الحضارية « ملفات »
 الخمييس: 13/12/2007

الثوابت الوطنية للثروة النفطية في العراق

باسم البدر(*)

نظرة تاريخية عن الثروة النفطية
كان من نتائج الثورة الصناعية في الغرب إسقاط الصفة الوطنية عن الصناعة في البلدان الفقيرة (البلدان النامية حالياً) رغم امتلاكها لمصادر الثروة التي تعتمد عليها الصناعة في الغرب وفي مقدمتها الثروة النفطية والغازية باعتبارها المصدر الرئيسي والرخيص لإنتاج الطاقة في الدول الصناعية لم تكتف هذه الدول بمصادر الطاقة الأولية المتوفر في بلدانها، بل لجأت إلى فرض الهيمنة الاستعمارية على موارد الثورة الطبيعية في البلدان الفقيرة بسبب رضوخها إلى الاحتلال خلال الحرب العالمية الأولى وتجربة العراق بعد الاحتلال البريطاني 1914م وسقوط بغداد عام 1917م مع الشركات الأجنبية لإنتاج وتسويق النفط الخام للدول الصناعية كانت غير متكافئة وغير متوازنة ومسيرة لصالح وامتيازات الشركات النفطية الأجنبية وحرصت هذه الشركات على تنمية بلداها اقتصادياً واجتماعياً من عوائد النفط التي تكسبها من الدول الفقيرة حيث سيطرت الشركات النفطية البريطانية على معظم مصادر الثروة النفطية في العراق وتأسست أول شركة نفطية في العراق وهي شركة نفط العراق عام 1927م والتي هي امتداد لشركة النفط التركية والبريطانية الجنسية أصلاً والتي كانت تمارس أنشطتها في التنقيب عن النفط منذ الاحتلال العثماني قبل الحرب العالمية الأولى في بلاد ما بين النهرين.
الاستثمارات النفطية في العراق
إنّ الاستثمارات النفطية في العراق بعد تشكيل الحكومة العراقية عام 1921م استمرت من قبل دول الحلفاء وعلى رأسها الحكومة البريطانية كما أسلفنا وتم منح الامتيازات النفطية في العراق إلى مجموعة الشركات الغربية عام 1929م تحت مظلة الاحتلال البريطاني حيث أبرمت العقود النفطية «طويلة الآجال» مع الحكومة العراقية لضمان الاستيلاء على كافة منابع الثروة النفطية في الحقول المكتشفة أو الحقول غير المكتشفة آنذاك. وبموجب هذه العقود التي سميت «بعقود مشاركة» بين الشركات الأجنبية النفطية والحكومة العراقية.
تمت مناصفة عوائد إنتاج النفط الخام بعد طرح تكاليف الإنتاج من إجمالي الواردات النفطية من بيع النفط الخام. ونلخص للقارئ الكريم أهم خواص هذه العقود على سبيل الإيجاز:
1 ـ الهيمنة على كافة منابع الثروة النفطية في العراق للحقول المنتجة والحقول الأخرى المتكشفة غير المنتجة أو الحقول الأخرى غير المنقب عنها في الأراضي العراقية.
2 ـ التحكم في حجم إنتاج النفط تبعاً لمصالح الشركات المتعاقدة بصرف النظر عن حاجة البلد المالك للثروة لتنمية اقتصاده الوطني.
3 ـ التحكم في نقل وتسويق النفط وتحديد الأسعار من قبل الشركات المنتجة بالصياغة التي تنسجم مع مصالحها الدولية ومع الشركات المستفيدة من النفط الخام.
4 ـ شراكة طويلة الأمد تفوض السلطة للاستفادة من الثروة النفطية وتسخيرها إلى الاستثمار العالمي في السوق النفطية لصالح الشركات.
5 ـ إدارة الشركات النفطية العاملة في العراق الصناعة النفطية بمعزل عن رقابة الحكومة العراقية. وهذا يعني:
أ ـ اختيار العاملين الأجانب في الوظائف القيادية وتحديد رواتبهم من قبل الشركات.
ب ـ عدم تطوير العاملين العراقيين على الصناعة النفطية إلا ما ندر وفي حدود استيعاب الحاجة الحقلية الآنية.
ج ـ تخصيص الوظائف الثانوية للعراقيين وبأجور متدنية.
6 ـ حرمان العراق من مقومات التنمية الاقتصادية وجعله بلداً مستهلكاً فقط للسلع والخدمات الأجنبية بحكم ارتباطه بالشركات البترولية العالمية.
وتحويل التنمية الاقتصادية للصناعة النفطية خارج العراق في بلدان الشركات المنتجة للبترول وتسويق المنتجات النفطية ثانية إلى العراق بأسعار مرتفعة، وجعل الميدان التجاري للعراق مديناً على الدوام.
7 ـ وأخيراً التحكم في نظام التكاليف والمغالاة في احتسابها، لتخفيض حصة البلد المنتج من عوائده النفطية.
يتضح مما تقدم أن النفط كان ولا زال من أهم الثروات الطبيعية التي تسعى الشركات الأجنبية للحصول عليها بعقود «شراكة طويلة الأمد» لديمومة تطورها الاقتصادي والهيمنة على اقتصاديات العالم.
قانون النفط رقم 80 لسنة 1961م وبزوغ شركة النفط الوطنية العراقية
استمرت السياسة النفطية في العراق تهيمن عليها الشركات الأجنبية منذ عقد الثلاثينيات ولغاية سقوط الحكم الملكي وتأسيس الجمهورية العراقية (صبيحة ثورة 14 تموز 1958م) بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم. وكان من أهداف الثورة رفع الغبن الذي لحق بالشعب العراقي من جراء ممارسة شركة نفط العراق في الشمال وشركة نفط البصرة في الجنوب ولقد تم مفاتحة الشركات للدخول بمفاوضات جديدة مع الحكومة العراقية لتعديل بنود الاتفاقيات بما يضمن مصالح العراق والرقابة على أعمال الشركات. ولم تستجب الشركات لمطالب الحكومة العراقية واستمرت في المماطلة وإطالة مدة المفاوضات مع تخفيض 50% من إنتاجها كوسيلة للضغط على الحكومة حتى صدور قانون رقم 80 لسنة 1961م والذي بموجبه تم «تعريق» الأراضي النفطية غير المنتجة من الشركات الأجنبية وحصر إنتاجها في الحقول العاملة المنتجة فقط بعد أن كانت تمتلك معظم الأراضي العراقية بموجب عقود المشاركة المبرمة مع الحكومة العراقية كما أسلفنا سابقاً. وبموجب القانون سحبت من الشركات الأجنبية العاملة الحقول النفطية غير المنتجة والحقول التي لا زالت في مرحلة التنقيب والاستكشاف، وعهدت بإدارتها وطنياً وكانت فاتحة لتأسيس شركة النفط الوطنية العراقية لاستثمار النفط من الحقول المكتشفة استثماراً مباشراً بموجب (لائحة شركة النفط الوطنية العراقية الصادرة في سنة 1962م) (والتي نشرت من قبل وكالة الأنباء العراقية في ملحق نشرتها المرقمة 299 وبتاريخ 29/ايلول/1962م).
لم يكتب للشركة أن ترى النور بسبب سقوط الحكومة بالانقلاب العسكري «في 8 شباط 1963م»، واستمرت الانقلابات العسكرية والصراع على الثروة النفطية أحد عواملها الرئيسية حتى تفعيل شركة النفط الوطنية عام 1969م وبدأت الاستثمار الوطني المباشر بدعم من الدولة في حقل الرميلة الجنوبي وبمساعدة شركات صديقة عاملة بموجب عقود مقاولة أو عقود خدمة للحقول النفطية امتدت أعمالها وتوسعت جغرافياً في الناصرية والعمارة جنوباً وفي الكويت وسط العراق في حقل شرقي الكوت واستمرت شركة النفط العراقية بإنتاجها التصاعدي حتى دخول النظام الديكتاتوري السابق الحرب مع الجارة جمهورية إيران الإسلامية (عام 1980م) حيث بدأ العد التنازلي لإنتاج الشركة من ثلاثة ملايين برميل يومياً إلى ما يقارب مليون ونصف برميل يومياً. وكانت شركة النفط الوطنية قبل إلغائها ودمجها مع وزارة النفط مدرسة وطنية فاعلة ومتطورة تضم جميع مكونات وشرائح الشعب العراقي العاملة والمخلصة على اختلاف تخصصاتها الهندسية والإدارية والجيولوجية، معبرة عن وحدة العراق التي تم هدمها وتصفية معظم كوادرها الوطنية وتسخير موجوداتها الرأسمالية من مكائن ومعدات وقطع غيار وناقلات إلى عجلة حربي الخليج الأولى والثانية وما أعقبهما من حصار اقتصادي وحتى سقوط النظام الديكتاتوري السابق من قبل قوات الاحتلال في نيسان 2003م.
تدهور إنتاج شركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال بعد تدمير البنى التحتية الإنتاجية والخدمية والبشرية نتيجة للممارسات الخاطئة للنظام السابق إذ انخفض لغاية 1200 برميل يومياً.
مزايا قانون رقم 80 لسنة 1961م وشركة النفط العراقية
بعد هذه المقدمة عن القانون أعلاه وما أعقبه من تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية لابد من تعريف الأجيال الوطنية الناهضة بمزايا الاستثمار المباشر للثروة النفطية:
1 ـ استثمار الحقول غير المنتجة والأراضي النفطية غير المكتشفة من قبل شركة النفط الوطنية استثماراً مباشراً دون حاجة إلى منح الشركات عقود (مشاركة طويلة الأجل) لمدة 25 سنة قابلة للتجديد خاصة الحقول الجنوبية لقربها من موانئ التصدير ولكثافة النفط وجودته في تلك المناطق.
2 ـ اجراء المسوحات والتحريات عن النفط في الأراضي العراقية غير المنقب فيها وكذلك المياه الإقليمية لتحديد الاحتياطي النفطي وتسخيره لعملية التنمية الاقتصادية مستقبلاً.
3 ـ التوسع في الإنتاج وزيادة مع شركات أخرى بواسطة (عقود العمل) أو (عقود إدارة) لحساب شركة النفط الوطنية بتمويل من الشركات الدولية بواسطة قروض مالية تطفأ أرصدتها أو جزء منها بالنفط المنتج من تلك الحقول.
4 ـ تحقيق التكامل في الصناعة النفطية، أي اقتران كل مرحلة مع إنتاج النفط الخام «قيمة مضافة إليه» لزيادة الدخل القومي من إنتاج النفط عن طريق المراحل التالية:
أ ـ إنتاج النفط الخام والغاز المصاحب له وعدم حرقه.
ب ـ تكرير وتصفية النفط الخام وتسييل الغاز المصاحب له.
ج ـ نقل النفط الخام وتصديره خارج العراق بواسطة ناقلات عراقية قدر الامكان.
د ـ تسويق النفط الخام عن طريق اتفاقيات طويلة الأجل أو بواسطة عقود تجارية.
هـ ـ تأسيس صناعات بتروكيمياوية للأسواق المحلية أو الخارجية.
5 ـ توحيد عمليات القطاع النفطي الصناعي مع عمليات شركة النفط الوطنية العراقية لجميع مراحلها «من المنبع وحتى المصب».
الحاجة الاستراتيجية للنفط والغاز
هل تستطيع الدول الرأسمالية ـ الأمريكية والأوروبية ـ الاستغناء عن النفط حالياً أو على المدى البعيد مستقبلا ً؟!
لقد بات من المؤكد أن إنتاج النفط في الدول الرأسمالية لا يغطي حاجاتها الحربية والبشرية إضافة لاستمرار التنمية الاقتصادية في بلدانها والمنافسة التجارية في العالم بعد تطور الصناعات في الصين واليابان بكثافة مطردة.
ولعل زيادة أسعار البترول في الآونة الأخيرة من (25 دولار) للبرميل الواحد من النفط الخام إلى «60 دولاراً» للبرميل دليل قاطع على ذلك ويتوقع المحللون الاقتصاديون زيادة أسعار البترول مجداداً للأسباب التالية:
1 ـ الخلافات السياسية بين حكومات الغرب والشرق والتعامل بمكيالين مع شعوب الدول النامية التي تسعى إلى تحرير ثروتها الوطنية وتعزيز استقلالها الاقتصادي من الهيمنة التجارية الدولية.
2 ـ تصريحات رجال الطاقة في الدول الرأسمالية مؤخراً عن عجز مصادر الطاقة في بلدانها تلبية جميع احتياجات الأسواق الأوروبية دون الاعتماد على دول الشرق الأوسط والخليج لتغطية حاجاتها النفطية منها.
3 ـ تدهور العامل الأمني في منطقة الشرق الأوسط والخليج بسبب تكريس سياسة الاحتلال ومطابقة شعوبها تعديل الاتفاقيات والامتيازات النفطية المبرمة مع الشركات.
4 ـ تراجع مخزون «البنزين» ووقود التدفئة في الولايات المتحدة وحليفتها أوروبا.
5 ـ ارتفاع تكاليف إنتاج النفط الخام من حقول الولايات المتحدة مقارنة بدول الشرق الأوسط والخليج.
6 ـ تنامي السياسات المناهضة للولايات المتحدة مؤخراً في أمريكا الجنوبية «حديقة الولايات المتحدة الخلفية» وتقليص الامتيازات النفطية عنها.
7 ـ وأخيراً التوسع التجاري للصين واليابان في أسواق العالم وزيادة حاجاتها إلى النفط والغاز من دول الخليج والشرق الأوسط.
خواص الصناعات النفطية
1 ـ إنّ خواص الصناعة النفطية في الأقاليم والمحافظات القائمة حالياً غير متجانسة ومتخلفة بسبب تعثر عمليات التنمية وتوقفها خلال العقود المنصرمة للنظام السابق. خاصة الصناعات التحويلية ـ التصفية ـ وصناعة الغاز السائل وصناعة البتروكيمياويات والمنتجات النفطية الأخرى.
2 ـ تحتاج الصناعات النفطية في المحافظات أو الأقاليم إلى أيدي عاملة ماهرة اختصاصية قد لا تتوفر في كل محافظة نفطية الأمر الذي يستوجب دعوتها من محافظات أخرى.
3 ـ تجاوز امتداد الصناعة النفطية للحدود الجغرافية للمحافظات والأقاليم خاصة في عمليات التسويق والتكرير وقد تمتد إلى الدول المجاورة الأمر الذي يتطلب التنسيق بين المحافظات والدول المجاورة.
4 ـ تعدد جنسيات الشركات العاملة في المحافظات والأقاليم وفقدان التنسيق بينهما يعني تبعية اقتصادية لتلك الشركات ويعني بالتالي تعدد أصناف المعدات الرأسمالية العاملة في المشاريع النفطية وحرمانها من مزايا توحيد المعدات الرأسمالية (قدر الإمكان) وعدم التوسع بأصنافها لتجنب مصاعب الصيانة مستقبلاً من جهة ولدعم التعاون ما بين المحافظات والأقاليم من جهة أخرى.
«إنّ توحيد المعدات الرأسمالية لا نعني به الاعتماد على صنف واحد من المعدات، بل يفضل توحيدها بأصناف ثلاثة دون تشعبها للأسباب المذكورة أعلاه».
5 ـ تعدد وتشعب الشركات ومعدات التنسيق بين المحافظات والأقاليم من جهة وبين الحكومة الفيدرالية من جهة أخرى يؤدي إلى استحالة قيام مشاريع صناعية استراتيجية عملاقة موزعة جغرافياً لإشباع الحاجات الاستهلاكية في السوق المحلية. وتصدير الفائض منها إلى الخارج خاصة في صناعة تكرير النفط والغاز والمنتجات النفطية الأخرى.
التبعية للشركات الأجنبية في عمليات التنمية الاقتصادية
ـ إنّ اعتماد سياسة الدولة في الصناعات النفطية الاستراتيجية على الشركات الأجنبية المتعاقدة معها ينبغي أن يكون ضمن إطار المصالح المتبادلة بين الطرفين وعدم استغلال ظروف وحاجة البلد مثل هذه المشاريع حالياً ـ ويفضل اقتران إنتاج النفط الخام وتسويقه خارج العراق بالحاجة إلى قيام مشاريع تنموية في صناعة النفط والغاز وفي مقدمتها (مشاريع التكرير والغاز السائل) من قبل البلدان المستوردة للنفط الخام.
ـ إنّ التوسع وتوزيع التفاوضية على المحافظات والأقاليم مع الشركات الأجنبية يجعلها فريسة لتلك الشركات بغياب التنسيق مع الحكومة الفيدرالية، وقد يجعل حكومات المحافظات أو الأقاليم تتوسع مع الشركات في الاعتماد على القروض المفتوحة وتصاعد فوائدها يؤثر سلباً بالتالي على ميزان المدفوعات لصالح الشركات المتعاقدة.
ـ إنّ البديل العلمي والواقعي للموقف التفاوضي حالياً مع الشركات الأجنبية في الأقاليم والمحافظات هو عودة تشكيل شركة النفط الوطنية العراقية، والاستعانة بالخبراء في الصناعة النفطية من الكوادر الحالية أو السابقة للنهوض وتنمية الصناعة النفطية في العراق مجدداً. دون الحاجة إلى الاعتماد على الشركات الأجنبية إلا بقدر المساهمة مع شركة النفط الوطنية العراقية بعقود عمل أو إدارة لضمان استثمار النفط وطنياً بدون عقود مشاركة ذات تبعية للشركة الأجنبية.
الثروة النفطية ثروة وطنية
يلاحظ أن الثوابت الوطنية التي سعت إليها القوى السياسية الوطنية لتحرير الثروة النفطية منذ سقوط الدولة العثمانية ولحد الآن تعتمد بالدرجة الأولى على كون الثروة النفطية (ثروة وطنية لكافة أبناء الشعب). والمقصود بالثروة النفطية الآتي:
ـ الأراضي العراقية غير المنقب فيها لحد الآن (بضمنها المياه الإقليمية).
ـ الأراضي العراقية المنقب فيها والمكتشف فيها النفط والغاز.
ـ الأراضي أو الحقول المكتشفة وغير المنتجة لحد الآن.
ـ الحقول المنتجة المطورة.
ـ الحقول المنتجة غير المطورة أو غير المتكاملة. وقد أشار إلى تفاصيلها قانون رقم 80 لسنة 1961م كما أسلفنا في مقدمة البحث.
قضية النفط في الدستور العراقي الحالي وقانون النفط الجديد
يلاحظ مما سبق أهمية النفط العراق باعتباره ركيزة اقتصادية واجتماعية يحتل مركز الصدارة في الاقتصاد العراقي، ويلتف حوله جميع شرائح وأطياف الشعب العراقي. وقد لا نكون مغالين في تصورنا جازمين (أنّ النفط العراقي هو الدرب المضيء نحو الوحدة الوطنية). وأن استثماره بعيداً عن المصالح والامتيازات الدولية الاحتكارية استثماراً وطنياً يحقق آمال وتطلعات الشعب العراقي بعد أن حلت به النكبات المتتالية وتحطيم البنى التحتية له وعسكرة نشاط الثروة النفطية لدعم الحروب والمصالح الضيقة للسلطة أعقبها الحصار الاقتصادي الذي حول فروع شركة النفط الوطنية (الملغاة) مطلع الثمانينات إلى دائرة خدمية للنهب والسلب من قبل رموز السلطة آنذاك والمهربين الدوليين.
وجاء دور الاحتلال الأخير وزمر الارهاب لكي يعطل أي مصدر من مصادر التنمية وأصبح البلد مستورداً للمشتقات النفطية للأسف حتى من الدول غير المنتجة للنفط. أمام هذه التصورات وتدهور مستوى المعيشة والخدمات.
يطمح الشعب العراقي ـ الذي يرزح 50% منه تحت خط الفقر رغم تضحياته السابقة في تكوين البنى التحتية ـ بنهضة تنموية في الصناعة النفطية تحقق له استقلاله الاقتصادي بتشريع صريح وواضح يحمي ثرواته النفطية ـ وبالرغم من إيجابية الدستور العراقي في الاعتراف بحقوق الإنسان وبهوية المواطن العراقي إلاّ أنه جاء مقتضباً في بنوده قدر تعلق الأمر بالثروة النفطية رغم أهميتها للاقتصاد الوطني، حيث شرعت بنوده بصياغة قابلة للتأويل دون تعريف مفصل لماهية الحقول النفطية المستثمرة أو غير المستثمرة في الأقاليم والمحافظات والحقول الأخرى التي لا زالت تحت مرحلة التنقيب.
(المادة 109) من الدستور تنص على أن (النفط والغاز هما ملك الشعب العراقي). أي الدخل الذي يحصل عليه من استخراج النفط حالياً هو ملك الشعب وهذا الدخل قابل للزيادة والنقصان حسب سياسة الشركات المنتجة لتحقيق مصالحها إن استلمت زمام الأمور «لا قدر الله لها» كالسابق في العهد الملكي.
هذا من جهة... والنص المذكور لم يعط الأهمية للثروة النفطية وكيفية استثمارها في الأراضي العراقية من جهة أخرى... ولحصر الثروة بثوابتها الوطنية أي الأرض وما فيها للدولة العراقية والشعب العراقي الذي هو الجزء الكبير من الدولة نقترح الآتي:
«إنّ الثروة النفطية والغازية وما يصاحبها في باطن الأرض والمياه الوطنية الإقليمية هي ملك الشعب العراقي» ومن هذا التعريف تكون الملكية للدولة العراقية كثروة وليس دخلاً نقدياً لا تشاركها فيه جهات دولية أخرى. وتشتمل جميع أراضي العراقية المعترف بها دولياً... ولا غبار على اعتماد قانون النفط العراقي المقترح الجديد هذا التفسير والعمل بموجه.
المادة (111) (كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية تكون من صلاحيات الإقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والإقليم في حالة الخلاف تكون الأولوية لقانون الإقليم).
في تقديري إنّ إعطاء الغلبة لقانون الأقاليم أو المحافظات مستقبلاً على القانون الاتحادي في الصناعة النفطية يعني الإخلال بالوحدة الوطنية. وهذا لا يعني حجب الصلاحيات عن الأقاليم أو المحافظات وإنما من مصلحة المحافظات والأقاليم التي تنضوي ضمن مجلس نفطي وطني فدرالي يضم ممثلين من الأقاليم والمحافظات وخبرات في الصناعة النفطية يقوم بالتخطيط والرقابة على استثمار النفط في الأقاليم والمحافظات النفطية لتحقيق الوحدة الوطنية.
المادة (115 ـ أولاً) على أن تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة... الخ.
لم تعرف هذه المادة «الحقول الحالية» هل تشمل الحقول المنتجة حالياً أم الحقول المكتشفة وغير المنتجة لحد الآن؟... ويبدو أن هذا التعريف جاء لتطبيق تفسير المادة (111) التي تستحوذ على جميع الحقول التي تخرج من صلاحيات الحكومة الاتحادية في المادة (115 ـ أولاً) أعلاه.
نوصي بتوسيع صلاحيات استثمار النفط من قبل الحكومة الاتحادية متمثلة في شركة النفط الوطنية العراقية بعد إعادة تشكيلها وفتح فروع لها في المحافظات والأقاليم لتمارس أعمالها لجميع المراحل النفطية (من المنبع وحتى المصب) بموجب قانون النفط المقترح الجديد(راجع التوصيات).
قانون النفط الجديد
إنّ قانون النفط الجديد جاء مكملاً لنهج المشرّع في الدستور العراقي الجديد ويضمن الإقرار بالآتي:
ـ يحرم على الحكومة الفيدرالية ممثلة بوزارة النفط أو شركة النفط الوطنية العراقية استغلال الحقول غير المكتشفة أو الحقول المكتشفة وغير المنتجة أو المطوّرة لحد الآن والاكتفاء باستغلال الحقول الحالية أي العاملة والمنتجة فقط.
وهذا يعني صلاحية الإقليم أو المحافظات النفطية الاستبداد في الثروة النفطية للحقول الأخرى وتخويلها التفاوض مع الشركات الأجنبية لإبرام عقود استخراج النفط ولقد قام إقليم كردستان العراق بمعزل عن الحكومة الفيدرالية بإبرام خمسة عقود نفطية سخية مع الشركات الأجنبية لغرض الاستكشاف والتطوير والإنتاج. وستكون الحقول المكتشفة من الحقول المستقبلية ليس للحكومة الفيدرالية حق المساهمة بإدارتها استناداً للصلاحيات الممنوحة للإقليم بموجب الدستور.
ـ إنّ قانون النفط الجديد لم يعالج جميع مراحل الصناعة النفطية (من المنبع وحتى المصب) بل اقتصر على عمليات المنبع فقط وخول شركة النفط الوطنية تخويلاً مبتوراً يعالج عمليات (المنبع) أي القيام في إدارة عمليات الإنتاج والخزن والنقل من دون ان يحملها مسؤولية التصفية وعمليات إنتاج الغاز السائل.
ـ إنّ شركات النفط الوطنية في «منظمة أوبك» تقوم بجميع مراحل الصناعة النفطية (من المنبع وحتى المصب) أي لغاية وصول النفط والغاز إلى أيدي المستهلك الأخير، كشركة النفط الكويتية وشركة آرامكو السعودية وشركة النفط الإيرانية وشركة الغاز القطرية، ولقد ذهبت بعض الشركات النفطية إلى أبعد من ذلك حتى قامت ببناء مصافي ومحطات لبيع البنزين والمشتقات النفطية في دول آسيا وأوروبا لضمان أسواق جديدة لاستهلاك النفط والغاز.
ـ إنّ الاعتماد على وزارة النفط للقيام بمهام إنشاء المصافي النفطية وصناعة المنتجات النفطية الأخرى كما أشار إليه قانون النفط أمر ثبت فشله سابقاً فمنذ عقد السبعينات ولحد الآن لم تقم وزارة النفط بتطوير الصناعة النفطية لأنها لا تمتلك إدارة حقلية تمتع بالخبرات النفطية مما جعل العراق يستورد المنتجات النفطية من دول الجوار ببلايين الدولارات سنوياً.
ولغرض النهوض بالصناعة النفطية التكميلية يستوجب نقل مهام وزارة النفط إلى شركة النفط الوطنية العراقية وتخويلها القيام بكافة مراحل الصناعة النفطية لامتلاك الخبرة والقدرة التفاوضية مع الشركات المنتجة للنفط على اقتران استخراج النفط «قيمة مضافة» لإنشاء مصافي نفطية مع الشركات المنتجة للنفط أو القيام بمشاريع استثمار الغاز وعدم حرقة وتصديره إلى خارج العراق بعد إشباع حاجة السوق المحلية منه وكذلك المنتجات النفطية الأخرى.
ـ اعتمد قانون النفط مبدأ مشاركة الشركات الأجنبية في استثمار الصناعة النفطية لآجال طويلة تزيد عن 25 سنة قابلة للتجديد في استخراج النفط في الحقول الجديدة غير المنتجة أو غير المطورة أو غير المستكشفة لحد الآن. وهذا يعني هيمنة هذه الشركات على 80% من الثروة النفطية غير المستثمرة لحد الآن... هذا بالإضافة إلى تجرد هذه العقود من تنمية الصناعة النفطية واعتمادها على استخراج النفط الخام وتسويقه خارج البلد فقط.
التوصيات ضمن الثوابت الوطنية
حرصنا على التعريف بأهم المزايا أو الثوابت الوطنية التي نطمح أن يتناولها قانون النفط الجديد خلال مناقشته في البرلمان العراقي الموقر على الأمور التالية:
• التأكد من صياغة قانون النفط الجديد(على كون حق ملكية الثروة النفطية كاملة للشعب العراقي في الحقول الحالية المنتجة والحقول المكتشفة غير المنتجة أو غير المطورة والحقول الكامنة التي لم يتم اكتشافها لحد الآن من قبل فرق المسح الجيولوجي لشركة النفط الوطنية العراقية).
ـ إعادة تشريع قانون شركة النفط الوطنية العراقية الملغاة مطلع الثمانينات بعد إجراء التعديلات اللازمة ليشمل كافة مراحل الصناعة النفطية في الأقاليم والمحافظات (من المنبع وحتى المصب) أي تغطية التكامل الاقتصادي لجميع مراحل الصناعة النفطية وفي مقدمتها صناعة التصفية وإنتاج الغاز السائل، والمنتجات النفطية الأخرى.
ـ تشكيل هيئة أو مجلس نفطي اتحادي يضم ممثلين عن شركة النفط الوطنية العراقية من الأقاليم والمحافظات من ذوي الاختصاصات الهندسية النفطية والاقتصادية يقوم بالتخطيط ورسم السياسة الاستراتيجية للصناعة النفطية في الأقاليم والمحافظات والرقابة على تنفيذها ويرتبط بمجلس الوزراء.
ـ الاستفادة من خبراء الصناعة النفطية في الداخل والخارج ودعوتهم للعمل على تطوير الصناعة النفطية الوطنية وتدريب الكوادر الجديدة والاستفادة من مراكز الدراسات العربية والأجنبية للصناعة النفطية في العالم.
ـ اعتماد المصادر المالية الوطنية وتخصيص نسبة من العوائد الوطنية للصناعة النفطية (بعد توفير مستلزمات المعيشة المناسبة للفرد العراقي) مقارنة بدول الجوار... وذلك لغرض تكوين رأسمال متراكم عامل للتنمية الاقتصادية في الصناعة النفطية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
ـ اعتماد القطاع الخاص الوطني للقيام ببعض الأنشطة في الصناعة النفطية في مجال التنقيب أو الحفر أو التصفية بعقود مقايضة بالنفط الخام كلياً أو جزء منها.
ـ اعتماد العملة الوطنية في الدفع والصرف إضافة إلى العملة الأجنبية مع الشركات دون الاعتماد على العملة الخاصة بالشركات المتعاقدة وذلك لتقديم ميزان المدفوعات العراقي وتقليص تأثره بالتغييرات في بورصة العملات الأجنبية بالزيادة أو النقصان كما حصل مع الكتلة الاسترلينية سابقاً أو اعتماد الدولار كأساس للتعامل في العقود.
ـ ربط السعر المعلن للنفط الخام بأسعار المعدات والمواد الرأسمالية المستوردة في الصناعة النفطية خاصة مع الشركات المتعاقدة.
ـ وأخيراً اعتماد عقود «العمل» أو المقاولة في الصناعة النفطية قصيرة الأجل أو اعتماد «عقود إدارة الحقل» مع الشركات الأجنبية وتحريم مبدأ «عقود المشاركة» مع الشركات لكون الأرض وما في باطنها ملكاً للدولة وليس للغرباء حق فيها إلا بقدر الأجر عن العمل المبذول وتسديد المال عن المعدات الرأسمالية المستخدمة في الإنتاج.
الثوابت الشرعية لاستغلال الثروة النفطية
هل فرض الإسلام التدخل من قبل الدولة لتنظيم شؤون الرعية؟ وكيفية إدارة شؤون الرعية خاصة ما تعلق منها بتوفير الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي وتدخل الدولة لتنظيم الثروات واستغلال «الثروة الطبيعية»؟ وهل يصح حق تمليك الثروة الطبيعية للغير؟ للإجابة على هذه الأسئلة لابدّ من التعرف على مسؤولية الدولة في الاقتصاد الإسلامي... والتي تتضمن:
الضمان الاجتماعي: أمر فرضه الإسلام على الدولة وذلك عن طريق تهيئة فرص العمل وامتصاص البطالة وتوفير «وسائل الإنتاج» ـ العمل ـ لغرض استثمار «الموارد الطبيعية» وان عجزت الدولة عليها تأمين الضمان الاجتماعي للفرد أي ضمان الحاجات الأساسية في الحدود التي تتعدى مرحلة الفقر أو بعبارة أخرى توفير السلع والخدمات الضرورية له التي يحتاجها المواطن يومياً بشكل تجانس مع الكفاية من المعيشة ويؤمن له مستوى لائقاً يتجانس مع المجتمعات الإسلامية الأخرى. ويستمد الضمان الاجتماعي مبرراته من أساسين:
أ ـ التكافل العام... إذ يفرض الإسلام على المجتمع الإسلامي كفالة بعضهم للبعض الآخر.
ب ـ حق الجماعة في موارد الدولة العامة (يعتمد الإسلام على الايمان بحق الجماعة كلها في موارد الدولة وبشكل عادل) قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً)(1).
ج ـ التوازن الاجتماعي: أي التوازن في مستوى المعيشة في المجتمع الإسلامي وتقليل الفجوات بين الفقراء والأغنياء بالوسائل التالية:
1 ـ فرض ضرائب ثابتة لمعالجة الفقر تستوفى من الأغنياء لصرفها على أصحاب الدخول المحدودة (الزكاة).
2 ـ إصدار تشريعات لتنظيم الحياة الاقتصادية كمنع الربا وأحكام الميراث وتدخل الدولة في ملء الفراغ في النشاط الاقتصادي وإلغاء الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعية للحفاظ على التوازن الاجتماعي.
3 ـ تشكيل قطاعات عامة تجعل الدولة مسؤولة عن الإنفاق في القطاع العام واستثمار الثروات لتأمين هذا على التوازن.
تدخل الدولة في الاقتصاد الإسلامي
تدخل الدولة في المجتمع الإسلامي لا يعني فقط توفير الضمان الاجتماعي في مستوى المعيشة رغم تعدد مقدار الدخل النقدي للفرد في المجتمع الإسلامي وإنما يتعدى ذلك إلى «ملء الفراغ» في النشاط الاقتصادي أي الدخول في عمليات التنمية كمواكبة التطور في أساليب الإنتاج وتنظيم علاقات الإنسان بالطبيعة لتحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على الثروة الطبيعية بالوسائل التالية:
أ ـ تأمين اللجوء إلى الإنتاج الاجتماعي أي توفير الحاجات الضرورية لأفراد المجتمع دون اللجوء إلى الإسراف في إنتاج السلع الكمالية مع ضمان توفير الخدمات الضرورية اليومية لأفراد المجتمع.
ب ـ تدخل الدولة لتحقيق التكامل الاقتصادي للسلع والخدمات و «ملء الفراغ» في الأنشطة الاقتصادية واعتماد العمل أساساً لتملك الثروة الطبيعية الخام في الدولة ومنع المشاريع الرأسمالية الكبرى (تملك الثروة الطبيعية وفي مقدمتها النفط والغاز) موضوع البحث الحالي، استثمارها مباشرة دون السماح للغير بـ «حق التملك» للثروة الطبيعية؛ لأن «الأرض وما في باطنها ملك الدولة».


الهوامش:
ـــــ
(*) مدير سابق في شركة النفط الوطنية ـ العراق.
(1) البقرة: 29.
حول النفط في العراق / عبد اللطيف النواف.
اقتصادنا / محمد باقر الصدر.
مقالات وبحوث اقتصادية متفرقة.