الحضارية «ملفات»
 

 

الدين ومتاهات الفکر البشري

الشيخ محمود الجياشي

لم يكن الاختلاف بين البشر والتناحر على الساحة الإنسانية وليد اليوم، بل ولد مع الإنسانية منذ أن تحرك أفرادها في مسارات المصالح والبحث عن المنفعة والبقاء على هذا الكوكب، فاختلف المصالح وتناقضت الإرادات وأخذ الاختلاف يصبغ المجتمع الإنساني منذ تلك اللحظة.
من هنا بزغت هذه المشكلة ودفعت بالإنسانية في جميع ميادينها الفكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها إلى خوض جهاد طويل وكفاح حافل بأعنف ألوان الصراع، وبشتى مذاهب العقل البشري التي كانت تنشد الوصول إلى النظام الاجتماعي الصحيح وإقامة بنائه الكامل، وقد كانت هذه المسيرة كما يعبر الشهيد الصدر (قدس سره) مسيرة مرهقة تضجّ بالمآسي والمظالم وتزخر بالضحكات والدموع وتقترن فيها السعادة مع الشقاء، ولو لا ومضات شعّت في تاريخ هذا الكوكب لكان المجتمع الإنساني يعني مأساة مستمرة في كل أبعاد حياته. بالطبع لم تغفل الإنسانية يوماً عن مشاهد هذا الصراع أو تنسى آثاره الموجعة. لكنّا صدمنا اليوم بمشهد جديد وحلقة أخرى من حلقات الصراع المذكور.. ونقصد المشهد الدموي المرعب في العراق.. ونهضنا على إيقاع القتل وقطع الرؤوس والتمثيل بجثث الأبرياء وإبادة لا سابق لها في البنية الاجتماعية.. وتناحر طائفي مقيت بلغ أقصى درجات القسوة والوحشية والخسة والدناءة وبأساليب مختلفة يأباها الشرف والمروءة وكرامة الإنسان.. ووجدنا أنفسنا في وسط هذا الركام الطائفي الهائل والفضاء التحريضي الصاخب!
والمهم هنا ان كل هذه الإبادة والأعمال الوحشية حدثت باسم الدين والعقيدة. ومن هنا لابد أن نسأل: كيف أصبح دين الفطرة دين القتل والخطف وحرق الجثث والتمثيل بها؟ وأية فطرة إنسانية هذه التي تقضي على نفسها؟! وأي كمال هذا الذي يتحقق بهذه الأعمال الشنيعة؟ وأين هو الدين الذي يمثل خلافة الإنسان لينير عليه أطراف هذا العالم المخيف اللامحدود؟
بالتأكيد ليس هذا هو الدين الذي يربط الإنسان بعالم القدس والطهارة والملكوت، وبذلك يكون الدين الحقيقي هو المقتول الأول والمختطف الأول، وتكون الفطرة الإنسانية أول ضحايا هذا الدين الذي يمثل دين الهوية والسيف ودين الملثمين وفتاوى القتل والتكفير. وبالتالي أصبح الدواء داءً ولابد أن نقرأ هذا الدواء قراءة أخرى تستطيع القضاء على الاختلاف البشري الذي كتبت من أجله هذه الوصفة الإلهية.
لا يخفى أن تعريف الدين يتم التركيز فيه غالباً على مفهوم النظام والنسق، أي على البعد الجمعي للدين، فيهتم الفلاسفة وعلماء اللاهوت بمسائل العقائد والوجود، في حين أنها أنساق معرفية أو قضايا إيمانية، ويكون تركيز الفقهاء بصفة خاصة على الدين بوصفه نسقاً في الأوامر والنواهي، وعلى أساس طاعة الأوامر واجتناب النواهي يتحقق كمال الإنسان فرداً كان أو جماعة، أما علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا فيهتمون بالدين بوصفه ظاهرة اجتماعية إنسانية. لكن يبقى الدين بوصفه تجربة روحية عظيمة محط اهتمام كل العرفاء وعلماء الأخلاق على مستوى جميع الأديان، وهذه الجهة من البحث هي التي تستحق التركيز والبحث في الظرف الراهن.
لكن عند مراجعة القرآن الكريم نراه يقرر: (كَانَ النّاس أمّة وَاحِدة فَبَعَثَ اللهُ النّبييّنَ مُبَشرينَ وَمُنذِرينَ وأنْزَلَ مَعَهُم الكتاب بالحقِ لِيحكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ).
وقد قال المفسرون أن هذا النص القرآني يبّين السبب في تشريع أصل الدين وتكليف النوع الإنساني به. الحاصل أن الله سبحانه يخبرنا هنا أن الاختلاف في الحياة البشرية رفع أول ما رفع بالدين وأن الدين هو المنادي الأول برفع الاختلاف المذكور.
لكن ما بال هذا الدين أصبح السبب الأكبر في خراب المجتمع وهلاك الحياة الإنسانية؟ لا شك أن الدين الحقيقي الذي يمثل بؤرة الفطرة الإنسانية والذي نادى برفع الاختلاف في أشد عصور الإنسانية ظلمة ليس هو الدين الذي يدّعيه الان مدّعوا التدين!! الذين أرادوا بواسطة الدين أن يطفئوا جميع مصادر النور والطمأنينة ويصنعوا في هذا العالم الوسيع كهفاً مظلماً ينسجم مع حياتهم الوحشية.
إن القرآن نفسه يقرر بأن الاختلاف نشأ في الدين نفسه وأوجده حملة الدين ممّن أوتي الكتاب من العلماء بغياً بينهم وظلماً: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ).
في حين يقول سبحانه في آية أخرى: (أقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تـَتـَفـَرَقُوا فِيْهِ).
وبالتالي يتضح أنّ هناك ديناً لا يقع الاختلاف فيه، بل هو رافع الاختلاف بين الناس، ودين وقع الاختلاف فيه بغياً وهو سبب الاختلاف والتناحر. فالاختلاف مستند إلى البغي دون الفطرة حينئذ وما كان كذلك لا تضل فيه الخلقة ولا يتبدل فيه حكمها.
(فَأقِم وَجْهَكَ للدِّينِ حَنِيفاً فِطْرةِ اللهِ التي فَطرَ النـَّاس عَلَيها لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلكَ الدِّين القيِّمِ).
وعليه فكل دين يؤدي إلى إبادة الفطرة الإنسانية وهلاكها فهو بغي وظلم وإن سمّى نفسه ديناً، وهذا ملاك قرآني صريح في تحديد حقانية الدين وطبيعة دوره في حياة الإنسان، وبذلك يكون حاكماً على المقولات الدينية عموماً.
ويترتب على ذلك:
● تأصيل الخطاب الديني في ضوء الفطرة الذي يطرحه القرآن وبيان الأهداف العليا للدين لكي يتسنى توجيه جميع الأحكام الجزئية نحو تلك الأهداف وتحقيق الانسجام معها. أي تأسيس خطاب ديني قائم على الطرح القرآني لكرامة الإنسان والتأكيد على محورية القرآن في معارف الدين عموماً.
وبالتالي فنحن مدعوون جميعاً لتحرير الدين المختطف وتخليصه من شبكات الضلال والانحراف وإعلاء مقولة «كرمنا بني آدم» على مقولات التكفير واستباحة الدماء والأرواح البريئة، وتكثيف الجهود الفكرية في طرح المقولات الدينية مع أصولها الفطرية والأخلاقية التي تتبناها جميع الشرائع السماوية.