|
|
|
الحضارية «ملفات» |
|
جذور الاختلاف
الطائفي بين وسائل التفعيل وطرق الحل
د. نذير الحسني
في البداية اتقدم
بالشكر الجزيل الى الأخ الدكتور صائب عبد الحميد وكل الأخوة الداعمين والساندين
لانشاء هذه المؤسسات التخصصية والمراكز العلمية الهادفة الى تقديم رؤية جديدة لكثير
من المشاكل التي عانت وتعاني منها امتنا الإسلامية، وأشكر الأخوة والأخوات على
تجشيم عناء الحضور لسماع ما أتمنى أن يكون حلقة من حلقات الحل للمأزق الطائفي الذي
يعشعش اليوم في بلدنا العزيز.
ورقة العمل المقدمة الی هذه الندوة المباركة تحت عنوان " جذور الإختلاف بين وسائل
التفعيل وطرق الحل"وسأتناول فيها محاور مختلفة منها:
أولا: منابع الإختلاف ومناشئه.
ثانيا: طرق ووسائل تفعيل ذلك الإختلاف.
ثالثا: طرق الحل.
أولاً: منابع الأختلاف ومناشئه
إن جذور الإختلاف بين الطوائف المختلفة تنبع من المفردات الأساسية التي يتشكل منها
عقل الإنسان المنضوي تحت تلك الطوائف، وبما اننا نتكلم في الإطار الإسلامي فإن
المفردات التي يتشكل منها عقل الإنسان المسلم تتكون من عدة امور، هي:
الأمرالاول: الدين
ولا أريد التيه في زحمة التعاريف اللفظية للدين التي لا تمنحنا حلاً، ولا تعطينا
سلماً، وإنما أكتفي بالقدر المتيقن منه ألا وهي النصوص القرآنية والنبوية فقط في
الإتجاه السني، مضافا اليها النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في
الإتجاه الشيعي، فهذه النصوص لها قابلية حمل الإختلاف بإعتبارها نصوص لفظية، وساذكر
كيفية ذلك لاحقا.
الأمرالثاني: التراث الديني
وينقسم هذا التراث الی:
1- التراث لكلامي
2- التراث التفسيري
3- التراث التاريخي
فالخلاف بين هذه الاقسام عند الطوائف المختلفة لاداعي لذكره لأننا نعيشه كواقع
ونكتوي بنيرانه قبل أن نتصوره كنظرية.
هذا علی مستوی قابلية وجود الإختلاف، ولكن يبقی هنا تساؤل، فليس بالضرورة أن تكون
هناك ملازمة بين قابلية وجود الإختلاف وبين نشوء ذلك، وبعبارة اخری كيف تظهر وتوجد
تلك القابلية؟
هنا يمكن القول إن نشوء تلك القابلية يرجع الی أمور عدة منها:
أولاً: قابلية النصوص المقدسة، قرآنية كانت أو حديثية، للتفسير علی أوجه مختلفة،
ومن هنا وجد علم الهرمنيوطيقا ليؤطر هذه القابلية ضمن نظريات علمية ممنهجة.
ثانياً: المشارب الفكرية المختلفة للطوائف، تسببت أيضاً في نشوء عوامل الإختلاف،
ومن هنا لابد من إيجاد قواسم مشتركة بين الأطراف المختلفة، سواء كانت تلك القواسم
قائمة على أساس القواعد المشتركة أو على أساس نظرية المقاصد، مع ملاحظة تحفظات
الطرف الأخر عليها.
ثالثاً: عمليات الدس والتزوير التي حدثت داخل دائرة النصوص الدينية، فضلاً عن
وجودها في ثمرات تلك النصوص، والمتمثلة بالتراث الديني، الكلامي والتفسيري
والتاريخي، وهنا يمكن القول إن هناك الكثير من الصيغ المشتركة للتخلص من هذا
الموروث البغيض، وإن كانت هناك مفردات خلافية للتعديل والتجريح يمكن التوصل الى
إتفاق فيها.
وفي تصوري إذا ما أردنا نرتب سلم الأولويات في تحديد مراتب الإختلاف، أجد أن
المفردة الأولى والأساسية هي قابلية النصوص اللفظية للتفسير بأوجه مختلفة، فهذه
المفردة تأتي في مقدمة المناشئ لقابلية الإختلاف الموجودة في النصوص الدينية، ومن
ثم تأتي مسألة المشارب الفكرية وعمليات الدس والتزوير تباعاً.
الأمر الثالث: الواقع البيئي للانسان المسلم
عاش المسلمون في بيئات مختلفة، ضمن أعراف وتقاليد وعادات ساهمت بشكل كبير في صياغة
أوضاعهم النفسية والعاطفية وأثرت في تعاملهم مع تراثهم الديني بشكل أكبر، وسأكتفي
هنا بهذه الكلمات فقط، لأحيل الأخوة الی كتاب ( نظرية العرف بين الشريعة والقانون)
وفيه تصور واضح لهذا الأمر.
إلى هنا تبين أن قابلية الإختلاف موجودة في الدين والتراث الديني والبيئة المعاشة
من قبل المسلمين، وتبين أيضاً أن نشوء تلك القابلية راجع الى العوامل الثلاثة التي
ذكرناها آنفاً.
ثانياً: طرق ووسائل تفعيل تلك القابلية وذلك الإختلاف
الحديث عن الطرق والوسائل لتفعيل التناحر الطائفي كثيرة ومتنوعة ومختلفة باختلاف
الزمان والمكان، ويمكن اجمالها بما يلي:
1 ـ السلطة السياسية الحاكمة:
على مر العصوراستغلت السلطات السياسية الحاكمة شكل الخلاف الذي تحدثنا عنه، ابتداً
ومن الدولة الأموية، ومروراً بالدولة العباسية، وصولاً الى الدولة العثمانية،
وانتهاءً بالدولة العراقية الحديثة والنظام العربي الرسمي، هذا في الجانب السني،
وأما في الجانب الشيعي، فقد مثلت الدولة الفاطمية والدولة الحمدانية والدولة
الصفوية بعض مفرادت هذا الصراع، ويدخل ضمن هذا العامل في الصراع الدائر اليوم في
الساحة العراقية طبقة الانتحاريين، والذين يطلق عليهن الإرهابيين، وإن كانت هذه
التسمية غير صحيحة من وجهة نظري؛ لانها سوَّقت إلينا عالمياً، دون التدبر في
معانيها، وأخشى من الوقوع في التناقض فيما اذا حاربناها اليوم ونحتاج الى استخدامها
غداً.
2 ـ العامل الخارجي:
المتمثل بالإستعمار والصهيونية العالمية: فقد حاول هذا العنصر وفي فترات مختلفة
استغلال ذلك الإختلاف وبث الفرقة والتناحر الطائفي، ولديه الوسائل الخاصة بذلك
والتي منها:
أ ـ المستشرقون، وهذه وسيلة يطول الحديث عنها، ولدي بحث مستقل في ذلك تحت عنوان «
دور المستشرقين في الخلاف والفرقة بين المسلمين»
ب ـ المغفلون من مختلف الاتجاهات، الذين يشعرون بأن الخلاص من واقعنا المرير يمر
عبر العامل الخارجي، فيصبحون من حيث يشعرون أو لا يشعرون وسيلة للعنصر الخارجي
للسيطرة على شعوبهم وخيراتهم، ويمثل هذا الاتجاه اليوم بعض الحركات السياسية
الإسلامية الحاكمة في أفغانستان والعراق.
ج ـ وسائل الاتصال الحديثة والمتطورة، كالانترنت والفضائيات المتعددة، سواء كانت
تعمل بشكل مباشر لتلك الدوائر أو بشكل غير مباشر نابع من الغفلة تارة ومن الغباء
أخرى، متصورةً في ذلك أنها تنصر من تنتمي اليه.
د ـ الحركات القومية والعلمانية، التي تحاول الدفع باتجاه فصل الدين عن الدولة عن
طريق اقناع الشعوب بأن تراثم الديني لا يملك رؤية واضحة لاستيعاب الطوائف
والاتجاهات المختلفة، وتستخدم هذه الحركات بعض مفردات الخلاف ونتائجه للاستدلال على
ذلك.
هذه هي الوسائل والطرق التي فعلَّت قابلية الاختلاف داخل الساحة الإسلامية.
وبما اننا نتكلم وننظر في كلامنا الی الواقع العراقي، نقول: إن ما يجري اليوم من
خطط أمنية هناك يدخل في الحد من وسائل تفعيل هذا الصراع والاحتراب الحادث، وقد يمكن
السيطرة عليه، وهو أمر في غاية الأهمية في الوقت الراهن، ولكن نقول وللأسف إن ذلك
لا يكفي للنهوض بواقع هذا البلد نحو الرقي والتقدم، وستبقى تلك الوسائل تتربص بنا
الدوائر، وسيبقی اولئك المحكومون غير مقتنعين بهذا الحل، مما يجعلهم لقمة سائغة
لوسائل تفعيل الاختلاف والتناحر.
ثالثاً: طرق الحل
طرحت هنا لحل المشكلة المتقدمة مجموعة من الطرق سأفهرسها أولاً، وسأتكلم عنها
باختصار ثانياً، فالطرق المطروحة للحل هي:
أولاً: السيطرة على وسائل وطرق الاختلاف والتناحر.
ثانياً: شخصنة الدين والتراث الديني.
ثالثاً: نظرية ترتيب الأولويات.
الطريقة الأولى: السيطرة على وسائل وطرق الأختلاف
أصحاب هذا الاتجاه، حمَّلوا وسائل وطرق الاختلاف والتناحر، المسؤولية الكاملة،
لحدوث الصراعات الطائفية بين الطوائف المتنازعة،وفي تصوري قد مثل أصحاب مؤتمرات
التقريب، هذا الاتجاه خير تمثيل وقالوا: إن هذا الاختلاف الذي تحدثنا عنه في المحور
الأول هو إختلاف فكري فقط، وليس له علاقة بالتناحر الطائفي الذي يحدث بين الحين
والأخر، ويرجعون ذلك التناحر إلی الوسائل التي تستغل ذلك الاختلاف بمختلف انواعها
الداخلية منها أو الخارجية، وغير ذلك لإلحاق اكبر الضرر بالمسلمين.
ومن هنا فإن كل ما طُرح من توصيات في مؤتمرات التقارب السني الشيعي، ومن حلول، كان
ناظراً بالدرجة الأساس الی تلك الوسائل فقط؛ ولهذا لم تفلح تلك المؤتمرات في أن
تأتي بنتائج ناجعة تخلص الأمة من واقعها المرير ؛لأن تلك الإجابة لم تكن الصورة
الكاملة للواقع بل كانت الجزء البسيط منها، بالإضافة الی أنها تنطلق من منطلقات
سياسية، تحاول أن تراعي في اطروحاتها الواقع القائم في الدول الإسلامية
الطريقة الثانية: شخصنة الدين والتراث الدینی
هذه النظرية تنطلق من رؤية خاصة تجعل من الدين والتراث الديني امراً شخصياً مرتبطاً
بالانسان نفسه، إن شاء أخذ به، وإن شاء تركه، وأما ما يرتبط بالجماعة والتعايش بين
الطوائف، فسوف يخضع لقوانيين وضعية يتم الاتفاق عليها ضمن صيغة معينة، ويمكن اجمال
تلك الصيغ علی شكل عناوين رئيسية وهي كالتالي:
1 ـ نظرية التطور التاريخي.
2 ـ نظرية العقد الأجتماعي بصيغها المختلفة.
3 ـ نظرية الحكم الديمقراطي.
4 ـ النظرية الماركسية.
وغير ذلك من الصيغ التي يتم التوافق عليها ضمن إطار الجماعة، أو ضمن اطار نخبوي
معين.
وهذه الطريقة، أي شخصنة الدين والتراث الديني قد نجحت نجاحاً باهراً في العالم
الاوربي والامريكي المعاصر، بالرغم من مرورها بمراحل عسيرة تاريخياً، قضت من خلالها
علی الصراع الدموي بين الطوائف المسيحية، وخصوصا بين الكاثوليك والبروتستانت،
وأعتقد أن السر الحقيقي لنجاحهم كان يكمن في ايمان الجميع « قساوسة وبابوات وشعوب
وقيادات دينية وسياسية» بأن التراث الديني لدی كل طائفة منهم لاتوجد فيه قابلية
إنتاج رؤية واضحة تنضوي تحتها الطوائف المختلفة.
الطريقة الثالثة: نظرية ترتيب الأولويات
وسوف أبدأ من تساؤل لتوضيح هذه النظرية، وهو هل نستطيع أن نطبق الحل الثاني في
مجتمعاتنا الإسلامية، ونشخصن الدين والتراث الديني، ونعتمد علی مرتكزات اخری في
إيجاد رؤية للتعايش والاجتماع بين الطوائف الاسلامية المختلفة ؟
الجواب هنا يعتمد بالدرجة الاساس علی ايماننا كمرجعيات دينية، وقواعد شعبية،
وقيادات سياسية اسلامية، ونخب مختلفة موزعة علی مختلف الطوائف، بمدى وجود رؤية
واضحة في الدين والتراث الديني لكل طائفة، حول صياغة نظرية قادرة علی استيعاب
الطوائف الاخری، وتحقيق رغباتها، فياتری هل توجد مثل هذه النظرية الاستيعابية لدى
كل طائفة من الطوائف، حتی يمكن درج الصراع الحالي تحت مظلة الصراع لتحقيق الأفضل،
ويكون الشعب هو المستفيد الاكبر من ذلك، أم لا توجد مثل هذه النظرية، والصراع الذي
نراه هو صراع العميان، والخاسر الوحيد فيه من لا يملك العصا، وهو الشعب؟
وسأجيب بمقدار اطلاعي وتتبعي علی ذلك التساؤل، نيابة ً عن المتصارعين، ليس في
ساحتنا العراقية فقط، وإنما في الساحة الإسلامية الكبری، بأنه لاتوجد لدی اي حزب
سياسي، نظرية واضحة المعالم، يرتكز فيها علی موروثه الديني، قادرة علی التخلص من
الطائفية، ومستوعبة للجميع ومحققة لرغباتهم.
فما العمل اذاً؟
هنا سوف أطرح تساؤل آخر، كي أصل إلی حل حقيقي لمشكلة قديمة جديدة، قديمة ببذورها
ومناشئها، جديدة بطرقها ووسائلها، والتساؤل يقول: هل يوجد في تراثنا الشيعي حل لهذه
المشكلة؟ وسوف اترك التساؤل حول التراث السني الی اخواننا اهل السنة ليقدموا رؤيتهم
في ذلك.
أما بالنسبة للتراث الشيعي، أقول: نعم توجد بذور نظرية استيعابية، شاملة لمختلف
الطوائف والاعراق، طبّقها علي ابن ابي طالب (عليه السلام) تعتمد علی نظرية ترتيب
الأولويات الثلاث وهي:
1 ـ أولوية الإسلام.
2 ـ أولوية الوطن.
3 ـ أولوية المذهب.
هذه النظرية طبقها الامام علي (عليه السلام) علی نفسه، بالعنوان الثانوي، فالإمام
لم تكن لديه منطلقات طائفية أو مذهبية، كما هي لدينا اليوم لكي يتنازل عنها، وإنما
كان يمثل الإسلام المحمدي الأصيل ولكن الإسلام في فكر علي عليه السلام، له مراتب،
فأعطی أولوية للمرتبة التي حافظ فيها علی الأسم والشكل، لكي يحفظ للإسلام صورته
العامة، ففكر الأولويات هو فكر علي عليه السلام، وما أحوجنا اليوم الی هذه الفكرة
لترتيب وضعنا الحالي.
وقد نحتاج هنا الی الدليل الذي يرتب لنا أولوية الوطن علی الاوليات المذهب.
فأقول: إنّ نظرية الوطن بهذه الحدود المصطنعة تحتاج الی بحث، خصوصاً في الدائرة
الشيعية، المتهمة بولائها للخارج دائماً، ولكن سوف لا اترك هذه المفردة بدون إشارة
الی أن هناك الكثير من النصوص القرآنية، التي ركزت علی حب الأوطان، بالاضافة الی
وجود مواقف كثيرة، ومعاهدات، ومواثيق نبوية، كانت تشير الی حماية المدينة بالذات،
بالاضافة الی مواقف ائمة أهل البيت (عليهم السلام) المتعددة في هذا المجال.
وبالنتيجة فإن الأحزاب الدينية الشيعية بالذات أمام خيارين لا ثال لهما:
الأول: أن تتنازل عن مفرداتها الإسلامية، وتحكم تحت مسميات أخرى، وهذا الخيار سوف
لن يحل المشكلة؛ لان هذه الأحزاب ثقفت قواعدها الشعبية على انها تمتلك تلك النظرية
الاستيعابية لقيادة الأمة، وفق تراثها الديني الخاص، بالإضافة الى أن هذا الإيمان
سوف يدفع تلك القواعد الى التربص بهذه الحكومة، حتى لو كانت في أرقى مراحل
الديمقراطية، للإطاحة بها، والعودة من جديد الى دائرة العنف والصراع، لندور في حلقة
مفرغة اعتادت الأمة الإسلامية عليها منذ أن التحق الرسول الأكرم بالرفيق الأعلى.
الثاني: هو أن ترتب تلك الأحزاب الشيعية التي تريد أن تحكم البلاد أولوياتها، وفق
هذه النظرية، خصوصاً وأنها قد كتبت دستوراً فيه الكثير من المفردات التي تنسجم مع
هذه النظرية، حتى تستطيع أن تتخذ المواقف الصعبة في الظروف الحرجة وفقاً لتلك
الأولويات.
|
|
|