الحضارة «ملفات»
 

 

مقدمة حول الإيمان والمأزق الطائفي

كمال السيد

عندما أطلق الخوارج صيحتهم المدوية «لا حكم إلا لله» فأنهم في حقيقة الأمر قد أحدثوا أولى هزات الزلزال الذي سيرجّ العقيدة الإسلامية في الصميم، أعني مسألة الإيمان.
وتتضمن الأحاديث النبوية إشارات حول ظهور تيار عنيف يتمسك بقشور الإسلام ولا يتجاوزها، ونحن نكتفي بحديث يدعوا إلى التأمل، وهو ما رواه الإمام علي (عليه السلام) عن النبي وهو قوله: «يأتي آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم» (البخاري ـ المناقب).
وملامح هذا التيار كما يلي: الفظاظة والقسوة - روح العدوان - السطحية في التفكير- الاندفاع الأهوج ـ سهولة انقيادهم إلى جهات تحركهم من وراء ستار وهذه إثارات حول مسألة الايمان تنطلق من قوله (صلى الله عليه وآله): «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم».
ورد في القرآن الكريم: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) وقد تكرر بشكل واضح قوله عزوجل: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).
إن المؤشر الحقيقي للإيمان يمكن رصده من خلال السلوك والعاطفة الإنسانية والحب، جاء في الرسالة القشيرية :«المعرفة ضالة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته، ثم صدق الله تعالى في معاملاته ثم تنقّى عن أخلاقه الرديئة وآفاته».
وجاء في نهج البلاغة: «أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده». وجاء أيضاً: «الإيمان ما وقر في القلب وما صدقه العمل». وعن النبي (صلى الله عليه وآله): «أي عرى الإيمان أوثق؟» قال: «الحب في الله ».
ونتساءل عما يحدث للإنسان في حالة الإيمان، ما الذي دفع مصعب بن عمير أن يرفض كل حالة الثراء ورغد العيش ويرضى لنفسه حالة أقرب إلى التشرد والغربة عن الوطن؟ وما الذي قدمه النبي لمصعب مقابل ذلك ويأتي الجواب ؟ محمد منحني الطمأنينة والسلام.
ماذا نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن قتل البحتري بن هشام في معركة بدر؟ أليس الموقف الإنساني إزاء المسلمين أيام الحصار؟!
وجاء في الأثر: «هل الدين إلا الحب؟».
إن ظاهرة (الانتحاري) والقتل الذي يمارسه البعض بطريقة تشبه الفعل الاستشهادي لا ينبغي أن تجبرنا عن التراجع في تفسير ظاهرة الإيمان. فهناك ما يدعو إلى التأمل في الخطاب القرآني في الفترة المكيّة التي لا يوجد فيها ما يشير إلى ظاهرة النفاق، لكن ما يلفت النظر أن هناك حديث عن الذين كفروا والمشركين وعن الذين في قلوبهم مرض. (سورة العنكبوت).
إنّ القلب الذي هو مركز الإيمان يتعرض إلى إصابات مرضية.
في معظم الظروف يتلقى الإنسان عقيدته الدينية من الوسط الذي يحيا فيه، فالبشر لا يعيشون حالة حي بن يقظان الذي وجد نفسه وحيداًً في جزيرة. ولهذا فان معتقدات شخص ما إنما هي مستمدة في الغالب من المحيط الذي يعيش فيه، فهو يتنفس الأفكار التي تشكل ثقافة المجتمع. والدين في هذه الحالة يشبه اللغة التي يتشربها الإنسان ويتلقاها مع أولى رشفات اللبن.
وعندما قالت الأعراب آمنا جاء الرفض صريحاً لأنه لم يحدث داخل نفوسهم ما حدث لبلال من تحول. وهكذا بالنسبة لإيمان أبي سفيان الذي حصل في ظروف معروفة، لقد ظلت في قلبه حالة من التكذيب والرفض وحالة من الشر والعنصرية واللا إنسانية تعبر عن نفسها في مناسبات عديدة.
إنّ اعتناق شخص لفكرة ما تشبه في طبيعتها ومراحلها مسألة الإيمان بالمعنى العام للكلمة. فالإيمان الحقيقي يجب أن تتوفر فيه المعرفة والعلم، الذي يقود إلى حالة السكينة وتنامي الحس الإنساني (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ).
ان اعتناق إنسان لفكرة ما، ذات طابع ديني خاصة، فان ذلك يحدث متزامناً مع حالة من الاضطراب العقلي والهياج العاطفي والحماس الشديد والاندفاع.
ولهذا ليس هناك ما هو أخطر من الأحمق الذي يعتنق فكرة، ففي هكذا حالة نشهد نوعاً من الايمان بالغيب وهو مما لا يعدو في الحقيقة ان يكون تهويمات في عالم خارج نطاق الوعي ومساحة العقل، وهو أقرب الشبه بما يحدثه بعض أنواع المخدرات لدى التعاطي.
ومن خلال المشاهدات يمكن القول أن هكذا حالات تحدث للإنسان في فترة الشباب حيث الشخصية قد تكون تشكلت بطريقة ما من خلال التقاليد والعادات والنظم السياسية والجو الاجتماعي. ولهذا من غير المنطقي تماماً فصل السياسة عن الدين والدين عن الحياة الاجتماعية، ومثالاً على هذا عندما نقف أمام تيار يشبه تيار الخوارج من حيث المسلك فإننا لا نواجه عقيدة دينية بقدر ما نواجه ثقافة أنتجت هذا التيار.
وفي رأيي أن شخصية الزرقاوي إنما هي إعادة إنتاج لشخصية ذي الثدية أو شخصية على غرارها من قبيل البربهاري الذي يقف وراء ما عرف في التاريخ بفتنة الحنابلة في بغداد سنة 324، أعلن تفكيره للشيعة واغلب الظن للشافعية أيضاً.
ونستعيد هنا جملة (حدثاء الأسنان) في الحديث الشريف، فالعمليات الانتحارية نفذها شباب يعتقدون بأنهم سوف يعانقون الحور العين أو يلتقون النبي في الغداء. وتؤكد الدراسات النفسية ان حالات التحول الديني تحدث في الغالب في أوائل سن البلوغ من 16 إلى مادون سن العشرين وهي السن الذي تنضج فيه الغريزة الجنسية نضجاً مفاجئاً، هذا التحول يشبه إلى حد كبير الوضع في الغرام. إن خيالات المراهقة والجنوح لدى بعض الشباب وما يصحبه من تحليق في عالم الأوهام والخيال هي وراء تكوين صورة لفتاة الأحلام، وفجأة يصادف المراهق فتاة تشبه فتاة الخيال حينئذ يحصل ما يعرف من الحب في أول نظرة.
ومن الممكن جداً أن خيال بعض الشباب ( وهذا تابع إلى نوع المحيط والبيئة والثقافة التي يعيش وسطها) قد يجنح في خياله إلى تصور الحوريات في الجنة، وحينئذ عندما يصادف من يتحدث له عن الجنة والطريق إليها إذا به يعتنق فكرة الانتحار (الاستشهاد) لتحقيق لقائه بالحور العين، بعبارة أخرى أن هكذا التحول هو في الحقيقة تصور في العثور على حل لعقدة نفسية أشبه ما تكون بالعثور على مفتاح مناسب فجأة يفتح قفلاً قديماً.
إنّ الإيمان الحقيقي يفزر مشاعر إنسانية وروح أخوية (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ولهذا يجب أن تتركز هذه المشاعر في قلب الإنسان المؤمن.
ولذا فان ظهور حالة من الصراع الطائفي هو مؤشر عن انعطاف شعلة الايمان الحقيقي الذي هو جوهر الدين. وبسبب هذا الانعطاف تقفز مجموعة أفكار هامشية جداً لتحل محل الجوهر الديني، فإن انطفاء الإيمان الحقيقي يعقبه تراجع في الأفكار والروح الإنسانية.
والسؤال هنا هل تحولت الطائفية إلى ثقافة؟ ان الخطر ليس مما يحصل على السطح الآن من عمليات القتل، الخطر الحقيقي يكمن عندما يصدق المجتمع وبخاصة النخبة وبخاصة المثقفة بأن ما يجرى هو احتراب ثقافي.
صحيح أن ما حصل قد أحدث خسائر لا تعوض في العقل العراقي، ولكن هناك قوة وإرادة ما تزال قوية وهي صمام الأمان في عدم حدوث حالة الانهيار العام.
يجب أن نعترف انه لا يوجد شعب يعيش من دون قيم ايجابية أو سلبية، ومن هنا فأن أول ما يتوجب القيام به هو التأسيس للغة مشتركة حتى يمكن إعداد أرضية صلبة للحوار والتفاهم، ومن هنا يأتي دور المثقف. جاء في الأساطير العراقية أن أهل بابل أرادوا بناء برج لبلوغ السماء فغضبت الآلهة عليهم وبذرت بينهم الشقاق بإدخال تعدد الألسن، ولم يعد التفاهم بينهم ممكناً فتخاصموا وتفرقوا. ومن هنا فأن الشعب العراق اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى لغة حوار مشتركة تكون المفاهيم فيها واضحة الدلالة للجميع.
ان كل واقع اجتماعي انما هو قيمة ثقافية خرجت إلى حيز التنفيذ، وان كل خطوة لإصلاح يجب أن يسندها جهد أخلاقي وتربوي، وهو جهد ثقافي باعتبار أن الثقافة هي الفكر النابض بالحياة وغير القابل للنسيان.
إننا نعيش مأزق طائفي لأنه ليست لدينا ثقافة طرد للطائفية، لكن من الصعب جداً أن نغامر بالقول أن هناك أرضية تساعد على نمو الطائفية.. إننا نواجه فقط غياب الثقافة وتغييب لدور المثقف.
وواضح أن الذي مكّن ألمانيا من استعادة كيانها وإعادة بناء ما دمرته الحرب الثانية هو أن الحرب لم تدمّر ثقافة مجتمع الألماني وقيمه الاجتماعية. وما حصل في العراق هو تدمير الثقافة، وقد نجم عن ذلك فقدان المفاهيم للتعريفات الصحيحة، والأخطر من ذلك اكتسابها مداليل مشوهة أو مقلوبة.
إنّ وجود لغة للحوار وبدء حركة الحوار أمر ضروري للغاية، لأنه حتى في حالة عدم التوصل إلى نتيجة منظورة فانه لا مفر من ذلك، لان الحوار يحرك المناخ الثقافي بما يوفر من أسباب تدوام الحياة الاجتماعية. وهنا ينبغي أن تكون لوزارة الثقافة أهمية كبرى فهي الجهة الوحيدة المؤهلة لقيادة وترشيد حركة الإصلاح والبناء الثقافي. إن تخصيص ميزانية لا تقل عن ميزانية وزارة الدفاع أو الداخلية أمر من شأنه أن يعكس أهمية ما تقوم به وزارة في هذه المرحلة الحساسة.
خطوات من أجل الإصلاح
1- التثقيف على الانتماء الإنساني ومكافحة الجنوح القومي العنصري والشوفيني.
2- التشجيع على الفنون الجميلة والتركيز على اقامة المهرجانات.
3- إنشاء مراكز ثقافية على نطاق واسع وتفعيل حركة الإصدار والنشر والتركيز على الكراسات.
4- إنشاء مراكز للطفولة تعتمد منهجاً موحداً في التربية.
5- تقديم أبطال يتصفون بالروح الوطنية بعيداً عن كل أشكال الانتماءات الضيقة الأخرى.
6- انتهاج سياسة ثابتة وهادئة تعمل على الدمج الطائفي.
7- التأسيس لمفهوم جديد عن الإيمان ينطوي على دلالة واحدة فقط وهي الإنسانية والمحبة والخير للجميع وربط المفهوم أبدياً بالعمل الصالح.
8- اسناد دور أساسي لوزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي وضرورة الإسراع في تقديم مناهج دراسية تنسجم مع خطط وزارة الثقافة.
إنـّنا بحاجة إلى هذه الخطوات لإرساء دعائم ثابتة تعمل على الطرد المستمر لكل ما هو طائفي وتجعل من الطائفية مفهوماً يدلّ على العنصرية واللانسانية كما هو الحال في مفهوم العنصرية والشوفينية والصهيونية...
وهذا تأويل رؤياي.