الحضارية «دراسات شرقية غربية»

 الاثنين: 19/05/2008

 

الأصول المعرفية لمفهوم التفكيك(2/2)

جيمس. ي. فالكونر
ترجمة: الدكتور صلاح الجابري(*)

(خاص للمعهد)

فتن دريدا بهذه (اللامعرفة) وكان عمله يدور حولها:
لا يعني ذلك أني أحب اللامعرفة لذاتها، وعلى العكس من ذلك، أنا مستعد حتى للاعتقاد مثل بعض المسلمين، بأن (مداد المتعلِّمين أكثر قدسية من دم الشهداء)، لكن المقدس، بشكل دقيق، شيء ما آخر غير المعرفة تماما.
ما نقرءه أو نكتبه يمكن أن يكون مقدساً، لكن ما يجعله مقدساً هو شيء ما آخر غير ذاته، شيء ما خارج النص، شيء ما يدعونا النص أن نتذكره بينما هو، في الوقت نفسه، يستبعده بادعائه الضمني بالانتهاء والاكتمال. تكافح النصوص لتتحدث عن هذا الغير الذي تشير إليه لكن إشارتها لا تصل بالتأكيد؛ لأنها تتحدث دائما عما يحذف أخيرا من قبل النص، على الرغم من مقاصده أو مقاصد المؤلف(6). موضوع قصد النصوص يراوغ قصد النصوص. والمشكلة هي إنه، بالضد من ذاته، يزعم النص أنه لم يترك شيئا خارج ذاته، وأنه استعاد ما يدعونا إلى تذكرهِ؛ لأن النص يزعم أنه نقل ما هو بحاجة إلى استذكار من النسيان إلى المباشرة، وليس من الضروري أن يكون مُتَذَكَّراً دائماً.
وبسبب ان دريدا عني بهذه العلاقة بين النص، وما يتوق إلى أن يتحدث عنه النص ولكنه لا يستطيع، شَبَّه بعض النقّاد عمله باللاهوت السلبي(7). وبعد شيء من التردد الأولي، يعقد دريدا نفسه مقارنة تبين أنه من الخطأ القول بأن عمله يتألف من لاهوت سلبي. فهناك لحظتان في اللاهوت السلبي. الأولى تكتشف وتقول باقصى دقة ممكنة الأسماء والصفات الإيجابية لله. وعلى النقيض من ذلك، تبين الخطوة الثانية بأن تلك الأسماء غير مناسبة. على سبيل المثال، يجب على المرء القول «الله عادل»؛ وأنه من الكفر قول خلاف ذلك. ومع ذلك، فحالما يتقرر ذلك يصدق أيضا أن الجملة ليست مناسبة؛ فمن وجهة نظر المطالب بأن تقال الحقيقة الكاملة والنهائية، تكون الجملة ليست صحيحة. إذْ إننا نعرف فقط ما تعنيه العدالة بالقياس إلى عدالتنا الخاصة كنقطة مرجعية. ومن ناحية ثانية إن عدالة الله تتجاوز عدالتنا كثيراً إلى حد يصبح من غير الملائم أن نعبر عنها بالإسم نفسه. وهكذا يجب على المرء أن يقول أيضا «الله غير عادل»، لكن يجب على القرّاء أن يعنوا أيضا بكيفية قراءتهم لما يبدوا أنه يشبه الإنكار البسيط لعدالة الله.
يدرك اللاهوتي السلبي الضرورة المطلقة للكلام عن الله. ولذلك يكون علم اللاهوت ضرورياً. لكنه يقلق من أن يمنحنا لاهوتنا الانطباع بأننا أنجزنا الآن التفكير حول الله؛ فنحن نؤمن، ضمنياً على الأقل، بأن معرفتنا تشمل اللامتناهي. ويذكرنا اللاهوتي السلبي أيضا بمطلقية (لاتناهي) الله God's infinity بإيضاحه لنا فشل لا هوتنا الإيجابي affirmative theology. فالمسألة، بمعنى صريح، وليس تماماً، هي ليست وجود الله أو عدم وجوده، وإنما يجب أن نستمر في الحديث عن الله، نمجده، ونعظِّم عدالته. لأن ذلك يجعل من الممكن استمرار جوهر اللحظة التمجيدية الإيجابية الأولى للاهوت، واللحظة الثانية للاهوت، اللاهوت السلبي، الذي هو ليس لحظة إنكار تام، بل على الأكثر لحظة تمجيد كالأولى. وبالنسبة للاهوتي السلبي، ينبثق اللاهوت الصحيح لا من اللاهوت الإيجابي بذاته ولا من اللاهوت السلبي وحده، بل من «طريق ثالث»، التمجيد المستمر الذي ينفتح عن طريق المقابلة بين الطريقين الإيجابي والسلبي.
الفرضية العامة للتفكيك واللاهوت السلبي هي أن اللغة «تفشل» بالضرورة في قول كل شيء، وفي تذكر كل شيء، لكنها، مع ذلك، تقول شيئاً ما، شيئا ما حول أمر تفشل في استرداده. وإذ وضعنا هذا بلغة القصد، نستطيع القول بأن قصدنا يفشل في الوصول إلى هدفه، لكنه مع ذلك يشير نحو شيء ما. ما يستبعده النص يعرض ذاته في آثار مختلفة في داخل النصوص عينها التي تعمل النسيان. عني دريدا بمنطق القول هذا وليس بالقول، بالإدراج والاستثناء، بالحضور والغياب، بالكلام والصمت، بالذاكرة والنسيان.
في اغلب الاحيان ما لم ينطق به يهم المعنى. وفي أغلب الأحيان، على أي حال، هو ليس مجرد مسألة معنى. فالتفكيك يمكن أن يكون مسألة إظهار ما يحذفه النص، يتجاوزه أو ينساه. هناك أشياء متنوعة قد ننساها. ففي بعض الأحيان نخفق في تذكر الله، وشخص ما معه، وعلى العكس من العديد من التوقعات، يواصل دريدا اهتمامه، على الرغم من أنه لم يكن مؤمنا:
اتوجه بنفسي هنا إلى الله، الكائن الوحيد الذي اتخذه كشاهد، حتى بدون معْرِفة ما تعنيه تلك الكلماتِ الرفيعةِ، وهذا التركيب، والـ إلى، والشاهد، والله، واتخذ، اتخذ الله، ولم يكن الأمر فقط إني أصلي، وكأنني لم أتوقف مطلقا عن العمل له كل حياتي، والصلاة له، بل أتخذه هنا وأتخذه كشاهدي، أمنح نفسي ما منحنيه هو، على سبيل المثال، أن عيش مدة حياتي هو أن أتخذ الله كشاهد.
في السَنَوات الماضية الأخيرة، وبسبب، على الأقل جزئياً، اسواءِ فهم متعددة لعمله (اسواء فهم يسلم بمسؤولية جزئية حيالها)، كان دريدا واضحا حيال هذه البؤرة حول الغياب والحذف absence and omission كبؤرة اخلاقية. ومثل اللاهوت السلبي فإن عمله ليس عدميا أو مجرد عمل لعوب. ولم يكن عمله مجرّد تمرينَ في نوع جديد مِنْ النقدِ الأدبيِ (على الرغم من أنه ربما فيه نتائج تخص النقد الأدبي). في النهاية، عمل دريدا عمل أخلاقي. إن هدف التفكيك هو أن يساعدنا على تذكر ما النص يدعونا لتذكره لكننا ننساه بعد ذلك بسبب طبيعته الدقيقة. يدعونا التفكيك إلى فعل تذكر، تعجب، وثناء، وفي ذلك هو يدعونا إلى تذكر العلاقة بما نسيناه بدلا من أوصاف ما نسيناه. وعلى الرغم من أن الأفكار والكلمات والمعاني محذوفات مهمة، لكنها ليست مهمة جدا تقريبا مثل الناس غير المسمَّين الذين يُحذَفون في أغلب الأحيان، يُتجاوزون، ويُنسوْن. يعارض التفكيك الخفاء الظاهر للنصوص والممارسات لتتسنا لنا فرصة ملاحظة ما يجعل تلك النصوص والممارسات ممكنة، وحتى لو تمكنا من ملاحظته فقط في الذكرى أو الأثر الذي يتركه وراءه. ربما من غير الممكن تذكر ما نسيناه، لكن التفكيك يدعونا على الأقل إلى تذكر نسياننا له.
وكما يقول دريدا في الـ (Circumfesion): (ما قلناه حول الكتابة والأثر يُظهِر بأنه لا آليات ممكنة من دون وصف البديل، ولا داخل من دون علاقة بالخارج، ذلك الخارج الذي لا يمكن ببساطة أن يكون خارجا بل يجب أن يلاحظ ذاته في الداخل). وعلى العكس من أولئك الذين يرون فيه مؤيدا لفوضوية أو نسبوية بسيطة: (الشخص القانوني يمنح نفسه حق الاحتفاظ بعلاقة غير قابلة للنقض بالقانون معترَف بها من قبل القانون).
التفكيك ليس ساذجا في ما يكشف عنه لنا، وفي ما يدعونا لتذكره، المقارنة باللاهوت السلبي قوية: كما أن تفكيك دريدا لا يصلِح نص هيدجر، فهو لا يعتقد بأن التفكيك يمكنه، بإظهاره أخلاقيتنا وأنواع أخرى من المحذوفات، أن يجعل من غير الممكن استبعاد أحد. كما يوضح دريدا بكرم خالص، بأن التفكيك يتضمن أن لك شخص مستحيل. ويتطلب الكرم الحقيقي قرراً، وحصافة. تلك الحصافة، التي هي دائما تقيِّد الكرم والإدراك، أمر لا مفر منه. الهدف ليس إنهاء الاستبعاد والنسيان، بل إنهاء التفكير بهما. إن الهدف بالنسبة لنا هو أن نواجه تلك المحذوفات والاستبعادات، من خلال مواجهتهما، وإعادة التفكير في موقفنا حيالهما. لم يكن دريدا ساذجا إلى حد الاعتقاد بأن أي إعادة تفكير ستؤدي إلى إنهاء الاستبعاد. فهو ليس هيغل أو ماركس. فاللغة لا تستحوذ مطلقا على ما تهدف إليه بشكل كامل لأن الأشياء الخارجية، سواء الكلمات، الأشياء المادية، الأشخاص، العلاقات البشرية، أو الله، لا يمكن الاستحواذ عليها بشكل كامل - وسبب ذلك إن التفكير بأن شيئا ما يمكن الاستحواذ عليه كليا هو أن تفكر به بصفته ساكناً، بصفته مجرد من الإمكانية، وبصفته ميتا بمعنى دقيق.
على الرغم من أن الكلمات، والنصوص ضرورية، لكنها ليست ضرورية مثل التعجب، والثناء، والتبجيل. في الولاء لذلك التبجيل، تزودنا نصوصنا باللحظة الأولى للاهوت السلبي لدريدا، التي هي الاقرار، ويزودنا التفكيك باللحظة الثانية، بالرفض لذلك الذي يدعونا إلى الرجوع إلى التعجب والثناء، إلى شيء ما غير الاقرار أوالرفض. التفكيك فلسفة نقدية، تستخدم كلمة نقدي بمعناها الفلسفي: على أنها تبين حدود النص أو الممارسة التي نتفحصها وبالتالي نستطيع أن نرى تأثيرات تلك الحدود. تكون المعاني في بعض الأحيان مصطنعة. وفي بعض الأحيان شخص ما أو مجموعة من الناس متصنِّعين. وبعض الأحيان علاقتنا بالله متصنَّعة. وفي بعض الأحيان نكون غير متأكدين مما هو منجز، على الرغم من أننا متأكدين بأن هناك انجازات.
وكنتيجة للتفكيك، قد نعيد التفكير بأهدافنا، وكنتيجة معقولة، نواصل شيئا ما يشبه الوضع الحالي (مقارنة باللاهوت السلبي قد نواصل قول الأشياء نفسها حول الله) وبدلا من ذلك، قد نستطيع أن نختار شيئا ما (جديدا) ربما نبتكر علوم لاهوت جديدة)، لكننا إن فعلنا ذلك يجب أن نعلم مسبقا بأننا سوف نحذف فيما بعد ونستثني مجموعات جديدة أو أشخاص، أو أفكار، أو....
مثل اللاهوتي السلبيِ، لا يجادل دريدا بالضرورة من أجل نظام جديد أو مقاربة للمشكلات الفلسفية، والأدبية، أو الأخلاقية. ولم يكن الهدف استبدال اللاهوت القديم بلاهوت جديد يتجاوز أخطاء القديم. ولا يجادل ضد نظام جديد أو مقاربة. وبالأحرى هو يريدنا أن نبصر محذوفاتنا أو استثناءاتنا و اخفاقاتنا لكي يمكننا أن نفكر ونقرر من خلالها، وكذلك يمكننا أن نسلك أخلاقيا استجابة لها. إن عمل دريدا هو عمل توقير وثناء على لآخرين، لأنه يعتقد بأن الشخص الآخر، مثل الله، يفلت دائما من فهمي وإدراكي. الشخص الآخر غائب دوما عن أي نظام عقلاني، إذا كان ليس لعقل آخر غير ذلك المجسَّد، الكيان المادي، وبشكل خاص عقل حي، يتجنب العقلنة الكاملة.
ولذلك، بالنسبة لدريدا، على الرغم من أن التفكيك يتعامل مع النصوص، إلا أنه ليس طريقة لنقد النصوص، سواء المكتوبة، أو النصوص الاجتماعية، أو أخرى غيرها. إن التفكيك موقف، وبشكل خاص موقف أخلاقي (يستعمل الكلمة بالمعنى الذي استعملها فيه ليفيناس Lévinas، للإشارة إلى علاقة رئيسية، وليس بالضرورة قواعد للعيش في تلك العلاقات). وهو موقف بالمعنى الذي يدخل فيه المرء التواضع الاخلاقي والنظري في أساس ادعاءات النصوص والتحليلات. والتفكيك موقف تواصل التذكر، موقف تواصل الثناء. بتعبير ارسطو، التفكيك موقف اندهاش متواصل. وبتعبير سقراط، هو لحظة من الجهل، ما دعته القرون الوسطى المتأخرة «جهل متعلَّم». التفكيك هو لحظة واحدة في تواصل الفلسفة.
أسلوب دريدا ينفِّر بَعْض القرّاءِ. بعض ما قاله في مثل هذه الأماكنِ كما توحي بذلك مذكرات حول بول ديمان، إنه بسبب تأثيرات اسلوبه في النقد الأدبي الأمريكي، بدأ دريدا يضع أفكارا ثانية حول الطريقة التي كتب بها. لكن أسلوبَه اللعوبَ لَيسَ فقط نتيجة عنادِ أدبي. وباعطاء مقدمات وأهداف القراءة التفكيكية للنص، يُمْكِنُنا أَنْ نَستجوبَ مراتب مقالة نقدية واضحة. مثل هذه المقالة، ربما هي مراجعة لكتاب، تصرِّح، (إن هذا النص الواضح يحذف شيئا ما هو ذلك الذي استطيع أن أبينه لك ببساطة). وهكذا، إن الاستجابة البسيطة لا تدرك ضرورة الحذف. إنما تقف كاتهام للنص موضع الدراسة بدلا من تفكيكه. هذه الاتهامات ضرورية في بعض الأحيان. فالناس، بعد كل ذلك، يرتكبون أخطاء. ويرتكبون جرائم وآثام. الإتّهام يُمكنُ أَنْ يَكُونَ رَدّاً ملائماً عليها، لكن بسبب كون الاتهامات يمكن مقارنتها باللحظة الأولى الضرورية للاهوت السلبي، بتعبير آخر يمكن مقارنتها بلحظة في اللاهوت الإيجابي، فهي ليست تفيكيكات (والتفكيكات ليست اتهامات). يَلْعبُ دريدا، خصوصاً في عملِه المبكّرِ، بخطاباتِ الاستجابة وفكرةِ الاستجابة بدون إتّهامِ، يهدف إلى الاستجابة لمشكلات النصوصِ التي يَفْحصُها في إسلوب ملائم لنظريتِه، وفي نفس الوقت، يهدفُ إلى شَدّ جمهورِه(12).
في جزء من جملة طويلة جامعة لما تصفه، يقول دريدا عن كتابته:
أتذكر إني آويت إلى الفراش متأخرا بعد لحظة غضب أو سخرية في مواجهة جملة بروست... التي تقول: «إن العمل الذي يشتمل على نظريات يشبه شيئا ترك عليه شخص بطاقة تسعيرة»، ولم أجد شيئا أكثر ابتذالا من حشمة فرانكو البريطانية... أعترف بأني أكتب بسعر عال، أعرض، ليس لكي يكون السعر مقروءا للقادم الأول، بالنسبة لي وبالنسبة لأرستقراطية من دون امتياز، ولذلك بدون ابتذال، بالنسبة لديمقراطية الإلزام بالسعر الأعلى، أن تدفع السعر هو أن تقرأ السعر المعروض.
الكثيرون الذين قرءوا دريدا يفعلون ذلك من دون دفع الثمن. فهم لا يريدون أن يقرءوا بعمق وبشكل واسع من التقاليد الأوربية. لا يريدون أن يتعلموا لغات أخرى. لا يريدون أن يبدءوا عملهم التفكيكي بخلفية الثقافة الحذرة. هم كسالى. يريدون أن يتخطون اللحظة الأولى ويتعاملون مع اللحظة الثانية فقط (التي هي مستحيلة). آخرون كسالى لأنهم يعتمدون على وصف شخص آخر لعمل دريدا (مثل هذا الشخص) أو لأنهم يبقون ملتزمين بمثالية تنويرية ذات كمال، وتفسير عقلاني من دون مواجهة مشاكل ذلك الإلتزام. وفي كلا الحالتين، مثل هؤلاء الناس غير قادرين على قراءة بطاقة السعر (النظرية) لذلك العمل.
على أية حال، أسلوب دريدا ليس فقط نتيجة لكتابة عمل تفكيكي طبقاً إلى فَهْم نظريتِه. إنما هو أيضا نتيجة للطبيعة المفرطة للأشياء ذاتها وبناء على ذلك للنصوص. الطبيعة المفرطة للوجود ـ التي إن وجدت تكون رابطة امكانيات بدلا من كيفيات متحققة ـ تعني أن هناك دائماً لعبة في أشياء، خبرات بأشياء، وأوصاف، نوع من لعبة يكتشفها المرء في عجلة متحركة، مرونة وتغيّر، هات وخذ أكثر مِنْ البهجة أَو السذاجة (على الرغم من أن الأخيرين غير مستحيلَين). النَصّ البسيط غير ممكن لكنه يمتلك لعبة ما في داخله. لا يوجد نص يمكن تفاديه، حتى النص التفكيكي. اللغة تشبه ذلك؛ لأن الأشياء ذاتها تشبه ذلك. بعد الكلام والظواهرِ، نصوص دريدا السابقة كَانتْ أكثر تَكريساً للِعْب بتلك اللعبة، تفكيك نص عن طريق سن اللعب فيه في نَصٍّ آخرِ. من الواضح أن النصوص المبكرة لدريدا كرست اللعبة. القليل واضح إلى العديد مِنْ القرّاءِ، تلك اللعبة كَانتْ أيضاً تمجيد. العنصر اللعوب نفسه، يبقى عنصرا تمجيديا في كل نصوصه جميعا، حتى تلك النصوص التي تمثل جزءاُ من أعماله الأكثر قدما، عندما تكون أقل وضوحا.
لسوء الحظ، على أية حال أن يُفسّرُ المرء أسلوبَ دريدا، نتيجة ذلك الأسلوبِ الذي كَانَ البعضِ يَعتقدونَ بأن عمله فقط مسألة لعبة، فقط مسألة عَمَل مهما كان يريد المرء بالنَصِّ، ولهذا السبب، أيّ شيء ما عدا أن يكون مسألة توقير وإندهاش. بين أولئك الذين يَعتقدونَ هذا، يتخذ منه البعض كدلالة على عبقريته، وأخرون يتخذونه كدلالة على تشوشه. كلاهما مخطئان. على أية حال قد يظهر أنه لعوب من النظرة الأولى، لكن التفكيك لا يمكن أن يكون مجرد مسألة لعب. إن مجرد اللعب لا يبين لنا الآثار في النص التي لا تظهر بأي طريقة أخرى. في الحقيقة، أن مجرد اللعب لا يبين لنا سوى فراغ، بدلا من آثار غياب المعاني، والأشخاص، والله، بدلا من "فشل نصوصنا. بدلا من استدعائنا للتذكر، يقترح مجرد اللعب أنه ليس هناك شيء نتذكره. مجرد اللعب يشبه إلحاد بسيط بدلا من لاهوت سلبي. التفكيك، يشبه اللاهوت السلبي ولا يشبه مجرد اللعب، هو دائما أيضا مسألة قصد جدي واهتمام حذر بالنص أو الموضوع المدروس. ولذلك لا يكفي أن نعترض على أسلوب دريدا بصفته مرتبكا. فقد يكون غامضا، وهو كذلك بشكل متعمد. على أي حال، إن عدم الشفافية تلك هي مجرد غنى وامتلاء، انعكاس لغنى وامتلاء ذلك الذي تحاول الإحالة إليه. (من المؤكد أنه لا الشعراء ولا الناس المتدينين التزموا بشكل عام بالفكرة التي تذهب إلى أن اللغة يجب أن تكون قضايا واضحة ومتميزة. وأشك أنه يكون العديد من العلماء التجريبيين ملتزمين بذلك). إذا اعترض شخص على دريدا، فيجب أن يعترض على نظرية أسلوبه، نظرية الغنى في الأسبقيات والمضامين. أما الرفض فلن يكون مجديا.
سيشك البعض حول ما أقوله حول التفكيك. ربما يقولون (إنني لم اسمع مطلقا أي شيء مثل هذا)، أو (ذلك ليس ما تعلمته حول التفكيك). هو اغراء للاستجابة عن طريق الجري خارج مؤهلاتي. ولعمل ذلك، على أية حال، يدعو إلى مقارنة مؤهلاتي بمؤهلات الآخرين، وبعضهم الذين قالوا أشياء جاهلة حول التفكيك هم مع ذلك مؤهلون بشكل جيد جدا - أفضل مني من نواح عديدة. لا يمكنني أن اربح هذه المواجهة. لذلك، فلننظر، بدلا من ذلك، في تلك الاقتباسات من مقابلة مع جاك دريدا نفسه(13):
تَعلّمتُ الكثير مِنْ أساتذتي.... هذا الأمرِ كَانَ صعبَاً وثقيلاً جداً، ويُطلب طبقاً لمعاييرِ كلاسيكيةِ. وقد دُرّبتُ على تلك المعاييرِ الكلاسيكيةِ جداً. ومن المحتمل إن الناس الذين قَرأوني ويَعتقدونَ إنني أَلْعبُ بـ أَو أَنتهكُ المعاييرَ - وهو ما أفعله، طبعا - عادة لا يَعْرفُون ما أَعْرفُ: إن كل هذا لم يكن سببا في جعل التعليم ممكنا فحسب وإنما يتصل بشكل ثابت بإنضباط في الكتابة مطلوب، وصارم، وكلاسيكي جدا... إن حقيقة كوني أصادق إلى حد ما على هذا التعليم الكلاسيكي أمر مبهم... عندما أقصد المكتبات، يحصل ذلك دائما بمعيار البعد عن المقاييس التي أعرفها أو تلك التي تدرَّبت عليها بشكل صارم.
يَستجوبُ التفكيك الإطروحةَ، الثيمة، وموقعية كُلّ شيءِ... يَجِبُ علينا أَنْ نَدْرسَ النماذجَ وتأريخَ النماذجِ وبعد ذلك نحاول أن لا نفسدها من أجل تحطيمها وإنما أن نغير النماذجِ ونَخترعُ طرقاً جديدةَ للكتابة - لا بصفته اعتراضاً صورياً، وإنما لأسباب أخلاقية، وسياسية.
لن أوافق على رمي النصوصِ ببساطة في فوضى. أولاً، إن تفكيك خطاب تخصصي أكاديميَ لا يَعْني تَحْطيم المعاييرِ أَو دفع تلك المعاييرِ إلى فوضى لفظية. فأنا لا أفضل الفوضى.
بَدأتُ بالتراثِ. فإذا أنت لَمْ تُدرّبْ في التراث، إذن التفكيك لا يعني لديك شيئا. هو ببساطة لا شيءُ.
اعتقد إنه إذا كان ما يسمى (التفكيك) يؤدي إلى اهمال المؤلفين الكلاسيكيين، والنصوص القانونية، وهلم جرا، فإنه يجب علينا محاربته... أنا في جانب القانون، لكنني لا أتوقف هناك. أعتقد إن الطلبة يجب أن يقرءوا ما اعتبرناه نصوص عظيمة في تراثنا... يمكن للطلبة، دعنا نقول، أن يطوروا ممارسة تفكيكية ـ ولكن فقط إلى الحد الذي هم يعرفون فيه ما «يفككونه»: شبكة هائلة مِنْ أسئلةِ أخرى.
أنا أفضِّل التراث. أنا مُحترِم التراث وحبيبه. ليس هناك تفكيك من دون ذاكرة التراث. ولا أستطيع تخيل ماذا يمكن أن تكون الجامعة من دون مرجعية التراث، لكنه تراث غني إلى الحد الممكن ومفتوح للتراثات الأخرى، وهلم جرا.
إن مركزية العقل هي حرفيا، وفي حد ذاتها، ليست شيئا آخر سوى الأغريق. ففي كل مكان تكون فيه الثقافة اليونانية هي التراث المهيمن هناك توجد مركزية العقل logocentrism. ولن أثير، كنتيجة لهذا، استنتاجا بأننا يجب أن نتجاوزه ببساطة.
اعتقد إن الناس الذين يحاولون فهم ما أفعله أو ما يفعله التفكيك، على أنه، من جهة، يحاول أن يدمر الثقافة أو، من جهة أخرى، يرجعها إلى نوع من العدمية، وإلى نوع من الموت، هؤلاء لم يفهموا التفكيك.
التفكيك إيجابي بشكل جوهري. إنه في صالح إعادة تأكيد الذاكرة، لكن إعادة تأكيد الذاكرة هذه تتطلب مغامرات أكثر وأسئلة محفوفة بالمخاطر أكثر حول تراثنا، وحول مؤسساتنا، وحول طريقتنا في التعليم، وهكذا.
تأمل أيضا إنه في كتاب يشرح فكر دريدا (جاك دريدا)، يهمش دريدا في نهاية كل صفحة سلسلة من التأملات للرد على ذلك (التذييل هو سيركومفيشن). تأملات دريدا تتناول السيرة الذاتية، تأملات حول علاقته بأمه التي تتأخذ، من بين أشكال أخرى، شكل رد على فقرات من اعترافات أوغسطين. لا يستطيع المرء أن يكتب أو يتذكر بهذه الطريقة الواضحة من دون الاستعانة بالتاريخ الطويل للسيرة الذاتية، والاعتراف، والفلسفة، والأدب، الفن، والدين،... من دون نوع مِنْ المجونِ، ولا يستطيع المرء أن يكتب حول أم شخص آخر وموتها، ويصر، في الوقت نفسه، بأن تلك النصوص ليست مهمة، وأن الكلمات ليس لها دلالة.
توحي الاقتباسات والامثلة المأخوذة من عمل دريدا بأنه إما أن التفكيك قد أسيء فهمه بشكل كبير أو أن دريدا لم يوضحه بشكل جيد مطلقا. بَعْدَ قراءة العديد مِنْ أعمالِه، أعتقد إن البديل الأول هو التفسيرُ الأفضلُ. والحقيقة، على الرغم من أنني لست دريديا a Derridean، أعتقد إنه بمثل هذه الأشياء في الذاكرة يغير عمل دريدا طبيعته، ينتقل من نصوص لعوبة، مثيرة، بل من نصوص غير معقولة إلى نصوص لعوبة، مثيرة، استفهامية، وفي بعض الأحيان نصوص عميقة. وبقائمة طويلة لاسبقيات في التاريخ المسيحي والفلسفة المسيحية، ينظر دريدا إلى الكتابة بصفتها مساعد للذاكرة:(14) غرضها أن تساعدنا على تذكر ما ننساه دائما، الذي ينزلق فقط بسهولة جدا خارج فهمنا، سواء كان الذي ننساه هو ما نقصده، أولئلك الذين نعيش معهم، أو الله. يَكْتبُ دريدا ليدفعنا نحو التذكر. أعمال دريدا، كنصوص ذاكرة، تنتقل من وضعها كنصوص على هوامش النقد الأدبي والمصالح الفلسفية إلى نصوص تسأل عن هوامشنا، عما هو خارج تلك النصوص، وعما نسيناه، وربما بمخاطرة منا، أهملناه.


الهوامش
ـــــــ
(*) رئيس المنتدى الثقافي في الناصرية / معهد الأبحاث والتنمية الحضارية، أستاذ الفلسفة المساعد في جامعة ذي قار.
6. أحد أسباب صعوبة نثر دريدا هو أنه يختبر بنموذج ليرى ما إذا كانت هناك طرق لجلب فشل النص بشكل واضح إلى انتباه القارئ.
7. في، على سبيل المثال، كيفين هارت، انتهاك الإشارةِ (كامبردج: جامعة كامبردج، 1989).
8. أنظر، على سبيل المثال، المقالتان في كووارد وفوشاي، دريدا وعِلْم اللآهوت السلبي، خصوصاً الثانية حول ديونيسيوس ـ المزيف، "كَيفَ نتجنّبُ الكَلام: تكذيبات "(أولباني:
SUNY، 1992; 25-71 و73-142).
9. بدقّة أكثر، الانتباه يبلغ هدفه (بِالتعريف)، لكن هدف الانتباه وذلك الذي به يقصد الانتباه إلى غاية ليس متشابهان.
10. على سبيل المثال، أنظر العنوان الآخرَ (بلومنغتن، إنديانا: إنديانا، 1992) ومثل هذه الكُتُبِ كهدية الموتِ (شيكاغو: جامعة شيكاغو P، 1995)، الزمن المعطى: نقود مزيفة (شيكاغو: جامعة شيكاغو P، 1991).).
11- يَتذكّرُ المسيحيون المواثيقَ عن طريق المراسيم، والخطب، والحياة المسيحية، الخ. بتعبير أخر، هم يتذكرون ما ينوي أن يكون مسيحيا في ممارستهم، الذي قد يتضمن دوغمائية، واعتراف، ولاهوت، لكنه غير مقيد بهم. قد يقول المرء بأن دريدا يبحث عن شيء ما يشبه علاقة ميثاق في النصوص والفلسفة. هذه المقارنة لعملِ دريدا بعلْمِ اللآهوت المسيحيِ سَاحِرة ومثمرة، مع ذلك فإنني لَنْ أَستكشفَها هنا. (أولئك المهتمون يَجِبُ أَنْ يَبْدءوا بكتابِ هارت.) باختصار، على أية حال، تأمل مثالاً: التفكيك ليس مسألة تذكر فحسب، هو أيضاً مسألة أملِ وإيمانِ. في مكان واحد يقول دريدا: "أنا سأكون أخرويا دوما لو أن المرء استطاع أن يزعم ذلك، وفي النهاية، أنا آخر الأخرويين:(سيركومفيشن 75). وفي موضع آخر يقول: "ليس هناك أخلاق من دون إيمان، إيمان في الآخر. ليس هناك خبرة اجتماعية من دون أن تلد شاهداً، ومن دون شهادة، ومن دون إدراك بُعد الثقة والإيمان. إن هذا ليس موضوعا دينيا؛ إنه بنية عامة للخبرة: (مقابلة خاصّة، مارس/آذار 1 1996، باريس).
12- إهتمام دريدا في أوليسيس جيمس جويس James Joyce's Ulysses، إهتمام بَدأَ أثناء أيامِه كطالب في هارفارد، وهو أيضاً وراء إهتمامَه في تأثيرات وإمكانياتِ الكتابة.
13- غاري A. أولسين، "جاك درردا حول الخطاباتِ والتركيبِ: المحادثة، "(مقابلات): منظورات عبر تأديبية على الخطاباتِ ومعرفة القراءة والكتابةِ (إد.، أولسين و كال)، كاربوندال، إلينويز: جنوب إلينويز، 121-141.
14- لكن ملاحظة تعقيد هذا الادعاء ابتدعت عن طريق ما قاله دريدا حول الكتابة في جراماتولوجي Grammatology (بالتيمور: جامعة جونس هوبكنز، 1976) وفي "صيدلية أفلاطون" (شيكاغو: جامعة شيكاغو، 1981).


 



Salah24para@yahoo.com