الحضارية «دراسات شرقية - غربية»

الاربعاء: 29/10/2008


تأملات في صيغة الحوار الإسلامي المسيحي
أزمة الحضارة والأشكال التاريخية للحوار(*)

الشيخ محمد مهدي شمس الدين

مشكلة إنسان الحضارة:
يتزايد يوماً بعد يوم ظهور عوارض الدمار الخطير الذي أصاب الإنسان الحديث في شخصيته الفطرية، حيث أفرغ من محتواه الإنساني بفعل اللهاث المجنون الذي استغرق وجوده وهو يركض وراء قيم حضارة مادية خالصة، سواء في ذلك اتجاهها الذي ينادي بالإلحاد الصريح ديناً وعقيدة، واتجاهها الآخر الذي يعترف، من غير حماس، بإيمان شكلي باهت لا قيمة له ولا فاعلية في توجيه مصائر الإنسانية.
والذي جعل المأساة الإنسانية في العقود الأخيرة من هذا القرن تزداد عنفاً وإيلاماً، هو أن الإنسان بدأ يعي وجعه الوجودي، بدأ يعي أنه يعاني من اختلال عميق في وضعيته الوجودية، لأن هذه الحضارة قد وفرت له اللذة ولم تفلح في جعله يمتلك السعادة، ووفرت له حصانة ضد الأمراض والفاقة وفشلت في أن توفر له السلام الداخلي كما فشلت في تحقيق درجة يؤبه لها من سلام العالم. وما حققته في هذا الحقل من سلام ضئيل هو سلام «توازن الرعب» بين الأقوياء، وهو سلام يئن تحت وطأته مئات الملايين من البشر في العالم الثالث، المنهوبة ثرواتهم، المهدورة كرامتهم، في أوطان صغيرة ضعيفة علق فوق أعناقها «سيف ديموقليس»، وهو شعرة تمسك بها سياسة الوفاق الدولي في السنين الأخيرة.
إن إنسان الحضارة يعيش، على الصعيد الاجتماعي والدولي، بين ثلاثة حروب: حرب يخوض غمارها، وحرب يصفـّي ذيولها، وحرب يتأهب لإشعالها؛ وهو يعيش، على مستوى حياته الشخصية والداخلية، حرباً داخل ذاته دائمة الاشتعال، يحاول أن يخفف من وطأتها بالفرار من وعيه لذاته إلى خارج نفسه وذاته، بوسائل اللهو والاستغراق في اللذات الجسدية وما إليها..
لقد فشلت هذه الحضارة على صعيد الإنسان بالرغم من وعودها السخية، وتبجحاتها الكبيرة، وإمكانات النجاح العظيمة التي أتيحت لها.
وفي غمرة هذا الإدراك المتنامي للواقع البائس ووعي أبعاده وأخطاره المستقبلية على الإنسان، ولد الشعور بالحاجة إلى حوار بين المسيحية والإسلام. وقد استجابت قيادات للفكر والروح في هذا الدين وذاك لهذا الشعور بالحاجة إلى الحوار، فكان الملتقى المزمع عقده في طرابلس، بعد إعداد له من أولي الأمر في الجمهورية العربية الليبية، وسلطات الفاتيكان.
وقد حدثني عما تم إنجازه في هذا السبيل سيادة المطران غريغوار حداد وفضيلة الدكتور صبحي الصالح؛ وهو على جانب كبير من الأهمية.
واعتقاداً مني بأن مسألة الحضارة المادية والأخطار التي تنطوي عليها بالنسبة إلى مصير الإنسان هي من أخطر مسائل عصرنا، إن لم تكن أخطرها على الإطلاق، رأيت من واجبي أن أضع أمام القيمين على هذا الملتقى بعض التأملات عن هذا الموضوع.
إن الإنسان الحديث يعبر عن وجعه الوجودي، وعن ضياعه بتضرعات تسمعها الآذان الواعية.
والإنسان الحديث لم يتوجه بتضرعاته إلى قيادات الإسلام والمسيحية وإلى ما تمثل على صعيد الفكر والروح، وإنما توجه بها إلى الكهنة الجدد لحضارتنا من رجال السياسة والمال وقادة البحث العلمي ليخترعوا له صيغاً جديدة في الإدارة والتنظيم السياسي ووسائل العمران والإنتاج تجعله يحتفظ برقيه المادي، ويستعيد في الوقت نفسه إنسانيته الضائعة.
إن إنسان الحضارة الحديثة لم يتوجه بندائه وتضرعاته إلى هؤلاء القادة، ولكن الشعور العميق بالمسؤولية أمام الله تعالى وأمام الضمير، ينبغي أن يعبر عن نفسه بجعل هذه القضية الكبرى في هذا العصر، إن لم تكن قضية العصر الكبرى على الإطلاق، محور الحوار بين المسيحية والإسلام.
أشكال الحوار التقليدية بين المسيحية والإسلام:
إن الإسلام والمسيحية يرفعان معاً شعارات تدور حول تقدم الإنسان وخلاصه في عالم الغيب وعالم الشهادة، في الدنيا والآخرة، فهما يبتغيان أهدافاً هي في النهاية واحدة، ولكن وسيلة كل واحد منهما إلى بلوغ هذه الأهداف تختلف عن وسيلة الآخر وكل واحد منهما يؤكد بشكل جازم ونهائي أنه الوسيلة الوحيدة لخلاص الإنسان دون غيره من الأديان(1).
وهذا الوضع بالذات (وعلينا أن نعترف به صراحة ودون مجاملة كاذبة) هو ما جعل كل واحد من الدينين يمثل، بالنسبة إلى الآخر، إحدى مشاكله الكبرى وتحدياته الخطيرة، وهو ما جعل الحوار بينهما قدراً لازماً لكل منهما تجاه الآخر. ومن هنا فإن الحوار لم ينقطع بين الدينين منذ ظهور الإسلام.
وعلينا الآن أن نتبين اشكال الحوار وميادينه وأهدافه في الماضي من أجل اكتشاف أفضل الميادين وأفضل الأهداف للحوار الجديد.
كان الإسلام هو البادئ بالحوار؛ وهذا أمر طبيعي، فهو الدين الذي أنزل الله بعد النصرانية، فواجه حين بعث به النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وضعاً دينياً سائداً في العالم يتمثل بالنصرانية. وقد تجلى هذا الحوار أول تجلياته في القرآن الكريم، وكان ذا اتجاهين:
أحدهما، يتمثل في دعوة المسيحية إلى الإيمان به، باعتناقه والاعتراف له بأنه يمثل الكلمة الأخيرة والكاملة في التاريخ الديني للإنسانية. وثانيهما، يتمثل في دعوة المسيحية ـ إذا رفضت الإيمان به ـ إلى التعايش معه بعد الاعتراف به. إذ لا يمكن التعايش مع الرفض والإنكار المطلق.
ولكن هذا الحوار باتجاهيه بقي وحيد الجانب؛ فلم تستجب المسيحية كنظام ثقافي ومؤسسة عقيدية للاتجاه الأول في الحوار، كما أنها لم تستجب كسلطة سياسية للاتجاه الثاني في الحوار.
لقد كان رد فعل المسيحية على ندائي الحوار اللذين وجهها الإسلام نحوها كمؤسسة ثقافية ونظام سياسي هو الحرب ثم علم الكلام. وشهد التاريخ، بعد توسع الإسلام السياسي، التعايش المسيحي الإسلامي داخل عالم الإسلام.
وهكذا ولد، نتيجة لرفض المسيحية نداء الحوار الإسلامي، ثلاثة أشكال من الحوار بين المسيحية والإسلام:
الأول: حوار السلاح والحرب. وقد بدأ هذا منذ استشهد الرسول الذي بعث به النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حاكم بصرى في سوريا حيث فتكت به حامية بيزنطية.
الثاني: حوار اللاهوت وعلم الكلام. وقد بدأ هذا في اللاهوت المسيحي بهجوم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والدين الإسلامي، أهون ما يقال فيه إنه كان بعيداً تماماً عن العلم والموضوعية وأدب الحوار. ونجد الانعكاسات الإسلامية الأولى لهذا الهجوم في القرآن الكريم. إلا أن هذا الموقف اللاهوتي قد أخلى مكانه في السنين الأخيرة لنظرة متفهمة.
الثالث: حوار التعايش بين أتباع الدينين في مجتمع واحد، والتفاعل المستمر بينهما على صعيد الثقافة والحياة اليومية. وهذا الشكل من الحوار كان وحيد الجانب مدة طويلة من الزمان؛ فحيث كان الإسلام ذا سلطان ونفوذ كان يعيش النصارى وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى في أمان واستقرار. في المقابل لم يتح للمسلمين أن يمارسوا، في الماضي، حياة مستقرة آمنة حيث كان للمسيحية سلطان.
وقد كان الشكل الأول للحوار، حوار الحرب، يستهدف التغيير من الخارج، ووسيلته إلى ذلك الإخضاع بالقوة لسلطة سياسية تمثل الدين الآخر.
أما الشكل الثاني من أشكال الحوار، اللاهوت وعلم الكلام، ووسيلته الإقناع العقلي، فقد كان يستهدف لدى كل واحدة من الديانتين تغيير الديانة الأخرى من الداخل، وذلك لتحقيق مكسبين: أحدهما تعزيز مركز كل واحدة من الديانتين أمام أتباعها، وتوفير القناعات الكافية لديهم بأن عقيدتهم تمثل الحق المطلق؛ وثانيهما، اجتذاب أتباع الدين الآخر، وحملهم بالإقناع العقلي على اعتناق الدين الجديد، والتخلي عن صيغة إيمانهم القديمة.
ولسنا الآن في صدد بيان مدى نجاح هذا الدين أو ذاك في الحوار اللاهوتي الكلامي، ولا في صدد بيان الأهداف التي تحققت أو لم تتحقق نتيجة لهذا اللون من الحوار.
وأما الشكل الثابت من أشكال الحوار، حوار التعايش، فقد وجد على أرض الإسلام، حيث عاش المسيحيون، وأثروا في المجتمع الإسلامي وتأثروا به. وقد ساهم هذا العيش المشترك، بلا ريب، في إنماء الحضارة والثقافة وإغنائهما. وقد كان هذا اللون من الحوار في الماضي وحيد الجانب؛ فلم يكن ثمة مسلمون يعيشون بحرية وأمان، ويتمتعون بهوية دينية وثقافية مميزة داخل العالم المسيحي. أما الآن فيوجد ذلك على نطاق واسع، وإن كان هذا اللون من الحوار لا يزال يعاني من بعض المصاعب في بعض المجتمعات.
أي شكل نختار لقضية الحوار الآن؟
هذه هي أشكال الحوار التي نشأت في الماضي بين الإسلام والمسيحية. فأي هذه الأشكال تتبنى قيادات الفكر والروح فيهما، مستجيبة به لتضرعات الإنسان الحديث، لمساعدة هذا الإنسان على أن يحل مشكلته الوجودية مع الاحتفاظ بتقدمه وازدهار عالمه المادي، ملبية بعملها هذا نداء المسؤولية الكبرى أمام الله سبحانه وتعالى؟
أ ـ نبادر فنستبعد من دائر بحثنا حوار الحرب. فإن كل واحدة من الديانتين، المسيحية والإسلام، تخلت مكرهة عن سلطانها السياسي لأنظمة ومناهج وفلسفات في الحكم. والسياسة لا تقوم على أساس ديني؛ هذا إذا كانت لا تحارب الدين وتعاديه. ولا تدعي أي من الديانتين أنها في هذا العصر تملك السلطة وتوجه السياسة في أي نظام للحكم في العالم، باستثناء أمثلة نادرة، وعلى درجات متفاوتة من الصدق والجدية.
وقد توجهت المسيحية في نطاقها البشري والجغرافي، وكذلك الإسلام، منذ تخليا عن سلطانهما السياسي، إلى ممارسة نفوذ ثقافي وروحي محض. ويحاول كل واحد من الدينين أن يحافظ على إيمان أتباعه متوقداً فاعلاً أمام قوى أفرزتها الحضارة المادية الحديثة تريد أن تقضي على هذا الإيمان، أن تسلبه فاعليته.
وكل واحد من الدينين يتبع في محاولته هذه وسائل غير سياسية، أو هذا ما يبدو للمراقب على الأقل.
وهذا يعني أن الحوار الصدامي المسلح بين المسيحية والإسلام ليس وارداً، كما أنه في المرحلة الحاضرة التي تمر بها الإنسانية ممتنع موضوعياً، وهو لا يحقق أي هدف آني من أهداف أي من الديانتين، هذا إذا لم يعطل الدور الأساسي لكل منهما، ويمكـّن أعداءهما من الانتصار عليهما نتيجة لخلافاتهما السياسية.
ب ـ ننتقل من الحديث عن حوار الحرب إلى الشكل الثالث من أشكال الحوار بين المسيحية والإسلام، وهو حوار التعايش (وانتقلنا من الشكل الأول إلى الثالث إنما هو لسبب منهجي محض).
إن هذا الشكل من الحوار موجود الآن، وهو ينمو ويزداد انتشاراً، ولكنه لا يعني شيئاً يـُذكر بالنسبة إلى مهمة الديانتين في عالم الحضارة المادية الحديثة. فنحن وإن كنا ننظر برضى إلى التسامح الديني الذي بدأ المسيحيون مؤخراً يبدونه تجاه المسلمين الذين لهم تاريخ عريق فيه (هذا التسامح الذي أدلى إلى أن تتكون جماعات مسلمة كثيرة العدد، حديثة التكوين، في البلاد المسيحية، تقابلها جماعات مسيحية كبرى قديمة التكوين في بلاد المسلمين) إلا أن علينا أن نلاحظ أن المسيحيين هنا والمسلمين هناك يعيشون في ظل الأخطار الكبرى التي تولدها الحضارة المادية ضد الإنسان، ومن ثم فهم في حالة تعايشهم، كما لو كان كل مهم في معزل عن الآخر، من ضحايا هذه الحضارة أو ممن يوشكون أن يقعوا فريسة لها على كل حال، ولا يولد تعايشهم قيمة جديدة نابعة من إيمانهم، لأنهم لا يتعايشون في ظل الإيمان الديني، وإنما في ظل الحضارة المادية المجردة من الإيمان الديني، التي يراد للحوار المنشود أن يكتشف سبل إصلاحها، وذلك بإعادة الاعتبار إلى الإيمان في نفس الإنسان، ومن ثم بتغيير طبيعة الحضارة.
إن هذا لا يعني أبداً أننا لا نعلق أهمية كبرى على التعايش المتسامح المتعاون بين أتباع الديانتين. فهذا التعايش بحد ذاته كسب كبير لقضية الإنسان طالما نادى به الإسلام في ظل الإيمان، وعمل من أجله، وروح المسيحية لا تأباه، بل لعلها تشجع عليه (وكم تبدو الأحداث اللبنانية قبيحة وشريرة على هذا الضوء). إلا أننا ننظر إليه هنا من زاوية جداوه في المساعدة على تصحيح مسار الحضارة، وحل الإشكال الوجودي الذي يهدد الإنسان الحديث وحضارته. ومن الواضح أن التعايش في ظل الحضارة المادية ليس كبير الجدوى بالنسبة إلى هذه المعضلة.
ج ـ نعود إلى الشكل الثاني من الأشكال التاريخية للحوار، وهو حوار اللاهوت وعلم الكلام:
هذا اللون من الحوار لم ينقطع أبداً؛ فقد بدأ منذ ظهور الإسلام، واستمر عبر التاريخ، وسيستمر بشكل أو بآخر في المستقبل. وهذا أمر طبيعي ما دام ثمة مفكرون وعلماء هنا وهناك، وما دام ثمة طموح إلى اجتذاب مؤمنين جدد لهذا الدين أو ذاك، وما دام ثمة حرص طبيعي على أن تبقى كل عقيدة في وعي أتباعها مقبولة ومنيعة على النقد.
ولكن هذا اللون من الحوار بين الإسلام والمسيحية لا يحقق الهدف المنشود من الحوار الآن.
فإن الهدف المنشود من الحوار الآن هو الوصول به إلى تعاون بين الإسلام والمسيحية، مخلص وحقيقي، لتصحيح مسار الحضارة المادية، وإعادة الاعتبار الحقيقي إلى القيم الإيمانية والفطرية في الإنسان، وجعل هذه القيم قوة فاعلة ومؤثرة في الحياة.. هو جعل الحضارة الحديثة ذات ضمير أخلاقي ليمكن إعادة بناء الإنسان الحديث.
هذا هو الهدف المنشود من الحوار؛ فكيف يمكن أن يؤدي بنا حوار بين اللاهوت وعلم الكلام إلى هذا الهدف؟ وهنا تواجهنا بعض الأسئلة:
ما هو الطموح المتصور لحوار بين اللاهوت وعلم الكلام؟ هل ثمة طموح لتغيير المسيحية من الداخل لتتحد مع الإسلام؟ أو هل ثمة طموح إلى أن يغير كل واحد من الدينين بعض مفاهيمه ويتخلى عن بعض قواعده ليتحد الدينان في دين ثالث جديد لا هو الإسلام التاريخي ولا هو المسيحية التاريخية؟ وهذا السؤال الأخير يذكرنا بمحاولة الامبراطور المغولي (أكبر) التي لم تثمر غير الإخفاق. أي طموح من هذه الطموحات يحقق الهدف المنشود؟
الحق أن أي طموح مفترض للحوار بين اللاهوت وعلم الكلام لا يحقق هذا الهدف، بل قد يكون معوقاً يحول دون استمرار تجربة الحوار ونجاحها.
لا نقول هذا لنلغي دور اللاهوت وعلم الكلام؛ فدائرة الحوار الخاصة بهما كانت وستبقى، ولا يمكن إلغاؤها، لأن العلاقة بينهما ناشئة من طبيعة الدعوتين، من شموليتهما. بل نقول هذا لنخلص منه إلى القول: إن القضية المطروحة على مشروع الحوار بين المسيحية والإسلام تتعدي طاقة اللاهوت وعلم الكلام وتخرج عن دائرة اختصاصهما.
إن الإسلام والمسيحية يعانيان معاً من الحضارة المادية الحديثة، باعتبارها صيغة حياة تلغيهما معاً وتدمر مجال عملهما الأساسي وهو الإنسان. ولذا فإن حوار اللاهوت وعلم الكلام، وهو يعالج علاقات الدينين من الداخل، لن يكون ذا جدوى في حقل يقف فيه الدينان معاً في مواجهة هدف مشترك، هو مادية الحضارة ومصير الإنسان. ولذا فلا بد من التماس شكل جديد للحوار يحقق الهدف المنشود.
عالمان ثقافيان:
إن الإسلام عالم ثقافي لأتباعه بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ويفترض أن المسيحية هي كذلك بالنسبة لأتباعها. فنحن، إذن، من المسيحية والإسلام أمام عالمين ثقافيين.
إن الإسلام دين يتميز عن أي دين آخر، بعقيدة تتضمن مفهوماً معيناً للكون والحياة والإنسان، وشريعة تعكس العقيدة في علاقات الإنسان وصيرورة حياته، وأخلاقيات تتجاوز الشريعة إلى مستويات في السلوك أعلى مما تفرضه حرفية القانون. وهذا ما نعنيه بقولنا أن الإسلام عالم ثقافي، ونعني أنه «صيغة حياة».
والإسلام، بما هو عالم ثقافي، يصوغ شخصيات أتباعه وفقاً لعقيدته وشريعته ومناهج السلوك الأخلاقي فيه. ونقدر أن المسيحية هي كذلك من حيث تأثيرها في أتباعها (هذا إذا غضضنا النظر عما أنزلته الحضارة المادية من خراب في المحتوى الروحي للإنسان الغربي بوجه عام، المنتمي إلى المسيحية).
ولذا فإن جعل الحوار المنشود، حواراً بين اللاهوت وعلم الكلام، يعني الطموح إلى تغيير من الداخل في أحد الدينين ليتحد مع الآخر، أو تغيير فيهما معاً؛ وهذا طموح مستحيل، وسيصاب بالإخفاق حتماً؛ وهي نتيجة في حجم الكارثة بالنسبة إلى الآمال التي نعلقها على الحوار بين المسيحية والإسلام.
فبين الإسلام والمسيحية مواضع اختلاف في العقيدة لا يمكن تجاوزها، وليست موضع بحث ولا موضع جدلٍ في الإسلام، كما أنها ليست موضوعاً للاجتهاد؛ فإن الاجتهاد الإسلامي إنما هو في حقل الأحكام الشرعية لا في العقائد.
وبين الإسلام والمسيحية مواضع اختلاف في الشريعة لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن أن تكون موضوعاً للمناقشة لغاية تعديلها، لأنها من الثوابت في الشريعة. أما ما ليس على هذا المستوى من الثبات في الشريعة من الأحكام والقضايا فهو موضوع للاجتهاد، ولكن ليس لأي اجتهاد كان. إنه موضوع للاجتهاد في داخل الإسلام، ووفقاً لأصول الاجتهاد المرعية عند الفقهاء منذ أقدم العصور الإسلامية. وما دامت حركة الاجتهاد نشطة بين علماء المسلمين، وفي المراكز الإسلامية الكبرى، فإن المسائل الاجتهادية موضوع إعادة نظر دائمة دون أن تكون ثمة حاجة إلى محرض على الاجتهاد ينشأ من تدخل عناصر غير إسلامية، أو غير اختصاصية في حركة الاجتهاد الفقهي داخل الإسلام.
نحو مشروع جديد للحوار:
إن هذه التأملات تحملنا على أن نستبعد جميع أشكال الحوار التاريخية من دائرة اهتمامنا بقضية الحوار الإسلامي ـ المسيحي المطروحة الآن، والتماس شكل آخر غيرها للحوار لم يمارس من قبل بين الدينين، يخدم الهدف المنشود الذي يجب أن تتوحد مواقفهما نحوه.
وهذا الشكل الجديد للحوار يقوم بصورة أساسية على أن يبحث قادة الفكر والروح في كلا الدينين عن المساحات المشتركة بينهما في قضايا الإنسان، والمجتمع، والحضارة. فإذا اكتشفت هذه المساحات المشتركة يتوجه الدينان معاً نحو العالم في عملية فتح روحي للحضارة الحديثة جميعاً. فإن الهدف من الحوار لا يجوز أن يقتصر على المعرفة النظرية فقط، هذه المعرفة التي لا تتجاوز اكتشاف كل واحد من الدينين للدين الآخر، كما لا يجوز أن يقتصر الهدف من الحوار على توجيه نداء وعظي إلى العالم. إن المعرفة النظرية واكتشاف الآخر هدف مرحلي ووسيلة للانخراط في عمل حقيقي مشترك على صعيد العالم. وإن الهدف من الحوار يجب أن يكون التزاماً نضالياً تجاه قضايا الإنسان والحضارة، لتصحيح عملية التقدم البشري، فيقيمها على ساقيها (المادة والروح) بدل أن تبقى كما هي الآن عرجاء تمشي على ساق واحدة، ويدفع ثمن تعثرها وسقوطها الإنسان نفسه ضياعاً وشقاء وانحطاطاً.
وبذلك يكون لكل واحد من الدينين مجالات للعمل: أحدهما، مجال عمله في عالمه الخاص به، وهو عالم المؤمنين به؛ وهذا يشمل كل الذين يخضعون لتوجيهه الثقافي. وثانيهما، مجال عمل مشترك يتوجه الدينان فيه بعملهما الموحد نحو إنسان الحضارة الذي يكاد يفقد إنسانيته. إن دائرة العمل المشترك هي العالم، وهدف العمل فيها هو إعادة الاعتبار إلى الإيمان، ونتيجة ذلك هي إنقاذ الإنسان.
هذا هو المشروع المقترح ليكون موضوعاً للحوار الإسلامي المسيحي.
وهنا نتساءل: هل توجد في المسيحية والإسلام مساحات مشتركة يمكن أن تكون مجالاً لعمل موحد بينهما، ينطلق منها، ويتوجهان به نحو العالم؟
نصرانيتان:
من وجهة النظر الإسلامية وجد في التاريخ نصرانيتان:
الأولى: النصرانية القرآنية؛ وهي التي يعرضها الوحي القرآني من خلال المعالم الكبرى في تاريخها: ولادة عيسى (عليه السلام) الإعجازية، وتكليمه للناس في المهد، والتأكيد على بشريته، وبعثه نبياً رسولاً إلى بني إسرائيل، ومعجزاته، ورفض اليهود له، وكفرهم بما جاء به، وافتراؤهم على السيدة مريم(عليه السلام) بهتاناً عظيماً، وتآمرهم عليه لقتله، ونجاته منهم بطريقة إعجازية. كما يعرض الوحي القرآني بعض الأصول الكبرى في العقيدة النصرانية: التوحيد الخالص دون تثليث، والمعاد، وقضايا النبوة منذ إبراهيم(عليه السلام)، وتتضمن قضايا النبوة بشارة عيسى(عليه السلام) بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
الثانية: النصرانية كما تبدو في مؤسسة الكنيسة. وقد عرض القرآن صوراً من تاريخها كاشفاً عن عداء اليهود لها وأساليبهم في الكيد لها، كما عرض القرآن لبعض عقائدها الأساسية مركزاً على مسألة التثليث.
والنصرانية الأولى ليست موضوعاً لحوار الإسلام معها، لأن إيمانها جزء من إيمانه، وهو مصدّق لها، ومن ثم فهو يحتويها، باعتبارها مرحلة سابقة عليه في التاريخ الديني للإنسانية.
والنصرانية الثانية توجه القرآن إليها بالنقد، واعتبرها في الوقت نفسه طرفاً في الحوار وموضوعاً له. وقد بدأ الإسلام نفسه بفتح الحوار مع النصرانية كما تبدو من خلال الكنيسة، وكان الحوار الذي فتحه الإسلام ذا اتجاهين.
وكون الإسلام يعتبر النصرانية طرفاً في الحوار وموضوعاً له، يعني أنه لا يعتبر نفسه نقيضاً كاملاً ومطلقاً لها في كل مبدأ من مبادئها الكبرى، وفي كل تفصيل من تفاصيلها الثانوية. وكما أنه ليس نقيضاً كاملاً، فهو كذلك لا يعتبر أنه مساو لها، فبين نصرانية الكنيسة والإسلام لا يوجد تناقض مطلق، كما لا توجد مساواة مطلقة: يوجد بينهما ما يمكن أن نسميه «نسبة العموم والخصوص من وجه». فالإسلام يفترق عن نصرانية الكنيسة في كثير من المسائل الثانوية الفرعية. والنصرانية تفترق عن الإسلام كذلك في كثير من المسائل والتفاصيل. وتبقى ـ إذا تجاوزنا مسائل الافتراق من الطرفين ـ مساحات يلتقي فيها الدينان معاً. ويعتبر الإسلام استيعاب نصرانية الكنيسة للمسائل (المساحات) المشتركة ذا منشأ يتصل بالوحي الإلهي الذي نزل على عيسى(عليه السلام) والذي تمثل في نصرانية القرآن.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة المبدئية اعتبر الإسلام نفسه أنه حليف النصرانية وأنها حليفة له. ونتيجة هذا الحلف هي أن الإسلام يقف في معسكر واحد مع «أهل الكتاب» في مقابل دعوات الشرك والمادية.
وإذن فثمة مساحات مشتركة بين الدينين تنتمي إلى الوحي الإلهي؛ وعليهما أن ينطلقا في الحوار من هذا القدر المشترك بينهما بحيث يؤدي بهما الحوار إلى تكوين نظرة موحدة إلى قضية الإنسان، والمجتمع، والحضارة، في هذا العصر، يترجمانها إلى عمل يتوجهان به نحو العالم لتصحيح مسار الحضارة. ويمكن إجمال الأمور المشتركة بين الدينين في ما يلي:
المساحات المشتركة:
1 ـ الإيمان بالله الخالق لكل شيء، ولذا فالإنسان مخلوق لله.
2ـ الإيمان باليوم الآخر، وأن الله تعالى يبعث الناس، ويحاسبهم، ويعاملهم بعدله ورحمته.
3 ـ الإيمان بأن الله تعالى لم يخلق الإنسان سدى، وإنما أرشده إلى الهدى بواسطة الدين الذي أرسل به الأنبياء والرسل، وأن هؤلاء الأنبياء قد بلغوا رسالاتهم إلى الإنسان.
4 ـ الإيمان بأن للإنسان بعداً روحياً، وهذا ما يميزه ويجعله فريداً في الكون. ولذلك فهو لا يتكامل إلا في نطاق نظام للعلاقات في المجتمع يتيح لهذا البعد الروحي أن ينمو ويثرى.
5ـ الإيمان بأن العبادة حاجة إنسانية أساسية، وأن حرمان الإنسان من ممارسة العبادة بأية وسيلة من وسائل الإرغام والحرمان، مادية أو معنوية، ليس عدواناً على حريته فقط، وإنما هو عدوان على وجوده، وحرمان له من فرصة التكامل الوجودي.
6 ـ الإيمان بكرامة الإنسان.
7 ـ الإيمان بأخلاق إنسانية فطرية، ولهذا فهي ليست آنية ومتغيرة. والإيمان بأن الالتزام الخلقي ليس مسألة شخصية وفردية، وإنما هو مسألة تتصل بكون الإنسان في هذا العالم: فرداً، وعضواً في أسرة، وعضواً في مجتمع سياسي. ولأنها كذلك فهي ضرورة في العلاقات الدولية.
8 ـ الإيمان بأن الأسرة المتلاحمة شرط ضروري لبناء مجتمع سليم، والإيمان بأن العفة الجنسية شرط ضروري لبناء أسرة متلاحمة نظيفة، كما أنها شرط ضروري لسلامة المجتمع.
إن هذه الأصول الكبرى في الإيمان ومتفرعاتها الهامة مشتركة بين المسيحية والإسلام، وهي تشمل الوضعية الروحية والأخلاقية للإنسان والمجتمع والحضارة.
وهذه الأصول هي التي ينبغي أن تكون موضوع الحوار ومنطلقه. لذا فإن الحوار المنشود، في هذا المشروع الجديد للحوار، يمكن أن يكون على مرحلتين أو يكون ذا شقين..
المرحلة الاولى: تكون فيها هذه الأصول موضوع الحوار. وينتهي الحوار، في هذه المرحلة.
أولاً: إلى تأكيد أن الإيمان بهذه الأصول جزء لا يتجزأ من الإيمان الشامل في كل واحد من الدينين على حدة، وأن اشتراك المسلمين والمسيحيين في الإيمان بهذه الأصول جاء من اتفاق المسيحية والإسلام عليها.
وثانياً: إلى شرح التفصيلات الثانوية والفرعية لهذه الأصول الكبرى مع الحرص الكامل على الابتعاد عن دائرة «حوار اللاهوت وعلم الكلام».
المرحلة الثانية: تكون فيها هذه الأصول المشتركة منطلق الحوار؛ وذلك بأن يواجه قادة الفكر والروح في المسيحية والإسلام الوضعية الإنسانية السائدة في العالم المعاصر على ضوء هذه الأصول الكبرى للإيمان.
إن هذه المواجهة بين الوضعية الإنسانية وبين الأصول الكبرى للإيمان، ستثير أسئلة تتناول معظم المواقف والاتجاهات الأساسية للحضارة الحديثة، من حيث طريقة تعاملها مع الطبيعة والذهنية التي تحكم هذه الطريقة وتواجهها، ومن حيث علاقتها بالإنسان، وأوضاعه في خاصة نفسه، وفي علاقاته بالآخرين داخل نطاق الأسرة، أو المجتمع في أبعاده السياسية، والثقافية، والاقتصادية، وغيرها.
هذه الأسئلة هي التي ينبغي للحوار في مرحلته الثانية أن يكتشف أجوبة لها، تتفق مع معطيات الأصول الكبرى المشتركة في إيمان المسيحية، وإيمان الإسلام. إن هذه الأجوبة النابعة من تلك الأصول الإيمانية، تكوّن مشروع صيغة جديدة للحضارة، تلتزم قيادات الفكر والروح في الإسلام والمسيحية بالعمل في سبيل تحويلها إلى واقع حي.
وهذه نماذج من الأسئلة، التي تثيرها وتبعث على طرحها المواجهة بين الأصول الإيمانية المشتركة، وبين الوضعية الإنسانية السائدة في العالم المعاصر:
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى علاقة الإنسان بالطبيعة؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى الروح التي ينبغي أن توجه البحث العلمي؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى أساليب التربية (تنمية روحية الإنسان إلى جانب الاهتمام بالجسد والعقل والخبرة التقنية)؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى الاستغراق في الترف، وبالنسبة إلى مجتمع الاستهلاك؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى حرية الإعلان التجاري والدعائي؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا الاستعمار القديم والجديد؟ (قضية فلسطين، الاستعمار الاستيطاني، وغيرهما).
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا العنصرية؟ (العنصرية الصهيونية، وغيرها).
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا: الحرية، الفوضى، القهر، في حقول السياسة، والثقافة، وغيرهما؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من تجارة اللهو بجميع أشكالها ومظاهرها؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من المال (وظيفته الاجتماعية، استخدامه الرأسمالي، التعامل الربوي...)؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا التخلف في العالم الثالث؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من الأبحاث التي تجري الآن في المختبرات ومراكز الأبحاث لتحضير أسلحة هائلة تمكن حفنة من السياسيين في هذه الدولة أو تلك من إبادة شعب بكامله، أو شلّ قدرته بشكل خطير خلال ساعات أو أيام؟
هذه النماذج من الأسئلة التي تثيرها المواجهة بين الأصول الإيمانية وبين الحضارة المادية؛ وهي وأمثالها موضوع للحوار الذي ينطلق من الأصول الإيمانية المشتركة، وتكون الأجوبة التي سينتهي إليها الحوار موضوع العمل والنضال من أجل حضارة أكثر إنسانية وتوازناً، ومن أجل إنسان أكثر انسجاماً في وجوده وحركته مع إرادة الله.
إن هذا المشروع الجديد للحوار يجعل مع الحوار ولوداً خلاقاً. وبدل أن يكون الدين موضوع الحوار يكون الدين، في نطاق الأصول الإيمانية المشتركة، منطلق الحوار نحو فتح روحي للحضارة، وبعث جديد للإنسان.
إن مؤتمراً للحوار الإسلامي المسيحية يضع نصب عينيه هذا الهدف السامي سيكون ضمير الإنسانية وقلبها.

الهوامش
ـــــــ
(*) بحث مقدم إلى مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي في ليبيا 26/2/1976.
(1) يفرق بعض الفقهاء المسلمين بين من لم يعتنق الإسلام نتيجة للقصور، وبين من لم يعتنقه نتيجة للتقصير أو الجحود. فالأول معذور والثاني مسؤول. ولمزيد من الضوء على مسألة «الخلاص» في الإسلام، انظر في هذا الكتاب: «المسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر».

المصدر: الحوار الإسلامي المسيحي نحو مشروع للنضال المشترك، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، مؤسسة الشيخ محمد مهدي شمس الدين للحوار، بيروت.