|
|
الحضارية«ملفات» |
|
|
ندوة
الطائفية في العراق.. مقاربات في الخروج من المأزق
أقام معهد الأبحاث
والتنمية الحضارية ندوته الثانية بتاريخ 13/4/2007 تحت عنوان (الطائفية في العراق..
مقاربات في الخروج من المأزق) استمرت الندوة خمس ساعات بفترتين، قرأ الأساتذة
المشاركون أوراقهم على الحضور في الفترة الأولى، بينما كانت الفترة الثانية مخصصة
لنقاش الأوراق والمداخلات.
أدار الندوة د. صائب عبد الحميد: ذكر في مقدمته مجموعة تساؤلات واستفسارات حول
ماهية الطائفية الموجودة فعلاً في العراق، وعوامل تحفيزها، وأهدافها، فذكر بأنّ
معزوفة التقسيم قد سبقت معزوفة الحرب بسنوات طويلة، فهل التقسيم هو المطلوب، وهذه
الحرب هي الوسيلة؟ أم هي الأداة التي تسمح لأمريكا أن تبقى فترة أطول؟ وما هو مقدار
الدور الإقليمي والعربي في هذه الفتنة؟ وما هو دور الأحزاب السياسية العراقية،
والأداء الحكومي؟ فالمسؤولية متوزعة على جهات عديدة داخلية وخارجية، ولا يمكن وضع
إصبع الاتهام على جهة واحدة.
السؤال الأهم هل يمكن لهذا الشعب الضحية أن ينقذ نفسه بنفسه، أم ينتظر نهاية الرحلة
إلى أين؟ الإجابة ليست بالهيّنة، ونحن ما زلنا يذبح بعضنا بعضاً.
في إطار هذه التساؤلات والاستفسارات جاءت أوراق الأساتذة المشاركين مسلطة الضوء على
أهم جوانب هذه المعضلة:
الأستاذ كمال السيد
كانت ورقته بعنوان (مقدمة حول الإيمان والمأزق الطائفي) حيث تطرق إلى ظهور تيار
عنيف يتمسك بقشور الإسلام ولا يتجاوزها تمثـّل بالخوارج في زمن الإمام علي(عليه
السلام) واستمر إلى هذا اليوم، ومن ملامحه: الفضاضة، والقسوة وروح العدوان،
والسطحية والاندفاع، وسهولة الانقياد.
فالإيمان الحقيقي معرفة وعمل. وهو من دون معرفة وعلم حالة خطيرة حيث يشهد صاحبها
تهويمات في عالم خارج نطاق الوعي ومساحة العقل، ومجموع هذه الحالات التي تكوّن تيار
هي أخطر ما تكون على المجتمع فالزرقاوي هو إعادة لشخصية ذي الثدية.
السؤال الأهم هو هل تحولت الطائفية إلى ثقافة؟ بمعنى أن يصدّق ويعتنق المجتمع
والنخب هذا السلوك؟
ومن هنا يأتي دور المثقف الواعي المسؤول بالدعوة إلى لغة الحوار والبدء به وترشيده.
ويختم الكاتب مقاله بالدعوة إلى إعطاء وزارة الثقافة دوراً أكبر، وتخصيص ميزانية
لها لا تقل عن ميزانية وزارة الدفاع والداخلية في هذه المرحلة الحساسة، في الوقت
الذي يحملها مسؤولية ترشيد حركة الإصلاح والبناء الثقافي.
الدكتور نذير الحسني
كانت ورقته بعنوان: (جذور الاختلاف الطائفي بين وسائل التفعيل وطرق الحل) حيث أكد
أنّ مسار حديثه في الإطار الديني فقط فتناول أولاً منابع الاختلاف ومناشئه، وذلك
يكون في الدين (النصوص)، والتراث الكلامي منه والتفسيري والتاريخي، ثمّ الواقع
البيئي المختلف عند المسلمين ضمن محاولات وتقاليد ساهمت بشكل كبير في صياغة أوضاعهم
النفسية وأثرت على تعاملهم مع تراثهم الديني بشكل أكبر.
ثم تطرق إلى وسائل تفعيل ذلك الخلاف والتناحر الطائفي، وذلك مختلف باختلاف الزمان
والمكان، وهي: 1) السلطات السياسية الحاكمة. 2) الاستعمار الخارجي الدخيل.
ثم تناول ما رآه طرقاً للحل، ممثلاً في:
أولاً: السيطرة على وسائل الاختلاف والتناحر، والتفريق بين الاختلاف الفكري،
والوسائل الداخلية والخارجية المغرضة التي تستغل ذلك الاختلاف.
ثانياً: شخصنة الدين والتراث الديني بمعنى أنه أمراً شخصياً مرتبطاً بالإنسان نفسه،
وأمّا ما يرتبط بالجماعة والتعايش بين الطوائف فسوف تخضع لقوانين وضعية متفق عليها.
ثالثاً: نظرية ترتيب الأوليات حيث طبقها علي بن أبي طالب(عليه السلام) بترتيب
الأوليات كالتالي: الإسلام، فالوطن، فالمذهب.
الأستاذ حسين علي السلطاني:
كانت ورقته تحت عنوان (الإحتقان الطائفي في العراق.. الأسباب وآفاق الحل) حيث ذكر
إنّ الشعب العراقي اليوم يعيش احتقاناً طائفياً حاداً ساهمت باذكائه عوامل عديدة،
منها:
1 ـ قوات الاحتلال وأدائها المناقض لشعاراتها التي رفعتها قبل غزوها العراق ـ هذا
الأداء ـ المقصود هو الذي اتجه بالبلد نحو الاحتراب الطائفي كيما تتمكن الولايات
المتحدة من السيطرة على الجميع لتبقى قواتها في العراق وبطلب رسمي من الحكومة
العراقية.
2 ـ هيمنة البعثيين والتكفيريين على مناطق مهمة من بغداد، وإشاعتهم روح العنف
والإرهاب.
3 ـ الخطاب الإعلامي للقوى السياسية الذي افتقر إلى أدوات الخطاب الوطني الجامع.
الأمر الأخطر من ذلك هو تداخل الأداء الحكومي الأمريكي بحيث بات من العسير على
القوى المعارضة المسلحة خاصة التمييز بين الأدائين وأصبح التعامل معها يجري على
أنهما أداء واحد.
4 ـ ضعف أداء الحكومة وارتباكه، فبعد أربع سنوات من سقوط النظام وتعاقب أربع حكومات
على إدارة الدولة لا يزال هذه البلد يعيش الفوضى والفساد والتدهور ويسير بالإتجاه
النزولي، ما ساعد على ظهور الميليشيات وتمردها.
ثم يختم صاحب المقال موضوعه باستحالة عمل أي حكومة في ظل التواجد الأمريكي في
العراق، وكان حري بالقوى السياسية الفاعلة في العراق أن تلتفت إلى هذه الحقيقة منذ
أول حكومة شكّلت بعد سقوط النظام، ولكن الغريب في الأمر أنّ هذه القوى كلما فشلت في
تجربة عادت وكررت نفس التجربة الفاشلة وتذرعت بنفس الذرائع السابقة!
الشيخ محمود الجياشي:
كان عنوان ورقته (الدين ومتاهات الفكر البشري) تركزت حول فكرة الإختلاف وُلد مع
الإنسانية منذ أن تحرك أفرادها في مسارات المصالح. ومن هنا ظهر أعنف ألوان الصراع
وشتى مذاهب العقل البشري التي كانت تنشد الوصول إلى النظام الاجتماعي، وأنّ الرسالة
الاجتماعية للأديان إنما كانت في وضع لهذه الصراعات.. واليوم نشهد حلقة جديدة من
هذا الصراع بمشهد جديد في فكره وأسلوبه وآلياته حيث قطع الرؤوس، وقتل الأبرياء
وتناحر طائفي مقيت. والغريب بالأمر أنّ هذه الأعمال وهذا التناحر حدث باسم الدين!
فنتسائل كيف تحول دين الفطرة والمحبة والرحمة إلى دين القتل والخطف والتكفير، وبذا
أصبح الدين اليوم في العراق هو المقتول الأول، والمخطوف الأول، والممثل به أولاً
قبل غيره.
وتحول الدواء (الدين) المعالج للاختلاف والعنف الناتج عنه إلى داء الإثارة
والاختلاف وممارسة العنف.
المؤسف في عراق اليوم أن يتحول الخطاب الديني الواحد المتساوي لكل الناس (كَانَ
النّاس أمّة واحِدَة) إلى خطاب تفريق وعنف وقتل.
فنعرف من هذا أنّ الدين الذي نادى برفع الاختلاف في أشد عصور الإنسانية ظلامية، ليس
هو الدين الذي يُمارس به العنف اليوم في العراق.
ليختم صاحب المقال مقاله بالدعوة إلى تحرير الدين من خطف شبكات الضلال، وإعلاء
مقولة (كرّمنا بني آدم) على مقولات التكفير واستباحة الدماء.
الدكتور فوزي حامد الهيتي:
جاءت ورقته بعنوان (هل هناك حل لأزمة العنف الطائفي في العراق) فبدأ بتسائل: هل
الصراع اليوم في العراق طائفي بالفعل، أم أنه حصيلة دوافع ومكونات أ×رى لم يتم
التعامل معها؟
وفي مقام الإجابة عن التسائل يبدأ بمحاولة تفكيك وتحليل ظواهر العنف، والدعوة إلى
مراجعة النفس واتهامها ـ ولو جدلاً ـ بأنها المسؤولة عن هذا العنف، بدلاً من رمي
الاتهامات الجاهزة التي تبرئ الذات من كل مسؤولية.
فهو لا يرى تحميل المسؤولية الكاملة للإحتلال والمخابرات الأجنبية والإقليمية
بإثارة هذا التحارب رغم مشاركتها الواضحة بذلك، فالعنف داخلي قبل أن يدعمه الاحتلال.
ثم حاول تحليل ظاهرة العنف عند الشخصية العراقية، وذكر جملة ملاحظات ـ إضاءات ـ
لفهمها:
الملاحظة الأولى: تتعلق ببنيتنا الفكرية كعرب في إقصاء الآخر، بل حرمانه من حق
الوجود والتعبير، والتصفية الجسدية عند الضرورة.
الملاحظة الثانية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتكليف أنفسنا واجب إزالة
الباطل (الذي هو غير ما أعتقد به أنا)، وذكر مصاديق تارخيية في القرون الوسطى التي
تميزت بالصراع الدموي نتيجة تخطأت الآخر، هذا الفهم أنتج أفراداً لا يعرفون معنى
الحرية.
الملاحظة الثالثة: حالة العنف التي تتميز بها الشخصية العراقية نتيجة عامل بيئي
وتربوي واجتماعي.
الملاحظة الرابعة: العراق بلد غني كان ولا يزال مطمعاً للدول المحيطة به ومسرحاً
لصراعاتها على مر العصور.
فإذا أردنا تفسير ظاهرة الاحتراب الطائفي اليوم في العراق لابدّ أن نأخذ هذه
الملاحظات بنظر الاعتبار.
هذه الطوائف يتخذها أفرادها المنتمين إليها كمواقع يتحصنون بها ليمارسوا مبتغاهم في
حالة غياب دولة القانون.
المشكلة تتفاقم باتخاذ هذه المظاهر الانقسامية أوصافاً مذهبية وعقائدية تحصن
أفرادها المنتمين إليها وتبرر مطالبهم وتضمن مصالحهم، ووجود ومؤسسات اجتماعية ناطقة
باسمها تحرص على بقاء الانقسام الذي يخدم تلك المصالح، وتقويض أي محاولة جادة
للإصلاح.
المشكلة الأخرى إنّ القوى السياسية الرافعة لراية الإصلاح هي بذاتها بحاجة إلى
إصلاح ذاتها ومنظومتها الفكرية وجهازها المفاهيمي وإعادة النظر في مرجعياتها. فهي
تشكل عصبويات لا تسمح لها بالتعامل مع الكيانات الأخرى، هذه الكيانات لا تنتج إلاّ
أفراداً طيـّعين غير قادرين على الفعل والتفكير والاختيار الحر.
الحل الناجع لمشكلة الصراع الطائفي اليوم في العراق هو النظر إلى المجتمع كأفراد لا
طوائف؛ لأنّ في ذلك اختزال لقيمة الأفراد وسلب حقوقهم وربط مصيرهم بهذه الطوائف.
فالدولة ليست تعبير عن صفة دينية أو ثقافية أو قومية، وإنما هي شكل من أشكال تنظيم
الإرادات لمجموع الأفراد، أمّا الخصائص الفردية فهي تعد ضمن الحقوق الشخصية الواجب
على الدولة احترامها وحمايتها.
المداخلات:
كانت الفترة الثانية كما أسلفنا خاصة بمداخلات الحضور المتنوع، ويمكن إيجاز هذه
المداخلات بالنقاط التالية:
ـ هناك دمٌ غزير ينزف اليوم في العراق، وهناك جيّل كامل مشّرد، وهناك شعب يقتل بعضه
بعضاً، إنها مشكلة كبيرة لابدّ من حلول سريعة ولو وقتية، فالوضع لا يحتمل التأجيل.
ـ الوطن جذوره وأولويته في الإسلام، وأنه البيت الكبير الوحيد الذي يجمع أبناءه تحت
سقفه.
ـ التواجد الأمريكي في العراق أخذ حيّزاً كبيراً من النقاش فهو واقع كيف يمكن
التعاطي معه، وازدواجية التعبير عنه بأنه محتل، أو محرر باق بطلب رسمي من الحكومة
العراقية، وأنه سبب الأسباب بإشعال فتنة الطائفية، أم أنّ الطائفية كانت منذ النظام
السابق، ولكنها كانت مكبوتة، بل أن نظام صدام هو من أسس لها. وأنّ الاحتلال جاء
لإنهاء كل شيء في العراق بهذه الوسيلة (الطائفية)، والحل هو خروج المحتل.. أم أنّ
خروجه هو نقطة بداية نار طائفية لا تطفيء، ولا يمكن أبداً إغفال الاستراتيجية
الأمريكية الجديدة بعد 11 سبتمبر ومشروع الشرق الأوسط الجديد.
ـ الدور الإقليمي والعربي في دعم الطائفية بشكل مباشر وصريح، أو بالوقوف إلى صف
طائفة معينة أو حزب معين قبال الآخر.
ـ الأحزاب السياسية وتقييم دورها، فهناك أحزاب كثيرة جداً في العراق حقيقية ووهمية،
لا يعرف الشعب الكثير عنها وعن جذورها وتاريخيها وتوجهاتها، هذه الكثرة الكمية في
التعدد أثرت سلباً على العراق واستقراره، خصوصاً بعد فترة ديكاتورية طويلة. وما هو
الموقف من الأحزاب الحاكمة فعلاً؛ مساندة، أم معارضة، أم نقد؟ ودعوة إلى تسديدها
ورص الصفوف بدل من إضعافها؟ ومن جانب آخر الدعوة إلى عدم السكوت عن الخطأ ونقد
الأداء الذي أوصل البلاد إلى هذه المرحلة. خصوصاً أنّ قسم منها استعمل الطائفيين
وقرّبهم لأغراض سياسية وشخصية.
ـ الدعوة إلى نقد الذات، وعدم استسهال رمي الآخر في تبرير الأزمة.
ـ الدين، والتراث الديني، والفهم الديني، والاستغلال الديني، والخطاب الديني، حيث
تناول المشاركون بشكل كبير هذه المفردات بكونها سلوكاً شعبياً وسياسياً، فهناك نصوص
دينية وهناك فهم لهذه النصوص، الدعوة هي لمراجعة هذا الفهم الديني لتلك النصوص،
وهناك سطحية دينية وتعبير ديني جاء بعد كبت طويل انعكس بشكل سلبي في الشخصية
العراقية.
الخطاب الديني الذي أخذ حيّزاً أيضاً في نقاشات الندوة ونقد المؤدلج المسيّس منه ـ
إن صح التعبير ـ وأنه تحريضي طائفي. واستغلال بعض الأحزاب السياسية العامل الديني
المتجذر عند الشعب العراقي في تحقيق مصالح انتخابية أو سياسية، فالانتخابات جرت على
أساس طائفي عرقي، ولم تجر على أساس وطني أو حتى إسلامي، هل كانت ضرورة سياسية، ومن
متطلبات المرحلة، أم أنه خطأ يدفع الشعب اليوم ضريبته؟!
ـ المثقف أين يقع من هذه المعادلة، وما هو دوره، هل الأفضل بقاءه ساكتاً في هذه
المرحلة لأنّ الشعب اليوم تحت سطوة التسطيح الطائفي والسياسي، أم أن غياب الخطاب
الثقافي الواعي والخطاب الوطني كان عاملاً مهماً في بروز الخطاب الطائفي، وأنّ
للمثقف والمفكر الدور الأساس في إنهاء المشاكل الاجتماعية المستعصية، فكم من مشكلة
انتهت بخطاب أو مقال أو كتاب.
ـ المشكلة أكبر من هذه الندوة، وعوامل إذكاءها أكثر من هذه الأسباب المذكورة، وطرق
العلاج تحتاج لأداة فعلية مقارنة للتصور النظري.
هذه النتيجة الأخيرة، وهذه النقاط المذكورة وغيرها جرى مناقشتها بدافع المسؤولية
وبشكل هادئ بين الأساتذة الحضور في هذه الندوة.
|
|
|