الحضارية «ملفات»  

 الاحد: 30/12/2007

 


الجامعة العراقية بين الاستقلال والتبعية

د. علي عبد الهادي المرهج(*)

عاشت الجامعات كما غيرها من المؤسسات مآسي النظام السابق ولحقها ما لحقها من اهمال مقصود على المستوى المادي او على المستوى الثقافي فقد اهمل الاستاذ الجامعي على المستويين اللذين ذكرناهما، اذ عاش حالة مادية يرثى لها بحيث لايقوى على شراء جريدة الامر الذي جعله منقطعا مدة طويلة عن التطور الثقافي والعلمي
حتى اصبح اقل خبرة من زميله في الجامعات العربية الاخرى، الامر الذي انعكس بدوره على عطائه العلمي هذا من جهة، ومن جهة اخرى سار بعض الاساتذة الجامعيين الى ممالأة النظام السياسي اما لتحقيق مستوى مادي او الحصول على منصب اداري وهذا ماكان يريده ازلام النظام السابق اما الاستاذ المستقل فقد بقي منزويا يعيش همومه الذاتية وقلقه المعرفي القائم على الاستنكار ففي الوقت الذي كان الباطني لافعال النظام المستبد ينعى ما وصل اليه حال الجامعة العراقية فيه.
الاستاذ الاكاديمي يأمل ان تعيش الجامعة وضعها الطبيعي بحيث تكون منبرا مستقلا للعلم والثقافة يظهر منها الشاعر والعالم والاديب والمثقف بكل تنوعاته اصبحت الجامعة مصدرا للترويح للفكر الاحادي المتمثل بالحزب القائد اذ لم تكن للتعريف لفكر القائد الملهم او اصبح من مهمات الاستاذ الاساسية تكريس ايديولوجية الحزب الواحد والدفاع عنها ومعاودة التحشيد الجماهيري الطلابي في الانتماء لهذا الحزب، لذلك اصبح نمط التعليم في الجامعة نمطاً استاتيكيا لايساعد على تنمية الوعي الثقافي او المشاركة في تشكيل ثقافة ابداعية تستنهض الطالب المفكر والمثقف والسياسي وتستفز عقله النامي لانها ثقافة سلطة، ثقافة تمجد وتطبل للطاغية.
السؤال الذي يطرح نفسه وبعد التغيير الذي حصل في العراق هو، هل تغير وضع الجامعة. او الاستاذ الجامعي عما كان عليه في السابق؟
الطموح يقوم على الرغبة في ان يتغير هذا الوضع ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فالرغبات شيء والواقع شيء اخر على اساس القاعدة الفيزيائية القائلة ان لكل فعل رد فعل، الفعل هو ان النظام السابق كان نظاماً استبداديا وهذا مما لاشك فيه فكان لابد للاصوات التي غيبت ان تظهر وبقدر التغييب كان الحضور وكان علو الصوت المقموع وهذا هو رد الفعل فبدلا من صوت الحزب الواحد حلت اصوات الاحزاب الاحادية فجاءت هذه الاصوات معبرة عن ثقافة مكبوته تدعو لاتجاه فرداني لا يختلف كثيرا عن توجه النظام السابق للترويج لايدلوجية الفكر الواحد لانه اتجاه لايؤمن بالاختلاف او حرية الرأي على الرغم من انه يتعامل مع الواقع الجديد الذي يؤكد وجود اراء اخرى لكن طبيعة التكوين الايدلوجي لهذه الاحزاب هو تكوين تدافع (الاحزاب) احادي منغلق يسير على اتجاه فئوي او طائفي او عرقي، لذلك نجد اغلبها تحقق مصلحتها الفئوية وليس المصلحة الوطنية، الامر الذي انعكس بدوره على اداء الجامعة العراقية وبقي الاستاذ يتخذ طريقة التلقين للمادة العلمية على حساب طريقتي الحوار والتوليد، لانه باتباع هاتين الطريقتين لربما يقع في اطار نقد المحرمات الكثيرة جدا في زمن كنا نتمنى ان يكون ديمقراطيا يؤمن بحرية العقل ومنحه امكانية استبدال النزعة التقديسية التي تطبع عليها المجتمع العراقي عبر سنوات الاستبداد الطويلة بالنزعة النقدية التي تفتح افاق المعرفة العقلية وتدفع باتجاه النزعة الاستقلالية التي ترفض الهيمنة وتؤمن بحرية الفكر والحوار مع الاخر المختلف وقبول وجوده على اساس انه يشكل اضافة معرفية في بناء الذات واستكشاف مواطن الضعف فيها لكن الذي حصل وعكس ما نتمناه فبدلا من ان تعمل الجامعة على تغيير ثقافة المجتمع واحتوائه اصبحت الجامعة تتغلف بشفافية المجتمع لأباطره المنفتحة بل بالأطر المنغلقة بكل ما تحويه هذه الامور من ثقافة بالية ومتكلة، وغدت الجامعة تروّج لثقافة المكان بمعنى ان الجامعة تعبر عن ثقافة المكان الذي توجد فيه ودورها هو تكريس هذه الثقافة لا العمل على تغييرها او توجيهها بما يخدم الانسان بما هو انسان لابما هوكائن ايديولوجي يعمل على الدفاع عن الافكار والتسليم بها لامحاولة تفنيدها واختبار مدى صدقيتها، وكان قدر الجامعة ان تبقى اسيرة التغيرات السياسية والعقائدية، تعلن تبعيتها حسب تغير الوضع وتتلون بتلون الايديولوجية الحاكمة، والايديولوجيةالحاكمة الان في العراق، تحكم على ضوء اماكن تواجد اغلبية مؤيديها، الامر الذي جعل العراق يعيش ايديولوجيا منطقية، كل جزء تحكم به ايديولوجيات معينة الامر الذي جعل الجامعة تنتمي ايديولوجيا للمكان الذي وجدت فيه تروج لايدلوجية ذلك المكان في محاولة تكريس تبعيتها وتفويت الامل في بناء ثقافة جامعية مستقلة، وهذا ليس بمناى عن الاستاذ الذي آثر التحزب على الدور الاكاديمي المطلوب منه في محاولة منه لكسب اكبر قدر من الدور القيادي الذي لا يمكن ان يتحقق من دون مشاركة الادارة الحزبية السياسية للمكان الذي توجد فيه الجامعة وكأن الجامعة وجدت للتحشيد الحزبي لا للبناء العلمي حتى اصبحت النشاطات العلمية اضعف مما كانت عليه في السابق واصبح الحدث السياسي كما هو حديث الشارع حديث الجامعة، وانتشرت الدعوات المطالبة بان يكون الاكاديمي ايديولوجيا مع هذا الحزب او ذلك وصار الاستاذ المستقل كما هو الحال في السابق بل واكثر ليس له الا ان يعمل من تلقاء نفسه للتخلص من سطوة الحزب ومن فرط انغلاق الرؤية لدى الكثير من فئات المجتمع الطلابي التي وجدت في الانتماء الحزبي متنفسا للخلاص من سطوة المادة العلمية والتلميح للاستاذ بالقدرة على الايذاء طالما الاستاذ هو الاضعف في هذه المعادلة لاسيما المستقل الذي ينتمي كانوا بمأمن عن الحساب للمادة العلمية لا للمرجعية العقائدية او الحزبية فبعد ان كان الاتحاد الوطني في زمن النظام البائد اصبحت لدينا اتحادات طلابية ولكن اغلبها وليس كلها يسير بهدي تنظيمات الاتحاد الوطني الذي يجعل من الطالب مركزا ومن الاستاذ هامشا والجامعة مكانا الترويح او الترويح الذي، لايديولوجيا معينة واصبح امر استغلالية الجامعة وحرية الاستاذ في النقد في خبركان يتحمل مسؤولية ما يحصل في الجامعات الطالب المؤدلج والاستاذ المؤدلج والايديولوجي المتحزب والاول حينما يتأدلج ويتحزب فانه نادر ما يكون بعيدا عن العاطفة في انتمائه ويكون قد اقتنع عقلا، فضلا عن رغبته بان يشغل مكانا او ياخذ وضعا يشار له بالبنان ويكون محط انظار والثاني كما اشرت طمعا في منصب واحيانا يدفعه، تخوف من الاساتذة فضلا عن الطلاب والثالث هو، العاطفة الفئوية، وفي بعض الاحيان يكون مؤمنا عن قناعة فيما ينتمي اليه الساعي لتحقيق ما اشرنا اليه سابقا لخدمة مصالحه ومصالح حزبه او عقيدته لذلك برزت لدينا فكرة المثقف الايديولوجي الذي يتخذ من الآيديولوجيا مطية لتحقيق اهوائه ورغباته في ان يكون قريبا من صانع القرار اذا لم يكن يطمح لان يكون هو صانع القرار متناسيا ان عمل المثقف ابداعي ينفلت من الاطر المغلقة والمنغلقة وينفتح على المتنوع والمختلف يتحرك من جميع الجهات الى جميع الجهات، مسلماته نسبية خاضعة للنقد، يتخلص من ضغط السياسي على الاجتماعي ويتنبه وينبه لذلك، وهذا ما يجب ان تكون عليه الثقافة الجامعية، ان تكون ضمن ادلجة الثقافة كي لا تقع في التفصيل للذي تريده الايديولوجية لان الجامعة مكان للتعريف بالثقافة بتنوعها وثرائها، وهي انفتاح على كل الخطابات المختلفة وليس منبرا لثقافة معنية لانها مكان لاحتواء التنوع ومكان للايمان بقدرة العقل على الخلق وهذا لا يمكن ان يتحقق الا، وبالابتكار وبالتالي تنوع النتاج العقلي بتنوع قدراته وثقافاته بمجموعة من الامور:
1- الفصل بين الجامعة والسياسة وان تكون الجامعة مكانا للتعلم ونشر العلم لا مكانا للتخريب ونشر العقيدة الحزبية او الدينية لان الجامعة لا يمكن ان تمثل عقيدة حزب او دين بقدر ما هي مكان لاحترام جميع الثقافات.
2- محاولة الاستاذ ان يتخلص من ذاتيته او انويته وسعيه لتغليب الجانب الابستمولوجي على الجانب الايديولوجي ولا نقول الغاء الايديولوجي والثقافي وهذا لايتحقق بقدرات الاستاذ الذاتية بقدر ماتساهم فيه المؤسسة الحكومية في تسهيل نقل المعلومة الثقافية والعلمية الجديدة اليه او التسريع بايفاد الاساتذة الى الجامعات العلمية المرموقة من اجل اللحاق بالمجتمع الحديث.
3- ضرورة تفعيل الاساتذة المشهود لهم بالكفاءة الذين لم يكونوا اداة بيد النظام السابق واعطائهم المناصب الادارية وبعض الصلاحيات العلمية لتطوير الجامعات مع عدم التركيز على انتمائه العقائدي او الحزبي مع ضرورة منحهم الفرصة للمشاركة في المؤتمرات والندوات وتفعيل هذا الدور من خلال الدعم المادي والمعنوي وذلك لكي يعرفوا بالوجه المشرق للجامعات العراقية.
4- ضرورة سعي رئاسات الجامعات وعمادات الكليات لعقد مهرجانات ومؤتمرات وندوات ثقافية وعلمية ذات طابع تثقيفي حواري يتفاعل بها الاساتذة مع بعضهم البعض والاساتذة مع الطلبة في محاولة للتخلص من الطريقة البيداغوجية التي تسود في الدرس الجامعي.
5-دعوة المثقفين والمبدعين من خارج الجامعات لالقاء محاضرات او اقامة حلقات ثقافية وذلك لتفعيل عملية التثاقف بين الجامعات ومثقفي البلد لا سيما الشعراء والروائيين والفنانين للتعرف على تجاربهم الابداعية.
كل ذلك باعتقادنا يساعد في نشر الوعي الثقافي والتخلص من الفكر الاحادي ويساعد في نشر قيم التسامح والحوار والايمان بحرية الفكر لاسيما في مجتمع مثل مجتمعنا مختلف في اصوله العرقية والدينية.
 

(*) استاذ الفلسفة المساعد، الجامعة المستنصرية.

عن جريدة الصباح