الحضارية «دراسات شرقية غربية»

الاربعاء: 18/06/2008


العراق في رحلة مدام «ديولافوا»
من المحمرة الى البصرة وبغداد

الكتاب: رحلة مدام ديولافوا (1299 هـ - 1881 مـ)
ترجمها عن الفارسية: علي البصري
مراجعة وتقديم: د. مصطفى جواد
الناشر: الدار العربية للموسوعات ط1 ـ بيروت 2007
تلخيص: د. علي عبد الهادي المرهج(*)
حجم الكتاب: 17 سم X 24 سم
(خاص للمعهد)
عدد صفحات الكتاب: 176 صفحة

ديولافوا فنانة فرنسية زوجة مارسيل ديولافوا المهندس المعماري الذي اغراه الشرق واراد ان يعرف عنه الكثير ولم يشف غليله ما قرأه عن الشرق فأراد ان يراه على حقيقته فيمم وجهه شطر هذا المكان من الكرة الارضية عام 1881 على حسابه الخاص برفقة زوجته وكان العراق احد محطات هذه الرحلة.
في سبتمبر 1881 ابحرت بهما السفينة الى نهر الكارون وبعد يومين وصلا المحمرة وبعدها استقرا لبضعة ايام في البصرة التي تصفها ديولافوا بأنها «بندقية الشرق» حيث المرفأ الجميل والنخيل السامق والحقول الزاهية التي تخترقها مجاري المياه الرقراقة وفيها قطعان الجاموس والبيوت مختفية تحت ظلال غابات النخيل الكثيفة واشجار الليمون المثقلة بأثمارها ذات اللون الاحمر الجميل واشجار الموز بأوراقها العريضة التي تزيد هذا المشهد روعة وابداعا فضلا عن الزوارق الجميلة.(ص18 ـ ص19)
لكن الملاحظ في البصرة في ذلك الزمان والى اليوم هو عدم اهتمام السلطات بها وذلك ما كانت عليه السلطات العثمانية حيث السدود المهدمة والاوبئة المنتشرة الا ان مدام ديولافوا كان يثيرها موديلات الالبسة الجميلة في هذه المدينة فالنساء يلففن انفسهن ـ بدل العباءة ـ بقطعة رقيقة من القماش تسمى (إيزار) وهي منسوجة من الحرير الأزرق أو الوردي أو الاأبيض المصفر موشاة بأسلاك رقيقة من الفضة أو الذهب ويلبسن تحت الإيزار عادة ثوبا قصيراً قد وشي بالفضة او الذهب.
والغريب الذي تشير اليه مدام ديولافوا ان المرأة الارمنية لاتخرج سائرة كالمسلمة (ص25) أما الرجال المدنيون فلباسهم المتأثر بأوربا يقلل من قيمة هؤلاء بين السكان.
تشير الرحالة ديولافوا ان البصرة شيدت فوق ارض رسوبية وانها لم تكن من المدن القديمة إذ لم تنشأ الا بعد وفاة النبي العربي بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب فقد اتخذ منها مركزا تجاريا وعسكريا مهما في العراق تارة تكون تحت الحكم العثماني وتارة اخرى تحت الحكم الفارسي، التمر من محاصيل هذه المدينة يصدر منها سنويا الوف الأطنان الى الخارج (ص29) وهي مدينة تعايش يسكنها جميع الطوائف «انك تجد النساطرة والسنة والشيعة والبابية والوهابية والمسيحية الرومية والمسيحية الكلدية والصابئة واليزيدية واليهود والأرمن وغيرهم كل بجنب الاخر وقلما يحدث نزاع بين انصار هذه الطوائف التي تمارس كل منها شعائرها المذهبية الخاصة بمطلق الحرية والأطمئنان»، قارن ذلك مع وضع البصرة في القرن الحادي والعشرين.
كانت شركة لنج لندن، هي التي تنقل المسافرين من البصرة الى بغداد ولكنها «قذرة جداً» لأنها يترك فيها حرية القيام بعمليات الطبخ والغسل في ممراتها وعنابرها وهناك شركة عثمانية اسوء منها ولان مدام ديولافوا كانت تريد الرحيل الى بغداد وعلى وجه السرعة فقد ركبت احدى سفن هذه الشركة وقد وصفت مدام ديولافوا سلوك العثمانيين بأسوء وصف لاسيما قبولهم الرشوة وابتزاز الناس لاسيما الأجانب. مرت السفينة بمدينة «القرنة» والتي تصفها بأنها كانت تسمى «جنة الأرض»! (ص36)، ولكنها عند العثمانيين لا يطالعك فيها الا ساحل قذر تغطيه مياه الفيضان وموطناً للأمراض كما تستخدم محلا للجواميس.
بعد مرورها بعدة مدن لم تستقر بها وصلت مدام ديولافوا الى المدائن «سلمان باك» عاصمة كسرى ابرويز اذ تقول عندما يدخل الانسان في هذا البهو العظيم يؤخذ بالرهبة منه ويستولي عليه العجب العجاب لضخامته وعظمته على رغم مرور تلك العصور المتلاحقة من تاريخ انشائه وتصفه بكل جوانبه وابنيته باعجاب (ص42 ـ ص48).
أهم ما لفت نظر مدام ديولافوا بعد دخولها بغداد والاستقرار بها ملاحظتها وضع النساء فيها فقد وجدت اكثرهن يعانين الأذى لما يؤمن به الاهلون بعادات وتقاليد غريبة.
شاهدت قوافل الزوار حينما يتجهون الى الكاظمين «يحيط بها الاطفال السائبون ويأخذون في اسماع افراد تلك القافلة قارص الكلم وجارحه في وسط زوبعة من الهرج والمرج... ولا يستطيع الزوار اقامة دعوة في المحاكم فالمسؤولون الترك ـ في الواقع ـ يشجعون تلك الحوادث او تحدث بوحي منهم» ص76 ـ ص77.
تذكر الرحالة وجود مدرستين فرنسيتين واحدة في بغداد وآخرى في البصرة يتعلم فيها العراقيون من جميع الطوائف اللغة الفرنسية «تؤدي هاتان المدرستان نتائج بعيدة في تثبيت نفوذ فرنسا في الشرق وتوسيعه واني لمست اثار ذلك خلال سفرتي هنا وهناك بحيث اثلج صدري»!! (ص77)، كيف لا وهي الفرنسية التي جاءت وأحد دواعي سفرها هو هذا الامر.
وما لفت نظرها واعجابها واعجاب الراهبات المدرسات في المدرسة الفرنسية «ذكاء ونبوغ أطفال هذه البلاد»(ص78).
اما فيما يخص اثر الحضارة الغربية على مناطق الشرق فتشير مدام ديولافوا الى القول ان نقل الحضارة الغربية الجديدة الى الشرق والعمل على تمدينه وتلقيحه بمبادئ هذه المدنية المادية الحديثة يبدو مستحيلا لان ماكنة الحضارة الغربية ـ كما تشير ـ معقدة بحيث لا يستطيع ان يقوم بها شعب من شعوب الشرق الجاهل الساذج هذا...!!
لذلك ينبغي علينا ان نوجد مبادئ اخرى نستخلصها من روحيتهم وميزاتهم النفسية عند اذ تكون سياستنا نحوهم ناجعة ومفيدة ص83.
من الاشياء التي يجب ان يقوم بها الغربيون هو تغير انطباع الاتراك من الغرب والمسيحية لان «في قلوبهم حقدا دفينا للنصارى ويكرهونهم كهرا شديدا ذلك لانهم يروننا كفارا وخارجين عن كتاب الله وسنته فيجب الحذر منهم والابتعاد عنهم ما استطاعوا الى ذلك سبيلا! ثم لاننا نريد تغيير عاداتهم وتقاليدهم الشرقية بما يكلفنى من ثقافة وعلم وخلاصة القول انهم (الاتراك الشرقيون) يعدون معليميهم من الاوربيين أحقر وأقذر من الكلاب السائبة»! ص86.
وحين دخلا الى بغداد (مدام ديولافوا وزوجها) وجدا «ان النساء يرتدين ملابس فضفاضة تغطي اجسامهن من قمة الرأس الى اخمص القدم» ص62. «فضلا عن ذلك ففي هذه المناطق يحظر على النساء ان يشاركن في صيد الحيوانات الخطرة مع الرجال» ص63.
أما اسم بغداد فهو كما يعتقد المؤرخون الاولون يعني «هدية الله او انعام باك» وباك هذا هو اسم صنم قديم كان يقدسه الكلدانيون اما في اعتقاد العرب فأنه حرف من كلمة «باغ» التي هي البستان في اللغة الفارسية و «داد» الذي هو احد الزاهدين النساك والعلماء وكان يملك بستانا في هذا المحل بعينه لذلك سميت هذه المنطقة بأسم «باغ داد» اي بستان داد ويقال باغ داد اي بستان العدالة نسبته اليه وسميت هذه المدينة به ايضا عند تأسيسها. ص64
تشير الرحالة مدام ديولافوا الى ان هذه المدينة التي اسسها المنصور كانت مأهولة بالسكان وفيما اسس الخليفة العباسي جسرين عائمين يربطان الضفتين (ضفتا دجلة) احداهما بالاخرى وعلى اثر هذا اخذت بغداد تتوسع وأصبحت احدى المدن المهمة في العالم يومئذ، وفي الوقت الذي كانت اوربا غارقة في ليالي الجهل والوحشية كانت بغداد هذه موطن العلم والمعرفة ومركز الأشعاع في الدنيا كلها.ص65.
لم تغفل مدام ديولافوا الاشارة الى الصراع الفارسي العثماني اذ تذكر كيفية دخول ال بويه الى بغداد وصراع السلاجقة واستحواذهم عليها واحتلال بغداد كان يتم بالتناوب بينهما الامر الذي اجج الصراع الطائفي في هذه المدينة. ينظر ص66- ص68 .
وهذا ما نوه اليه الوردي في كتاب لمحات اجتماعية والذي نظر اليه بوصفه احد الاسباب الرئيسية في تأجيج الصراع الطائفي في تاريخ العراق.
تذكر هذه الرحالة ان مدينة بغداد في ايام رحلتها اغلبيتها من الطائفة السنية وتذكر سوء تصرف ابناء الطائفة السنية مع الشيعة.
أما اسباب التخلف وانهيار الدولة العثمانية فمنها كما ترى «تعدد الزوجات ومنها الاعتقاد بالقضاء والقدر اعتقادا راسخا وهذا الامر الاخير تتميز به السنة اكثر من الشيعة لان الشيعة معتدلون في سلوكهم ومسيرتهم فطائفتهم تؤمن بجانب سلطة القضاء المحمي بإختيار الانسان واثره فيما ياتيه من اعمال»! ص86.
«كثرة الزوجات ادت (بنظر ديولافوا) بالرجل المتزوج من اكثر من امرأة الى ان يقوم باعمال كثير ولا يتورع حتى عن المسائل غير المشروعة لكي يستطيع سد نفقاته المتزايدة» ص86، لذلك نجده منهك القوى فضلا عن لجوئه للرشوة الأمر الذي ادى الى خراب هذه الأمة.
اما القضاء والقدر فقد دفع بكثير من المسلمين الى الاعتقاد بالجبرية والقدرية اعتقادا مطلقا حتى صاروا ناسا كسالى متوانين وتركوا جميع أشياءهم في كف القدر. ص87، ومن الاثار التي تتركها عقيدة القضاء والقدر «انها تجعل منهم ناسا لا مبالين خانعين لايجشمون انفسهم التفكير في الغد وما يحمله لهم ولافي الاهتمام بمستقبل حياتهم وبحياة اولادهم».
وقد وجدت المستشرقة ان اليهود كانوا اكثر قوة لاسيما ما يتعلق بسيطرتهم التجارية والاقتصادية أما احياءهم فإنها تختلف عن احياء المسلمين فالمنازل ذوات شبابيك ومشارف ذوات سياج حديدي تطل على الأزقة والمرأة اليهودية عادة منزوية في البيت وتميل الى اقتناء الذهب والجواهر النفيسة والالماس (ص106) وهذا دليل عدم التفرقة والتعايش السلمي بين اطياف المجتمع العراقي فالأقلية فيه محترمة وتتميز بنفوذ واضح ولم يثر هذا حفيظة الاكثرية.
المستشرقة تناولت الصراع بين السنة الشيعة اذ نجدها بحكم معيشتها في ايران وبحكم اطلاعها البسيط على بعض عقائد المسلمين تجزم على ان الحق مع الشيعة في اعتقادهم بولاية علي (ع) وتقول «ان هذه المسألة اصبحت جلية لا تحتاج الى نقاش او جدل بحكم قربه من النبي (ص) لذلك اراني احترم الإيرانيين واجلهم لانهم يؤمنون بحق علي في الخلافة» ص126، والمستشرقة بشكل عام نجدها اكثر احتراما للإيرانيين منها للأتراك وتعتقد ان الشعب الإيراني اكثر تحضرا من الاتراك وهذه الأحكام نابعة باعتقادي من كونها في رحلتها زارت المناطق التي هي تحت الحكم العثماني والتي كانت تعاني اقسى حالات التخلف والجهل والاهمال من الاتراك فضلا عن فساد الموظفين الترك في هذه المناطق اذ نجدها تقول حينما زارت الحلة «يسكنها اليوم خمسة عشر الف نسمة تقريبا وهم خليط من العرب والكلدانيين وصناع اليهود ومثريهم وجماعة من الشيعة الإيرانيين، وموظفي الباب العالي، والطائفة الأخيرة تجدهم في اي بلد تركي وكانهم السرطان الذي يفتك بجسم تلك البلدان...» ص130 ـ 131 .
من كل ذلك نستطيع القول ان الرؤية الاستشراقية في هذه الرحلة تقوم على الاستفادة من علوم الانثروبولوجيا ودراسة واقع المجتمعات البدائية والنامية بغرض الاحاطة باخلاقيات وعادات هذه المجتمعات لنعرفة كيفية التعامل معها واستثمار طاقاتها البشرية والمادية خدمة للنزعة الكولنيالية التي دفعت باتجاه تطوير الدراسات الاستشراقية، لذلك نجد مدام ديولافوا في رحلتها للعراق تنظر الى هذا المجتمع بوصفه مجتمعا تنقصه الخبرة ويسوده الجهل على الرغم من التوافق الاجتماعي بين فئاته وهي تعتقد ان هذا المجتمع لديه القابلية على النهوض في حال استطاع التخلص من الهيمنة العثمانية، والرحلة في طياتها تحمل دعوة الى الدول الاوربية الى تخليص هذا المجتمع من الاحتلال العثماني، بمعنى اخر ابدال احتلال الشرق للشرق باحتلال الغرب للشرق مبررة هذا الاحتلال بكونه من واجبات المجتمعات المتقدمة تجاه الدول الاقل تقدماً! منطلقة بطبيعة الحال من مقولة مركزية الغرب وهامشية الشرق وان لم تستطع ديولافوا الفرار من الاعتراف بسحر الشرق وروحانيته.