الحضارية «جغرافية العراق»

الاحد: 28/09/2008

 

التصحر ـ مفهومة وانماطة في العراق

د. رياض الجميلي(*)
(خاص للمعهد)

مفهوم التصحر
ينظر الى مفهوم التصحر بشكل عام من زوايا مختلفة، فيمكن تعريفه بـ «سيادة الظروف الصحراوية»، وكذلك «زحف الصحراء»، أو «ارتفاع معدلات الجفاف»، أو «ضعف قابلية الأرض على الإنتاج» وغيرها من المعاني التي ناقشت الموضوع بجدية، ورغم تعدد مفاهيمه إلا أن صفة الاشتراك في تعددية المفاهيم تجمع على نقطة واحدة لا خلاف فيها، وهي صفة الجفاف والصحراوية التي يحملها المفهوم بين طياته. فالبيئة الجغرافية لا تخلو من مفهوم الجفاف والظروف الصحراوية بل إن مفهوم التوازن البيئي لا يحدث بدون هذا الاختلاف الطبيعي في عناصر البيئة، فالأرض والمياه والغلاف الغازي والغلاف الصخري والغابات والصحارى جميعها عناصر ومتغيرات الحياة الطبيعية التي لا يمكن تصور الحياة بفقدان واحد منها. فالصحراء إذن هي جزء أساسي من مكونات البيئة الطبيعية (النظام البيئي).
فأين يكمن خطر الصحراء؟ ولماذا نتخوف منها؟ الم تكن جزءا من بيئتنا الطبيعية؟ بل متى يبدأ خطر الصحراء؟
أسئلة ومحاور يجدر الإجابة عليها بشكل موضوعي دون المبالغة الإعلامية والإفراط الكلامي، من أجل الإحاطة بالموضوع والتعرف عليه عن قرب، والكشف عن مخاطره البيئية، الامر الذي يساعد في إنجاح الحلول والمقترحات الموضوعة للمعالجة.
لقد بدأ مفهوم التصحر يقلق الأسرة الدولية ويجذب اهتمام الباحثين بشكل ملفت للنظر بعد خمسينات القرن الماضي، وجدير بالذكر أن هذا الاهتمام المبكر بدراسة الظاهرة والتعرف عليها لم يكن محظ المصادفة وإنما ساهم في بلورة هذا المفهوم وتنامي الاهتمام به طبيعة الآثار المترتبة عليه؛ كالجفاف وزيادة معدلاته، والكثبان الرملية وحركاتها الموسمية، وضعف قابلية الترب الزراعية على الإنتاج بشكل جيد، كل هذه الآثار والعوامل جعلت من هذا المفهوم يطفو على السطح ويصبح مادة علمية خصبة للعديد من لدراسات على مختلف التخصصات والأصعدة.
لقد أدرك العالم بشكل جيد أن تعاظم الآثار البيئية للتصحر وتركها دون إحداث أية تغيرات طبيعية أو بشرية سوف يؤدي بالنهاية إلى حدوث كوارث بيئية لا يحمد عقباها، وسوف يكبد الانجازات البشرية الكثير من الخسائر، ويهدرالكثير من طاقاتها. وسوف ينذر في النهاية بخطر يهدد الوجود البشري على الإطلاق.
لقد تعاظم عنفوان التصحر عندما وصلت معدلاته في أفريقيا إلى أكثر من 32 %، لتكون هذه النسبة الكبيرة من أراضي القارة تعاني من الجفاف، والى نسبة 21 % في أسيا، و12,5 % في العالم الجديد. وهذه النسب تعني فقدان ملايين الهكتارات الزراعية بعد أن جرفها التصحر بشكل كلي وتحولت إلى أراض وبيئات جافة متصحرة.
وبعد ان تحولت المشكلة الى خطر متفاقم في ثمانينات القرن المنصرم أخذت تدخل بقوة ضمن أولويات المشاكل المعاصرة التي تجابه الإنسان وبيئته؛ كالتلوث البيئي، ومشكلة الأوزون، والتوازن الحراري، والتغيرات المناخية المفاجئة وغيرها، لذا اقتحم مفهوم التصحر المحافل الدولية والسياسية، وتحديدا بعد مؤتمر نيروبي للعام 1977، فازداد الاهتمام به من قبل المنظمات الدولية والهيئات العامة كمنظمة الأمم المتحدة وبرامجها الإنمائية، والتي رسمت مفهوما دوليا للتصحر يكاد يكون هو الأهم من بين التعاريف التي سبقته، وهو ينص على أن التصحر هو:«تدهور الارض في المناطق القاحلة وشبة القاحلة والمناطق الجافة وشبة الجافة وشبة الرطبة والذي يؤدي الى تدمير الطاقة الحيوية والإنتاجية للأرض ويؤدي في النهاية الى سيادة ظروف الصحراء، المؤدي للفقر المقتع من الغطاء النباتي وزيادة معدلات الجفاف»(1).
ويفهم من التعريف الدولي للتصحر مؤشرات عدة أهمها:
1.عملية تدهور البيئة.
2.سيادة مفهوم الجفاف العالمي.
3. قلة إنتاجية الأرض وفقدان حيويتها.
4. إزالة الغطاء النباتي بكل اشكالة.
وهنا يمكن القول بأن مفهوم التصحر المعاصر بات يضم معانٍٍٍ أدق من مفهومه الكلاسيكي، فأخذ يضم مفاهيم الاستهلاك المفرط ومشاكل الإنتاج الغذائي وارتفاع معدلات التلوث البيئي والصحي وحتى النفسي للإنسان، فضلا عن تملح التربة وتغدقها والتدهور الواسع في الأنظمة البيئية العالمية، والذي أدى الى نقص حيوية الأرض بإنتاجها النباتي والحيواني، مما كان له تأثير مباشر على مفهوم الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات الهجرة السكانية من المناطق ذات التصحر العالية إلى المناطق ذات الإنتاج الوفير، مما قد يعرضها هي الأخرى إلى التدهور السريع.
اسباب التصحر وازدياد معدلاتة
التصحر ظاهرة جغرافية يعود تاريخها إلى مئات السنين، وقد كان لهذه الظاهرة التأثير المباشر في إزالة وانهيار العديد من الحضارات البشرية على مر التاريخ. ولعل بساطة صورة الحياة ومحدودية تقنياتها ومتطلباتها قديماً جعل من التصحر يقتصر على صورة واحدة ومظهر معين وهو مشكلة تملح التربة، أما ألان وفي الوقت الحاضر فقد تطورت أنظمة الحياة المعاصرة وازدات متطلباتها التكنولوجية والفنية الأمر الذي انعكس على زيادة الضغط على الموارد الطبيعية بشكل مفرط، ما أدى بالنتيجة الى تسريع عملية تصحر الأرض وفقدان حيويتها.
وفي الحقيقة فأن التصحر يعني عملية هدم وتدمير للطاقة الحيوية للأرض تشترك في خلقه العديد من العوامل الطبيعية والبشرية يأتي في مقدمتها الإنسان وانشطتة المتعددة، وهنا لابد من التفريق بين هذه المسببات على اختلاف درجة تأثيرها:
العوامل البشرية
لعل الكثير من الدارسين على قناعة تامة بأن العوامل البشرية هي المسبب الأول لهذه الظاهرة وارتفاع معدلاتها. وتأخذ هذه العوامل صوراً متعددة، منها:
ا. ارتفاع معدلات النمو السكاني العالمي:
بدأ واضحاً بأن الزيادة الحاصلة في عدد السكان ونموهم في العالم تمثل مشكلة كبيرة من المشاكل المعاصرة، فقد احتاجت البشرية إلى أن تصل إلى المليار الأول عشرات الآلاف من السنين، إلا انها، بعد ذلك، لم تحتج إلا الى أقل من ألف عام حتى وصلت الى مليارها السادس.. ان طبيعة التضخم السكاني الذي أصبح حقيقة مفروضة على الأرض يحتاج إلى ما يمده من موارد طبيعية تؤمن حياة السكان، وبالنتيجة تبقى الأرض هي المصدر الأساسي الوحيد لإنتاج الغذاء عالمياً، فعملية توجه السكان نحو الاستفادة الكاملة من موارد الأرض الطبيعية عرض قابليتها على الإنتاج إلى التدهور وتحديداً في عملية إنتاج الحبوب الإستراتيجية (المصدر لأساسي للغذاء في العالم) مما أدى الى لجوء الإنسان إلى الإكثار من استخدام المخصبات الكيماوية التي باتت تشكل المصدر الرئيسي لتلوث التربة وتعرضها الى التصحر.
ب. النمو الحضري الواسع:
أدى ارتفاع معدلات النمو الحضري العالمي للسكان إلى التعدي على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية القابلة للإنتاج، وإزالة الغطاء النباتي، وهو نتيجة طبيعية لظاهرة التحضر، فقد ازدادت معدلات السكان الحضريين في العالم من نسبة 53 % في منتصف القرن الماضي إلى قرابة 80 % في نهاية القرن العشرين، وهذه الزيادة هي بحاجة الى العديد من المتطلبات الغذائية والمكانية، فأخذ الزحف الحضري يغزو المناطق الريفية بقوة وتحديداً في المدن الكبرى، الأمر الذي قلص حجم الأراضي الزراعية مما عرضها تارة الى التصحر، والى الاستغلال الحضري وتغيير هويتها تارة أخرى.
ج. إزالة الغطاء النباتي:
يحدث هذا النوع من التجاوز على الأراضي الزراعية وأنظمة الغابات نتيجة تزايد حاجة الإنسان من الأخشاب والأرض معاً لإقامة منشآتة المختلفة، وبالتالي يحدث نقص شديد في مساحات الأراضي الخضراء وسيادة في مفهوم التصحر.
ح. الرعي الجائر وارتفاع معدلاته:
ويحدث هذا النوع من التعدي على الأراضي الزراعية والأقاليم النباتية بمعدلات عالية جداً من الرعي الحيواني الجائر وبشكل مستمر، مما يعرض التربة الى فقدان الكثير من غطائها النباتي وبالتالي تعرض التربة إلى المزيد من الانجراف والتعرية المائية والريحية.
خ. زيادة معدلات التلوث البيئي
يترتب على إساءة استعمال الإنسان للموارد الطبيعية الأرضية والمائية والهوائية والرعوية أيضا، تلوث بيئي يدهور البيئة الطبيعية ويعرضها إلى أخطار مستمرة منها التصحر، فيقع التلوث الأرضي في زيادة استهلاك الإنسان من المخصبات بنسبة 20% فأكثر سنوياً، يترسب معظمها في طبقات التربة مما يعرض توازنها البيولوجي إلى الخلل، وكذلك التلوث المائي بالمخلفات الصناعية السامة، والهواء بالغازات والأبخرة المضرة في طبيعة النظام البيئي، فيقع الإنسان والحيوان والنبات عرضة لمخاطرها القاتلة.
د. الأساليب الزراعية التقليدية
يخسر العالم سنوياً آلاف الهكتارات الزراعية نتيجة للجوء الإنسان إلى استخدامه الأساليب الزراعية البدائية كالزراعة الحدية وأساليب الحراثة القديمة ووسائل الري المتخلفة، وكثيرا ما ينعكس جهل المزارعين بالأساليب الزراعية الحديثة المتطورة على طاقة الأرض الإنتاجية وقابليتها على العطاء. وبذلك تحول العديد من الأراضي الصالحة للزراعة تدريجيا الى أراضي متصحرة نتيجة العديد من الظروف البشرية التي مارسها الإنسان عليها كاستخدامه للمياه غير الصالحة للري، او عدم ملاءمة أوقات الري المستعمل، الأمر الذي يعرض التربة الى التملح والسبوخة والتي تعد اشد حالات التصحر.
العوامل الطبيعية
يمكن اختصارها بالتغيرات المناخية المفاجئة وارتفاع حرارة الأرض وزيادة نسبة ثاني اوكسيد الكربون في الغلاف الغازي، والتي أصبحت بحد ذاتها مشاكل جوهرية تجابه العالم اليوم، فضلا عن الآثار المترتبة عن المناخات المتطرفة والتي تعاني منها العديد من الدوائر المناخية في العالم (2) والتي تؤدي الى ارتفاع معدلات انجراف التربة وتدهور خصوبتها، وتلعب الظروف المناخية والطبيعية المفاجئة كالزلازل والفيضانات والسيول الجارفة وارتفاع الأمواج البحرية والأعاصير التي تساهم بشكل كبير في ازالة الغطاء النباتي إضافة الى قلة توفر مصادر المياه والذي يؤدي بالعديد من المحاصيل الزراعية إلى الجفاف والموت.
حالات التصحر في العراق
عرف العراق التصحر قديماً منذ نشاء حضاراته الإنسانية الأولى على ارض الرافدين، واستمرت معدلات التصحر حتى تاريخه الحديث، وقد عانى العراق بشكل كبير من مشكلة ملوحة التربة استمرت حتى الوقت الحاضر فضلا عن مظاهر الزحف العمراني والصحراوي، مما قلص فرص الرقعة الخضراء. وتشير الدراسات الحديثة ان نسبة الأراضي العراقية المعرضة للتصحر بلغ 4.012.900 هكتار (3) وعلية يمكن تصنيف أشكال التصحر في العرق إلى ما يلي:
تملح التربة وتغدقها
تواجه معظم الأراضي الزراعية والصالحة للزراعة في العراق العديد من مشاكل التصحر، يمكن من خلال الخارطة التوزيعية للتصحر ان نفهم أشكال التصحر ومظاهره. فهو يوجد في شمال القطر ووسطه وجنوبه على حد سواء. الا ان مشكلة تملح التربة تبقى من ابرز المشاكل التي تعاني منها الترب العراقية على الإطلاق، ويعاني منها بشكل مباشر سهل العراق الرسوبي الممتد من جنوب سامراء وحتى جنوب البصرة، والتي تعد اغلب مظاهره ارتفاع نسب المياه الجوفية الذي يعد المسؤول الأول عن تملح الترب وتغدقها وإضعاف قدرتها الإنتاجية، وتقدر نسبة الأملاح في ترب السهل الرسوبي بـ 225 كغم في الدونم الواحد(4).
انجراف التربة
يتركز هذا النوع من التصحر في الجهات الشمالية والشمالية الشرقية من الوطن، وتساهم طبوغرافية السطح المتمثل في الانحدار الشديد للسطح في معظم مظاهره وارتفاع نسبة ميل الأسطح من جانب وارتفاع معدلات التساقط المطري للمنطقة سنوياً من جانب آخر، لعب دوراً كبيراً في تعرض التربة الى الانجراف من المرتفعات نحو الجهات الأقل انخفاضاً. كما أن تراكم الثلوج فوق قمم الجبال والمرتفعات وذوبانها في موسم الربيع يعرض التربة الى حالات من الانجراف الشديد، ويقدر نسبة التصحر بهذا النوع الى 13%.
الزحف الصحراوي
تعاني معظم أراضي محافظات الفرات الأوسط فضلا عن أعالي الفرات من زيادة نشاط الصحراء المتمثل بالرمال المتحركة، اذ تقدر مساحة الكثبان الرملية في العراق بأكثر من 6 مليون دونم تتوزع على جهات القطر المختلفة والممتدة من جنوب محافظة البصرة وحتى محافظة النجف بمساحة تقدر ب 1.684.000 دونم.
اما النطاق الجغرافي الاخر فيمتد من شمال غرب محافظة كربلاء وحتى محافظة الانبار والذي قدر بمساحة 38.000 دونم.
اما النطاق الثالث من الزحف الصحراوي فيمتد من منطقة النخيب الى مدينة عانة بمساحة 36.900 دونم(5).
أما النطاق الرابع من الزحف الصحراوي فيقع شرق نهر دجلة ويمتد من منطقة علي الغربي في محافظة ميسان وشرق محافظة واسط الى غرب مدينة بعقوبة في محافظة ديالى وشمال سامراء وغرب تكريت.
اما النطاق الاخر من التصحر فيمتد بين نهري دجلة والفرات في محافظات المثنى وبابل والقادسية وذي قار، وتقدر مساحة التصحر في هذا المحور بنحو 448.800 دونم.
تلوث التربة
تتعرض الترب العراقية الى مشكلة التلوث الناجمة من ريها بمياه الأنهار والقنوات المعرضة للتلوث من جهة، ومن جهة اخرى الاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية والعشبية الذي من شأنه ان يعرضها الى نسبة عالية من السموم مثل كبريتات الصوديوم وكربونات الكالسيوم والأحماض وغيرها. كما تعاني الزراعة العراقية من مشكلة اخطر من ذلك وهي استخدامها للأساليب الزراعية الكلاسيكية كالأساليب القديمة في الحراثة وتحضير الأرض او عدم استخدام الدورة الزراعية والتوسع في زراعة المناطق الهامشية. وهناك أسباب سياسية ساهمت بشكل كبير في إزالة مساحات واسعة من الأشجار والغابات والبساتين وتجفيف الاهوار والمستنقعات وتدمير النظام البيئي كالحروب التي خاضها العراق طيلة العشرين سنة الماضية وحتى الوقت الحاضر.
 

الهوامش
ـــــــ
(*) جامعة كربلاء / كلية التربية.
(1) برنامج الأمم المتحدة للبيئة، حالة البيئة في العالم، نيروبي، 1991.
(2)عبد القادر مصطفى، عبد الرزاق البطيحي، التصحر (مفهومة انتشاره المكاني واسبابة ونتائجه وسبل مكافحته) الجامعة المفتوحة، طرابلس، 1999، ص131.
(3)محمد الشحاترة، التصحر في الوطن العربي، مجلة الزراعة والمياه، العدد السابع، لسنة 1988، ص13.
(4) حسن عبد القادر، منصور حمدي، الأساس الجغرافي لمشكلة التصحر، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 1989، ص140.
(5) إقبال ابو جري، التباين المكاني لظاهرة التصحر في محافظة كربلاء، رسالة ماجستير (غير منشورة) جامعة بغداد، كلية التربية ابن رشد، 2001، ص22.