الحضارية «ملفات»
 

 

مناهج التقريب ملاحظات نقدية وآفاق مستقبلية

د. إحسان الأمين(*)

في الوقت الذي تمر فيه عشرات السنين على طرح فكرة التقريب بين المذاهب، والتي ظهرت بصورة "مجمع التقريب" بالقاهرة، لازالت فكرة التقريب تواجه الكثير من التحديات، وحتى التراجعات عن بعض خطواتها وإنجازاتها الأولى، مما يستدعي وقفة نقدية جادة ومراجعة حقيقية، فما الذي حرّك دعوات التكفير؟ وما الذي هيّج غرائز العنف والمواجهات الطائفية في أكثر من موقع من عالمنا الإسلامي؟
إن القول أن وراء هذه الدعوات أيادٍ خبيثة ومخططات أجنبية، قول سهل وجواب بدهي؛ ولكن السؤال يبقى قائماً وملحاً، وهو: ما الذي جعل البلاد والعباد أرضية رحبة لاستقبال واحتضان مثل تلك الدعوات والاستجابة لتلك النزوات الشيطانية؟
إن هذا الواقع يدعونا إلى إعادة النظر في مشروع التقريب وجوداً واستمراراً، ابتداءً من فكرته، حتى منهجيته وآلياته وانتهاءً بأهدافه وغاياته، لا لغرض التراجع عنه وقد قرَّبَ ما قرَّبَ بين متباعدين وبَعَّد ما بَعَّد من ظنون وفتن، ولكن لغرض البحث عن رؤية جديدة تعطي للمشروع فاعلية أكبر تمكنه من مواجهة التحديات الطائفية والمؤامرات الإنشقاقية التي باتت كالألغام المدمرة تتفجر كل يوم هنا وهناك وجعلت دعاة التقريب ينؤون بأنفسهم عنها والمكفِّرين يحرِّكونها كل حين.
أولاً ـ في فكرة التقريب:
التقريب لغة، يعني العمل على الدنو بين طرفين أو أطراف، ليكون بعضها قريباً من بعض، لا بعيداً عنه. والقرب قد يكون في المكان، وفي الزمان، وفي النسبة، وفي الخطوة، والرعاية، والقدرة.
واستعمل القرب في القرآن الكريم بمعنى القرب في الأفكار أو القلوب، أو المواقف والاتجاهات، كقوله تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ)(1)، وقوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى)(2).
وبالتالي فهل يراد بالتقريب العمل على تقريب الأفكار، من خلال التأكيد على المشتركات وتقريب المواقف المختلف فيها؟ مما يتطلب جهداً ثقافياً مستمراً لتعريف بعض المسلمين ببعضهم الآخر، من خلال بيان الأصول المشتركة والراسخة في جميع المذاهب، حتى يتعارفوا فلا يتناكروا، فإن الناس أعداء ما جهلوا، وكثيراً من التباغض والتباعد إنما بُني على جبال من الوهم والظن وتحميل هذا المذهب أو ذاك ما لا يؤمن به أو ما لا يلتزم ولا يعمل به، كما هو الحال في توريث الإباضية أفكار الخوارج، وتحميل الشيعة آراء الروافض، ومتابعة السنة بما قاله بعض الأشاعرة السابقون وغير ذلك، فإذا ما نفض الغبار وأزيح التراكم التاريخي ولم تبن المواقف على أفكار مسبقة ومتوارثة، واستقصي رأي القوم منهم، لا من خصومهم، فإن هذا التعارف سيؤدي إلى التقارب والتآلف، لأننا سنجد أن ما تشترك فيه المذاهب، على اختلافها، كثير، ولا خلاف في أصول الإسلام وأركانه، وأن ما اختلفت فيه يشبه في الكثير منه اختلاف المجتهدين داخل المذهب الواحد، بل اختلاف الرأي عند إمام واحد، كما ينقل عن الإمام الشافعي - إمام المذهب السني - في آرائه القديمة واللاحقة، تبعاً لاختلاف رأيه في كتبه أو في ما نقل عنه، أو اختلاف الرأي عند الطوسي والحلي والعاملي - من أعلام الشيعة - في كتبهم المختلفة وتغيّر نظرهم في بعض المسائل، من كتاب لآخر من كتب عالم واحد، والشواهد في ذلك كثيرة.
والهدف الآخر للتقريب الفكري، هو الحوار العلمي الهادئ والموضوعي للوصول إلى مواقف مشتركة، خصوصاً في مجالات الحياة العملية من خلال البحث الأصولي والفقهي، وهو ما نجد مصاديقه في المجمع الفقهي لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدّة، وما صدر عنه من آراء وفتاوى بشأن مسائل فقهية مهمة، في الاقتصاد والبنوك، وبعض المسائل الشخصية وغيرها، وهذا ما يقرّب الآراء والمواقف في آن واحد، خصوصاً أن بعض هذه المسائل حساسة ولها مساحة يومية من حياة المسلم المعاصر.
وكل ذلك نماذج من مساعي التقريب الفكري، فهل المطلوب ذلك، أم يراد بالتقريب: التقارب القلبي وإزالة العوائق النفسية المانعة من تعارف وتآلف المسلمين، وبالتالي إرساء أسس المودة بينهم, حتى مع اختلاف آرائهم وتشعّب أقوالهم؟ فالتقريب هنا بمعنى التأليف، بين القلوب أكثر مما هو بين العقول.
والذي يبدو أن دعوة التقريب، التي أطلقها مجمع التقريب في القاهرة، كانت في مبدئها ومنطلقها قائمة على هذا الأساس أكثر مما هو التقريب الفكري، بل هي قائمة على أساس الاعتراف بالاختلاف، ولكن مع ذلك التقارب والائتلاف، فإن المؤسسين لذلك المجمع الكريم قد اتفقوا على قاعدة ذهبية، يمكن أن يترفعوا من خلالها على كل اختلاف، مع وجوده واستمراره، وهي: «أن نجتمع فيما اتفقنا عليه وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».
والمهم في هذه المقولة شطرها الثاني، فالأول تحصيل حاصل، ولكن الثاني هو الأمر الأهم، فإن القاعدة هنا تقرّ بالاختلاف ومع ذلك تؤسس للائتلاف، بأن يعذر البعض الآخر فيما اختلف فيه، وهذا أساس ركين لفكرة التسامح والتعايش والسلم الأهلي.
وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وهو من مؤسسي مجمع التقريب بالقاهرة، في مقال له بعنوان بيان للمسلمين: «نعم، إنه (رفع الخلاف) لمن المستحيل إن لم يكن عقلاً فعادةً: إذ لو كان الغرض هو إزالة الخلاف بين المذاهب الإسلامية، وجعلها مذهباً واحداً سنياً فقط، أو شيعياً فقط، أو وهابياً، كيف واختلاف الرأي والخلاف في الجملة طبيعة في البشر؟ ولعلّ إليه الإشارة بقوله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)(3)، أي للرحمة أو للاختلاف, على الخلاف!!
ولكن ينبغي أن يكون من المتيقن به أنه ليس المراد من "التقريب بين المذاهب الإسلامية" إزالة الخلاف بينها، بل أقصى المراد وجُلّ الغرض هو إزالة أن يكون هذا الخلاف سبباً للعداء والبغضاء، الغرض تبديل التباعد والتضارب، بالإخاء والتقارب، فإن المسلمين جميعاً مهما اختلفوا في أشياء من الأصول والفروع، فإنهم قد اتفقوا على مضمون الأحاديث المقطوع عندهم بصحتها من «أن مَن شهد الشهادتين واتخذ الإسلام ديناً له، فقد حَرُم دمه وماله وعرضه، والمسلم أخ المسلم، وأنّ مَن صلّى إلى قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، ولم يتديّن بغير ديننا فهو منّا، له مالنا وعليه ما علينا»(4).
ولكن جماعة التقريب بالقاهرة لم تغفل أهمية التقارب الفكري، خصوصاً في مجال التعارف وتأكيد المشتركات، ولذا فإنها أسست مجلة (رسالة الإسلام) والتي عملت طوال سنوات صدورها على عرض الأفكار والآراء، من السنة والشيعة، مع التأكيد على الأسس والمساحات المشتركة.
ومما يؤكد أهمية التقريب القلبي وأسبقيته عن التقريب الفكري، هو أن العالم يتجه نحو مزيد من الاختلاف الفكري والتنوع الثقافي والتعددية في الرأي والمعتقد، حتى كأن الاختلاف سنة من سنن الخلق والتكوين جبل عليها الإنسان ولا انفكاك له عنها.
على أن منحى التقريب قد اجتذبته الآراء، عبر تلك السنوات الطويلة، ليتمظهر في مشاريع ونظريات، غلب عليها طابع التقريب الفكري، أكثر من الجانب القلبي، وهذه المساعي - رغم نبل أصحابها وشرف غاياتها - إلا أنها قد تميل بمشروع التقريب عن جادته الأصلية، أو قد تبطئ من حركته الأساسية، ولا تبلغ به غاياته، خصوصاً إذا طرحت كبديل تام لمشروع التقريب وشكلت محور حركته، وسنقف عند بعض هذه الأطروحات وقفة نقد وتأمل، لا بهدف إبطالها، وإنما بهدف تسديدها وإرفادها.
مشروع الوحدة الإسلامية:
طرح مشروع الوحدة الإسلامية، بتصوره القائم على أساس وحدة النظم السياسية واجتماعها على قيادة سياسية واحدة منذ أواخر القرن الماضي بشكل واضح وكدعوة لها روادها ودعاتها، ولعل "جمال الدين الأفغاني" كان من طلائع القائلين بها، ولكنها دخلت من بعده في أدبيات معظم الاتجاهات والحركات الإسلامية، كمشروع منقذ وضرورة دينية، ولكنه على مستوى الواقع لم يتعد أن يكون حلماً وأماني وطموحاً مقترناً بآهات وحسرات.. ليس إلاّ.
فنحن اليوم أمام نيف وخمسين دولة، والكثير منها معرض للانقسام، ونحن أمام العديد من أشكال الأنظمة التي لا يجمعها جامع سوى التسمّي بالإسلام، وأمام ولاءات متعددة، بدلاً من مشروع وحدوي يتبنى قيادة واحدة، خلافة كانت أم إمامة، بل إننا نجد حركات إسلامية كبيرة كانت تمتد لعدة بلدان، وها هي اليوم قد انقسمت وتوزعت وتعددت وتنوعت، ولا يمكن أن نوعز كل ذلك إلى عوامل خارجية أو أيد خفية، ولكنها سنة في الخلق لا يمكن تجاوزها وطبيعة في البشر لا يمكن إلغاؤها، ولذا لابدّ من إعادة النظر في جوهر دعوة الوحدة وإعادة صياغة أهدافها وبرامجها.
فالوحدة في التصور الوحدوي الشائع قائمة على أساس تطابق الذوات والموضوعات، ولذا فإن الداعين لها يسعون إلى فرض ايديولوجية واحدة، يقوم على أساسها كيان سياسي واحد بقيادة واحدة، لا يأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاقليمية القائمة أو الفروق القومية، بل يعتبر هذه الاختلافات والفروق تمايزات وضعية لابدّ من إزالتها وإذابتها في الجسم الإسلامي الكبير.
إن هذا التطابق والتوحّد في الرؤى والبرامج والنظم والولاء، بات مجرد أمنية.. إنّ العالم كله يسير إلى التنوع والتوزع، فكلما تقدمت البشرية تعددت الأفهام وتنوعت الاتجاهات وتعددت الرؤى(5)، ولذا فإن مشاريع الوحدة الواقعية لابدّ أن تعي هذه الحقيقة فلا تلغي الفروق والامتيازات، ولا تسعى الى إلغاء الكيانات المستقلة والمختلفة القائمة، ولكن تعمل على تقاربها في مسائل الأمة الأساسية وبرامجها السياسية والتنموية المشتركة.
وبالتالي فيجب إعادة النظر في كثير من الفكر والفقه القائم على أساس وحدة الخلافة والإمامة ونظام الحكم - في عصرنا الحاضر - والذي استصحب فكرة الخلافة أو الإمامة بعد رسول الله(ص)، لأن هذا الاتجاه هو بحدِّ ذاته يحمل مشروعاً مناقضاً لفكرة الوحدة الإسلامية، رغم تلبسه بها، لأنه يستبطن شرعية نظام واحد دون سائر الأنظمة الإسلامية، وبطلان كل القيادات السياسية، دون قيادة واحدة، وبالتالي فهو مولِّد للصراعات ومُشرِّع للنزاعات ومشروع فرقة لا وحدة.
فلابدّ والحال هذه من أن يتحول مشروع الوحدة إلى مشروع اتحاد، نظير مشروع الاتحاد بين الدول الأوروبية، فهو لا يلغي الفروق ولا يتجاوز الكيانات القائمة، بل يتجه إلى تأصيل المشتركات والاتحاد في أمّهات الموضوعات.
مشروع إسلام بلا مذاهب:
وهو مشروع طرحه عدد من العلماء حرصوا فيه على إلغاء النزاعات والعودة إلى أصول الإسلام، حيث كان الإسلام واحداً وكان الصحابة ومَن تبعهم أصحاب مدارس ومجتهدين في الدين، لا متذهبين.
وبالتالي يسعى أصحاب هذه الدعوة إلى أن تكون الاختلافات اجتهادية علمية، لا طائفية ومذهبية، وأن يكون البحث العلمي والحوار الموضوعي هو سيِّد الموقف، وكل مجتهد معذور فيما يراه ويذهب إليه, وهكذا ترفع الحواجز بين المذاهب، وتعود الحوزات والمدارس الدينية، معاهد وجامعات علمية، تتداول فيها الآراء وتناقش وتنتقد، كما هو الحال في ميادين الفكر المختلفة، من دون تكفير أو تفسيق وأحكام بالردّة والقتل على الهويّة.
وفي الفكرة هذه بُعدان: الأول عملي - علمي، والآخر أخلاقي - منهجي.
أمّا الأول، فلا يمكن في ليلة وضحاها أن تلغى المذاهب، وجذورها تمتد لأكثر من ألف سنة، ولها روادها وأتباعها، ومعتنقوها ومؤيدوها، المتعبّدون بها والمحتمون بلوائها، بل لا نجد في تاريخ البشرية يوماً شهد توحيداً في الأديان والمعتقدات، بل التاريخ يثبت عكس ذلك، والطبيعي في حركة البشرية أن تنحو نحو التوزع والتنوع، فإذا كان الدين إلهي المنشأ، فإن الأفهام بشرية، ولا يمكن توحيد الفهم، ودونك التاريخ، بل حاضر البشرية وعالمها المعاصر.
ثم إن هذا بذاته سيخلق معركة مفترضة لإثبات حقانية هذا الفكر دون ذلك، وأصالة هذا المذهب وأسبقيته عن غيره، وهو ما نجده في كثير من كتب الكلام التي تحاول إضفاء الشرعية على مقولاتها بالسبق التاريخي ومقولة السابقين بآرائها، مع أن القرآن الكريم يؤاخذ على التمسك بأقوال السابقين وجعل قولهم، أياً كانوا، حجة دون دليل.
فإذا كانت هذه الدعوة تريد إلغاء آراء المجتهدين والعودة بنا إلى ما قبل ذلك، أي قبل نشوء المذاهب وتعدد الآراء، دون إفساح النظر للرأي والاجتهاد والنقد العلمي الذي يوجد بطبيعته قوة الرأي وتقدّم الفكر.. إذا كان هذا المراد فهو خلاف المنهج العلمي، لأن السبق ليس بدليل، وربما وصل المتأخرون إلى ما غاب عن ذهن المتقدمين السابقين، لعدم وصول الدليل إليهم، من رأي أو رواية، أو قصور الفكر لعوامل ليس مجال لذكرها هنا وغير ذلك.
أما إذا أريد بهذه الدعوة إلغاء الخصومات والمواجهات المذهبية والطائفية والعودة إلى أجواء التعايش الديني والحوار الأخلاقي الذي كان موجوداً عند الأقدمين، فلم يكن أئمة المذاهب يتقاطعون ويتعاركون كما يفعله بعض أتباعهم، بل كانوا يتزاورون ويتحاورون، ويتحابون ويأتلفون فيما بينهم، كما نجده في علاقة الإمام أبي حنيفة النعمان ابن ثابت والإمام مالك بن أنس بالإمام جعفر بن محمد الصادق، وهكذا علاقة الشافعي بأحمد بن حنبل، ولم تكن تلك المسميات المذهبية مطروحة فيما بينهم.
إذا أريد بنا العودة إلى التسامي والتسامح والتفاهم والتحاور الأخوي بما يحمل ذلك من أجواء إيمانية ومناخات أخلاقية أخوية، فإن ذلك مطلوب في ذاته وفي موضوعه، وهذا هوما يعنيه التقريب والتأليف المنشود، رغم اختلاف الآراء وتعدد المقالات.
مشروع التقريب السياسي:
وقد يؤكد على التقريب من زاوية سياسية، باعتبار أن أعداء الإسلام يتربصون بالمسلمين الدوائر وأن المخاطر تحيط بهم من كل جانب، وأن العدو لا يفرّق بين مسلم وآخر، بناءً على مذهبه، فالكل مستهدف ومعركة الإسلام ضد الكفر واحدة.. بل إن خطة الأعداء هي «فرِّق تسد»، ومما يؤكد هذه المعاني قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(6)، وقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(7)، وقوله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(8).
إلى غيرها من الآيات والروايات التي تدعو إلى الاتحاد ونبذ التفرّق واجتناب الفتنة، حتى عدّت هذه المسألة عند بعض الفقهاء من الضرورات الشرعية المقدّمة على غيرها عند التزاحم والتعارض.
وهذا المنهج في الدعوة إلى التقريب حقيقي وواقعي، ولكنه قد يجابه من بعض التكفيريين بأنهم لا يعدّون مذاهب وفرق غيرهم من المسلمين، بل هم يكفِّرونهم ويعدّونهم مشركين، ولذا فإن يقولون بأن الوحدة هي بين المسلمين، لا بين المسلمين والكافرين أو المشركين.
ولا عجب فإن هؤلاء يدّعون بأنه يمكن التعايش والتفاهم مع اليهود والنصارى (إسرائيل وأميركا) لأنهم من أصحاب الكتاب دون التعايش مع الشيعة مثلاً لأنهم من المشركين أو الكفرة .
وهنا تتعطل لغة الحوار مع هؤلاء، فهم يوصدون كل الأبواب بوجه التقارب والتقريب، ويستفيدون من العوامل السياسية القائمة بالاتجاه الذي يريدون ليبرّروا مواقفهم، فالشيعة موالون لأميركا، مثلاً، ويجب قتلهم وقتالهم، فإذا قيل لهم حزب الله يواجه إسرائيل وأميركا، جهدوا في تأويل الأحداث وتحريف الوقائع، حتى يغيّبوا الحقائق عن مسيرها.
وبالتالي، يكون العامل السياسي، عاملاً أساسياً في زرع الفتنة والشقاق بين المسلمين بدل أن يجمعهم ويوحِّد كلمتهم، وهو العامل الرئيس في إشعال الفتن الطائفية وتحريكها.
ولغرض أن يكون العامل السياسي بالاتجاه الصحيح لتأليف المسلمين وجمع كلمتهم وتجنبهم الفتنة، يبرز دور أئمة المسلمين وعلمائهم ودعاتهم ووسائل إعلامهم في التوعية السياسية المستمرة والكاشفة لما يحاك من مؤامرات ودسائس وللخطر الذي يمثله الفكر التكفيري في تمزيق وحدة المسلمين وتشويه صورة الإسلام السمحاء بأعمالهم المنكرة ووحشيتهم الدموية، والتي قد تكون العائق الأول أمام انتشار الإسلام في العالم، ولا يستبعد أن تكون وراء كثير من الحركات المتطرفة أياد خفية يغذيها أعداء الإسلام.
التقريب من مبدأ حريّة الرأي بين المسلمين:
وقد طرح بعض المفكرين المسلمين هذا المبدأ "حريّة الرأي" واعتبره عاملاً أساسياً باتجاه وحدة المسملين وتقاربهم، باعتبار أن هذا المبدأ يحرر الفكر من تبعات الماضي ويوفر مناخات سليمة للحوار والتقارب ويحفظ للأطراف المختلفة حق الاختلاف والمعارضة في الرأي، دون أن يؤدي هذا الاختلاف البنـّاء إلى خلاف وشقاق، إذا كان الجو السائد في المجتمع احترام حريّة الرأي والتمتع به كحق من حقوق المسلم(9).
وهذا البحث يشكل أساساً سليماً من أسس التأليف بين المسلمين والتقريب بين مذاهبهم وطوائفهم، لأنه أولاً يثبِّت حق الاختلاف، فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة، دون غيره، ولا جهة تمتلك الشرعية لتسلب الآخرين شرعيتهم، فقد اختلف مسلمون مع خلفاء المسلمين وقادتهم، وحفظ لهم هذا الحق، وكانوا أحياناً أقرب إلى الحق، ليتراجع الخليفة عن رأيه.
وبالتالي فإن واقع المسلمين، منذ صدر الإسلام، حفظ للمسلمين حريّة الرأي وإذا ما ضمن لهم اليوم هذا الحق فإنه سيقرّبهم من بعض البعض ومن الحق، ويزيد من ألفتهم ووحدتهم.
والى خلاف ذلك سيؤدي كل ما من شأنه ات يكون منعاً لحريّة الرأي وسلباً لحق الإنسان في التعبير والبيان، والتي تكفل بها الإسلام فضلاً عن ميثاق حقوق الإنسان، فليست المشكلة في أن يدعو كل فريق إلى رأيه, مثلاً, وأن يبيِّن كل طرف صحة قوله، ولكن المشكلة في أن تتجنب الدعوة ما أمر الله به من اتباع الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، بأن تتبع الوسائل الجاهلية كالسب والشتم وإثارة الفحشاء والبغضاء وإثارة الفتنة، إذ يحرم ذلك وقد نهي عنه، فلابدّ من اجتناب تلك الأساليب التي لم يتبعها نبي مرسل ولا إمام ولا ولي.
وتأكيداً لاتباع السبل الحسنة واجتناب غيرها، فقد دعا القرآن أهل الكتاب إلى التفاهم والتعاون على طريق الإيمان بالله تعالى،
فكيف يتقبل أن يغلق باب الحوار بين المسلمين، وهو باب للتفاهم والتقارب؟ نعم ينهى عن كل ما يثير الفتنة وينشر البغضاء من أي طرف صدر، ولا ينبغي أن نخشى حريّة الفكر والمعرفة بقدر ما يجب أن نخشى الاستبداد، والذي يؤدي إلى مزيد من الجهل والتخلـّف والعنف والتمرد، واختلف الناس في أجواء الحريّة ولكنهم نادراً ما اقتتلوا، ولكن اقتتل الناس حيثما كان الظلم والاستبداد والتحجّر والجمود.
ولكن الذي قيل عمّا سبق قد يصدق هنا، فيذهب البعض إلى أن هذه الحريّة مختصة بالمسلمين دون غيرهم، فلا يحق للكافر والمشرك أن يكون حرّاً في رأيه، مختاراً في عقيدته، وبالتالي فإننا قد نجد بعض أصحاب المذاهب الإسلامية يعانون كبتاً وضغوطاً في بلادهم المسلمة أكثر مما يعانونه في غيرها من بلاد العالم غير المسلمة، لأنّ الأولى تصادر حرياتهم باسم الإسلام، والثانية تضمنها تحت عنوان حقوق الإنسان وحريّته في الاعتقاد.
ومن هنا فإننا ندعو إلى التأمل بهذا المبدأ وتوسيعه إلى حريّة الرأي والاعتقاد لسائر الناس، على أساس حقوقهم الإنسانية، وهو ما يمكن استفادته من العديد من الآيات، كقوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(10).
وقوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(11).
وقوله: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)(12).
وقوله: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)(13).
وغيرها من الآيات الكريمة، والتي تحتاج إلى بحث وتأمل.
كما إن هذه الدعوة تنسجم مع الاتجاه العالمي حول حقوق الإنسان وتأكيده على حريّة الاعتقاد والبيان.
وبالتالي فهي تضمن للمسلمين على اختلاف مشاربهم وآرائهم حقوقهم ومواطنتهم، وإذا ما اعترفنا بحق الاختلاف فإن الذي ينتج عنه هو الائتلاف والتقارب، وهذا المنهج يصادر منهج التكفير، ويشيع في المجتمع جوّ التسامح الديني والتعايش السلمي، والذي يجب أن يكون التعامل مع المجتمع على أساسه، فإن «الناس - كما قال الإمام علي - صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
إنّ المهم في موضوع التقريب أن يكون معلوماً أن الحقوق متكافئة ومتبادلة، فإذا ما أردنا أن يُحترم حقنا في الاعتقاد بالطريقة التي نعتقد ونلتزم بها وأن تحترم رموزنا الدينية، فإن علينا أن نحترم حق الآخرين ولا نمس رموزهم الدينية بسوء، فالقواعد بهذا الشأن صارمة: "احترم تحترم".
وفي الأثر: «عاملوا الناس بمثل ما تحبّون أن يعاملوكم به».
وأيضاً: «انزع الشرّ من غيرك بنزعه من نفسك».
وهذا يحتاج إلى وقفة شجاعة مع الذات قبل الآخرين لتصحيح المنهج والابتعاد عن الممارسات الخاطئة في التعامل مع الآخرين، والتي هي بدورها لا تناسب خلق ولا دين، ولا تمت إلى أساليب الحوار البنـّاء بصلة.
 

الهوامش:
ـــــــ
(*) باحث وكاتب ـ العراق.
(1) آل عمران: 167.
(2) المائدة: 82.
(3) هود: 118 ـ 119.
(4) رسالة الإسلام، ج2، ص269.
(5) انظر للمزيد: دور حرية الفكر في الوحدة الفكرية بين المسلمين، د. عبدالمجيد النجار، من منشورات: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة أبحاث علمية، رقم 6، ط1، سنة 1413هـ.
(6) الأنبياء: 92.
(7) آل عمران: 103.
(8) الأنفال: 46.
(9) انظر بتفصيل بحث: التوحد والتعدد، من كتابنا: الإسلاميون على أعتاب القرن الحادي والعشرين، ص78، منشورات: دار الهادي - بيروت.
(10) البقرة: 256.
(11) يونس: 99.
(12) الغاشية: 21 ـ 22.
(13) النور: 54.