|
|
|
الحضارية «ملفات» |
|
منهج آخر في التعاطي مع التراث
محمد النجار(*)
هناك تراث حقدي قديم،
ناتج من تاريخ مثقل بالقتل والحقد والعدوانية، وأفكار وعقائد متطرفة وصلت في كثير
من مراحلها إلى إباحة القتل وسفك الدم، ومن الحكم على أشخاص بالسخرية، بينما هم لهم
كل القدسية عند المذهب الآخر، ومن أحاديث ونصوص تشكل منهجاً عند مذهب وإلحاداً
وكفراً عند مذهب آخر.
ما هو المنهج في التعاطي مع مثل هكذا تراث؟
ما نستطيع فعله فقط إذا ما أردنا توحيد هذه الأمة والنهوض بها، هو غلق هذه الصفحات
لا نثرها ومحاولة العبث بها بحجة تحقيق التراث؛ لأنّ ما يُنثر منها ويُشهّر به
ويُذاع أكثر مما يلم ويجمع، ونبش الرماد ومحاولة تحريكه لا يعيد ذلك الرماد إلى ما
كان عليه من ورق أو شجر، ولا يؤدي إلاّ بإخراج النار التي تحته.
والأدلة على ذلك واضحة وكثيرة فهناك سجال عقائدي قديم بقدم العقيدة؛ نتج عنه عشرات
المؤلفات ومئات الآلاف من الصفحات في العقيدة، ولم تؤدي هذه الحواريات إلاّ زيادة
الفاصل بين الطرفين وانتقال عدوى الصراع من قضية واحدة إلى قضايا فقهية وكلامية
وعقيدية متعددة، وذلك ببساطة لأنّ كثرة الحوار في العقيدة يزيد الخلاف ويعمقه؛ حيث
إنّ جل المحاولات في هذا الموضوع كانت تكرارية حتى في نصوصها، رغم تباعد الأزمنة
بينها. وبهذا أصبحت نتائج الدواء معكوسة فكلما ازدادت ورقة حوارية كلما تعمق الخلاف
وازداد الصراع.
ولا يمكن إنكار المحاولات الجدية الموضوعية في هذا الحوار العقائدي بين الطرفين مع
قلتها.
وهناك تدوين تاريخي قديم أيضاً بقدم التاريخ، ولكنه قام على تدوين التاريخ للتاريخ
لا دراسة التاريخ لصنع المستقبل، وهو منهج أضر أكثر مما نفع، وكان كسابقه التراث
العقيدي كلما ازداد تدوين كتاب كلما تعمق الخلاف، لأنّ في كل كتاب تاريخي حكماً على
أشخاص بالتهميش والسخرية بينما دوّن لهم آخرون القدسية، ليبدأ كل من الطرفين في
إثبات قدسية صاحبه أو سخرية خصمه بالشواهد الموضوعية وغيرها، وإفناء العقل والعمر
في الحكم على رجال الأمس، ليكون نصيب رجال اليوم الخلاف والفرقة والاقتتال.
الدعوة في هذه الورقة هي: دعوةٌ نهضويةٌ، وذلك باستثمار عناصر النهضة، ونبذ كل
عناصر الفرقة وإن شكلت ربما نسبة كبيرة منه.
أدعو لتقديم عناصر من تراثنا العزيز قرابيناً من أجل نهضة أمتنا وبناء حاضرها.
إنّ بقاء الأمة مثقلة بتراث آبائها الحقدي الطويل لا يورث الأمة سوى الخراب والدمار،
ونحن نرى اليوم وبكل صراحة، وعلى أعلى مستويات الحكم والفكر، أنّ رجال الأمس،
والأمس البعيد، يحكمون حاضرنا أكثر مما يحكمه رجال اليوم.
أدعو للبحث عن عناصر النهضة في تاريخنا وتدوينها ودراستها؛ لنهضة الحاضر وبناء
المستقبل، وكم كان مفيداً لو أنّ القرنين الأخيرين على أقل التقادير دوّن فيها مثل
هذا التعاطي مع التاريخ، وتكررت المحاولات في هذا الاتجاه لكان حال الأمة بتصوري
أفضل مما عليه الآن، بعكس تكرار تدوين التاريخ الذي لا يزيد الأمة إلاّ تقاتلاً
وانتكاساً.
وعلى مستوى الفكر لابدّ من إعطاء العقل دوره؛ لأنّ عزل العقل عن النص معناه أن تعيش
الأمة في زمان غير زمانها فكراً وسلوكاً، وهو ما نتجت عنه الحركات المتطرفة التي
أباحت للمسلم سفك دم أخيه المسلم، أو فكراً لا سلوكاً فتعيش الشخصية ازدواجية الفكر
والعمل، وينتج عنها فكرة (التقديس) لذلك الفكر، أو الخطوط الحمراء التي لا يمكن
المساس بها، لتتخلص هذه ـ هذه الشخصية ـ من إحراج تطور الزمان لفكرها غير المنسجم
مع متطلبات اليوم، فيعامل هذا الفكر كاسم محبب معتزاً به، اسمه الإسلام ربما، ولكنه
لا يخرج عن كونه اسماً وهوية فقط، لا منهجاً وسلوكاً، وهي الحالة السائدة في
مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أو لا فكراً ولا سلوكاً لتدخل مرحلة (العلمانية).
فنتيجة عزل العقل، وتهميش دوره خطرة بكافة احتمالاتها.
فالمنهج المقترح في التعاطي مع التراث إذن، يتضمن رفضاً ودعوة:
رفض الحوار في العقيدة، ورفض تدوين التاريخ للتاريخ، ورفض حكم النص على العقل.
والدعوة إلى تحكيم العقل للنهوض، والاستفادة من العناصر المؤيدة لذلك: فكراً، ونصاً،
وتاريخاً، من أجل النهوض بالشخصية الإسلامية، والأمة الإسلامية، مجتمعة لا متفرقة،
لبناء مستقبل أكثر إشراقاً من حاضرنا وماضينا.
(*) باحث من العراق.
|
|
|