|
الاثنين:
23/06/2008
الفساد الإداري في العراق
تكلفته
الاقتصادية والاجتماعية(*)
أ.
د. جاسم محمد الذهبي(**)
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَلا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى
الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(سورة البقرة الآية 188)
ربما تكون عملية طرح مناقشة موضوع الفساد (Corruption) جديدة نسبياً في
العراق سواء في مجال السياسة أو في مجال الإدارة، ولكن الفساد نفسه ليس
جديداً لا في مجال السياسة ولا في مجال الإدارة في العراق.
وأن مصطلح الفساد يظهر بشكل أو بآخر في الحياة السياسية والإدارية
العراقية، فمرة يظهر تحت اسم الرشوة واستغلال النفوذ أو الثراء غير
المشروع أو الاختلاسات أو تزوير الانتخابات أو التدخل فيها أو تعيين
الأقارب والمحاسيب في مناصب أدارية لا يستحقونها وغير مؤهلين لها أو هدر
أموال الدولة وتبذيرها أو عدم الحرص على المال العام. أو الاستيلاء على
أموال الغير ومصادرتها... الخ.
وعليه فأن للفساد والفساد الإداري أثار مدمرة وله تكلفته الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية وبناءاً على ذلك فأن نطاق بحثنا في هذا المجال
سيتركز على خمسة محاور أساسية هي:
المحور الأول: في معنى الفساد والفساد الإداري.
المحور لثاني: الفساد والشفافية.
المحور الثالث: الفساد وطبيعة السلوك الإداري للموظف العام في العراق.
المحور الرابع: تكلفة الفساد وموقف الدول وترتيبها عالمياً.
المحور الخامس: مظاهر الفساد الإداري في العراق وتكلفته الاقتصادية
الاجتماعية.
أولاً: في معنى الفساد والفساد الإداري
يجب أن تبدأ أي مناقشة لقضية الفساد بتعريف الفساد، حيث يرتبط الفساد في
أذهان العديد من الناس بالشر وربما يكون أصدق تعريف للفساد هو التعريف
الذي ورد في موسوعة العلوم الاجتماعية، الفساد هو: استخدام النفوذ العام
لتحقيق أرباح أو منافع خاصة، ويشتمل ذلك بوضوح على جميع أنواع رشاوي
المسؤولين المحليين أو الوطنيين أو السياسيين ولكنه يستبعد الرشاوي التي
تحدث فيما بين القطاع الخاص.
فالفساد أذن يشمل مساحة واسعة من الأعمال والتصرفات غير الشرعية والتي
تندرج ضمن عمليات الفساد، منها ما خص المسؤول السياسي ومنها ما تعلق
بالمسؤول الإداري، ولكنها في كل الأحوال تعني أي استغلال أو استعمال غير
مشروع للسلطات والصلاحيات الممنوحة للموظف العام أو للشخص المسؤول، سواء
أكان صغيراً أم كبيراً. ومن ذلك مثلاً استغلال النفوذ، ابتزاز لآخرين عن
طريق استخدام السلطات التي يملكها المسؤول، استغلال الأموال العامة أو
السيطرة عليها أو مصادرتها، واختلاسها أو استعمالها لغير الأوجه التي
أعدت لها، الاستفادة من أموال الدولة بغير وجه حق، يشكل مناف للقوانين
والتعليمات والأعراف، إشاعة جو الوساطة والمحسوبية وحماية الأقارب
والأزلام من القوانين والعقوبات وتعيينهم بمناصب أكبر من مؤهلاتهم
وقدراتهم وإمكاناتهم الشخصية وخبراتهم.
عدم الكشف عن مصدر الدخل والأموال التي يمتلكها المسؤول لاسباب مريبة،
التعتيم المعتمد والذي يخالف القوانين على سير الإجراءات والأعمال
الشخصية والرسمية، عدم استخدام الشفافية في تطبيق القوانين وتصريف الشؤون
العامة بسبب غايات مشبوهة.. الخ.
ثانياً: الفساد والشفافية
يعد الفساد الإداري، وحتى السياسي العدو الرئيسي للشفافية فالفساد من حيث
المبدأ يجهض خطط وبرامج التنمية ويفشلها، وكذلك يفسد السياسة.
فالفساد مفهوم واسع يعبر عن انعدام القيم الأخلاقية، وعن غياب الأسس
والضوابط التي تحكم السلوك الإنساني.
الفساد قد يكون: الغش، الخداع، التحايل، خيانة الأمانة، السرقة، الكذب،
الرشوة، استغلال النصب، استغلال الآخرين، التستر على الرؤساء أو
المرؤوسين..... الخ.
أما الشفافية فهي حق من حقوق المواطنين اتجاه الدولة، وهي من جهة أخرى
واجب من واجبات، السلطة الإدارية اتجاه المواطنين، فمن واجب السلطة فتح
المجال أمام المواطنين للاطلاع وبصورة مستمرة على سير عملية أدارة شؤون
المجتمع في كافة النواحي والمجالات.... والشفافية تعني أن تكون كل
المرافق والمؤسسات التي تدير الشأن العام شفافة تعكس ما جري ويدور
بداخلها، حتى الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني،يجب أن تكون كل
الحقائق معروفة ومتاحة للبحث والمساءلة والنقاش. فالشفافية أذن ليس هدفاً
في حد ذاته، وإنما هي وسيلة من الوسائل التي تساعد في عملية المحاسبة
والمساءلة، كما أن المساءلة والمحاسبة لا يمكن أن تتم بصورة مناسبة
وفاعلة دون ممارسة الشفافية. وعلى هذا الأساس تعتبر الشفافية والمساءلة
من أهم الركائز والمبادئ التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، وهما
مفهومان مرتبطان ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً، وخاصة في مجال عملية صنع
واتخاذ القرار.
وتأسيساً على ما تقدم يتضح أن الشفافية والفساد مفهومان متعارضان
والعلاقة القائمة بينهما هي علاقة عكسية،فكلما زادت الشفافية في المجتمع
وفي كل المجالات وعلى كافة الأصعدة كلما ارتفعت أمكانية محاربة ومواجهة
الفساد والحد منه، والسيطرة على أثاره المدمرة، لأن الفساد يستمد قوته من
الغموض وعدم الوضوح، فالسرقة، والغش، والخداع، والرشوة وغيرها.
كما أشرنا هي من تجليات الفساد لا تتم أمام الأعين وفي وضح النهار وإنما
تتم كلها في الخفاء وخلف الستار.
ثالثا: الفساد وطبيعة السلوك الأداري للموظف العام
في العراق
أن السلوك الإداري للموظف العام لا يتصف دائماً بعمقه الأخلاقي، فقد يسلك
الموظف العام في أي مستوى إداري سلوكاً أخلاقياً في بعض الحالات والظروف
وسلوكاً لا أخلاقياً في حالات وظروف أخرى.
كما أن سوء استخدام الوظيفة العامة يعد بحق مظهراً من مظاهر الفساد
الإداري، الذي كان سبباً رئيسياً في الإطاحة بالعديد من الحكومات في
السنوات الأخيرة، وسيما في الدول التي تحولت من الاقتصاد المخطط إلى
اقتصاد السوق وعلى التوازي يتم الانتقال من الفساد العرضي إلى الفساد
المنظم.
لا نتجاوز الحقيقة أذا قلنا أن الظروف والأوضاع التي كان ولا يزال يعيش
في ظلها الموظف العام في العراق قد ساهمت في انحراف أعداد كبيرة من
الموظفين عن قيم وأخلاقيات الوظيفة العامة التي تعتبر أحد المعايير
الأساسية للحكم على صحة المجتمع ورقيه سواء في ممارساته وأساليب تعامله
أو في مجالات عمله ونشاطاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية
والإدارية وغيرها، وبدون الأخلاق والأخلاقيات لا وجود للإدارية الجيدة
ولا وجود للموظف الحكومي الجيد المعتد بنفسه وكرامته لأن انحراف الموظف
عن قيم وأخلاقيات الوظيفة العامة يؤدي إلى انخفاض معدل الأداء ثم التهرب
من المسؤولية مما أنعكس سلبياً على الأسلوب الذي يتعامل به الموظفون مع
المواطنين حيث تتفشى ظواهر عدم الاهتمام والاستهتار بمصالح الناس ولا
ينظر إليهم كطالبي حق بل طالبي خدمة وشفقة.
وبذلك أصبحت الوظيفة بالنسبة لمثل هؤلاء الموظفين مرتعاً خصباً للتسلط
والسيطرة وبسط النفوذ وتحقيق الأهداف والمصالح الخاصة غير المشروعة على
حساب الأهداف والمصالح العامة المشروعة وبذلك جسد هؤلاء على أرض الواقع
كون الوظيفة العامة هي التي تشرف الموظف الذي يشغلها وليس العكس لأنها
بالنسبة لهم أداة تشريف، وتسلط ذلك انطلاقاً من حقيقتهم وما يداخل أنفسهم
من ضعف ووهن جعلهم يرتكبون أخطاء كبيرة ويمارسون أنواعاً مختلفة من مظاهر
الفساد الإداري بنوعية الصغير والكبير.
وفي الجانب الآخر هناك أعداد أخرى من الموظفين المخلصين والمجاهدين الذين
ما يزالون على العهد أمام الله وأمام المجتمع، لم تهتز قيمهم ولم يختل
توازنهم ولم تنزلق أقدامهم عن أخلاقيات وقيم الوظيفة العامة، وخدمة
المجتمع، لأنهم هم الذين يشرفون الوظيفة، وأن الوظيفة بالنسبة لهم أداة
تكليف وخدمة وليس تشريف وتسلط. وبذلك أصبحت ممارسة الوظيفة العامة
بالنسبة لهولاء المجاهدين تقتضي الأمانة والشرف وتحقيق الصالح العام قبل
الصالح الخاص على اعتبار أن الوظيفة العامة أمانة مقدسة وخدمة اجتماعية،
وبذلك تبدلت نظرتهم نحو أنفسهم ونظرتهم نحو رؤسائهم ونحو جميع المواطنين
من أبناء بلدهم لأنه من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا.
المحور الرابع: الفساد وموقف الدول وترتيبها
عالمياً
يتخذ الفساد الإداري نوعين رئيسيين هما: الفساد الكبير والفساد الصغير،
ويمكن أن نمثل النوع الأول بالرشوة الكبرى التي يشارك فيها المسؤولين على
مستويات رفيعة ووزراء ورؤوسا دول والتي غالباً ما ترتبط هذه الرشوة
بالتأثير على صانعي ومتخذي القرارات. أما النوع الثاني فيتمثل في الرشوة
المحدودة التي يشارك فيها مسؤولون في دائرة الهجرة وموظفو الكمارك ورجال
الشرطة والتي عادة ما تكون بسبب التعجيل بإنهاء إجراءات روتينية... فإذا
تفشت الرشوة الكبرى يضيع الأمل في أحكام الحصار على الرشوة المحدودة.
أذن ما مدى الضرر الذي يسببه الفساد الأكبر؟ يتمثل أكثر الآثار وضوحاً في
الزيادة المباشرة التي تطرأ على تكلفة المعاملة، فإذا قلنا أن قيمة
الرشوة ستكون 10% فأن البائع لن يتكبل جزء منها في نهاية الأمر، ولكنه
سيضمنها في السعر الذي عرضه، بل أن دفع الرشاوى يتيح أن يضمن السعر
مبلغاً أكبر من قيمة الرشوة.
وإذا كانت المعاملة تحتوي على مبلغ أو خدمات مستوردة ستؤدي زيادة تكلفة
الواردات إلى زيادة حجم العملة الأجنبية التي تصرف للبائع لإكمال
المعاملة، غير أن هذه الزيادة في التكلفة لا تعتبر بأي حال من الأحوال
الجانب الأكثر جدية من الجوانب الأخرى، فعندما يكون احتمال الحصول على
مكاسب شخصية عنصراً من العناصر، يتحول ليحل مكانه العنصر الأخر الهام في
المعاملة مع إزاحة عناصر التكلفة والنوعية وموعد وكيفية التوريد وجميع
الاعتبارات القانونية الأخرى جانباً عند الموافقة على منح العقود. وينتج
عن ذلك اختيار موردين غير مناسبين أو مقاولين غير ملائمين بالإضافة إلى
شراء السلع غير المناسبة.ونتيجة لهذا النوع من اتخاذ القرار يتم أعطاء
أولوية للتوريدات والمشروعات غير الضرورية على حساب الأولويات الوطنية
الهامة بدون سبب الا سبب تمكين متخذو القرار الحكوميين من الحصول على
رشاوى ضخمة. وإذا أخذنا في اعتبارنا أن التوريدات العسكرية هي من الفئات
السلعية التي تجتذب بالفعل الفساد الأكبر، فلا نندهش أذا علمنا أنها
كثيراً ما تشترى بدون أي داع.
أما بالنسبة للعلاقة بين الفساد والقدرة التنافسية للاقتصاد في الدول
المختلفة فقد أكد التقرير الذي نشرته IMD International) ) في آبريل 2001
العلاقة الوثيقة بين الاثنين، ويوضح الجدول رقم (1) هذه النقطة.
جدول رقم (1) العلاقة بين الفساد والقدرة التنافسية
|
الدولة |
القدرة التنافسية الترتيب
عام/2001 |
الفساد
الترتيب عام/2001 |
|
الولايات المتحدة |
1 |
16 |
|
سنغافورة |
2 |
4 |
|
فلندا |
3 |
1 |
|
لوكسمبورغ |
4 |
9 |
|
هولندا |
5 |
8 |
|
جنوب افريقيا |
42 |
38 |
|
الارجنتين |
43 |
57 |
|
تركيا |
44 |
54 |
|
روسيا |
45 |
79 |
|
كولومبيا |
48 |
50 |
يلاحظ من الجدول
أن أكبر خمس دول في العالم من حيث القدرة التنافسية هي أيضاً أقل الدول
فساداً كما أن الترتيب (1) للفساد يعني أقل الدول فساداً والترتيب (79)
يعني أكثر الدول فساداً وذلك وفقاً لمعايير منظمة الشفافية الدولية.
هذا وقد أشارت الدراسة بكل بساطة إلى أن الفساد بالاشتراك مع عوامل أخرى
يقلل من قدرة الدولة على تأسيس قدرتها التنافسية والمحافظة عليها، كما
أشارت الدراسة إلى أن للفساد تكلفة، وأن العجز عن المنافسة يدخل ضمن هذه
التكلفة.
أما بالنسبة لموقف الدول وترتيبها عالمياً من حيث الفساد فقد وضع تحالف
الشفافية الدولي مؤشر قياسي للفساد يشمل (54) دولة اعتماداً على عشرة
مسوح قامت بها مؤسسات أخرى غيره، تشير درجة العشرة إلى دولة نظيفة من
الفساد بالمعنى الكامل للكلمة، وتشير درجة الصفر إلى دولة تسيطر الرشوة
والفساد على كل معاملات الأعمال فيها بالكامل.
لم تحصل أي من الدول المبحوثة على درجة العشرة أو الصفر، فعند الأطراف
نجد نيوزلندا بدرجة 43،9 ونيجريا بدرجة 0,69 آخذين في الاعتبار أن الدول
في النصف الأول من الجدول باستثناء دول محدودة لديها مؤسسات ديمقراطية
قوية والعكس صحيح بالنسبة للدول في النصف الثاني من الجدول رقم (2).
خامسا: مظاهر الفساد الإداري في العراق وتكلفته
الاقتصادية والاجتماعية
توجد مساحة واسعة مشتركة بين المعيار العراقي والمعيار العالمي للفساد
فيما يتعلق ببعض مظاهر الفساد الأساسية، مثل الاختلاسات وسوء استخدام
المال العام من قبل بعض السياسيين وكبار موظفي الدولة أو الرشاوى التي
تقدم لهؤلاء وأولئك أو الإثراء غير المشروع أو سوء استخدام السلطات
العامة... الخ.
وبالمقابل هناك مساحة أخرى واسعة أيضاً تنطلق من منظومة القيم والأعراف
العراقية لا تلتقي بأي شكل من المعايير العالمية وضمن هذه المساحة،فأن
كثيراً مما يعتبر في بعض دول العالم فساداً يعتبر عندنا خيراً وصلاحاً
ورشاداً، فالواسطة مثلاً وفقاًَ للمعايير العالمية فساد ولكنها وفقاً
لمنظومة القيم والأعراف العراقية نخوة وشهامة، وتفضيل القريب على الغريب
فساد ولكنه وفقاً للمعايير العراقية الأقربون أولى بالمعروف، والاستجابة
للحالات الإنسانية خارج النظم فساد ولكنها عند العراقيين إغاثة
الملهوف... الخ.
وعليه فأن المعايير المستخدمة في قياس الفساد هي ليست فقط تلك المعايير
التي تضعها الدولة بل هناك أيضاً المعايير التي يضعها المجتمع لتحديد
ماهية الفساد والتي قد تختلف اختلافا كلياً عن معايير الدولة، لذلك يجب
التقريب قدر الإمكان بين هذين النوعين من المعايير حتى لا يكون هناك
خللاً في تشخيص أعمال الفساد، وبالتالي يؤدي إلى التناقص في النظرة إلى
الفساد، وهناك الكثير من وجهات النظر الخاطئة لدى المجتمع في هذا الخصوص
وهي لا يمكن القضاء عليها بقانون أو قرار أداري بل عن طريق التربية
الوطنية طويلة الأمد.
لقد ركز العلامة العراقي الراحل علي الوردي (رحمه الله) طيلة حياته وعبر
كل كتبه في دراسة المجتمع العراقي وما يتسم به خصائص وسمات مميزة ركز على
ثلاثة عناصر رئيسية تميز مجتمعنا العراقي وهي:
1- صراع البداوة والحضارة في العراق.
2- التناشز الاجتماعي في المجتمع العراقي.
3- ازدواجية شخصية الفرد العراقي.
لقد وضع العلامة الراحل يده على داء واسع الانتشار في الأقطار العربية
بشكل عام وفي العراق بشكل خاص وأستطاع بجرأة ونزاهة وروح علمية عالية
تشخيص ذلك الداء وخصائصه.
وعلى الرغم من أن هذه الصفات موجودة في كل الأقطار العربية الا أنها
بارزة في العراق بشكل يستلفت النظر، هذه الصفات تجعل الفساد مباحاً في
نظر الفرد الذي يمارسه ولكن عندما يمارسه الآخرون يجأر هو بالشكوى وينادي
بحماية القوانين ومعاقبة الفاعلين بأشد العقوبات.
وعليه فأن الآثار المدمرة للفساد في العراق ليست مجرد قضية أخلاقية....
بل أنها قضية عامة لها تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية الباهضة... وفقاً
لبعض الحسابات المبدئية للتكلفة الاقتصادية للفساد نلاحظ ما يأتي:
* يؤدي ارتفاع حجم التهرب الضريبي، بفضل ممارسات الفساد إلى زيادة عجز
الموازنة العامة، وضعف مستوى الأنفاق العام على السلع والخدمات الضرورية.
* ارتفاع تكلفة الخدمات الى10% نتيجة التكاليف الإضافية الناجمة عن
ممارسات الفساد وفقاً لدراسة حديثة للبنك الدولي وفي العراق أعتقد
النسبة أكثر من ذلك.
* ارتفاع تكاليف التكوين الرأسمالي ( المباني والمعدات ) نتيجة العمولات
التي تتراوح في بعض بلدان العالم الثالث ومن بينها العراق مابين 20% إلى
50% أو أكثر فوق التكلفة الأصلية.
وإذا وضعنا جانباً الضرر الاقتصادي الذي يسببه الفساد الأكبر فلا نغفل
الضرر الاجتماعي الذي لا يقل خطورة عن الضرر الاقتصادي بل قد يزيد من
تكلفة الفساد خصوصاً وأن الفساد أكثر من أن يكون مجرد مسألة اقتصادية، لا
بل أن تصنيف الفساد على أنه مسألة اقتصادية يعتبر تقليلاً من تأثيره
الحقيقي على المجتمع ككل، وفضلاً عن كون الفساد يؤدي إلى القضاء على هيبة
القانون، فأنه يؤدي إلى انهيار شديد في البيئة الاجتماعية والثقافية،
وعندما تقبل أجيال المواطنين الفساد كأسلوب في العمل وطريقة الحصول على
مزايا في المجتمع يبدأ النسيج الأخلاقي المجتمعي في الانهيار. وفي
العشرات من الاقتصادات المتحولة نجد الكثير من الأمثلة على أثار الفساد
السلبية والمدمرة.
هذا بالإضافة إلى أن اقتصاد الفساد يؤدي إلى أعادة وتوزيع الدخول بشكل
غير مشروع، ويحدث تحولات سريعة وفجائية في التركيبة الاجتماعية، الأمر
الذي يكرس التفاوت الاجتماعي، ويزيد من احتمالات التوتر وعدم الاستقرار
السياسي، ويعرض شرعية النظام السياسي للتأكل المستمر، ويمكن قياس التكلفة
الاجتماعية للفساد من تركيزه للثروة في أيدي فئة تجيد أكثر من غيرها
استغلال الأنشطة التي لا تتسم بالشفافية، ولعل أفدح ما للفساد من تكلفة
هي إشاعة روح اليأس بين أبناء المجتمع ويتفق علماء الاجتماع على أنه كلما
أنخفض الأمل انخفضت المبادرة وعندما تنخفض المبادرة يقل الجهد، وعندما
يقل الجهد يقل الانجاز، وبدون أنجاز يتوارث الناس الإحباط واليأس جيلاً
بعد جيل ولكن الأمر الأكثر خطورة اليوم في العراق هو أن هناك بيئة حاضنة
للفساد، وهذه البيئة عادة ما تترك العنان للفساد لكي يستشري وينتشر دون
أن تمارس دورها في كبح جماحه، بل أنها تهيأ له كل الفرص للنمو والازدهار
ليصبح مؤسسة فوق القانون.
تعقيب:
* تناول د. صلاح الرحيم أنواع الفساد، كالفساد الفردي والفساد الجماعي
والفساد النظمي وركز على الفساد النظمي لتأثيره على مؤسسات وأجهزة
الدولة، فالمنظومة الفاسدة تضم عددا من الأفراد من داخل الجهاز الإداري
أو خارجه ممن ترتبط مصالحهم بذلك، فهي تمتلك هدفا" مختلفا" عن أهداف
المنظمة سمته التجدد والديمومة. وكذلك بروز أهداف وقواعد عمل تختلف عن
قواعد عمل الجهاز الإداري، كما تتصف بأرجحية قيم هذه المنظمة على المنظمة
الإدارية، وتشجع هذه الحالة على ظهور منظمات فاسدة أخرى.
ويؤدي الفساد الإداري الى النتائج السلوكية
الآتية:
• تستر الجهاز الإداري على الأهداف والمصالح الشخصية.
• حماية المخالفين، وإلحاق التهم بهم.
• شعور غير المخالفين بعدم الرضا داخل المنظمة.
• إسكات وقمع العوامل المشهرة والفاضحة لهذه التصرفات السلبية.
• عدم فاعلية المسؤولين في كشف مثل تلك التصرفات , واعتبارها عرضية
وإيجاد التبريرات والأعذار لها.
وقد حدد المعقب أسباب الفساد الإداري بالأتي:
أ ـ وجود فرص ومجال يمكن من ممارسة الفساد، وقد يتمثل بحصر وتركيز
الصلاحيات والانفراد السلطة.
ب ـ بروز علاقات اجتماعية قائمة داخل وخارج المنظمة يمكن أن تتطور لتخدم
منافع خاصة.
ت ـ ضعف التفتيش والمتابعة والرقابة في أجهزة الدولة.
ث ـ التوسعات الكبيرة في أجهزة الدولة قد تؤدي إلى ضعف تبني الأفراد
للقواعد المقرة
أما الآثار السلبية للفساد ويمكن أجمالها بالأتي:-
1 ـ أضعاف قواعد ونظم العمل المعتمدة والحيلولة دون تحقيق أهدافها كلياً
أو جزئياً.
2 ـ تبديد إمكانيات الجهاز الإداري المادية والبشرية وانحرافها عن
الأهداف الموضوعة.
3 ـ أضعاف دور القيادات الإدارية الرسمية داخل الجهاز الإداري وكذلك زوال
التأثيرات الفعلية لهذه القيادات.
4 ـ خضوع صياغة القرارات والسياسات داخل الجهاز الإداري للتأثيرات
الشخصية.
5 ـ بروز نظم اتصال ومعلومات متعددة تتقاطع مع نظم الاتصال الرسمي.
• أما د. عبد الرحمن الحبيب، فقد أوعز سبب الفساد إلى الحروب التي أدت
إلى اختلال القيم الاجتماعية والمقاييس الاقتصادية والنقدية، فأفسدت
الأفراد والمؤسسات التعليمية والأجهزة الحكومية والأسواق... فهو يرى أن
الفساد يسري بالعدوى والمعايشة الاجتماعية فعندما يفسد المجتمع ينعكس ذلك
كلياً أو جزئياً على الجهاز الإداري، فما نحتاجه هو تحديد منابع الفساد
وليس التعرف فقط على مظاهر الفساد والمتمثلة بعدم الصدق في النية أو في
الأداء، وعدم مخافة الله، وحب الذات والسعي لتحقيق مكاسب شخصية، وفقدان
التميز الذاتي بين ما هو حلال أو حرام أو ما هو أخلاقي وغير أخلاقي.
وأضاف إلى أهمية التطرق إلى الفساد في المجال التعليمي، ففساد التعليم له
أثراً مباشراً في أفساد المجتمع.
• ويؤكد الدكتور عبد الأخوة التميمي من مجلس الوزراء على أهمية الشفافية
والديمقراطية وأثرهما في تقليل الفساد الإداري، فلابد أن يكون هناك وعي
شامل لدى الفرد والمجتمع وتقع مسؤولية ذلك على المؤسسات البحثية
والأكاديمية والأعلام، فضلاً عن أن تداول السلطة يمثل عنصراً هاماً في
معالجة الفساد.
• بينما يقترح د. كمال البصري من وزارة شؤون المحافظات على جامعة بغداد
تشكيل لجنة لمتابعة موضوع الفساد الإداري وتنمية الدراسات في هذا الجانب
والاستفادة منها
• ويرى د. حسن الياسري أن مسألة الفساد تحولت الى ظاهرة منتشرة بفعل
ثلاثة عوامل:-
1 ـ الحرب العراقية الإيرانية.
2 ـ الحصار الذي أدى إلى زيادة التضخم وأثره في دخل الفرد.
3 ـ طبيعة النظام السياسي السابق الذي أمتاز بالشمولية والدكتاتورية.
وللتخلص من ظاهرة الفساد يكون من خلال الرجوع إلى أسلوب الحسبة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر الذي طبقه الإسلام.
• أما د. ماهر موسى العبيدي فيرى أن ما سببته الحروب من نتائج واستنزاف
لموارد البلد كل ذلك أدى الى زيادة الثغرة بين المصلحة الخاصة والعامة،
وللحد من ظاهرة الفساد لابد أن يكون هناك توازن بين المصلحة العامة
والخاصة، فيكون الأجر متكافئاً مع الجهد كما أضاف، أن من أسباب ظهور
الفساد هو عدم كفاءة المسؤولين في أجهزة الدولة وهم لم يكونوا رجالاً
مناسبين في المكان المناسب كما أنهم طلاب ولاية، فعلينا الاستفادة من
تراثنا الإسلامي كقول الخليفة عمر بن الخطاب (رض) "طالب الولاية لا يولى"
وذلك لوضع واختيار الشخص المناسب في المكان المناسب والذي يتحلى بالأخلاق
الفاضلة والنزاهة العالية.
• وترى د. ثريا ا لخزرجي أن الفساد مسألة نسبية ولا يحكم على مستوى
الفساد من خلال الجدول المذكور في البحث، فأن نسبة الفساد كانت مرتفعة في
العراق لعام /2004 وذلك للظروف التي فرضت هذه الحالة، فالحروب تسببت في
زيادة نسبة التضخم والتفاوت الطبقي وبالتالي ارتفاع نسب الفساد، كما أن
للبطالة دوراً في انتشار ظاهرة الفساد. ولو تابعنا الجدول نلاحظ أن الدول
الأكثر فقراً هي التي حصلت على النسبة الأعلى في انتشار الفساد، أذن من
خلال معالجة الفقر ممكن الحد من ظاهرة الفساد.
(*) جامعة
بغداد/ كلية الإدارة والاقتصاد ـ مكتب الاستشارات/ الندوة العاشرة من
سلسلة الندوات التي يقيمها مكتب الاستشارات.
(**) أستاذ في قسم الإدارة العامة ـ كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة
بغداد.
|