|
|
الحضارية «ملفات» |
|
ندوة الطائفية.. وآفاق التقريب
أقام معهد الأبحاث
والتنمية الحضارية ندوته الأولى بتاريخ: 13/3/2007 تحت عنوان: (الطائفية وآفاق
التقريب)، استمرت الندوة أربع ساعات، على فترتين: قرأ الأساتذة المشاركون أوراقهم
على الحضور في الفترة الأولى، بينما كانت الفترة الثانية مخصصة لنقاش الأوراق
والمداخلات.
أدار الندوة د. صائب عبد الحميد: تناول في مقدمته بإيجاز مشكلة الطائفية وتطورها
التاريخي وما ركزته من حواجز نفسية كبيرة بين أتباع المذاهب، خلقت منذ عهد مبكر
منهج التفكير الطائفي المتحيز، الذي أصبح نتاجه يشكل كل ذاكرة الأجيال اللاحقة
ووجهتها الثقافية والسلوكية، يزيد في الأمر تعقيداً، إنّ تراثنا كله لم يحظ بقدر
مناسب من النقد والمراجعة حتى الآن، ما يعني أننا نتغذى باستمرار غذاء الطائفية ولا
نستـنشق إلاّ هواءها، ولا نستدعي التاريخ إلاّ لشحذها من جديد، الأمر الذي فجر
الكثير من الحروب الداخلية، ويُلقي اليوم ـ في العراق ـ بشعب كامل إلى ساحة معركة
مفتوحة، بكل أسف نقول: إنّ مثقفين كبار انجروا إليها، وأنّ سياسيين كبار شاركوا في
تفعيلها.
في هذا الإطار جاءت أوراق المشاركين لتسلط الأضواء على أهم جوانب هذه المشكلة (الطائفية):
الأستاذ حيدر حب الله:
تحت عنوان: (الطائفية والوعي الديني.. ماذا حلّ بالمشروع غير الطائفي في المجتمعات
الإسلامية؟)، تناول إشكالية هيمنة العقل الطائفي على الحياة بكل جوانبها مكوناً
بنيان الوعي الديني عند المسلم، ليغدوا جزءاً لا ينفك عن الوعي نفسه، ثمّ تركزت
دراسته حول حركة عدم الانحياز الطائفي كأنموذج بديل، وعوامل إخفاقها.
فرأى أنّ الوعي الإسلامي اللاطائفي قد وُلد تحت ضغوط فُرضت عليه من الخارج، وهو
الآخر الحضاري بشكله الاستعماري، إلى جانب الكيان الصهيوني، فدخل المفكر الإسلامي
في حالة طوارئ جرته لإعادة ترتيب خلافاته الداخلية، فالوضع اللاطائفي بهذه الصورة
يعتبر في غاية الهشاشة ويحتاج إلى بعدين إضافيين: البعد الاجتماعي، والبعد المعرفي.
ثمّ قدّم أطروحة علمية في الخروج بالوعي العام من الأطر الطائفية، توزعت على محاور،
منها:
البعد الاجتماعي الذي يتطلب حرصاً أكيداً من الفقهاء في التنظير لمسائل الأحوال
الشخصية، والعلاقات الاجتماعية والمعاملات.
والبعد المعرفي الذي يتطلب اعتماد منهج إسلامي، غير طائفي، في إعادة دراسة علوم
الشريعة والمعارف الإسلامية، بما فيها علم الحديث والرجال.
داعياً أصحاب الاتجاه اللاطائفي إلى إعادة قراءة تجربتهم ونقدها، والإعلان عن ولادة
مرحلة أخرى من العمل. محذراً من أنّ الخطر الأكبر إنما يأتي من استئثار الطائفيين
بالسلطة، وبهذا فإنّ دعاة الانفتاح عندئذٍ سيواجهون أزمة شرعية.
الأستاذ مختار الأسدي:
وكان عنوان ورقته: (سب الصحابة في عقل الانتحاري)، تطرق فيها إلى أنّ الانتحاري على
أقسام: مكره، مأجور، مضلل، عقائدي.
والأخير (العقائدي) هو الذي يستدعي الدراسة، فماذا يدور في عقله؟ فهناك مجموعة
مفاهيم تسبب الاحتقان وإشعال الحالة الطائفية، تم تسوية بعضها كتحريف القرآن، وتجري
تسوية القسم الآخر كالإمامة والخلافة، وبقي قسم آخر لا زال عالقاً، من أهم الأمور
العالقة هي مسألة سب الصحابة، وبتحديد أكثر الرموز المحترمة منهم.
ثمّ تناول أسباب تصاعد الاحتقان في الآونة الأخيرة، كما يأتي:
1 – الخطاب المتطرف في بعض الأروقة الدينية والسياسية.
2 – ثورة الاتصالات التي كشفت للجميع كل ما كُتب وقيل ويُقال، فالخطاب في عصر
الاتصالات لابد أن يختلف عن عصر القرون السالفة.
3 – التغيير في العراق وانقلاب معادلة الحكم.
اقتراح الحل: هو عقد مؤتمر إسلامي كبير شيعي ـ سني، لا يُناقش فيه سوى موضوع (سب أو
لعن الصحابة) وتثبيت عدم جوازه، وإصدار فتوى شيعية صريحة بذلك، كما أصدر الأزهر عام
1959 فتوى بجواز التعبد بالمذهب الشيعي.
الأستاذ محمد النجار:
وكان عنوان ورقته: (منهجٌ آخر في التعاطي مع التراث) ذكر فيه أنّ هناك تاريخ حقدي
قديم؛ ناتج من تاريخ وأفكار وعقائد متطرفة أباحت سفك الدم، ومن الحكم على أشخاص
بالتهميش والسخرية، فيما لهم كل التقديس عند المذهب الآخر، ومن نصوص تشكل منهجاً
عند مذهب وإلحاداً عند مذهب آخر.
المنهج المقترح: هو غلق هذه الصفحات السوداء بدل نثرها بحجة تحقيق التراث؛ لأنّ ما
يضر فيها أكثر مما ينفع، بمعنى رفض الحوار في العقيدة؛ لأنه لا يجني إلاّ الفرقة
والحقد والعدوانية، ويزيد الخلاف ويعمقه.
ورفض إعادة تدوين التاريخ للتاريخ، وقضاء العمر والفكر للحكم على رجال الأمس،
وجعلهم يحكمون هذا الزمان أكثر مما يحكمه رجال اليوم، والدعوة إلى استثمار عناصر
النهضة من تراثنا ونبذ كل عناصر الفرقة.
وعلى مستوى الفكر لابدّ من إعطاء العقل دوره؛ لأنّ عزل العقل عن النص معناه أن تعيش
الأمة في زمان غير زمانها فكراً وسلوكاً (الحركات المتطرفة)، أو فكراً لا سلوكاً
فتبتكر (التقديس) أو (الخطوط الحمراء) لتتخلص من إحراج تطور الزمان لعقلها وفكرها
غير المنسجم مع متطلبات اليوم، وهي الشريحة السائدة، أو لا فكراً ولا سلوكاً لتدخل
مرحلة (العلمانية).
فالمنهج المقترح للتعاطي مع التراث إذن يتضمن رفضاً ودعوة:
رفض الحوار في العقيدة، ورفض تدوين التاريخ للتاريخ، ورفض حكم النص على العقل.
والدعوة إلى تحكيم العقل للنهوض، والاستفادة من عناصر النهضة في تراثنا: فكراً،
ونصاً، وتاريخاً.
الأستاذ أحمد السعدون:
تحت عنوان: (دعوة إلى الانفتاح على الآخر)، تناول بتركيز:
أولاً: دراسة الآخر موضوعياً، وبشكل رياضي ـ بحسب تعبيره ـ من دون تعبئة مسبقة، أو
إتباع مقولة «الرشد في خلافهم».
ثانياً: ملاحظة التوافق الزمني في ظاهرة التصعيد الطائفي، فكلما قوي الخط الوهابي
السني، ازدادت حركات التطرف الشيعي نشاطاً لترسيخ الطائفية وتعميقها وإثارة الفتنة
وإشعالها.
ثالثاً: إنّ الصراع السياسي هو الذي يؤجج الوضع الطائفي بما يخدم مصالحه، أو يستخدم
طائفة معينة لخدمة مصالحه، فينشأ من هذا التسخير تهميش وظلم للطائفة الأخرى.
اقتراح الحل هو: الانفتاح على الشيعي والسني معاً بحدٍ سواء وإيجاد جبهة ثالثة
مناهضة للطائفية.. ودعا إلى إيصال مثل هذه الندوات إلى الناس ورفع هذه الأصوات في
الإعلام والإذاعة والتلفاز.
د. إحسان الأمين:
تناولت ورقته: (محاولات التقريب .. المنهج وأسباب الفشل)، منطلقاً من فكرة: إنّ
الاختلاف واقع ومفهوم، وأنّ الخطوة الأخرى اللازمة هي احترام الآخر والاعتراف به
والتعايش معه، ملاحظاً أنّ إخفاق مشاريع التقريب لم يأت من أصل فكرة التقريب، بل من
المناهج التي تبنتها تلك المشاريع، والتي توزعت على عدة اتجاهات.
أطروحات التقريب:
1 ـ مشروع الوحدة الإسلامية، القائم على تقارب وجهات النظر وانصهارها في بوتقة
واحدة، وقد اصطدمت هذه النظرية بأنها لا تتناسب مع سير الزمان، إضافة إلى شروط
الاعتراف التي وضعها كل طرف أمام طرفه الآخر، نعم يمكن دراسة مشروع التوحد وليس
الوحدة.
2 ـ أطروحة إسلام بلا مذاهب، وقد فشلت أيضاً، والتركيز المذهبي يزداد يوماً بعد يوم،
فهناك واقع لابدّ من تقبله، وتعدد الأديان والمذاهب حقيقة تاريخية وفكرية.
3 ـ دعوة قائمة على أساس التحديات السياسية، وهي ناقصة لأنها ستنتهي بمجرد زوال هذا
التحدي، إضافة إلى أنّ نفس هذا السلاح استخدم اليوم في مواجهة حلفاء الأمس.
4 ـ دعوة أخرى قائمة على أساس التقريب الفقهي والكلامي بين المذاهب، وإيجاد مشتركات
فقهية وحديثية، وهي دعوة مفيدة، فلا حق مطلق عند أحد الطرفين، والأدلة كثيرة منها
تبدل حكم نجاسة الكتابي وطهارته، ومع ذلك فهي لا تحقق الغرض المطلوب، فهي تحتاج إلى
سنين طوال لكي تستكمل مسيرتها، ونحن الآن بحاجة إلى حل أسرع.
يعتقد الكاتب أنّ المحور الأفضل للتقريب هو الذي يقوم على أساس حرية الاعتقاد
والتسامح الديني مع كل البشر، فالناس مختارون في اعتقاداتهم (لكم دينكم ولي دين)،
أكثر من مائة آية في هذا الاتجاه. هذا المنهج يخلق جو من التسامح الديني وتقبل
الآخر، وفي الوقت نفسه يعطي مجالاً طيباً للحوار فهذه من مستلزمات حرية الرأي
والأفكار. يساعد على ذلك أنّ دعاة الطائفية لا يشكلون إلاّ الأقلية الضئيلة في
المجتمعات الإسلامية.
المداخلات:
خصصت الفترة الثانية من الندوة ـ بعد الاستراحة ـ للمناقشة والمداخلات، شارك فيها
ضيوف الندوة: إيمان آل صالح، قنال مهدي، خديجة آل صالح، آلاء هادي، علي عدنان،
ميثاق أبو الهيل.
تركزت مداخلات الضيوف حول نقل البحث من ساحته النظرية إلى ساحته الواقعية، حيث
الأزمة الطائفية الخانقة الآن في العراق، والتي تمتد شرورها إلى المحيط العربي
والإسلامي لا سيما الأقليمي منه. وأخذ النقاش حول أطروحتي «التوحيد» و «التكامل»
بديلاً عن «الوحدة» و «التقريب» التي لم تؤت ثمارها، أخذ حيزاً مناسباً من الوقت،
ومثله أخذ التركيز على دور رجال الدين ومسؤولية الخطاب الديني في هذا الموضوع
الحساس، لتختتم الندوة بما يشبه التوصيات التي تركزت على نقاط جوهرية، أهمها:
ـ إنّ الأوراق المقدمة كافة، والمداخلات أيضاً، كانت تتبنى ضرورة إعادة قراءة
التراث وتدوينه وفق رؤية نقدية بناءة، وهذه ظاهرة صحية، وبادرة جديرة بالاهتمام.
ـ نقد المناهج الطائفية في التعامل مع التراث، والخطاب الطائفي بكل مستوياته؛
التربوي، والمنبري، والإعلامي.
ـ تأكيد خطورة تبني السلطة السياسية في أي مجتمع نهجاً طائفياً، يشعل فتيل الطائفية،
ويبعد الحكومة عن وظيفتها الأساسية في حفظ الأمن وتوفير الفرص المتكافئة لأبناء
المجتمع دون تمييز.
ـ تأكيد ضرورة عقد ندوة ثانية قريبة لمعالجة المأزق الطائفي القائم في العراق.
|
|
|