|
الخميس: 31/07/2008
برنارد لويس حياته واراؤه
ظاهر المولى(*)
(خاص للمعهد)
ولد برنارد لويس من ابوين يهوديين متوسطي الحال في ضاحية (نيو ونكتون)
في لندن، عام 1917، وتعلق لويس باللغات والتاريخ في عمر مبكر بعد عيد
(barmitzvah)
(بارميتزفاه)(1) اي في عامه الحادي عشر او الثاني عشر، وقد تأثر الشاب
برنارد بهذه اللغة الجديدة والطقوس الجديدة (اللغة العبرية والطقوس التي
تمارس لتعميد الفتى او البنت في سن معينة) وبدأ تعلقه باللغة العبرية ثم
بعد ذلك العربية والارامية، كما درس اللغة التركية والفارسية واليونانية
واللاتينية. ويدين برنارد لويس بحبه للتاريخ للحفل الذي حظره والذي تلقى
خلاله هدية عبارة عن كتاب عن التاريخ اليهودي.
تخرج عام 1936 من معهد الدراسات الشرقية (معهد دراسات الشرق وافريقيا
حاليا) في جامعة لندن وبدرجة بكالوريوس في التاريخ وبالخصوص تاريخ
الشرقين الادنى والاوسط، كما حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة نفسها
بعد ثلاث سنوات وبتخصص في التاريخ الاسلامي، فضلا عن دراسته للمحاماة،
ولكنه عاد عنها ليكمل دراسته لتاريخ الشرق الاوسط.
درس ايضا في جامعة باريس مع المستشرق (لويس ماسينيون)(2) وحصل على شهادة
الدبلوم في الدراسات السيميائية، وعاد الى معهد دراسات الشرق الاوسط
وافريقيا ليعمل كاستاذ مساعد في مادة التاريخ الاسلامي.
خلال الحرب العالمية الثانية خدم لويس ضمن الجيش البريطاني، الفرقة
المدرعة الملكية، من 1940 -،1941 ثم تم انتدابه مكتب الخدمة الخارجية
بوزارة الخارجية، وبعد نهاية الحرب عاد الى المعهد بصفة رئيس قسم دراسات
الشرق الادنى والاوسط، حيث كان من الخبرات النادرة في مجال اختصاصه، وذلك
في العام 1949.
في عام 1974 قبل لويس منصب محاضر في جامعة برنيستون في ولاية نيوجرسي،
معهد الدراسات المتقدمة، شرط ان يكون له فصل دراسي واحد في السنة والا
ينشغل بالامور الادارية لكي يتمكن من تكريس وقت اكبر من اجل الابحاث،
وكان انتقاله الى تلك الجامعة اهم نقطة في حياته المهنية حيث تمكن خلالها
من تأليف العديد من الكتب والمقالات واصبح من المثقفين ذائعي الصيت في
الولايات المتحدة، بعد استقالته من جامعة برنيستون عام 1986 عمل في جامعة
كورنيل حتى عام 1990.
حصل على الجنسية الامريكية، وتزوج من روث هلين عام 1982 والتي كان له
منها ولد وبنت.
اسس لويس ما اسماه (جمعية دراسات الشرق الاوسط وافريقيا) وهي جمعية تعنى
بالدراسات الملتزمة والمتخصصة بالشرق الاوسط وافريقيا والحقول ذات
العلاقة، شغل لويس رئيس مجلس ادارة تلك الجمعية.
يقول عنه (مارتن كرامر)(3) الذي اشرف لويس على رسالة للدكتوراه: «انه
اكثر المؤرخين نفوذا ومن بين اكبر المؤرخين المهتمين بالتاريخ الاسلامي
وتاريخ الشرق الأوسط اذ يمتد تاثيره من الوسط الاكاديمي الى عامة الشعب،
وهو رائد التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق الاوسط، فضلا عن معرفته
بتفاصيل الارشيف العثماني».
بدأ برنارد لويس ابحاثه بدراسة القرون الوسطى العربية وخصوصا السورية،
وكانت ابحاثه المتخصصة بالعصور الوسطى الاسلامية هي الاكثر ثرءا في
الثلاثين عام الماضية.
وبعد اعلان دولة اسرائيل اصبح من الصعب عليه التنقل والبحث في البلدان
العربية التي كانت تخشى الجواسيس، لذلك انتقل لويس لدراسة الامبراطورية
العثمانية دون الانقطاع عن دراسة التاريخ العربي ومن خلال الوثائق
العثمانية حصرا، والتي فتحت الباب لللباحثين الغربيين لدراسة مجموعة من
المقالات التي احدثت ثورة في دراسة تاريخ الشرق الاوسط التي نشرها برنارد
لويس في عدة سنوات اعطت صورة اكثر اتساعا عن المجتمع الإسلامي وعن
الحكومة والاقتصاد والظروف الديمغرافية.
الشرق كما يراه لويس:
يرى لويس ان الشرق الأوسط في حالة تراجع مستمر وحالة عدم ثقة كبيرة
بالنفس لاسيما على صعيدي الثقافة والدين، وعلى خلاف النظرة مابعد
الكولنيالية التي ترى ان المشكلة هي تخلف اقتصادي وسياسي ويضاف اليه
الاستعمار الاوربي للمنطقة في القرن التاسع عشر، يرى لويس ان نجاحات
الصليبين في حروبهم كانت ناتجة عن ضعف المسلمين انفسهم.
كان احد اسباب تدهور المسلمين مع بدايات القرن الحادي العشرهو الغطرسة
الثقافية، كما يقول برنارد لويس، والضغوط الخارجية مثل الحروب الصليبية.
وقد لاقت طروحات لويس قبولا لدى الغربيين وخصوصا ما يتعلق بوصفه للمجتمع
الاسلامي واظهاره للشرق على انه كيان هزيل تتصارع داخله قوى الجهل
والتخلف والعصبية. ولكن تلك الطروحات وجدت من يقف موقف الضد منها من
المفكرين العرب والمسلمين، ومن بين الذي فندو تلك الطروحات الدكتور سيار
الجميل، بقوله «ان التركيز على تعميق الخصومة بين المسلمين والاوربيين
بدل الموضوعية في قراءة التفاعل التاريخي بين الطرفين ينبغي اثارته امام
برنارد لويس، فاذا كان (الغزاة) المسلمون ـ كما وصفهم ـ قد عدوّا كارثة
عظمى للاوربيين حتى انسحاقهم في بواتييه عام 732 م، فانني كنت اتمنى عليه
ان يشيد من باب الموضوعية الى ادوار ابن رشد وابن خلدون وبغداد والقاهرة
وصقلية والاندلس في تشكيلات النهضة الاوربية الاولى..».
فسيار الجميل يتهم لويس بانحيازه وميله لمساندة قضايا الغرب عموما
وامريكا خصوصا،ً منطلقا من نشاته الدينية التي كان لها الاثر الكبير في
تكوين شخصيته، فنراه يطرح الرأي القائل بوجوب ان يكون الشرق كما كان في
ايام الامبراطورية العثمانية كيانات تتنازعها الفوضى والصراعات الطائفية
والمذهبية. وكل هذا برأينا يصب في مصلحة اسرائيل وتكوين دولتها المنشودة.
ومن جانب آخر يرى بعض المعارضين لمنهج الاستشراق الذي تبناه لويس وغيره
ان ذلك المنهج لا يمتاز بالموضوعية، ولا يعتمد على الوقائع والحقائق
التاريخية، اذ ان تاريخ الشرق الذي نقله المستشرقون الى الغرب لم يكن كما
هو في الواقع، اذ يقول الدكتور محمود عبد الواحد محمود(4) : «إن المعرفة
الإستشراقية كانت تعتمد أساسا لتركيز السلطة بالاعتماد على النص
(الإنشاء). فالشرق، كما نقله المستشرقون الى قرائهم، ليس كما هو في
الواقع، بل كما شُرْقنَ وخطط له أن يكون»(5).
ومما يؤخذ على المستشرقين عموما ومن بينهم لويس، صفة التعميم، والتي
جعلتهم، مثلا، يسمون الدين الاسلامي بالعنف والارهاب، معتمدين نماذج من
الارهابيين الذين ينتسبون لهذا الدين. وهذا تعميم مجاف للعلم
والموضوعية،فحتى وان كان الارهابي الذي يفجر نفسه ينحدر من بيئة اسلامية
وإن اصوله اسلامية فيجب القول عنه ارهابي وكفى كما هو الحال عندما نرى
تصرفات الجماعات المتطرفة المسيحية فلا نقول ان الدين المسيحي هكذا بل
نقول ان تلك الجماعة تفعل كذا.
أسس لويس للمقولة التالية (المسيحية والاسلام بصفتهما حضارتين كانتا على
صراع مستمر منذ ظهور الاسلام في القرن السابع الميلادي).
وفي مقالته الموسومة (جذور الغضب الاسلامي) عام 1990 رأى ان الصراع بين
الغرب والاسلام هوصراع قوى. كما صاغ في مقالته تلك عبارة «صراع
الحضارات»،العنوان الذي اصبح شائعا بعد ان اعتمده صموئيل هنتنغتون.
في عام 1998، قرأ لويس في صحيفة القدس العربي والتي تصدر في لندن إعلان
حرب على الولايات المتحدة من قبل اسامة بن لادن، وهو شخص لم يسمع برنارد
لويس به من قبل، على الرغم من الهجمات الارهابيه التي وقعت في افريقيا
والشرق الاوسط، والتي يعتبرها بن لادن في لغته بانها «ايديولوجيه
الجهاد»، كتب لويس في مقالة بعنوان: (رخصة للقتل) تحذير من عواقب ما يعرف
(بالمقاتل المقدس)، وهو ما حذر لويس الغرب منه ومن خطورة الجاليات
المسلمة في البلدان الاوربية، والتي يمكن ان تكون خلايا نائمة يتم
استثارتها حال الحاجة والضرورة، مما اعطى انطباعا لدى الاوربيين ان
المسلمين الذين يعيشون في كنفهم يمثلون تهديداً لامنهم القومي،لذا يجب
الحد من اتساع الاسلام ونفوذ الجاليات الاسلامية في تلك البلدان.
مناقشات مع ادوارد سعيد
عرف لويس بمناقشاته الادبية مع ادوارد سعيد، الفلسطيني - الاميركي،
الاديب والمنظر والذي كان يرى ان دراسات الاستشراق التي قام بها برنارد
لويس هي ذات نزعة ذاتية وليست دراسة موضوعية، وتمتاز بالنزعة العنصرية،
وهي اداة للهيمنة الامبريالية، وشكك سعيد عموما بعلمية و حياد بعض كبار
العلماء المستشرقين مثل برنارد لويس ودانيال بايبس تجاه العالم العربي.
وفي مقابلة مع الاهرام الاسبوعية، قال: «أعتقد ان رؤية لويس عن الشرق
الاوسط كانت متحيزة ولا يمكن ان تؤخذ مأخذ الجد».
يرى ادوارد سعيد ان لويس يعامل الاسلام بوصفه كيانا متراصا دون ان يأخذ
بنظر الاعتبار الفرق الدقيق للتعددية، والديناميات الداخلية، والتعقيدات
التاريخية. ويرفض ادوارد سعيد قول المستشرقين الذين يذهبون الى اعتبار
الاسلام هو العامل الذي ادى الى تخلف المسلمين، فالاسلام شيء، والدولة
الشرقية شيء آخر.
رد برنارد لويس
رفض برنارد لويس الرأي القائل بأن للغرب دراسة متحيزه ضد الشرق الاوسط،
واجاب لويس ان الاستشراق هو مقدمة لدراسة الشرق دون ان يكون ذو نزعات
استعمارية استيطانية، بل كان نزعة معرفية استكشافية بحتة، وهذا ما نراه
من خلال دراسات المستشرقين الانكليز والفرنسيين في القرنين السادس عشر
والسابع عشر الميلادي لمنطقة الشرق الاوسط دون ان تكون هنالك نوايا مبيتة
للاستيطان، والا ما هي الغاية من دراسة اللغة المصرية القديمة الا
اخراجها الى نور المعرفة بدل اختفائها في طي الكتمان؟
نعوم تشومسكي
في عام 2002 وفي مقابلة تلفزيونية مع هيئة الاذاعة الكندية في برنامج
(حوار ساخن) اشار تشومسكي الى مجموعة حوارات سرية دارت في اروقة ادارة
الرئيس ايزنهاور، والتي قال فيها ايزنهاور، ويقتبس تشومسكي منه: «هنالك
غضب تجاهنا في الشرق الاوسط، ليس من قبل الحكومات وحسب، بل من قبل الشعب
ايضا، والذي يرى اننا نشكل عقبة في طريق الديمقراطية والتنمية بمساندتنا
للحكومات في الشرق الاوسط، وانا اقول ان ذلك صحيح لحماية مصالحنا هناك،
وهو النفط ، ومن الصعب انكار ذلك لانه حقيقة. اذا يجب علينا ان لا ندعم
الحكومات التي تعيق الديمقراطية والتنمية في الشرق الاوسط، ولكن مصالحنا
التي تقتضي فرض سيطرتنا على نفط الشرق الاوسط تمنعنا من ذلك، وهذا ما
يولد الغضب تجاهنا في الشرق الاوسط».
ويرى تشومسكي ان برنارد لويس قد اغفل هذا الامر وغيره في كتاباته، كما
اغفل أخطاء الغرب في تلك المنطقة وان كل ما ذكره لويس ماهو الا مقطع صغير
من قصة طويلة، وبرنارد ماهو الا شخص دعائي وليس طالب علم.
تلك هي الصورة التي حاول المستشرقون نقلها الى الغرب، وهي ان الشرق هو
العدو، وان حالة الغضب المستمرة في الشرق تجاه الغرب تستلزم وضع الاليات
والوسائل الكفيلة بردع ذلك الغضب.
رد برنارد لويس
في مقابلة في نفس البرنامج بعد شهر من مقابلة تشومسكي قال برنارد لويس: «ان
معرفة السيد تشومسكي بالتاريخ هي بقدر معرفتي بعلم اللغة، ولكني ساترك
ذلك، من الواضح ان القوى الامبريالية ليست بعيدة عن اللوم في هذا الجانب،
لقد اسهموا في ذلك، ولكنهم لم يكونوا السبب الرئيسي لما (حصل خطأ في
الشرق الاوسط). وهو الذي جعلهم يقدمون على غزوه». وان اخطاء الامبريالية
لا يمكن نكرانها، ولكنهم فعلوا اشياء جيدة ايضا مثل التعليم العصري وشبكة
الكليات والمدارس الثانوية واشياء اخرى، كما حاولوا انشاء حكومات دستورية
برلمانية لم تلق النجاح في الدول الاسلامية، ولكنها اعطت نتائج مثمرة في
الهند.
ارآؤه وتأثيراته على السياسة المعاصرة
في منتصف الستينيات برز لويس بتعليقاته على قضايا الشرق وتحليله للصراع
الاسرائيلي - الفلسطيني، وبروز التيار الاسلامي المتشدد، مما اعطاه شعبية
كبيرة. المؤرخ الامريكي (جويل بينين) وصفه بانه: «اكثر اليهود ثقافة
ووعيا في دراسات الشرق الاوسط وشمال امريكا». كما كشف نائب الرئيس
الامريكي ديك تشيني: «ان حكمة برنارد لويس هي هدف يومي لصانعي القرار
والدبلوماسيين ومن بعدهم الاكاديميين ووسائل الاعلام». وهو ـ ديك تشيني ـ
مرة اخرى يصف برنارد لويس بأنه (صقر السياسة الامريكية) لما له من دور
كبير في دعم القضايا الامريكية في العالم.
نقد لاذع للاتحاد السوفيتي
تابع لويس النهج الليبرالي للدراسات التاريخية الاسلامية، وعلى الرغم من
ميوله الماركسية المبكرة والتي كانت جلية في كتابه الاول (اصول
الاسماعيلية) الا انه تخلى عن الماركسية فيما بعد، فكانت كتاباته اللاحقة
هي ردة فعل على الجناح اليساري خصوصا في العالم الثالث، والتي اصبحت من
مواد الدراسة في دراسات الشرق الاوسط.
يعد لويس من الدعاة لتعميق العلاقات التجارية بين الغرب واسرائيل وتركيا
لمواجهة امتداد النفوذ السوفيتي في منطقة الشرق الاوسط، ويرى لويس ان
تركيا تلعب دورا مهما في هذه المعادلة كونها تطمح ان تكون جزءاً من
الغرب.
موقفه من حرب العراق
لعل برنارد لويس يعتبر من اهم المفكرين الذين دعوا الى تغير نظام الحكم
في العراق، وكان يبرر وجهة نظره بانها العملية الكفيلة باحداث الهزة التي
من شأنها ان تحدث التغير المرجو في منطقة الشرق الاوسط. وقد تبنى العديد
من النقاد سؤاله حول الخطأ الذي حدث في الشرق الاوسط والذي شكل مع غيره
من الافكار الاساس الفكري للدفع في اتجاه الحرب في العراق.
المصادر
ــــــ
(*)
مقرر قسم الدراسات الشرقية - الغربية.
موسوعة وكوبيديا
موقع الدكتور سيار الجميل
موقع منتديات التاريخ الإسلامي موقع تاريخ الحضارة الاسلامية،
http://www.islamichistory.net/forum/showthread.php?t=3436
(1) عيد يهودي يعمد الولد او البنت فيه عند بلوغهم سن 12 او 13 سنة.
(2) باحث فرنسي في تاريخ الاسلام.
(3) استاذ مادة التاريخ الاسلامي في معهد واشنطن.
(4) باحث واكاديمي من العراق
(5) محمود القيسي، موقع تاريخ الحضارة الاسلامية،
http://www.islamichistory.net/forum/showthread.php?t=3436
|