخلع، والحاكم النهاب قد يثمن المكاسب المباشرة لبيع مؤسسة عامة أكثر من السوق
الخاص. في بعض الطرق، يشبه الحاكم النهاب سمساراً في السوق المالي أو وكيلاً
للعقارات إذ يجني أرباحه من تدوير الأموال ويمكن جني الأرباح الفاسدة، ليس من
التداخلات الحكومية القائمة فحسب ولكن أيضاً من التغيرات السريعة. إذ يمكن للحاكم
أن ينتزع حصة من الأرباح من أي صفقة حكومية، ولذا يقوم بدعم خصخصة المؤسسات في حين
يدعم تأميم غيرها.
ويمكن رشوة الحاكم من أجل خصخصة مؤسسات حكومية ناجحة وبأسعار منخفضة، أو تأميم
مؤسسات خاصة غير فعالة بأسعار عالية. وبدون وجود التزامات مصدقة من الحاكم بالإحجام
عن الدخول في تغيرات سريعة، فإن مستثمري القطاع الخاص سيكونون مترددين في الدخول في
صفقات تنطوي على خطر عكسها في المستقبل. باختصار فإن الحاكم النهاب القوي يدير دولة
قاسية ولكنها فعالة، ومحدودة فقط بعدم قدرته على القيام بالتزامات مصدقة. أما
الحاكم النهاب الضعيف فيدير دولة متطفلة وغير فعالة ومرتبة بشكل يمكنه من انتزاع
الرشاوى من السكان ومجتمع رجال الأعمال. إلا أن بعض المحللين يُبدون بعض التفاؤل
النسبي حول فساد المسؤولين الكبار مجادلين بأن أخطر المشاكل هي الفساد على المستوى
الأدنى، حيث يقوم المسؤولون بالاصطياد المفرط من البركة العامة في بحثهم عن الربح
الشخصي (اولسون 1993، رودريك 994، شايفروفيشي 1993) وإذا لم يمتلك أحد هذه البركة
العامة فقد يتوجب صرف جهدٍ غير فعال في عملية الصيد. (هاردتي 1968) إحدى الطرق
المتبعة لانتزاع الأجور هي إيجاد قوانين وتشريعات إضافية. وما يعتبر مدمراً بشكل
خاص بالنسبة لشلايفر وفينشي (1993، 606)، هو إمكانية أن يقوم البيروقراطيون الجدد
بمحاولة الحصول على حصص من الأجور وإذا لم يمتلك الحاكم نسبياً سيطرة يومية على
وزراء الحكومة، فإن تصرفهم على هواهم قد يصبح مكلفاً، أما إذا كان لديه سيطرة أكبر
فقد يهتم ببعض التقييد لحرية التصرف وسيقوم ببعض الاصلاحات في الخدمة المدنية
لتعزيز سيطرته. كما أنه سوف يقوم بدعم الإصلاح طالما ترافق هذا العمل مع زيادة
ثروته الشخصية. ولكن حتى ولو قام الحاكم بتفضيل بعض أنواع الإصلاح، فإن هذا لا يعني
أن يكون الفساد على المستويات العليا أقل تدميراً من الاختلاسات على المستويات
الدنيا. فنادراً ما يتمكن الحاكم من السيطرة فعلياً على جميع موارد الدولة، لأن حجم
البركة العامة تحت سيطرة الدولة يظل غير ثابت من قبل قوى خارجية. بدلاً من ذلك، قد
يستخدم المسؤولون السلطة لتوزيع الموارد التي هي تحت سيطرتهم، وعادة ما يمتلك
المسؤولون الكبار قدرة أكبر على الوصول إلى مقتنيات الدولة من الموظفين الصغار.
كذلك يضطر الحكام الفاسدون عادة إلى العمل بأدوات ناقصة. فبدلاً من القيام باغتصاب
الممتلكات الخاصة ببساطةً وتنظيمها لرفع إنتاجها، يمتلك المسؤولون الكبار خيارات
تعتبر غير فعالة بذاتها. فبإمكانهم رفع مستوى الضرائب والسلطات التشريعية ومنح
الإعفاءات مقابل الرشاوى وتأميم الصناعات. كذلك يمكنهم فرض سياسات حماية بعيداً عن
متناول الموظفين الصغار. ويمكنهم عرض مشاريع رأسمالية معقدة وغالية لاستخدامها في
توليد الرشاوى ففي هاييتي على سبيل المثال، كانت الحكومات الدكتاتورية تفضل
المؤسسات التي تعرقل التنمية لأنها كانت الطريقة الأكثر فعالية في سحب الأموال.
زيادة على ذلك فقد كان الموسرون يستثمرون عبر البحار أو في استثمارات أمنية وغير
منتجة مشجعين بذلك سياسات الدولة التي عرقلت التنمية ودفعت الهاييتيين الموهوبين
إلى الهجرة. (جرافتون ورولاندا 1991) لا يستطيع أي حاكم على الإطلاق أن يضمن بقائه
في السلطة للأبد. وأما الذين استفادوا من خطوة الحاكم فلن يقوموا بتعريض ممتلكاتهم
لخطر تغير النظام.
بالطبع، قد يستطيع بعض الحكام الأقوياء أن يتجنبوا مثل هذه السياسات غير الفعالة.
فهم يجمعون الثروة لهم ولعائلاتهم ولكنهم لا يدفعون برامج توليد الأموال بعيداً إلى
المدى الذي يؤثر على النمو. والبلدان التي تتصف بدرجة عالية من الفساد، ولكنها
مستقرة سياسياً ومحكمة السيطرة من القمة، تعاني من عدم الفعالية الثابتة أقل من
البلدان التي تشهد صراعاً غير منظماً لتحقيق الأرباح الشخصية. كما أن حكامها
يمتلكون وجهة نظر طويلة الأمد لذا فهم يستنبطون الطرق لتقييد السعي غير
المنظم وراء الربح الشخصي من أجل تعزيز الأرباح طويلة الأمد. وهذا النوع من الأنظمة
يبدوا وكأنه يحمل شبهاً قريباً لبعض دول شرق آسيا التي تمتلك أساليب مؤسسية قادرة
على إيقاف السعي غير المنظم وراء الربح من قبل المسؤولين والشركات الخاصة. (كاميوس
وروث 1996) ورغم ذلك وحتى في تلك المنطقة تبدو الدول الأقل فساداً، في وضع أفضل
لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من جيرانها الأكثر فساداً. (داي 1997) كذلك
وكما تشير المناقشة أعلاه، فإن الكثير من الحكام الفاسدين لا يشعرون بالأمان وكلما
ازداد فسادهم ازداد عدم شعورهم بالأمان.
كذلك يمكن أن يواجه الحكام الناهبون مشاكل إضافية ناتجة عن سيطرة البيروقراطيين.
وهي مشاكل لا يواجهها الحكام الخيرون. فالفساد في قمة الحكم يخلق توقعات بين
البيروقراطيين بأن عليهم أن يشاركوا في الغنيمة وأن يخففوا من القيود الأخلاقية
والنفسية على المسؤولين في أدنى السُلَّم. والأعمال المحظورة على المستوى الدنيا
والتي يمكن إبقائها تحت السيطرة من قبل حاكم شريف قد تصبح وباءً تحت الحكم الفاسد.
والحكام النهابون قد لا يستطيعون خلق الأجواء اللازمة لازدهار بيروقراطية شريفة. (لونداهل
1997: 43) إلا أن الكثير من فرص توليد الأموال يصعب تحقيقها بدون وجود فريق يفرض
العراقيل ويجمع الرشوات. كما أن وجود موظفين مدنيين فاسدين يخفف من اندفاع الحاكم
الفاسد نحو توسيع الحكومة بسبب حصوله على أرباح أقل مع وجود تابعين فاسدين. وتتقلص
فاعلية الحاكم في انتزاع المكاسب الخاصة من المجتمع بوجود بيروقراطية فاسدة لا تخضع
لسيطرته تماماً (كوليبرج وووزارجان 1997) وإذا استطاع الحاكم أن يطوِّر جهاز خدمة
مدنية شريف وأن يتشارك بالمغانم مع عدد قليل من الأتباع فسيكون حاله أفضل. إلا أن
هذا الأمر مستحيل في الغالب.
يقوم الموظفون الفاسدون في المستويات الدنيا بإدخال سوء الفعالية على شكل تأخيرات
إضافية ووضع خطوط حمراء والتدخل بين الوكالات ونتيجة لذلك تنخفض حصة أرباح الحاكم
من الدخل الوطني الصافي مع وجود بيروقراطية فعالة على أي مستوى من التدخل الحكومي.
على الأقل تنتقل بعض خسائر الفاعلية الناتجة عن وجود خدمات مدنية فاسدة، إلى
المواطنين. هل يفضل المواطنون وجود حاكم نهاب قادر على تأمين بيروقراطية شريفة؟ أم
هل يكون الحكم أفضل مع بيروقراطية فاسدة؟ لا يوجد جواب واضح لهذا السؤال، في الحالة
الأولى يمكن للحاكم أن يختار مستوى التدخل الحكومي الذي يعود بالربح الأقصى شرط
وجود جهاز حكومي يعمل بكفاءة. أما في الحالة الأخرى فهو يختار مستوى أخفض من التدخل
ولكن الخدمات تظل على عدم فاعليتها من قبل الموظفين الفاسدين (كوليدج وروز اكرمان
1997).
الاحتكارات الثنائية والدول المسيطر عليها من قبل المافيا:
سوف أنتقل الآن إلى الحالتين اللتين تستطيع فيهما المصالح الخاصة القوية أن تقاوم
متطلبات الفساد وتفرض قوتها على الدولة. وتختلف الحالات باختلاف كون الدول منظمة
مركزياً لجمع الرشاوى أم لا. في الحالة الأولى يواجه الحاكم الفاسد خصماً واحداً
على الطرف الآخر من الطاولة. وفي هذه الحالة، التي تشبه الاحتكار الثنائي، يتقاسم
الراشي والحاكم فرص انتزاع الأموال وتحدد قوتهما النسبية مقدار الأرباح المشتركة (كاهن
1991) كذلك تحدد الحجم الكلي للكعكة، وإذا أمكن إيجاد بعض الأموال بمساعدة الدولة
وإذا كان الحاكم يخشى خسارة جميع الأرباح لصالح خصمه فهو لن يتصرف، وقد يحاول كل
طرف تحسين وضعه الشخصي عبر تخريب وضع الطرف الآخر من خلال اغتصاب الملكية من جهة أو
اللجوء إلى العنف من جهة أخرى.
ويصف دييغو غامبيتا (1993) المافيا بأنها جماعة الجريمة المنظمة التي تقدم خدمات
حماية تعوض عن تلك المقدمة من الدولة في المجتعات العادية. وفي بعض الحالات
الثنائية تتقاسم الدولة والمافيا أعمال الحماية. وربما يحصل بعض التداخل في العضوية.
وقد يقوم الحاكم الفاسد القوي في هذا السياق باغتصاب حصة من أرباح المافيا ولا يبدي
الكثير من الاهتمام بالسيطرة على النفوذ الإجرامي. ولأن المجرمون يهتمون بتجميع
الثروة مثل أي شخص آخر، فقد يُسَّرُ بعض المتفائلين من أنهم في حال سيطرتهم على
الحكومة، سيقومون بتعديل طرق عملهم. ولكن هذا لأمر يبقى مثالياً. ويتوقع المرء أنه
حين يسيطر المجرمون على الدولة، فسيحاولون الحد من دخولها من خلال التهديد بالعنف
وإقصاء المنافسين. كما كانوا يفعلون في أعمال المخدرات. كذلك قد يبدي زعماء الإجرام
اهتماماً أكبر بتحقيق الربح السريع من خلال تصدير موارد الدولة وموادها الخام بدلاً
من الدخول في العملية الصعبة لبناء قاعدة صناعية. والنتيجة النهائية هي انحلال
قانونية الحكومة وتدمير المؤسسات الرأسمالية. من ناحية أخرى تعتمد بعض الدول في
تسيير اقتصادها على تصدير معدن أو اثنين أو منتجات زراعية. وهذه البلدان قد ترتبط
بعلاقات طويلة الأمد مع بعض الشركات المتعددة الجنسيات. وكل من الحاكم والشركات هنا
يرغبون في فعالية منتجة. ولكن التحالف الحكومي والخاص الذي ينشئ، قد يسمح لمدراء
الشركات والحكام بأن يتقاسموا ثروة الأمة على حساب الناس العاديين.
وتعتمد هذه القسمة في الأرباح على قدرة الفريقين النسبية على المساومة. واذا كانت
الشركة قد استثمرت برأسمال ثابت أو إذا كانت السلعة المنتجة لا تتوفر إلا في مواضع
قليلة على وجه الأرض، فإن حكام البلد يظلون في موقع قوي لانتزاع حصة كبيرة من
المكاسب، وعلى النقيض من ذلك، إذا كانت الشركة تنتج محصولاً زراعياً مثل الموز،
يمكنها استبدال موقعه بسهولة، أو إذا كانت المادة الخام متوفرة للشركة في عدة مواقع
على الأرض فإن هذا يعزز من قدرتها على المساومة. وقد تطلب من البلد تقديم بنى تحتية
مناسبة لها وضمانات بعدم وجود مشاكل عمالة وضرائب مخفضة. والمرء لا يرى مجالاً
صريحاً للفساد في مثل هذه الأنظمة. ولكن الأذى الذي يمكن أن يلحق بالمواطنين
العاديين قد يكون كبيراً، إذ يصبح البلد مثل ذيل لهذا المستثمر الكبير. وقد تتبلور
ظروف ملائمة للاحتكار في بعض العقود والمناقصات الخاصة. وللحقيقة فإن الحاكم النهاب
يملك دافعاً لإيجاد مثل هذه الظروف من خلال القرارات التي يتخذها حول أي مشاريع
سيدعمها وأي شركات سيحابيها. والعقود التي تبرم مع الشركات في الأسواق التنافسية
تعتبر غير مرغوبة لأنها لا تقدم أرباحاً زائدة. والحاكم يحرِّف أولويات العقود
بتفضيل مشاريع لا ترعاها إلا الشركات الصناعية التي تحقق أرباحاً احتكارية. بالطبع
فإن الحاكم النهاب القوي والذي يتمتع بالحصانة لن يقلق نفسه باختلاق قصة للتغطية،
إذ أن عليه أن يقوم فقط بالاستيلاء على الأموال العامة أو أموال المساعدة وإرسالها
إلى بنكه وراء البحار (off shore) ويحصل على نسب فوائد عالمية. وهذا التناقض بين
الحاكم النهاب القوي والضعيف يذكر بنكتة مألوفة: يقوم (أ) بعرض قصره الجديد على
الحاكم (ب) مشيراً إلى طريق سريع جديد ويشرح كيف حصل على منزله الجديد بقوله 30%.
يقوم (أ) بزيارة (ب) فيما بعد في قصره الأكثر فخامة ويسأله كيف استطاع تمويل قصره،
فيجيب (ب) أترى ذلك الطريق السريع هناك ينظر (أ) بحيرة لأنه لا يرى طريقاً فيجيب
(ب) هذه هي النقطة بالضبط. 100%.
تستخدم هذه القصة عادة لإظهار كيف أن الفساد يكون أقل ضرراً حين تبني الطريق في
الحقيقة. ولكن هذه النتيجة ليست مبررة دائماً. فإذا قام الحاكم بدعم المشاريع التي
تعمل لإخفاء ابتزازه للأموال بسهولة، فإن أضرار مثل هذه القرارات قد تكون كبيرة.
فالطريق السريع الجديد قد يبدو قطعة ثمينة من البنى التحتية ولكنها إذا أقيمت فقط
لتسهيل الوصول إلى المنزل الريفي للحاكم فلا يوجد ماذا يقال بعد. أما إذا لم تبنى
أي طريق فإن الاحتيال يكون قد تم وأهداف التنمية دمرت. ولكن الدولة تتبعثر جراء
وجود "فيلة بيضاء ثمينة". فقد شاهد دافعوا الضرائب المحليين وما نحو المساعدة
الأجانب كيف تحولت نقودهم إلى تعزيز ثروة الحاكم، وكيف انحرفت أموالهم عن
استخداماتها القانونية. ومثل هذه الوقائع الظالمة تهيئ التبريرات للقيام بالانقلاب
أو لقطع المساعدات. وفي ظل هذه الظروف السائدة، لا يوجد إنشاءات أقل فاعلية من مثل
هذه المشاريع طالما أوجدت للحاكم نفاذية إلى حساب البنوك الأجنبية.
إذا واجه الحاكم النهاب أحد دافعي رشوة بمفرده على طاولة مفاوضات فسوف يقوم
بمساومته لتقاسم الأرباح المالية. والدفعات الفاسدة في حالة الاحتكارات الثنائية،
هي أقل من حالة وجود نهب من طرف واحد. ويملك الراشي القدرة على المساومة ويستخدمها
لانتزاع الربح. ومع ذلك فإن النتيجة لا تكون بالضرورة جيدة. فحجم الرشاوى ليس هو
المتغير الرئيسي بل على العكس فإن مدى الاختلال الاقتصادي والتكاليف العالية
للمشاريع الحكومية هي المقياس للضرر الذي يلحق بالمواطنين. والأرباح الاحتكارية
الخاصة والرشاوى تساهم في إغناء طرفي الصفقة وتبقى الخاسرة من نصيب الناس العاديين.
والآن لنفترض وجود حالة يتورط فيها المسؤولون في دولة ضعيفة وغير منظمة في رشوات
على هواهم. ولكنهم يواجهون احتكاراً للقوة من قبل القطاع الخاص. وقد تكون هذه
الدولة ديمقراطية ضعيفة الأداء أو أتوتقراطية ذات رأس ضعيف. وكما هو الأمر في حالة
الاحتكار الثنائي، يمكن أن يكون المحتكر مافياً محلياً أو مؤسسة فردية كبيرة أو
جماعة مستغلة في السلطة. في كُلِّ من هذه الحالات، يهيمن القطاع الخاص على الدولة
من خلال شراء تعاون المسؤولين. ولكن لاعبي القطاع الخاص ليسوا بالقوة الكافية التي
تؤهلهم للسيطرة على الدولة وإعادة تنظيمها في جسم موحد. مشكلة القطاع الخاص هي أن
عدم تنظيم الدولة بحد ذاته يقلص من قدرة جماعته على شراء المكاسب التي يريدونها.
فعقد اتفاقية مع أحد المسؤولين لن يمنع الآخر من التقدم. ومثل هذه الدولة تصبح غير
فعالة مع وجود مسؤولين يتنافسون مع بعضهم البعض على الأرباح المتوفرة. قد لا يستطيع
الأفراد تحقيق أجور ملموسة بذاتهم ولكنهم يتنافسون مع بعضهم البعض للحصول على حصة
من الأرباح الناتجة عن القطاع الخاص المهيمن. وفي مواجهة مثل هذا السعي المارق
لتحقيق الأرباح، يقوم القطاع الخاص بتقليص إنتاجه وبذا تعمل نشاطات هؤلاء المسؤولين
الفاسدين عمل الضرائب على الإنتاج أو على المدخلات. والتي تقوم بدورها بتقليص
مستويات الإنتاجية الربحية للشركات.
وتقدم الفليبين منذ استقلالها مثلاً عن الدول الضعيفة التي تتعامل مع عصبة قوية من
المصالح الخاصة. ويعتبر النظام القانوني والإداري في البلد رخواً ولا يمكن التنبؤ
بعمله. وتعيق السياسة الاعتباطية تطور قطاع خاص منتج. فبعض قادة رجال الأعمال
يحصلون على امتيازات خاصة ولكن التأثير العام على التجارة يعتبر سلبياً. وتقوم
العائلات التي تسيطر على الأعمال الكبرى ببذل الوقت والجهد لتوسيع ارتباطاتها
السياسية كضمان ضد أي تغيرات في النظام (هتكشروفت 1998: 13 ـ 39).
الرشوة التنافسية:
في الحالة الرابعة، يتعامل العديد من موظفي أدنى السلم مع عدد كبير من المواطنين.
وكما هو الحال في القضية التي تم مناقشتها سابقاً، يمكن لمثل هذه الحالة أن تظهر في
دولة ديمقراطية ذات جهاز قانوني يمتاز بضعف السيطرة على الفساد ومسائلة شعبية ضعيفة.
وقد تكون أيضاً نفس الطريقة التي يوزع فيها النظام الأوتوقراطي الضعيف خدماته
العامة. وحالة الفساد التنافسي ليست مماثلة للسوق التنافسي الفعال والمشكلة الرئيسة
هنا هي إمكانية تسرب الفساد تصاعدياً. فالفساد عند البعض يشجع المزيد من المسؤولين
على قبول الرشاوى، حتى يعم الفساد على جميع الموظفين ما عدا الأخلاقيين منهم. وهناك
عدة نماذج نظرية تقدم مثل هذه النتيجة وتترافق مع توازن ثانٍ يقل فيه الفساد. وأي
مستوى منخفض من الفساد في فترة واحدة يشجع عدداً أقل في المرحلة التالية. ومن أجل
إطلاق موجة تصاعدية من الفساد، يجب أن ترتفع أربحية الرشوة عن مدى معين مع ارتفاع
وتيرة الفساد. على سبيل المثال، لنفرض أن بعض الراشين المحتملين يجهلون أي من
المسؤولين هو الفساد. إذاً كلما ارتفع عدد الفاسدين كلما أصبح العثور على مسؤول
فاسد أكثر سهولة. وكلما قلت مخاطر عرض الرشوة، أزداد عدد الأفراد الذي يتوقعون
الحصول على مكاسب من جراء دفع الرشوة.
في العادة، يتوقع المرء أنه كلما ارتفعت مستويات الرشاوى كلما قل عدد الناس
المستعدين لدفعها، ولكن في مثل هذا الحالة، ولأن نسبة الموظفين الفاسدين ارتفعت مع
ارتفاع مستوى الرشوة، فإن ارتفاعاً في مجال تكرار الرشوة يرفع من نسبة الأفراد
الراغبين في دفعها. وفي ظل افتراض معقول حول توزيع تكاليف الرشوة بين المسؤولين،
يظهر كل من توازن عال للفساد وتوازن منخفض ويمكن للتغيرات المؤقتة في الظروف
المحيطة أن تنتج تحولات في مستوى الفساد من خلال دفع النظام من توازن فساد أعلى إلى
توازن أدنى (اندفيغ ومون 1990).
ويمكن تعزيز هذا الإنتاج من خلال عدة توسيعات معقولة. وكما كنت قد اقترحت في الفصل
السابق، إذا سقطت مقاييس الأخلاق مع ارتفاع وقائع الفساد فإن مثل هذه الظاهرة قد
تساهم في إطلاقات تصاعدية وتنازلية. وقد تحدث نتيجة مشابهة إذا انخفض احتمال كشف
الفساد مع تصاعد وقائعه (اندفيك ومون 1990: 75)، مثل هذا الأمر قد يحدث على سبيل
المثال، إذا وجدت ميزانية ثابتة لمكافحة الفساد، واذا اعتمد هؤلاء الذين يطيعون
القانون على تعاون الموظفين الشرفاء في كشف الأعمال المحظورة، عندها إذا كان
الفاسدون قليلي العدد، يمكن استخدام موارد مكافحة الفساد بفعالية من أجل تجميع
الأدلة وإحباط الفساد في المستقبل. على النقيض من ذلك، إذا كثر عدد الفاسدين فسيصبح
جمع الأدلة مكلف وغير فعال نسبياً وبذلك يشجع على ظهور فساد أكبر في الفترة التالية.
إذ لا يتم الكشف إلا عن القليل من وقائع الفساد في هذه الفترة مشجعاً بذلك على
المزيد منه . يتطلب الإصلاح تغيرات منهجية في التوقعات وفي التصرف الحكومي من أجل
دفع مثل تلك الدولة من توازن عال للفساد إلى توازن أدنى. ومع الأسف فإن الدولة التي
تقع ضمن هذه الفئة الرابعة هي بالضبط تلك الدولة التي تفتقر إلى سلطة مركزية ضرورية
لإجراء مثل هذه الإصلاحيات. فالنجاح التنافسي الفاسد يتخندق جيداً في النظم
اللامركزية حيث لا يمتلك احد القوة لتطبيق سياسة الصدمة اللازمة لإجراء الإصلاح.
استنتاجات:
تعتبر الحالة الأوتوقراطية، كشكل تقني فعال للحكم، حالة ضعيفة وسياسات النهب نادراً
ما تعادل الاحتكار الشخصي. لا يوجد أية علاقة بسيطة بين مستويات ونتائج الفاسد وبين
تنظيم الحكومة. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع المرء أن يدعي بثقة أن الفساد في القمة
هو أقل أذى منه في القعر. وتأثير الفساد يعتمد على الرشوة. ففي ظلم الاحتكار
الثنائي يتقاسم لاعبوا القطاعات الخاصة والعامة الأقوياء موارد الأرباح الاقتصادية،
والحاكم النهاب القوي الذي يواجه قطاعاً خاصاً ضعيفاً لا ينتزع المكاسب فحسب، بل
ينظم الدولة بطريقة تساعد على زيادة المكاسب. وعلى النقيض من ذلك، فإن الشركات
الخاصة القوية والفاسدة يمكنها انتزاع مستويات عالية من المكاسب في وجه حكومة ضعيفة
بدون أن تدفع رشاوى عالية.
فوقائع الفساد عالية ولكن حجم الرشاوى منخفض، وتميل تكاليف تحمل الرشاوى إلى
الارتفاع كثيراً ، إذا اعتبر المرء المكاسب التي قد يجنيها لاعبوا القطاع الخاص
مقابل الرشاوى. ومع وجود أعداد من الراشين والمرتشين، يمكن أن تظهر أسواقاً معقدة.
ومع وجود جو تنافسي، تولِّد الرشاوى على الأغلب رشاوى أخرى حتى يصبح النظام مفرطاً
في الفساد. ولكن في ظل ظروفٍ أخرى، فإن الأمانة، تولِّد الأمانة، ويواجه المصلحون
في البيئات التنافسية مهمة صعبة تتمثل في تشجيع دوائر الكسب الشريف في نفس الوقت
التي يتجنبون فيها دوائر التخريب. وتساعد الديمقراطية على تقييد الفساد إذا قدمت
للناس سبلاً بديلة للاحتجاج وأعطت الموظفين الحوافز للأمانة. ومع ذلك وكما سأشرح في
الفصل القادم، فإن الأمر ليس دواء لجميع الأمراض. ومن أجل تقييم دور الديمقراطية،
على المرء أن يذهب لأبعد من العلاقات البسيطة من أجل تقييم أشكال الديمقراطية
البديلة.
(*) استاذة القانون والعلوم السياسية بجامعة ييل، بأمريكا، المدير المشارك لمركز
كلية الحقوق والاقتصاد والحقوق والسياسة، في الجامعة نفسها.
المصدر: سوزان روز
أكرمان/ الفساد والحكم ـ الاسباب، العواقب، الاصلاح، ترجمة فؤاد سروجي، الأهلية
للنشر والتوزيع، عمّان.
|