|
الاربعاء: 16/07/2008
العرب والعولمة
دراسة في كيفية التعامل مع العولمة
مقاربة أولية
د. مازن
مرسول محمد(*)
(خاص للمعهد)
رغم كثرة ما كتب وقيل عن
العولمة في مناسبات عدة، إلى الحد الذي أصبحت فيه هذه الظاهرة متخمة
وبشكل كبير جدا بإرهاصات ربما تكون قد أصابت أو أخطأت في معرفة حقيقة هذه
الظاهرة، إلا أنه يمكن القول إن كل ما قيل بحق هذه الظاهرة لم يستطع
الوصول إلى كنه حقيقتها فعلا، والمسألة لا تعود إلى قصور فكري لمن احترف
الحديث والتعرض لها، وإنما تعود إلى عدة أمور منها ان هناك من تكلم عنها
وكأنها قالب جاهز معروفة أبعاده، ثابتة حدوده.. والبعض الآخر لم يستطع
الإحاطة بكل جوانبها لأنها تكاد تكون مشابهة لصندوق مغلق ما إن تفتحه تجد
ببواطنه صناديق أخرى، فالكلام عنها اليوم قد يختلف غدا والغد هو الآخر
يختلف عن ما بعد غد وهذا هو طلسم العولمة.
إن هذه الورقة تحاول التركيز على محورين أساسيين
هما:
مفهوم العولمة وفلسفتها، ثم المحور الأهم هو كيفية التعامل عربيا معها من
خلال إدراكها إدراكا يختلف عن مجرد كونها ظاهرة وليدة للغرب، لتحديد
الموقف النهائي منها على ضوء ذلك.
مفهوم العولمة:
لقد شغلت ظاهرة العولمة في الفترة الأخيرة ساحتنا الفكرية العربية واشتجر
المثقفون العرب بجميع اختصاصاتهم على فهمها وإيجاد رؤية واضحة لها، حتى
عقدت الندوات وورش العمل وأصبحت لها مطابخ خاصة تنتج مفاهيم مرادفة
وملائمة لها، وذلك من أجل مقاربتها حضاريا وتعيين موقفنا العربي في
ركابها وانسراباتها، ولغرض الوصول إلى فهم عقلاني صحيح يستوعب جميع
آلياتها وعملياتها المستمرة واستنباط المواقف والآراء الصحيحة إزاء
مخاطرها الحاضرة والمستقبلية وتاثيراتها على الثقافة والهوية العربية(1).
فهل تشكلت العولمة في رحم ثقافة أو فلسفة أو إيديولوجية معينة، أم أنها
ظاهرة أو ثقافة جديدة ترمي إلى أخذ موقعها بقوة في العالم؟ وهل هي خير
محض، أم شر محض لذاته، أم ماذا؟
يمكن القول أن هذه التساؤلات ربما تتجاوز حدود هذه الورقة، فما يهمنا
معرفته أساساً هو أسس التعامل عربيا مع هذه الظاهرة واتخاذ المواقف
اللازمة للحيطة من مخاطرها.
يقول علي حرب إن من العوامل التي ساعدت على بروز ظاهرة العولمة هي
الحداثة وما بعد الحداثة واكتشافات الهندسة الوراثية، وجميعها ما هي إلا
مقدمات ومدخلات أساسية لهذه الظاهرة(2).
فالعولمة ينظر لها على أنها مرحلة الاجتياح الغربي وخاصة الاميركي لصب
العالم في قالب النزعة المركزية الغربية على نحو غير مألوف ومسبوق ودرجة
لم يسبق لها مثيل، عن طريق التطورات الجديدة والمستجدات في بنية الحضارة
الغربية بتزايد فرعونيتها وقارونيتها وبضبط تناقضاتها وبفعل تطورات عالم
الاتصالات والتقنيات المعلوماتية(3). إن العولمة وبشيء لا يقبل الشك
أصبحت وبالاً ثقيلاً على مجتمعاتنا العربية أكثر من مزاياها، ولربما
السبب في ذلك هو صعوبة التعامل بمنهجية صحيحة لكسب وجني ثمار هذه الظاهرة
التي وضعها الغرب وصدرها بأرقام سرية لا يستطيع أن يوجهها ويتحكم بها إلا
من يعرف كيفية الولوج إليها والتعامل معها. وعلى هذا الأساس تظهر لنا
العولمة بحقيقة واحدة هي استلاب الفرد من جذوره، وصورة لهيمنة مروجيها
على العالم أجمع لضعف التعامل معها منطقيا.
بعض وجهات النظر ترى العولمة بأنها تبشير سيء يروم المبشرون بها إلى
إرجاع العالم بما فيه إلى العصور القديمة المظلمة في تاريخ البشرية حيث
كان العالم مقسما إلى طبقتين هما طبقة الإقطاع وهي الأقلية الضئيلة وطبقة
الأكثرية الساحقة من الفقراء والعبيد، وتشكل الطبقة الإقطاعية في عصر
العولمة مجتمع الخمس الذي بنى لنفسه قلاعاً حصينة ومنعزلة تكبرا وخوفا من
الأربعة أخماس الأخرى(4).
فيما سبق لا يمكن الجزم بأن العولمة ظاهرة مميتة إلى هذا الحد بإعادة
البشرية إلى بداية انطلاقها، فربما تكون مزاياها على استعداد لنقل
البشرية إلى عصور متقدمة وليست متأخرة، إلا أنه ما يخيف حقاً هو عدم ثبوت
دوران هذا الظاهرة وعدم ركونها على أبعاد محددة، فهي مملوءة بمستجدات
تكاد تجعلنا نعيد الحساب ألف مرة للاستعداد لها مجدداً.
لذلك فقد أصبحت العولمة أسلوباً جديداً لفرض القهر والحرمان والعوز على
الأمم المستضعفة تحت شعارات التوزيع المتكافئ للموارد والحرية
والديمقراطية(5).
إن الآفاق العربية تشير إلى أن العولمة بالنسبة لنا معول يهدم كل
أساسياتنا ما لم يتم معرفة الأسلوب الصحيح للتعامل معها.
وعليه فإذا كانت العولمة هي الصورة الجديدة للفكر البراغماتي بنزعته
المحمومة إلى الهيمنة على الآخر المتمثل بالشعوب المستضعفة ومنها العالم
العربي، فإن هذا المظهر أو الصورة جل ما تستهدفه إنسانية الإنسان فتسحقها
من خلال محاولاتها الساعية إلى بناء مجتمعات التماثل والسعي إلى قولبة
وتنميط شخصية الإنسان ووضعها موضع الخضوع للأقوى والاستسلام لسطوته
وقوته(6).
لقد جاءت العولمة نتيجة لسياسات وإرادات الحكومات وبرلمانات الدول التي
وافقت ووقعت على القوانين والاتفاقيات التي تلغي الحدود وتجعل حركة السلع
والخدمات ورؤوس الاموال تتدفق بانسيابية في الأسواق العالمية دون حواجز،
وعلى الرغم من أن هناك دعوات تصف العولمة بأنها في طور النشوء وبأننا لم
نصل إلى عصر العولمة بالكامل إلا أنها لم تعد تنتظرنا خلف الباب تستأذننا
للدخول، بل هي بدأت تمارس فعلها على هذا الكوكب منذ سنوات، كما إنها لم
تعد مجرد مفهوم بل ممارسة وسلوك يومي وعملية مستمرة بشكل متنامٍ ومتطور
يمكن تلمسه من خلال مجموعة المؤثرات الكمية والكيفية لها(7).
إننا لم نبحث في ثنايا المفاهيم والمصطلحات لنفتش عن العولمة كظاهرة بدأت
تخترق بل وتسيطر على العالم، وإنما عندما مستنا أذرعها اللامتناهية بدأنا
نحيطها بنوع من محاولة تفسير أوجهها الكثيرة. فالعولمة أرغمتنا على النظر
إليها ومواجهتها أو الذوبان معها أو العزلة عنها، فقد دخلت إلينا لتحذرنا
من مغبة عدم التحرك والوقوف موقفا جامداً تجاه مثل هذه الظواهر.
لقد باتت العولمة عملية مؤداها تحطيم قدرات العالم الثالث وخاصة العالم
العربي والإسلامي على النمو والإنتاج والنهوض مضيفة إلى فقره فقراً
وعوزاً والى ضعفه ضعفاً، لتوالد الأزمات في أرض مهدت لذلك. ويدعم ذلك
الرأي المفكر الفرنسي (جورج لابيكا) الذي يرى أن هذه الظاهرة ما هي الا
حركة مدعومة من قبل الطرف الأقوى في العالم (أمريكا) والشركات المتعددة
الجنسيات والتي هدفها إنهاك وسحق مواطني العالم بأسره وخلق شخصية كونية
على غرار ما تسعى وتطمح له(8).
إن الإمبريالية الأمريكية وجدت فرصتها في التمدد والهيمنة على كثير من
مناطق العالم عموماً وعلى المنطقة العربية خصوصاً تحت ذرائع «مقاومة
الإرهاب» وجوهره مقاومة وتركيع كل إمكانية أو حركة تستهدف إقامة عوامل
التطور والتحرر والقوة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإعادة هيكلة
هذه الشعوب وجعلها تدور في فلك تابع لها مع تحديد الدور الوظيفي للعدو
الصهيوني بما يتوافق مع مستجدات المصالح الأمريكية المعولمة الراهنة،
بحيث تشكل إسرائيل دولة مركزية في قلب المنطقة العربية تحيطها مجموعة من
دول الأطراف مسلوبة الإرادة، مما يسهل عملية التطبيع والاندماج
الإسرائيلي في المنطقة العربية في جميع الجوانب تمهيداً للقضاء على الأمن
القومي العربي عامة(9).
من خلال التمعن جيداً في المعنى السابق يمكن الاستدلال على بعد العولمة
الحقيقي وماذا تريد بهذه المراوغة الذكية حقاً من خلال دخولها العالم
بسلاح ذي حدين، ممكن الاستفادة منه وممكن أن يصبح نقمة على الذين يسيئون
استخدامه، إلا أن ما تريده العولمة وتسعى له هو عدم تمكين الشعوب الضعيفة
من فهم مكنونات العولمة الحقيقية، أي معرفة نقاط ضعفها لمواجهتها. فالأمر
بات واضحاً أنها مشروع يفرض التبعية على أمد طويل للدول التي تخضع لها.
فهل سنقف مكتوفي الأيدي بعد أن بانت لنا صورة العولمة، ونعقد الأمل على
مجرد عرض مفاهيم هذه الظاهرة دون محاولة وضع ولو أسس بسيطة للخروج بخيار
ينقلنا إلى الضفة الأخرى بسلام ونحن نواجه هذه الظاهرة؟ وذلك ما سنحاول
العرض له في المحور الآتي.
سبل التعامل العربي مع العولمة:
ربما يكون عنوان هذا المحور هو فوق الطموح، ولربما يأتي مناقضاً لما
أسلفنا القول فيه من أن العولمة عبارة عن طلسم معقد وليس قالبا جاهزاً
معروفة أبعاده بدرجة كبيرة، إلا أن ذلك لا يعني عدم محاولتنا بناء
مرتكزات أساسية تحدد موقعنا من هذه الظاهرة ودرء أخطارها في حالة الفشل
في حل رموزها والاستفادة منها إن تمكنا من ذلك.
يقول محمود أمين(10): «ليس هناك أخطر على ثقافتنا العربية وإنسانيتنا
عامة من الدعوة إلى الاستسلام لهذه الظاهرة والهيمنة الرأسمالية
باعتبارها قدرا تاريخيا لا فكاك منه في صورته الراهنة، وبالتالي الدعوة
إلى حتمية الاندماج والتكيف الهيكلي معها دون تحفظ ومراعاة للخصوصيات
والهويات الثقافية والمصالح القومية للوطن العربي».
إن الخيار الأكثر واقعية في التعامل مع هذه الظاهرة هو التعامل الايجابي
معها، لفهم مضمونها ومعرفة وتحجيم الخسائر المتوقعة منها والحصول على
المكاسب الكبيرة منها(11). فأسلوب غض النظر عن هذه الظاهرة لم يعد مجدياً
في وقت لم تمنحنا العولمة الفرصة لنحيد عنها وعن مؤثراتها المتعددة،
ولربما ما نطمح له هو مواجهتها من خلال مداعبتها لترويض جموحها وكسبها
لصالحنا ومعادلة كفة الميزان.
اليوم تتركز مخاوف دعاة العولمة من مقاومة شاملة للعالم الإسلامي ومنه
الوطن العربي في القلب بشكل خاص، قناعة منهم بأن الشخصية العربية المسلمة
تحمل في ثناياها عقائد وقيماً تعمل على النقيض من عقائد وقيم العولمة
الغربية والرأسمالية. فالإيمان بقوة الحق وتمييزه عن الباطل والسعي
لمنفعة الناس والتكافل والنهي عن التبذير.. الخ، كلها قيم تناقض العولمة
ومفاهيمها وغاياتها، وهذا ما دفع بكثير من دعاة العولمة إلى تبني فكرة
إقامة جبهة عالمية ضد الإسلام تكون مهمتها الأولى إخضاع العالم العربي
والإسلامي من خلال تعاون ثلاثي تمثل أطرافه الصهيونية والشعوبيات
والرأسمالية(12). إن أمريكا بتصديرها لهذه الظاهرة كانت على يقين تماماً
من أن مهمتها ليست سهلة ولكنها كانت متأكدة أيضا من أنها ستبرقعها ببرقع
يموه النفس ويخلب الأبصار من أجل تقبلها، فعملت جل سعيها لغرض زرع
العولمة بطريقة مبطنة في العالم الإسلامي ومغلفة بأذرع العولمة المختلفة
التي تحمل معها ايجابيات بقدر سلبياتها الكثيرة.
فما هي الخطوة الأولى التي نضع أقدامنا عليها للبدأ بمواجهة العولمة؟
إن مواجهة هذه الظاهرة تستلزم العمل على أربعة
مسارات متكاملة(13):
أ) إعادة بناء نظام عربي سياسي وأمني على أسس تضامنية وتكاملية، والخلاص
من واقع التناحر والتفكك السائد في الفترة الراهنة، وما يرافق ذلك من شلل
في القدرات العربية جميعها.
ب) السعي لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي الذي يكون السوق العربية
المشتركة لتحقيق التنمية العربية.
ج) منع السموم الثقافية والإعلامية لآليات وأذرع العولمة على ثوابت
الهوية العربية وخصالها الايمانية والحضارية والتسلح بعقلية انفتاحية على
كل معطيات العلم والفكر والتطور التكنولوجي وقراءتها قراءة نقدية تتفاعل
معها لتطويعها بما يتناسب مع قواعد وضوابط فكرنا، فلا نرفضها بدواعي
الخوف والعداء لكل ما هو أجنبي، ولا نذوب فيها بتأثير عقدة النقص تجاه
الآخر.
د) ضرورة إعطاء وإطلاق حرية الشعب في التعبير عن حقه.
وعلى الرغم من سهولة الخطابات وسهولة تجميع الطموحات، إلا أن تحقيقها
يعتريه نوع من الصعوبة، لكنها ليست مستحيلة. فحقيقة ان كان الوضع العربي
يدرك ما عليه أن يفعله بوضع هذه الأجندة في قائمة حساباته، ممكن له أن
يتخلص من كل مخاطر العولمة التي هي بالتأكيد قادرة على سحق وتفتيت أسسه
إذا ما استمر على الوضع المأساوي الذي هو عليه.
إن تحديات العولمة لربما تثير فينا روح المقاومة والتفاعل الايجابي من
أجل كسب هذه الظاهرة لصالحنا، حيث إن الآفاق ليست قاتمة دائماً فلا توجد
هناك حتمية اجتماعية مطلقة تفرض على الإنسان أن يذوب في قدره ويستسلم
لمسلخ العولمة(14).
إن على البلدان العربية أن تدير حوارا دينيا ثقافيا- حضاريا للوصول إلى
تسوية لكل نزاعاتها، وإيجاد صيغ جديدة للعلاقات الثقافية الحضارية بينها
من ناحية قوى العولمة والقضايا التي تفرزها هذه الظاهرة. فعلى الرغم من
مركزية مفهوم وحدة الأمة الإسلامية والعربية، إلا أن الوطن العربي ما زال
يتصف بعدم التجانس في مستويات كثيرة(15)، وذلك ما يبرر الوهن الواضح في
الهياكل العربية من جراء عدم الإدراك الواعي لأهمية التوحد سواء في الأمد
الحالي أو الأمد المنظور في التحصن وبشكل لا مبالغة فيه من تداعيات
العولمة وآثارها.
لعل فتح حوارات جادة ومنافذ جديدة لجميع مجتمعات الوطن العربي تشارك فيها
في صياغة أسس وضوابط لعملية التفاعل بين الثقافة العربية والعولمة، ربما
تؤدي إلى تعظيم المساهمة الفعالة للأبنية العربية في استخدام التكنولوجيا
الحديثة المتطورة التي دفعت بها العولمة إلى عوالمنا وتطوير قدراتنا لغرض
استيعابها بالشكل المطلوب مع ضرورة التفاعل مع الأجندات العالمية التي
تثري الثقافة العربية بمضامين إنسانية تؤهلها للمشاركة في اختطاط مصير
العالم، وبالتالي تكون الثقافة العربية أداة لإعادة تأهيل العرب لهويتهم
وحضارتهم(16). فإيجاد أسس التحصن الذاتي المبني على التوعية الثقافية
المركزة هو المنهج الأكثر فاعلية وجدية في مواجهة تداعيات العولمة من
خلال تقنيات وتكنولوجيا العولمة، مع تغذية مستمرة وتلقيح معلوماتي مستمر
لمواجهة أدوات العولمة(17). وهي التي بدأت تتدفق بشكل حر وانسيابية كبيرة
لا يحدها أو يمنعها أي حاجز أو مانع من الوصول الينا والتلاعب بمقدراتنا.
لقد أصبحت وسائل الاتصال والمعلوماتية تلعب دوراً كبيراً في النظام
الإعلامي الجديد، إلا أن المشكلة تكمن في أن الطرف الأقوى هو المسيطر وهو
الذي يفرض ثقافته لامتلاكه أقوى وأشهر قنوات الاتصالات والبث الحر
ووكالات الأنباء والصحف العالمية والبث الإذاعي وفي مختلف اللغات؛ الأمر
الذي جعل من فضاءاتنا ساحة لتلقي هذه الثقافات المختلفة التي تنقلها هذه
الآليات والتي بعضها يتناسب وما نعتقد ونتبنى والآخر يخالف ما نسير عليه،
لذلك يتوجب علينا التعامل بموضوعية مع هذه الآليات وبحكمة وتروٍ(18).
إن ما هو معروف ولا يقبل الجدل أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، لذلك أصبح
من الضروري أن تستخدم مجتمعاتنا الأدوات المعلوماتية المختلفة لمواجهة
المعلومات المضادة ونشر كل ما هو ايجابي بالاتكاء على هذه الآليات من
خلال بث قيمنا وتقاليدنا السامية والأخلاقيات الرفيعة التي من الممكن أن
تقف نداً لكل ما يروج ضد الثقافة العربية عبر هذه الآليات، وذلك من خلال
تأسيس فضائيات عربية هادفة ومواقع انترنيت متنوعة وبناءة(19)، مع تحميل
هذه المواقع بما يعود بالفائدة على أبناء المجتمعات العربية وجعلها مرآة
عاكسة لمضامين الدين الإسلامي الحنيف والشعوب الجادة في نهجها
وتعاملاتها، وتفنيد جميع الافتراءات المغرضة التي تبث عبر هذه الفضائيات
وشركات الانترنيت ضد العرب والمسلمين وإحراز رصيد متنامٍ من المواد التي
تنمي الفكر وتساهم في جعل العقل العربي مواكباً لكل ما هو حديث ومتطور،
وذلك ممكن تحقيقه بفضل التبادل الاعلامي المتوفر وآليات المعلوماتية
المختلفة.
إن هناك من ينادي بضرورة بناء عولمة نقيضة للعولمة المألوفة حالياً، ولكن
هل سيكون جوهر هذه العولمة مرادفاً للعولمة الحقيقية؟
ربما تكون اللحظة قد حانت لتأسيس عولمة نقيضة من نوع آخر، عبر أممية
جديدة، ثورية وعصرية وإنسانية، تشكل التحالفات القومية المعبرة عن مصالح
الجماهير الكادحة والفقيرة في البلدان المستضعفة(20)، وأداة فعالة لنقل
هذه البلدان إلى سلم التطور الحضاري والنهوض الشامل.
إننا يجب أن لا نغفل عن واجبنا تجاه النشء المحاط بآليات العولمة
والمعلوماتية حتى يتمكن من تحقيق التوازن بين الاستفادة من هذا المد
الغربي وقيمنا الإسلامية السامية. فمن الضروري تقوية وتنمية الشخصية
القومية لديهم بحيث يكون لدينا الإنسان المسلم المنتمي إلى إسلامه
والإنسان العربي المنتمي إلى عروبته(21).
لقد باتت المسألة تحديا واضحا لما ينبغي علينا أن نفعله، فالوقت سيداهمنا
إن غفلنا لحظة، فلا مجال للكسل والركون حتى لمجرد التفكير، بل يجب
الإسراع وبجهد كبير على الأقل للحاق بهذه الظاهرة ولمعرفة موقفنا وموقعنا
في حساباتها الخاصة.
ولما كانت مواجهة اخطار العولمة عربياً تتمثل في بعض جوانبها بتحقيق
السوق العربية المشتركة وغيرها من المؤسسات العربية الإسلامية المنبثقة
عن الجامعة العربية على المستوى الخارجي، إلا أنه على المستوى الداخلي
يجب على كل دولة مواجهة العولمة بزيادة التكافل الاجتماعي الذي ترعاه
الدولة وزيادة الرعاية الاجتماعية والتأمينات الاجتماعية وتقوية مؤسسات
المجتمع المدني دوراً وحضورا(22)، حيث أن ذلك كلّه كفيل بمناقضة قيم
العولمة في جوهرها الحقيقي. فالمسألة محسومة ولكن الصعوبة تكمن في الرغبة
الحقيقية والجادة في تحقيق ذلك، وهل أن هناك استعداداً فعلياً للقضاء على
مخاطر العولمة ومحاربتها؟
ومن ذلك يبرز الدور الجوهري الذي يجب على المثقف العربي ان يضطلع به
لإتمام ذلك، حيث يجب على المثقفين وحتى الساسة وجميع الفاعلين المدنيين
في المجتمعات العربية مقاومة تيارات العولمة الجارفة ومخاطرها(23).
إن وظيفة المثقفين كانت ولا تزال منذ عصر النهضة وفي شطر كبير منها هي
السيطرة على عالم الخطاب أكثر مما على عالم الحقائق، وعلى المفاهيم أكثر
مما على الوقائع، وربما على الأذهان أكثر مما على الأعيان(24).
فهل يجب أن يستمر هذا الدور غير المجدي للمثقف العربي لتحقيق عولمة نقيضة
تواجه العولمة الأم؟
إن ما ينبغي على المثقف العربي أن يزيح النقاب عن ما يؤدي إلى الوقوع في
آفات أشد فتكاً بالمجتمع العربي وشبابه جراء العولمة ومنزلقاتها. فيجب
التعامل بردع أكثر مع هذه الآفات التي تهدد وضع الشباب العربي النفسي
ومستقبلهم الإنساني في المجتمعات العربية والإسلامية، مثل الإدمان على
المخدرات التي قد تجعل من الشباب العربي حاضنة لجرثومة الإيحاءات الوافدة
عن طريق آليات العولمة والمعلوماتية، وبالتالي الإطاحة بالواقع العربي
ورسم صورة غربية بديلة له(25)، بل ربما يصبح الشباب العربي في هوة عميقة
يستقر فيها نتيجة للصدمة التي خلقتها له هذه الظاهرة دون مصدات أمان
تحاول أن تجعله في الصورة في ما يدور حوله وكيفية ما ينبغي التعامل به مع
العولمة والمعلوماتية وآلياتها المختلفة.
حقيقة القول إن العرب والمسلمين في مواجهة صعبة جداً إلا أنها ليست
مستحيلة لمواجهة عدو لا يستخدم في الكثير من أساليبه الأسلحة والدم،
ولكنه يستخدم ما هو أمضى منهما، من خلال قولبة العقول وجعلها رافضة
بواقعها المحيط بها، مع تحجيم لقدراتها وطاقاتها على النهوض والابتعاد عن
معرفة كيف تتحرك وتسير العولمة.
خاتمة:
بعد هذا السجال حول إمكانية تطويق مخاطر العولمة، لا ينبغي القول إننا
أحطنا إحاطة شاملة بما يجب أن نفعله لهذه الظاهرة وإعداد العدة لها، وذلك
يعود كما أسلفنا القول إلى طبيعة هذه الظاهرة التي لا تكاد تستقر على وضع
معين، فهي متجددة تحمل معها في كل حين ما يحتاج إلى إعداد العدة له من
جديد، إلا أن ما طرحناه يمكن أن يجعلنا على معرفة واضحة بالموقع الذي نقف
فيه أمام هذه الظاهرة وما ينبغي علينا فعله، وربما تحصين أنفسنا على
الأقل من أخطارها التي قد تلحقنا إذا لم تسعفنا قابلياتنا وطاقاتنا على
إدراك كنهها بشكل مطلوب. فالأمل كبير على الطاقات العربية التي بإمكانها
أن تجعل من العولمة أداة نهوض بدلا من كونها أداة انتكاس لها من خلال
التعامل بمرونة وموضوعية جادة معها بالأخذ من مكاسبها دون الإصابة
بأشواكها الضارة.
الهوامش
ـــــ
(*)
اكاديمي من العراق.
(1) أحمد بوفري، المثقفون العرب والعولمة مجلة النص الجديد، العدد
الثامن، الرياض 1998م، ص16.
(2) علي حرب، فتوحات العولمة ومأزق الهوية، المركز الثقافي العربي، بيروت
1999م، ص16.
(3) محمد عمارة، مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية، مجلة
العروبة، العدد الخامس عشر، المنامة 2000م، ص39.
(4) مرتضى معاش، العولمة رؤى ومخاطر، مجلة النبأ، العدد 35، السنة
الخامسة 1999م:
www.annabaa.org/nba35/alawlama.htm-35k
(5) نفس المصدر السابق.
(6) وليد خالد، الاستعلائية والعدوانية تجاه الآخر في الخطاب الثقافي
الأمريكي، مجلة النبأ، العدد 72 السنة العاشرة 2004م، ص14-15.
(7) علي عبد الله، العولمة التحديات والأبعاد المستقبلية، مجلة النبأ،
العدد 57:
www.annabaa.org/nba57/alawlama.htm-31k
(8) من ظواهر العولمة، مقال على الانترنيت:
www.islamweb.net/umma/86/umm-owlam4.htm
(9) غازي الصوراني، العولمة وطبيعة الأزمات في الوطن العربي وآفاق
المستقبل، مجلة المستقبل العربي، العدد 293، السنة 26، مركز دراسات
الوحدة العربية 2003م، ص105.
(10) باقر سلمان النجار، العرب والعولمة – المخاوف والتحديات، مجلة
البحرين الثقافية، السنة السابعة، المنامة 2000م، ص144-145.
(11) جيهان سليم، عولمة الثقافة واستراتيجيات التعامل معها في ظل
العولمة، مجلة المستقبل العربي، العدد 293، السنة 26، مركز دراسات الوحدة
العربية، 2003م، ص133.
(12) سمير مصطفى الطرابلسي، العرب في مواجهة العولمة، مقال على الموقع
العربي العملاق 2004:www.bab.com/articles/full-article.cfm?id=2183
(13) نفس المصدر السابق.
(14) مرتضى معاش، العولمة رؤى ومخاطر، مصدر سابق.
(15) جيهان سليم، عولمة الثقافة واستراتيجيات التعامل معها في ظل
العولمة، مصدر سابق، ص133.
(16) المصدر نفسه، ص136.
(17) مرتضى معاش، العولمة رؤى ومخاطر، مصدر سابق.
(18) كيف نواجه خطر العولمة الداهم؟! مقال على الانترنيت، مجلة الوطن
2004:
www.alwatan-news.com/data/2004 0126/index.asp?content=fwriter
(19) مرتضى معاش، العولمة رؤى ومخاطر، مصدر سابق.
(20) غازي الصوراني، مصدر سابق، ص117.
(21) كيف نواجه خطر العولمة الداهم، مصدر سابق.
(22) العولمة الحقيقية والأبعاد، مقال منشور على الانترنيت:
www.al-ommah.org/ncat5-4.htm
(23) سعيد الصديقي، هل تستطيع الدولة الوطنية أن تقاوم تحديات العولمة،
مجلة المستقبل العربي، العدد 293، السنة 26، مركز دراسات الوحدة العبية،
2003م، ص98.
(24) جورج طرابيشي، العولمة وانعكاساتها على الثقافة العربية، مجلة
البحرين الثقافية، السنة السابعة، المنامة، 2000م، ص104.
(24) د. سعد العبيدي، العولمة وتجلياتها النفسية ومؤشرات التعامل معها
عربيا وإسلاميا، مجلة النبأ، العدد 52، 2000م:
www.annabaa.org/nba52/alawlama.htm-52k
|