|
الاحد:
30/12/2007
الجامعات
العراقية على وشك الانهيار
Iraqi's Universities Near Collapse
زفيكا
كريگر
By Zvika Krieger
ترجمة: مختار الأسدي
(خاص للمعهد)
«مئات الأساتذة والتلاميذ
تمّ قتلهم أو اختطافهم، مئات آخرون غيرهم هربوا خارج القطر، وأولئك الباقون يواجهون يومياً تهديدات وأعمال العنف».
سعد جواد لا يريد اقتناص فرصة. إنه أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد
لا يذهب سوى مرة أو مرتين في الأسبوع إلى الجامعة. ويغيّر دائماً أيام
ذهابه وإيابه لكي يُبعد عنه محاولات الاغتيال التي قد تـُخطط لاستهدافه.
إنّ محاضراته ودروسه لا تأخذ إلا أقل من ثلث وقته، وغالباً ما ينتظر
ساعات حتى يشرّف طلابه بالحضور إلى قاعة الدرس متكرّمين!!
وإذا ما التئم الصفّ فعلاً بحضور الطلبة، فإنه يقوم بتخصيص كمية عمل لهم
بالمقدار الذي يجعلهم مشغولين لأطول فترة ممكنة، لأنه لا يدري متى
سيلتقيهم مرة أخرى.
«لقد تعوّدت أن أكون متواجداً في الكلية خمسة أيام في الأسبوع، وأمكث
هناك، وأختلط مع الطلبة وأعيش معهم». قال لي ذلك الأستاذ سعد جواد عبر
الهاتف. «وهذا ما لم يُعد له وجود أصلاً» إذ انه يقوم بانجاز معظم أعماله
وبحوثه في البيت عن طريق الإنترنيت، وانّ معظم لقاءاته الخاصة مع
التلاميذ تأتي عبر التلفون. «خارج إطار هذه الزيارات القصيرة الخاطفة إلى
الجامعة، إنني ماكثٌ في البيت دائماً وقد لا أبرحه ولمدة 24 ساعة وعلى
امتداد سبعة أيام في الأسبوع» أضاف الأستاذ سعد.
المتغيرات الهائلة التي يواجهها الأستاذ سعد كل أسبوع لا تتعدّى كونها
مثال واحد وواحد فقط لما أضحى عليه نظام الدراسات العليا الهشّ في العراق،
وما آلت إليه أموره. آلاف الأكاديميين غادروا البلد، بل هربوا. العديد من
الصفوف وقاعات الدرس تم إغلاقها أو إلغاؤها. التلاميذ غالباً ما يبقون
بعيداً عن جامعتهم خشية تعرّضهم لهجمات محتملة، البحث العلمي في توقـّف
وركودٍ تامّين.
قبل أربع سنوات، وبـُعيد الآثار الفورية التي أعقبت احتلال بغداد من قبل
القوات الأمريكية، كان الموقف يبدو، وإن ليس واعداً، بأنه قابل للتحسّن
على الأقل. فالعديد من الوفود من الجامعات الأمريكية قامت بزيارات إلى
جامعات العراق، باحثة عن وسائل لإحياء نظام التعليم العالي المستنزف
والمستنفد المصادر، المعزول عن باق أنحاء العالم، على امتداد سنـّي حكم
صدام حسين وسيطرته على السلطة. بعض الإداريين والمشرفين الأمريكان قاموا
بتشكيل وكالات عالمية أشبه باللوبيات لإعادة بناء وتأهيل جامعات القطر.
ومنذ تلك الفترة بدأ العنف الطائفي يتكاثر وينتشر، وصارت الثقافة
والمؤسسة الأكاديمية في العراق أحد أهدافه الرئيسية المبكرة. وتـُشير
الإحصائيات أن أرقام الأساتذة الذين تم قتلهم منذ الغزو سنة 2003م تراوحت
بين 250 إلى ألف 1000 حالة. وفي جامعة بغداد وحدها تم قتل 78 أستاذاً،
وذلك وفقاً لإحصائية القنصلية البريطانية في لندن وأكاديمية غوث اللاجئين.
«إن الإرهاب يستهدف العلماء والأساتذة وبشكل لم يسبق له مثيل» هذا ما
قاله ألان أي.گودمان Allan E.Goodman رئيس ومدير الهيئة الإدارية في معهد
التربية العالمي في نيويورك Institue of International Education الذي
أضاف:
«من الصعوبة بمكان القول بأن هناك نظام تعليم عالي في العراق اليوم،
وخاصة مع هذا العدد الرهيب من الأساتذة والطلبة الذين تمّ قتلهم
واختطافهم وبشكل يومي منظـّم».
بالنسبة إلى الأستاذ جول، إنّ كلّ يوم يجلب معه ألوان جديدة من الرعب.
ففي الشهر الماضي، كانت جثة واحد من أصدقائه المقرّبين وهو أستاذ كلية
الطب في جامعة النهرين عثر عليها على بعد عدة كيلومترات من الجامعة مع
خمسة إطلاقات رصاص في رأسه ورقبته. ولم تمرّ على هذه الحادثة سوى ساعات
محدودة بعد عودة هذا الأستاذ في إجازة سنوية له من محلّ إقامته في
استراليا، وكان يتوقع رؤية طفل مولود حديثاً لولده ولأول مرّة.
وقبل عدّة أسابيع، كان أحد العمداء في جامعة الأستاذ جواد قد اختفى ولم
يظهر أو يـُعرف عنه أي شيء منذ ذلك الحين. وقبل هذا الحادث بشهرين، كان
أحد زملاء الأستاذ جواد قد تمّ اغتياله، وهو أستاذ متخصص في قسم العلوم
السياسية في الجامعة المذكورة. ولعلـّه واحد من أكثر من درزن من زملائه
كان السيد جواد قد فقدهم بسبب أحداث العنف الطائفي المتصاعد.
وفي الشهور الأخيرة كان هناك العشرات من الأساتذة وعلى طول العراق وعرضه،
كانوا استلموا إطلاقات رصاص ترسل إليهم عبر رسائل خاصة، إضافة إلى أوراق
تهديد بالموت تلصق على أبواب بيوتهم ودوائرهم ومكاتبهم، ناهيك عن مكالمات
وأصوات تلفونية مزعجة تقترح عليهم إلا يذهبوا إلى عملهم بعد اليوم، والا
فالموت سيكون مصيرهم. وحين أصبح الموقف خطير جداً وصار يشكل خطورة على
حياة الأساتذة اتخذت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخراً قراراً
يقضي بأن الأساتذة والباحثين يمكنهم ألا يحضروا إلى حرم الجامعة سوى
مرتين في الأسبوع، وذلك للتقليل من خطر مهاجمتهم من قبل الإرهابيين
والمسلـّحين.
«إنه من غير السهل القول، بأن زملائي باتوا يعبّرون عن شوقهم أو حنينهم
لعودة حكم صدام» قال جواد وأضاف: «ولكنهم باتوا تواقين إلى عودة شيء من
الأمن والاستقرار في البلد».
الاقتراب من الشلل التام Near Paralysis
بالنسبة إلى جون اگريستو John Agresto، الأستاذ المشرف في وزارة التعليم
العالي في العراق بين سنتين 2003م-2004م، يبدو واضحاً لماذا صار
الأكاديميون أهدافاً للقتل. «إن أساتذة الجامعات أكثر علمانية من غيرهم
من عموم الناس، وأكثر وعياً وانفتاحاً وانهم معنيين أو مهتمين بأشياء
أكثر من مسائل الهداية الدينية، مكرّسين أوقاتهم للهموم الأكاديمية
والعلمية أكثر من الدعوة للدين» هذا ما قال اكريستو وأضاف: «إن الطبيعة
العلمانية للأساتذة الجامعيين هي التي تجعلهم مستهدفين».
إن التهديدات والاغتيالات التي يـُستهدف بها هؤلاء الأساتذة كانت حقــّقت
أهدافها المرجوّة بالنسبة لخصومهم، فقد أعلنت وزارة الهجرة والمهجّرين،
وبإحصائية واضحة، أنّ 30% على الأقل من مجموع الأساتذة هم من الأطباء
والصيادلة والمهندسين الذين كانوا تركوا العراق منذ سنة 2003م. ومن أجل
إيقاف هذه الهجرة الجماعية، تبنـّت وزارة التعليم العالي مؤخراً سياسة
خاصة تطلب فيها من طلبة العلوم الطبية وطب الأسنان العمل عدة سنوات بعد
تخرّجهم داخل البلد وقبل منحهم وثائق تخرّجهم الجامعية.
جميع الطلبة الذين يتخرّجون داخل العراق يجري استخدامهم خارجه، ولذلك فإن
الوزارة لا تعطيهم درجاتهم مباشرة» هذا ما قاله أحمد كمال، رئيس هيئة
التدريسيين الجامعيين العراقيين، ورئيس قسم الفيزياء في جامعة النهرين في
بغداد، وأضاف: «جميع الطلبة يفضـّلون عدم العمل داخل العراق بسب المخاطر
التي يحتملون مواجهتها». إن الموقف جد خطير بحيث بدأ العديد من الخريجين
يفضـّلون ترك العراق ومغادرته حتى بدون الحصول على شهادات تخرّجهم.
أصناف واختصاصات عديدة في جامعات العراق باتت تتلقــّى تدريسها على أيدي
أساتذة ومعلمين لم يحصلوا على شهادات دكتوراه، بل على أيدي طلاب ماجستير
ودكتوراه Master's and Ph.D.Students. «إن أغلب الأساتذة العراقيين من
أصحاب الشهادات العليا بدرجة بروفسور لا يعرفون استخدام الإنترنيت
والكومبيوتر» هذا ما قاله مدير عام كبير في إحدى الجامعات في واحدة من
أهم المناطق الخطرة في العراق، وطلب أن لا يـُعرّف أو لا يـُذكر اسمه
خشية العقوبة التي قد تطاله لحديثه إلى وكالة أنباء أمريكية. إثنان من
زملائه قتلا في الأسبوعين الأخيرين كما قال. وعليه أن يأخذ على عاتقه
الإشراف على تلاميذهما إضافة إلى العبء الثقيل الذي يقع على كاهله. بسبب
الأعمال الكبيرة التي يتحملها في الجامعة. من أجل التغلـّب على إشكالية
نقص الكادر التعليمي في الجامعات.
بدأت عدة جامعات في بغداد تشترك مع بعضها في تجميع الكادر واستيعابه
إجمالاً. وهذا ما أفضح عنه مؤسى جواد الموسوي رئيس جامعة بغداد، الذي
أضاف قائلاً:
«ولكنّ خسارة هذا العدد الكبير من الأساتذة، والتدريسيين وأصحاب الكفاءات
سوف يؤثر سلباً بالتأكيد على أداء الجامعة وتطورها».
ووفقاً إلى السيد جواد، استاذ العلوم السياسة: هناك أكثر من مائة كورس (أو
منهج تدريس) قد تمّ إلغاؤه في هذا النصف من السنة الدراسية بسبب الحاجة
إلى المحاضرين. وفي جامعة النهرين، كما قال السيد كمال، فإن هناك العديد
من الأقسام الدراسية قد فقدت كادرها التدريسي بالكامل، ولم يبق منه أحد
على الإطلاق.
وبالإضافة إلى قتل واغتيال الأساتذة، فإن المتمردين قاموا بتفجير حرم عدد
من الجامعات، وقتلوا العشرات من التلاميذ وأعضاء الوجودات الطائفية، كل
لطائفته المحاطة من قبل طائفة أخرى، حوّلت الميلشيات هذه الجامعات وعلى
امتداد القطر إلى مناطق غير آمنة، بل خطيرة على أيّ شخص ينتمي إلى مجموعة
أثنية أو مذهبية مغايرة.
وقد أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخراً قراراً يقتضي
بالسماح للطلبة والأساتذة الانتقال إلى جامعات أخرى، في مواجهة مثل هذه
التهديدات. وهناك أكثر من 1000 أكاديمي و 10000 تلميذ كانوا اختاروا ذلك
الخيار هذا العام فقط، علماً بأن هناك أكثر من هذا العدد بكثير من
التلاميذ، وخاصة النساء، كنّ توقـّفن عن الذهاب إلى الجامعة مرّة واحدة،
ناهيك عن أن العديد من الجامعات اليوم لا تعمل أكثر من 10% أو 20% من
طاقتها العادية.
النتيجة هي الاقتراب من الشلل الكامل للجامعات العراقية. ويمكن القول أنّ
معظم بل جميع الأبحاث الأكاديمية قد توقـّفت في العراق لأن توفير حقول
العمل والبرامج التعليمية أصبحت شبه مستحيلة. وحتى النشاطات أو الفعاليات
الدنيوية والحياتية mundane activities باتت تشكـّل تحدّياً.
«لقد تحدّثت مع أستاذ في الموصل، حاصل على شهادة دكتوراه Ph.D من جامعة
بريطانية، حيث لا يتوفر لديه كهرباء وعليه أن يكتب أوراقه الأكاديمية بخط
يده» هذا ما قالته اليزابيت ستون Elizabeth Stone عالمة آثار في جامعة
الدولة في نيويورك قرب ستوني بروك Stony Brook التي كانت منهمكة في بحث
وتدريب باحثين في العراق، مضيفة: «ولكن مَن سيقوم بطبع هذه البحوث؟» وهي
إشارة ساخرة إلى عدم توفر الكهرباء طبعاً في العراق.
السياسيات الطائفية هي الأخرى حالت دون وصول الدعم المالي المطلوب جداً
إلى الجامعات العراقية. «إن ميزانية وزارة التعليم العالي وأربع وزارات
أخرى معها مجتمعةً لا تساوى ميزانية مكتب رئاسة الوزراء التي يصرفها بشكل
مباشر، ولا تعني أكثر من رشاوى» هذا ما قاله عصام الخفاجي،اقتصادي وعضو
سابق في لجنة التنمية والإعمار العراقية في بغداد. وأضاف:
«إن الإرهاب هو السبب الرئيس في تردّي نظام التعليم العالي، ولكنّ الفساد
هو الأسوأ لأنه استشرى في كل مكان. بحيث لم تعد أية عائدات ترد إلى
الجامعات».
المعارك الطائفية لها التأثير الأكبر حتى داخل قاعات الجامعة وصفوف
الطلبة. ووفقاً إلى تقرير جديد لمنظمة اليونسكو، فإن المواقع الأكاديمية
التي كانت موزّعة على الموالين لحزب البعث العراقي، فإنها الآن توزّع على
أساس المصالح والمنافع الطائفية.
نفس هذا الانحياز والممالأة كذلك أثناء توزيع الأموال المخصصة للبحوث
العلمية. «نفس المفارقة كما يقول ـ السيد جواد ـ إنه في ظل نظام البعث
كانت الأموال تمنح فقط لأعضاء حزب البعث بينما الآن تمنح لأعضاء الأحزاب
الطائفية الدينية الحكوميين، ولذلك ـ والكلام لجواد طبعاًـ لم يتغير شيء
فعلاً».
قبل غزو العراق، يقول السيد جواد أيضاً أنه تعوّد «على أن يشجّع الطلبة
على النقد والتحليل، ولكن شريطة عدم المساس بصدام وولديه الإثنين. ولكننا
تعوّدنا التأكيد على أن كل ما نقوله هو بيننا، أي بين التلاميذ ولا يخرج
إلى الخارج. أما اليوم فإن بإمكانك أن تتحدث عن كلّ شيء وبحرية كاملة عن
حزب البعث وتجربة البعث، ولكن هناك أشياء أخرى، هي أن طريقة التفكير
الطائفية، أو الزعماء الطائفيين والقادة الدينيين لا يمكن المساس بهم،
ولا بطريقة تفكيرهم، ولا يجوز حتى نقدهم بأيّ شكلٍ من الأشكال».
الميليشيات المسلـّحة التي تسيطر على العراق بدأت أيضاً استخدام قواتها
وسطوتها على المناهج الدراسية.
«إحدى الأستاذات العراقيات ـ بدرجة بروفسورـ أخبرتني، كيف إنه في أحد
الأيام، قام مجموعة من السفاكين وقطـّاع الطرق، وهم شباب يحملون بنادق،
واقتحموا مكتبها متباهين متعجرفين، وطلبوا منها إضافة بعض الأشياء إلى
منهجها التدريسي» هذا ما قالته مغنوس بيرنهاردسون Magnus Bernhardsson،
وهي أستاذة مساعدة في قسم التاريخ في كلية وليامز Williams College وعضوة
في معهد البحوث الأكاديمية الأمريكية في العراق والتي كانت منهمكة باعداد
مشاريع مختلفة مع الأكاديميين العراقيين منذ عام 2003م. «وكانت تدرّس
منهجاً تقليدياً جداً في الإنسانيات مع هيدكر وكانت Heidegger and
Kant،هذه العصابة طلبت منها أن تضمّن منهجها بعض كتابات وأفكار بعض رجال
الدين الراديكاليين ولم يكن أمامها طبعاً سوى الإذعان والانصياع للطلب
المذكور».
وعود غير منجزة من أمريكا Unfulfilled Promises
From America
عدد من الأساتذة العراقيين الجامعيين كانوا أحبطوا وخابت أملهم بسبب
الوعود غير المنجزة من قبل الحكومة الأمريكية والجامعات الأمريكية.
«في كلـّيتي الخاصة، كنـّا استقبلنا أكثر من 20 أو 30 وفداً من الجامعات
الأمريكية وقوات التحالف، الجميع يعطون الوعود ويؤكدون أنهم سيساعدوننا»
يقول السيد جواد «ولكنّنا لم نرهم ولم نسمع منهم شيئاً مرة أخرى».
الأكاديميون الأمريكان الذين كانوا يأملون ويؤملوننا بإعادة ترميم نظام
التعليم العالي العراقي هم الآخرون محبطون، أو بدأوا يشعرون بالإحباط.
إنهم يُشاهدون بأم أعينهم انهيار برامجهم وجنباً إلى جنب مع انهيار الوضع
الأمني في العراق.
الآنسة ستون من معهد Stony Brook هي التي تسلمت منحة تطوير التعليم
العالي من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لتطوير وتأهيل مشاريع تدريب
علماء الآثار في العراق.
«لقد أنهينا خطة عملنا الأخيرة قبل عدة أيام بعد شنق المتعاقدين في مدينة
الفلوجة(أي إعدامهم)» قالت ذلك الآنسة ستون مشيرةً إلى عمليات الاغتيال
والإفساد التي نفــّذها المتمردون في مارس/آذار 2004م بحق أربعة أمريكان
كانوا يعملون كحرس أمنيين في المشروع. وبذلك فقد تمّ تقليص مدة المشروع
من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة، وبعد ذلك «والضرورات الأمنية تمّ إنهائها
بالكامل وسحب اعتمادها من قبل الحكومة الأمريكية» لقد كنا نحاول ـ
والكلام للسيدة المذكورةـ تحريف علماء الآثار على إيجاد فرص عمل، غير أن
المسألة أصبحت خطيرة جداً، ولم يعد هناك أي مجال للحديث عن مجالات عمل
حقيقية في العراق».
الصعوبات العملية التي تحول دون التواصل مع الأكاديميين العراقيين تأتي
مقترنة و ناجمة عن المخاطر التي تواجه أي عراقي يـُشك بأنه يتعاون أو
يُنسّق مع القوات الأمريكية.
بعد النجاح الكبير الذي حققه مع تلامذته عبر الاتصالات الفيديوية
والمؤتمرات الالكترونية بالقاهرة، وجامعة تل أبيب، استقدمت السيدة
بيرنهاردسون أحد زملائها في جامعة بغداد من أجل أن يكرّر المشورع مع
تلامذتها.
«كلانا وافق بأنها ستكون فرصة عظيمة لإيجاد حالة من التواصل بين الشباب
العراقيين والشباب الأمريكان لأن يتحدثوا إلى بعضهم، وكسر هذه الحواجز
السياسية بينهما» كما يقول. ولكن السيدة برنهاردسون عندما عرضت أن يـُقدم
لها ما هو ضروري من الأجهزة الفنية لإيجاد هذا التواصل، فوجئت برفض سريع
و خفيف.
«لقد قال: (إنني لدي الكثير من ألطاف الأمريكان وأفضالهم، شكراً لك)
وكانت تلك نهاية الفكرة برمّـتها» وتعلـّق بيرنهاردسون على ذلك قائلة:
«إنها لو أطلعت عدد من تلامذة صفّها على أي شكل من أشكال التنسيق
التكنولوجي مع الأمريكان، فإن ذلك سيكون كافٍ في إيجاد ردّ فعل سلبي قد
يؤثر على أمنهم وحياتهم».
حتى الخروج إلى التبضـّع وشراء بعض مقوّمات الحياة الضرورية أصبح مدعاة
للحياة والموت وهكذا صار من الصعوبة بمكان أن تجد أكاديميين معنيين
بهمومهم أو مهنتهم.
«بدأنا للتخطيط لجلسة تدريب باستخدام الستلايت التي تتعقـّب تصوير
المواقع الأثرية» تقول السيدة ستون «ولكن واحداً من أبناء عم أحد
المشاركين وعائلته جميعاً كانوا تعرّضوا إلى حادث تفجير قبل أيام قليلة،
ولم يستطع أن يترك عائلته خلفه».
حتى جهود الاتصالات عن بـُعد لم يكن بالإمكان إجراؤها بشكل طبيعية بسبب
الانقطاعات المتواصلة للكهرباء وخدمات التلفون في العراق.
«ولذا فإنني أشعر بالإحباط لأنني لم أفعل شيئاً ولا أستطيع أن أفعل
شيئاً، وقد شعرت في بعض الأحيان والمواقف أنه لم يعد بالإمكان فعل أي
شيء، بل من المستحيل فعل شيء»أضافت السيدة ستون ذلك بألم ومرارة.
توبسي سمولي Topsy Smalley أستاذة مكتبات في كلية كابريلو في كاليفورنيا
Cabrillo College كانت مشغولة مع أستاذة في العراق في حملة تسويق كتب
كانت انتقتها للجامعات العراقية سنة 2003م، وكان أول جواب مثير ومحزن قد
جاء عبر الرسائل الالكترونية e-mail التي استلمتها من الأساتذة العراقيين
هو الشكر على كتبها مع جملة قــٌرئت لأحدهم يقول فيها: «إن العرب يرسلون
إلينا إرهابيين لقتلنا وتدمير بلدنا بينما يرسل الأمريكان إلينا كتباً
لمساعدتنا على التعلـّم».
إلا انّ هذه الرسائل الإلكترونية أصبحت بعد فترة وجيزة محبطة ومثبطة على
مواصلة فعل أي شيء.
«الإرهابيون أصبحوا سادة المدينة» هذا ما كتبه أحد كبار الإداريين في
إحدى الجامعات في ديسمبر الماضي والتي كانت السيدة سمولي أرسلت إليه بعض
الكتب، مضيفاً «أني أكره أن أسأل، ولكن فعلاً بحاجة إلى مساعدتك».
وبعد أسبوع واحد كتب هذا الإداري قائلاً:
«بالأمس، قــُتل ستة أشخاص في منطقتنا. ثلاثة منهم كانوا من أقرب
أصدقائي. إنهم لم يفعلوا أي شيء على الإطلاق. إنهم قتلوا لمجرّد كونهم
مدرسين».
وفي الأسبوع التالي وردت رسالة أخرى يقول فيها:
«بالأمس، وللمرّة الأولى في حياتي شاهدت كيف يقتل الإرهابيون الناس. لقد
رأيتهم يقتلون ثلاثة رجال في وسط الشارع، بعدها قطعوا رؤوسهم وفصلوها عن
أبدانهم. لقد كان مشهداً مرعباً فعلاً».
وفي يناير/كانون ثاني أرسل هذا الرجل رسالة أخرى يقول فيها: «أخبرني أحد
أصدقائي اليوم أنه تم إلقاء القبض على واحد من الإرهابيين، وعثروا على
قائمة بأسماء أساتذة جامعيين في جيبه، وكان إسمي واحداً من أسماء هذه
القائمة. وقد اعترف بأنه مهمته هي قتلنا أو خطفنا».
كانت السيدة سمولي محبطة تماماً، وقد حاولت جاهدة مساعدة هذا الرجل في
العثور على عمل له في مكان آخر ولكن دون جدوى، وقد كان اتـّصل هو الآخر
بعدة جامعات في العربية السعودية وقطر والبحرين ولكن بدون جدوى أيضاً.
«بسط اليد أو التواصل قد يخفـّف بعض الشيء، ولكنه لا يمحور دواعي اليأس
والإحباط والقلق المستمرة» هذا ما أوجزته أخيراً السيدة سمولي في رسالة
الكترونية مقتضبة.
ومن هذه التجربة، تؤكد السيدة سمولي، أن الأوضاع المرعبة في العراق جعلت
معظم الأكاديميين الغربيين يعتقدون بأن هناك شيئاً واحداً فقط يمكن من
خلاله مساعدة الأساتذة الجامعيين، وهو إخراجهم جميعاً من العراق.
مجموعات مثل هيئة مساعدة أو إغاثة الأكاديميين اللاجئين ومعهد التربية
العالمي، خصّصا الكثير من جهودهما وطاقتهما في إعادة توطين الأكاديميين
العراقيين المعرّضين للخطر. ويقول المشرفون على المعهد المذكور أنهم
يستلمون طلبين على الأقل كل شهر من هؤلاء الأكاديميين يلتمسون فيها
مساعدتهم. هذا في بدء الحرب أما الآن فقد وصل عدد هذه الطلبات إلى ما
يعادل 40 طلباً كل أسبوع.
«وهذا ما كنا نفعله منذ عشرينات القرن الماضي 1920م» قول السيد گودمن
Mr.Goodman رئيس المعهد مضيفاً «إذ بدأت أولى عمليات الإنقاذ هذه منذ
الثورة البلشفية. وعليك أن تتأمل أنه ما كان علينا أن نواصل هذا العمل في
بداية القرن الواحد والعشرين. غير أن هذه الأزمة قد تفاقمت في العراق
بشكل لم يسبق له نظير حتى في جنوب أفريقيا وألمانيا النازية مجتمعين».
وعلى الرغم من النية الطيبة للجامعات في كل من أوروبا والولايات المتحدة
الأمريكية، فإن إعادة توطين الأساتذة الجامعيين العراقيين يمكن أن يكون
مخادعة ويتطلب حذراً شديداً. وعلى الرغم من أن الدعم المالي أو الحصول
على الدعم قد يشكـّل تحدّياً، غير أن المشكلة الرئيسية تبقى في تأمين
تأشيرات العبور أو الإقامة Securing Visas لطالبي الهجرة أو اللجوء.
«إن حكومة المملكة المتحدة مازالت متشبثة بسياستها في العراق» هذا ما
يقوله جون أكار John Akker السكرتير الإجرائي (أي التنفيذي) في هيئة
إغاثة اللاجئين الأكاديميين، مضيفاً «لأنها تعتقد بأن الأوضاع سوف تستقر
في العراق، وان هناك بعض المناطق الآمنة، ولذلك فإنهم لا يمنحون أو لا
يتـّخذون أي موقف بخصوص اللاجئين وخاصة أولئك الذين يواجهون أخطاراً
حقيقية على حياتهم».
وحتى لو كان بإمكان الاكاديميين العراقيين الوصول إلى أقطار أخرى، إلا
أنه من الصعوبة بمكان إيجاد أماكن مناسبة لهم في الجامعات هناك. إذ أن
هبوط المستوى العلمي للأكاديمية العراقية، والذي جاء بسبب الحصار
الاقتصادي الذي فـُرض على العرب بعد حرب الخليج الثانية حال دون أي
تقدّم، ومنع الأساتذة العراقيين من مواكبة التطور العلمي في مجال
اختصاصاتهم.
وعلى نفس المستوى، بل أكثر، فإن العديد من هؤلاء الأساتذة لا يملكون
مؤهـّلات لغوية عالية، أو كافية، تؤهـّلهم للتواصل أو الاندماج مع حرم
الجامعات الأمريكية. وبينما استطاع عدد قليل من الأساتذة العثور على
مواقع أستاذ مساعد في الجامعات الأمريكية والأوروبية، وبعضهم تمّ
الاحتفاء به واستقباله بحفاؤة، إلا انّ الكثيرين كانوا منحوا زمالات
دراسية أو أماكن مختبرية لا تؤهـّلهم للقيام بمهمة التدريس.
وحتى أولئك العراقيين الذين تمّ تأهيلهم للتدريس، فإنهم يواجهون تمييزاً
حاداً ومؤذياً في سوق العمل. أحد العاملين في مركز دراسات اللغة
الإنكليزية في المملكة العربية السعودية كتب يقول بأن السياسة في هذا
البلد قائمة على أساس عدم استخدام العراقيين أو توظيفهم» هذا ما قالته
السيدة سمولي في هذا السياق.
حتى أولئك المحظوظون الذين يجدوا أماكن إقامة، فإنها غالباً ما تكون
إقامات مؤقتة على أمل أن تتحسّن الأوضاع ويعودون إلى بلدهم، وإن كان
يترتــّب على العديد منهم العودة فعلاً الآن.
«إن لديّ عدد من الطلبة العراقيين ممن سمح لهم بتنفيذ مشاريع معقــّدة،
وبعضهم ممن يدرّسون باللغة العربية في بعض الصفوف، وهو أقصى ما يمكنهم
فعله في فترة بقائهم أي إقامتهم». هذا ما قالته السيدة ستون التي حاولت
شخصياً رفع ميزانية هؤلاء الأربعة الذين تدعمهم على حسابها الخاص،
وأضافت:
«إنهم يريدون العودة إلى وطنهم من أجل تدريب أبناء شعبهم وتنمية
مهاراتهم، ولكن مما لا يمكن التفكير به هو تأهيل بعض الناس والسماح لهم
بالعودة إلى الوطن لكي يواجهوا القتل.. إنني لا أستطيع بل لا أجرأ على
السماح لهم بالعودة إلى وطنهم».
في عمر الستين، يقول السيد جواد، أستاذ العلوم السياسية إنه يشعر بصعوبة
بالغة بأن يبدأ حياة جديدة في بلد آخر غير بلده، ولذلك فإنه اختار البقاء
في العراق، قائلاً بل متسائلاً: «فهل تراني أذهب وأتوسل إلى بعض الناس في
الخارج كي يمنحوني اللجوء أو مكان للإقامة وأنا في هذا العمر؟!».
ولكنّ العديد من زملائه قد فعلوا ذلك بالتأكيد، وهي نزعة أو اتجاه، بلا
شك، سيكون سبباً في إحداث تدمير مستمر لمستقبل التعليم العالي في العراق.
«إنّ الأعداد التي خسرناها لا يمكن تعويضها بسهولة» يقول السيد جواد
مضيفاً: «هؤلاء الأساتذة كانت لديهم 10 إلى 20 سنة من الخبرة والتجربة،
وبالتالي، فكيف يمكن تعويضهم بأساتذة جدد أو متخرجين توّاً من جامعات
بغداد وبدون أية خبرة، وبدون أي تجربة في الخارج ولا تدريب ولا لغات
أجنبية؟!
إن ذلك يقتضي على الأقل بين 20 إلى 30 سنة لإحياء الجامعات بأساتذة من
هذا العيار أو هذا الوزن.
|