|
|
 |
الحضارية
«دراسات شرقية غربية» |
|
الاحد:
11/05/2008
الفلسفة بين الشرق والغرب
د. فيصل غازي
مجهول(*)
(خاص للمعهد)
هذه مسألةٌ قد لاكَها من هو أشدُّ
فكَّينِ مني، وما هي إلا وجهاتُ نظرٍ تتغير كلما استجد جديد في عالم
الفكر، سواء أكان الجديد كشفاً علمياً أو مراجعة نقدية أو موقفاً
سياسياً، على مستوى الفرد والجماعة.
وإذا كان هذا العنوان عاماً فإنني سأحاول أن أحدده، لأن الشرق كلمة عامة
جداً. وإذا ركزتُ في منطقة من الشرق أكثر من غيرها، فبحكم الإطلاع الأكثر
على تراث هذه المنطقة التي أنتمي إليها، أكثر من الاطلاع على التراثات
الشرقية الأخرى، كالتراث الفلسفي الهندي والصيني. والسبب الآخر أن
الاحتكاك قديماً كان أكثر بين الحضارة اليونانية والحضارات الموجودة في
هذه المنطقة التي تسمى الشرق الأدنى والشرق الأوسط.
معنى الشرق
مسألة واضحة جغرافياً، هي أن كل بقعة على الكرة الأرضية يمكن أن تكون
شرقية أو غربية (وقد نستثني مركزي القطبين)، لأن المسألة كلها نسبية
تعتمد تثبيت نقطة معينة نقيس عليها النقاط الأخرى. لكنها ليست علمية
وحسب، بل دخلت في التاريخ واللغة والمصطلح الفكري.
إن كلمة «الشرق» كلمة عامة تضم حضارات عدة ممتدة زماناً ومكاناً. فأي شرق
نقصد؟ هل يصح الكلام عن الشرق الأدنى والأوسط والأقصى؟ هل من الممكن
الجمع بين الحضارة العراقية القديمة وحضارة الصين لأنهما شرقيتان؟ وهل
تشبه اليابان أية دولة عربية لأنهما تنتميان إلى الشرق؟
عندما ترجم عبد الرحمن بدوي بحث هانز هينرش شيدر «الشرق والتراث
اليوناني»، أبدل هذا الاسم بـ «روح الحضارة العربية»، ابتغاءً للدقة
والإيضاح كما يقول. وقد رأى أن كلمة الشرق يحيط بها إبهام يقضي على كل
مدلول، “فالشرق - جغرافياً - لا يدل على شيء ثابت، إنما هو حد نسبي يمكن
أن ينطبق على كل صقع من أصقاع المعمورة، وفقاً لمركز المنظور ومداه.
والشرق - حضارياً - قد تفاوتت دلالته أشد التفاوت حتى أطلق على الأماكن
المتعارضة خلال التاريخ الروحي للإنسانية. فهو عند اليوناني، قبل عصر
الإسكندر خصوصاً، لا يكاد يتجاوز بلاد الفرس. وبعد عصر الإسكندر يتسع
فيمضي حتى حدود الصين؛ وهو عند الأوربي المسيحي في العصر الوسيط يشمل دار
الإسلام في ذلك الحين، وعند الأوربي الجرماني الوثني أو شبه الوثني يشمل
بلاد الصقالبة، وعند الأوربي في العصر الحديث يتفاوت تبعاً لدرجة المعرفة
التاريخية وتطورها: ففي العصر ما قبل الرومنتيك رقعة مائعة كونت صورتها
أساطير أبدعها التعصب حيناً وخيال الرحالة والمغامرين في أحيان أخرى؛ وفي
العهد الرومنتيكي يتسع معناه ويرف في زجاجة من البلور الزاهي فيشمل
الصين. وكلما اتسعت الأبحاث التاريخية ازداد مداه وتقلص معناه القديم،
خصوصاً في أواخر القرن الماضي حين غزت الفنون الصينية واليابانية الفن
الأوربي حتى صارت ربة الإلهام فيه، فعاد معناه الحقيقي يبدأ من الهند
غرباً حتى اليابان شرقاً. فانتقل مركز الثقل من تلك المنطقة التي تمتد
شرقي البحر المتوسط إلى المنطقة التي تتقاسمها الهند والصين واليابان. ثم
جاءت الحرب الأخيرة فصار الشرق يطلق على منطقة واسعة من أوربا نفسها، لأن
الحضارة الغربية قد شعر حاملو مشاعلها أنها ملك لهم ومن إبداعهم وحدهم؛
وأن شعوب شرقي أوربا إنما هم ممثلون لهذه الحضارة، بل هم كارهون لها
يريدون القضاء عليها؛ فإن جعلنا الغرب مساوياً للحضارة الأوربية الغربية
(الفاوستية كما يسميها اشبنجلر) فالغرب عندهم يجب أن يقصر على البلاد
التي أبدعتها وهي ما يعرف اليوم بأوربا الغربية في مصطلح السياسة
المعاصرة. ويرى بدوي أن الأفضل أن نطرح هذه الكلمة نهائياً وإلى غير رجعة
لما تسببه من بلبلة.
كما رفض بدوي تقسيم الشرق إلى أقصى وأوسط وأدنى، وهنا يركز كلامه في
المنطقة العربية الإسلامية، يقول: «فما بك والأمر إنما يتصل بهذه الرقعة
الواضحة المعالم والتي وهبها الإسلام في عهده الأزهى كل وحدتها، وهي التي
تحد من الشمال بمنطقة تسودها مدينة الرها، ومن الجنوب بسوريا وفلسطين
ومصر، وفيها تسود مدينة الإسكندرية، ومن الشرق بنهر سيحون، أي تشمل إيران
كلها؛ وفي أقصى الجنوب بلاد العرب بأسرها، وفي أقصى الشمال مدينة بيزنطة
- وهي بعينها المنطقة التي صبغها الإسكندر بالصبغة الهلينية، وارتفعت
مدنها الرئيسة، وهي الإسكندرية وأنطاكية والرها وأفسوس وبيزنطة والمدائن
ثم دمشق وبغداد والقاهرة، إلى مرتبة المدن العالمية الكبرى، في الوقت
عينه الذي كانت فيه مدن «الغرب» تعاني دور الفناء والانحلال! أفما آن أن
يعترف لهذه الرقعة بحضارتها المستقلة وكيانها الخاص المميز لها من بقية
الحضارات والمناطق الحضارية؟ نعم، ولن يشفع للمنكرين ما يذهبون إليه
اليوم من تقسيم الشرق المزعوم إلى شرق أقصى وأوسط وأدنى، فما لهذا
التقسيم أساس من واقع تاريخ الحضارة ولا خصائص الشعوب العنصرية ولا طبائع
الأصقاع. وإذا كان ثمَّ فريق - بعضه من بين أبناء هذه المنطقة نفسها! -
لا يزال يمضي أمر تفكيره وتقديره على أساس هذا الوهم، وهم إطلاق الشرق
على تلك البقعة التي حددناها، فما ذلك إلا لحاجات في نفسه، أو اتباعاً
لحكم زائف قديم، أو كسلاً عقلياً تحجر صاحبه في قوالب فكرية عفى عليها
الزمان من عهد طويل، أو التماساً لنوازع رومنتيكية رخيصة التكاليف.
فلنطرح إذن نهائياً هذه التسمية الزائفة لتلك الرقعة باسم الشرق، ولنسمها
منطقة الحضارة العربية».
يدل هذا على أن كلمة الشرق لم يكن لها معنى واحد في أذهان مستعمليها، وأن
تقسيم الشرق إلى أدنى وأوسط وأقصى قد وجد من يعارضه ولا يعترف به. ولو
كان المجال يتسع لأضفنا لهذه المشكلة مشكلةً أخرى تخص الفلسفة المشرقية
وفلاسفة المشرق ومعانيها في العالم الإسلامي القديم.
إيضاح مختصر لمعنى الفلسفة
لا أنوي تقديم تعريف جديد للفلسفة، بل الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من
النقاش الدائر حول الفلسفة بين الشرق والغرب يتعلق بالتعريف، أو بتبني
تعريف معين. والتعريفات التي قُدمت للفلسفة يمكن أن تكون كتاباً بأكمله،
ذلك لاختلاف الفلاسفة في فهم ماهيتها ووظيفتها في تاريخ طويل منذ النشأة
حتى الآن.
لفظ «الفلسفة»
أما اللفظ فهو يتكون من كلمتين يونانيتين هما «فيلو» و«سوفيا»، وتعنيان
حب الحكمة. ولك أن تدرك صعوبة فهم المقصود بالفلسفة حتى من اللفظ نفسه.
فما الحكمةُ؟ وما حُبها؟ فلا الحكمة يسيرةُ التعريف ولا الحب الذي يضفي
على الموضوع شيئاً من العاطفة التي تأبى الضبط. وإذا سهلنا الأمور قلنا
إن الفلسفة هي الحكمة، حكمة يعبر بها كل شعب بطريقته عما يرى.
ويلاحظ إيرل جيمس ملاحظتين عن الأصل اللغوي: «ثمة ملاحظتان بشأن هذا
الأصل اللغوي يجب أن تأخذهما بعين الاعتبار. فأولاً يجب أن تفطن، كما بين
كثيرون من الفلاسفة الأقدمين، إلى أن حبَّك الشيءَ لا يعني بالضرورة أنك
تمتلكه. الحب هنا ينبغي أن يُفهم بمعنى يتضمن الرغبة في أو التوق إلى.
إذاً كون المرء فيلسوفاً يتضمن أنه يسعى إلى الحكمة، وليس بالضرورة أنه
يستحوذ عليها. والملاحظة الثانية هي أن الحكمة هنا تستعمل كلفظة جامعة
تشمل كل بحث فكري دءوب في أي مجال من المجالات، وتشمل الأخلاقية - فهمها
وممارستها، وغرس كل مستنير من الآراء والاتجاهات، يهدي إلى حياة مفعمة
بالسعادة والرضا».
يقول توفيق الطويل: «لم يعرف لفظ الفلسفة عند حكماء الشرق القديم، وقيل
إن تلاميذ سقراط (من أفلاطون وأرسطو وسائر حوارييه من اليونان) كانوا أول
من أطلق هذا اللفظ». أرى أن لا داعي لقول الطويل «لم يعرف لفظ الفلسفة
عند حكماء الشرق القديم»، إذ أن اللفظ يوناني بالتأكيد لم يكن معروفاً.
لا أريد أن أذكر أول من استعمل هذه الكلمة من اليونانيين، لأن موضوعي لا
يقتضي هذا، مع ذلك نُسبت إلى فيثاغورس، ونُسبت أيضاً إلى هيرودوتس...
هناك - كما أرى - تناسب عكسي بين دقة التعريف ونسبة الاتفاق عليه من
جانب، وعموم المُعرَّف من جانب آخر، فكلما كان المُعرَّف عاماً كلما صعُب
تعريفُه، وقد لا تجد تعريفاً دقيقاً له. وكلما كان خاصاً سهل تعريفه،
ووُجد اتفاق نسبي عليه. وخذ مثلاً على ذلك من الدين، فتعريف الدين أصعب
من تعريف الإسلام أو المسيحية، وتعريف المسيحية أصعب من تعريف
البروتستانتية. فكيف بالفلسفة التي شملت العلوم كلها في يوما ما؟ قد تجد
اتفاقاً نسبياً على تعريف مبحث من مباحثها أكثر من تعريفها هي نفسها.
فالفلسفة، كما يقول هنتر ميد، «نشاط أكثر من كونها موضوعاً أو بناء
للمعرفة، وتعريف النشاط أصعب دائماً من تعريف الكيان أو الشيء المحدد
المعالم. ويحاول البعض أحياناً تجنب هذه الصعوبة بالقول إنه لا يوجد شيء
اسمه الفلسفة، بل يوجد فقط تفلسف، وهو النشاط العقلي الواعي الذي يحاول
به الناس كشف طبيعة الفكر، وطبيعة الواقع، ومعنى التجربة الإنسانية. وقد
يذهب أناس آخرون إلى القول بأنه لا توجد، على أحسن الفروض، إلا فلسفات،
أي طرق متعددة للنظر إلى العالم، يصوغها مفكرون يعيشون في مدنيات كثيرة
مختلفة. هذه الفلسفات تتباين، وكثيراً ما تتناقض، ومن هنا كان من الممتنع
(على ما يقولون) أن ننظر إلى الفلسفة على أنها ميدان أو بناء موحد
للمعرفة. وفضلاً عن ذلك، فلا مفر لكل مدرسة وكل مفكرة فردي من تعريف
الموضوع بطريقة مختلفة، فيؤدي هذا التعريف ذاته إلى إغفال الكثير مما يود
ممثل المدرسة المضادة أن يعمل له حساباً».
يشير برتراند رسل إلى سمة خاصة تتميز بها الفلسفة «فلو سأل شخص: ما هي
الرياضيات؟ فإننا نستطيع أن نعطيه تعريفاً قاموسياً، فنقول، على سبيل
المثال، إنها علم العدد، هذا التعريف لا يشكل في ذاته عبارة يمكن
الاختلاف عليها، وهو فضلاً عن ذلك عبارة يسهل على السائل فهمها، حتى لو
كان جاهلاً بالرياضيات. وعلى هذا النحو ذاته يمكن تقديم تعريفات لأي
ميدان توجد فيه مجموعة محددة من المعلومات. أما الفلسفة فيستحيل تعريفها
على هذا النحو. ذلك لأن أي تعريف لها يثير الجدل والخلاف، وينطوي في ذاته
على موقف معين من الفلسفة».
فجِئني بتعريفٍ واضح محدد للفلسفة أقُلْ لكَ أفي الشرق بدأت أم في الغرب.
وكلما كان التعريف واسعاً كلما دخلت فيه حضارات بأكملها، أما إذا صُمم
التعريف على اليونانيين فقط فإن الحضارات الشرقية ستخرج من الفلسفة
بالتأكيد. لكنها ستخرج معززةً مكرمة محترمة، خروجَ الشيخ الرائد العالم
الفنان السياسي المتدين من ملعب الشاب الذكي الطموح المغامر الناقد
المتفرغ لتنظيم الفكر، المتحرر من قيود السلطة الدينية.
يحاول برتراند رسل الإجابة عن سؤال يطرحه: ما الذي يفعله الفلاسفة حين
يمارسون مهمتهم؟ يقول: «هذا بالفعل سؤال غريب، وربما كان في إمكاننا أن
نحاول الإجابة بأن نبين أولاً ما لا يفعلونه. ففي العالم المحيط بنا
أشياء عديدة نفهمها جيداً، منها مثلاً طريقة عمل الآلة البخارية، وهي
تدخل في نطاق الميكانيكا والديناميكا الحرارية. كما أننا نعرف الكثير عن
تركيب الجسم البشري وطريقة أدائه لوظائفه، وهي أمور يدرسها علم التشريح
وعلم وظائف الأعضاء. أو لنتأمل أخيراً حركة النجوم التي نعرف عنها
الكثير، وهي تندرج ضمن علم الفلك. أي أن كلاً من ميادين المعرفة هذه
تنتمي إلى علم أو لآخر. غير أن جميع ميادين المعرفة تحفُّ بها منطقة
محيطة من المجهول. وحين يصل المرء إلى مناطق الحدود ويتجاوزها، فإنه
يغادر أرض العلم ويدخل ميدان التفكير التأملي. هذا النشاط التأملي نوع من
الاستكشاف أو الاستطلاع، وهو يشكل واحداً من مقومات الفلسفة. والواقع أن
ميادين العلم المختلفة قد بدأت كلها... بوصفها استطلاعاً فلسفياً بهذا
المعنى. ولكن ما إن يصبح العلم مرتكزاً على أسس متينة، حتى يسير في طريقه
على نحو مستقل، إلا فيما يتعلق بالمشكلات الواقعة على الحدود، أو بمسائل
المنهج، ولكن لا يمكن القول إن عملية الاستطلاع هذه تحرز تقدماً بالمعنى
المألوف لهذه الكلمة، وإنما هي تستمر في طريقها فحسب، وتتجدد وظيفتها بلا
انقطاع» . ثم يميز رسل بين الفلسفة وضروب التأمل الأخرى «فالفلسفة في
ذاتها لا تأخذ على عاتقها مهمة حل المشكلات التي نعاني منها أو إنقاذ
أرواحنا، وإنما هي، على حد تعبير اليونانيين، نوع من المغامرة
الاستكشافية (أو من السياحة الفكرية) التي نقوم بها لذاتها. ومن ثم فليس
في الفلسفة، من حيث المبدأ، عقائد راسخة، أو طقوس، أو كيانات مقدسة من أي
نوع، على الرغم من أنه قد يحدث، بطبيعة الحال، أن يصبح أفراد من الفلاسفة
عقائديين جامدين. والواقع أن ثمة موقفين يمكن اتخاذهما إزاء المجهول:
أحدهما قبول أقوال الناس الذين [يقولون] إنهم يعرفون، من كتب معينة،
أسراراً أو مصادر أخرى للوحي، والآخر هو أن يخرج المرء ويرى الأمور
بنفسه، وهذا هو طريق العلم والفلسفة».
ربما أستطيع أن أعتمد تعريف هنتر ميد للفلسفة لأن فيه شيئاً من الإحاطة،
فالفلسفة هي محاولة دقيقة منظمة للربط بين الكون والحياة البشرية على نحو
له مغزاه. وكما قال شخص ما، فإن هدف الفلسفة هو «كشف طبيعة الكون،
وعلاقتنا به، وما ينتظرنا فيه، وذلك لغرض مزدوج هو إرضاء عقولنا في سعيها
إلى إشباع حب استطلاعها، وقلوبنا في سعيها إلى إضفاء أكبر قدر ممكن من
الدلالة والقيمة على الحياة البشرية والتجربة البشرية».
السجال بين المؤيدين لوجود الفلسفة في الشرق
والرافضين لهذا الوجود
من المفارقات أن معظم من يكتب مدخلاً أو مقدمة في الفلسفة يقول إن جميع
الناس يتفلسفون، لكن، بمستويات مختلفة، ربما كان قولهم هذا من باب
الترغيب فيها. وما إن تصبح المسألة بين اليونانيين وغيرهم، بين الشرق
والغرب، بين آسيا وأوربا، حتى ترى قاراتٍ وحضارات وأمماً وشعوباً ودولاً
وأشخاصاً يُستَثنون من الفلسفة. وإذا أردنا أن نأخذ هذه الأقوال بإيجابية
قلنا إنهم يقصدون الميل الطبيعي عند الإنسان لهذا النوع من التفكير، وذلك
عندما يجعلون التفلسف صفة للإنسان المفكر، كما أن به ميلاً طبيعياً إلى
الدين أو الفن، وإن كانت هذه الصفة لا تظهر عند الجميع في البداية. ومن
جانب آخر يقصدون الإنتاج المنظم لهذا النوع من التفكير عندما يقولون لا
توجد إلا عند هؤلاء دون أولئك.
هل بدأت الفلسفة في اليونان أم في الشرق؟ هذه مسألة تجدها في معظم الكتب
التي تتناول نشأة الفلسفة، فمن الباحثين من تمسك بأن نشأتها في اليونان
حصراً، ومنهم من قال إنها نشأت في الحضارات الشرقية القديمة، ومنهم من
جعل نشأة التفلسف مع نشأة الإنسان المفكر. وأساليب الدفاع عن الرأي
مختلفة، من الدفاع العلمي إلى الدفاع التعصبي. ويبقى الحديث عن الفلسفة
في الشرق قبل معرفة الحضارات الشرقية بشكل دقيق، مختلفاً عنه بعد تلك
المعرفة. إذ إن هناك معلومات قيمة لم تكن موجودة ثم أصبحت متداولة في
القرن العشرين تقريباً عن عظمة وأهمية هذه الحضارات.
تكاد تكون المسألة كلها غربية، فمنذ أن طُرح السؤال في اليونان وصولاً
إلى العصر الحديث لم يكن للشرقيين دورٌ كبير في الإجابة. وليس من الإنصاف
أن نقول: «قال الغربيون بكذا»، لأنهم لم يتفقوا على قول. فالذي قال بوجود
الفلسفة في الشرق، والذي قال بأنها نشأت في اليونان، والذي وقف بين بين،
هم كلهم من الغربيين. والسبب في ذلك أن المسألة عندما طُرحت في اليونان
لم يكن للشرقيين الخلص دور فيها، وربما لم تكن تعنيهم. أما في قمة ازدهار
العصر الإسلامي فقد كان شيء من هذه المسألة حاضراً، أي ما يُسمى بـ «علوم
الأوائل»، وكان السؤال يتركز في إمكان الأخذ منهم والجدوى من ذلك، ولم
يكن عن بداية الفلسفة. وربما مال الرأي العام عندهم إلى أن الفلسفة نشأت
في اليونان، وبهذا تصبح غريبة عنهم، وتكون حجةُ رفضها أقوى. والأمر الآخر
أن الحضارات الشرقية القديمة لم يكن لها حضور مكتوب في الشرق نفسه.
ومعلومٌ أن الكشف عن الأساطير والملاحم القديمة قد تم في عصر متأخر جداً.
وعندما أعيد طرحها في القرون القريبة لم تكن هذه المسألة ساخنة في بعض
الأوساط الشرقية التي كانت في عصر نهضتها (كالعرب مثلاً في القرن التاسع
عشر). ثم بدأ الكلام عنها مع بدايات التأليف في مجال الفلسفة، لكن
الشرقيين في هذه المرحلة كانوا مغلوبين، والمغلوب بحاجة إلى اعتراف
الغالب.
إن الشرقيين القدماء قد سبقوا اليونانيين إلى ابتداع حضارات كبيرة ومهمة،
وهذا ما لم ينكره أحدٌ، بل إن الباحثين الغربيين هم الذين اكتشفوا كنوز
الشرق في جميع المجالات، كالكتابة والرياضيات والطب والفلك... لكن هذا
كله لم يمنعهم من أن يروا أن هناك نمطاً من التفكير، الذي هو الفلسفة، لم
يكن موجوداً عن الشرقيين. «وقد سفه بعض الباحثين الاعتماد على التشابه في
وجهات النظر بين الشرقيين واليونان لتبرير الحكم بأخذ اللاحق عن السابق،
لأن الشعوب الشرقية وإن كان لها أساطيرها وقصصها الديني عن بدء الخلق
ونحوه من موضوعات فلسفية، كانت جميعها على جهل بالتفلسف والتأمل في
الوجود لمعرفة طبيعته والوقوف على كنه موجوداته، بالإضافة إلى أن الفلسفة
اليونانية وإن كانت تحمل طابعاً قومياً ملحوظاً، إلا أنها كانت في
مذاهبها الرئيسية لا تستوحي ديناً، ولا تستفتي عرفاً، ولا تقيم لغير
منطقها وزناً، على عكس الحال في حكمة الشرق القديم، إذ لم يقدر لها قط أن
تستقل عن الدين وتستغني عن وحيه».
الخلق العبقري الأصيل
إن حال معجزة الفلسفة اليونانية وعدم إمكان الإتيان بمثلها كحال أية
معجزة أخرى. فإذا كانت مثلها فإن الأصل أفضل وإذا كانت مختلفة عنها فإنها
ليست فلسفة. وإن أتيتَ بمثلها أو بأقل منها فالأفضلية لها، وإن أتيتَ
بأحسن منها فلن يعترفوا بأنه أحسن، وإنهم يريدون مثلها، ولا وجود لمقياس
دقيق.
في الغرب
فيلسوفٌ من نُسب إليه قول علمي أو سياسي.
فيلسوفٌ من قال جملةً واحدة وسكت.
فيلسوف من نوى أن يقول جملةً ولم يقلها.
فيلسوف من لم يكتب حرفاً واحداً وأثر في الناس شفوياً.
فيلسوف من تصعلك ونبذ المسكن والعائلة ووقف موقفاً ما من الحياة.
فاليوناني، والغربي عموماً، فيلسوف إن قام وإن قعد.
على الرغم من اعتراف مجموعة من مؤرخي الفلسفة الغربيين بأسبقية الشرق
القديم إلى ابتداع الحضارات وتأثر اليونانيين بهذا التراث، فإنهم قالوا
بأن الفلسفة اليونانية «خلق عبقري أصيل جاء على غير مثال. ومن دلالاتهم
على هذا أن من أخص ما كان يميز التفكير الفلسفي اليوناني: التماس المعرفة
لذاتها، بمعنى أن يتجه العقل إلى كشف الحقيقة بباعث من اللذة العقلية،
ومن غير أن تدفعه إلى ذلك أغراض عملية أو غايات دينية. وهذا النوع من
المعرفة النزيهة قد نشأ لأول مرة في ظل اليونان وعاش في كنفهم، بحثوا في
الوجود لمعرفة أصله ومصيره. وتأملوا موجوداته وما يعروها من صنوف التغير،
بدافع من الرغبة النزيهة في طلب المعرفة، ومن غير أن تسوقهم إليها ضرورة
ملحة؛ أما الشرق القديم فقد التمس المعرفة ليسد بها حاجة عملية، أو يشبع
بها عقيدة دينية، وإلى هذين النبعين ترجع معلوماته التجريبية وتأملاته
العقلية».
فالفلسفة والعلم، كما يقول رسل، اختراعان يونانيان، تبدأ الفلسفة «حين
يطرح المرء سؤالاً عاماً، وعلى النحو ذاته يبدأ العلم. ولقد كان أول شعب
أبدى هذا النوع من حب الاستطلاع هو اليونانيون. فالفلسفة والعلم. كما
نعرفهما، اختراعان يونانيان. والواقع أن ظهور الحضارة اليونانية، التي
أنتجت هذا النشاط العقلي العارم، إنما هو واحد من أروع أحداث التاريخ،
وهو حدث لم يظهر له نظير قبله ولا بعده. ففي فترة قصيرة لا تزيد عن
قرنين، فاضت العبقرية اليونانية في ميادين الفن والأدب والفلسفة بسيل لا
ينقطع من الروائع التي أصبحت منذ ذلك الحين مقياساً عاماً للحضارة
الغربية». ويرى رسل أيضاً أن «الفلسفة والعلم يبدآن بطاليس الملطي... في
أوائل القرن السادس قبل الميلاد. ولكن على أي نحو سارت الأحداث قبل ذلك،
حتى تهيئ لهذا الظهور المفاجئ للعبقرية اليونانية؟ سنحاول، بقدر
استطاعتنا، أن نهتدي إلى إجابة عن هذا السؤال. وسوف نستعين بعلم الآثار،
الذي خطا خطوات عملاقة منذ بداية هذا القرن، من أجل جمع شتات الصورة التي
تكشف لنا، إلى حد معقول، عن الطريقة التي وصل بها العالم اليوناني إلى ما
هو عليه». ويشير إلى أن الدين لم يكن يساعد على المغامرة العقلية، «إن
الحضارة اليونانية حضارة متأخرة بالقياس إلى حضارات العالم الأخرى، إذ
سبقتها حضارتا مصر وبلاد ما بين النهرين بعدة ألوف من السنين. ولقد نما
هذان المجتمعان الزراعيان على ضفاف أنهار كبرى، وكان يحكمهما ملوك
مؤلهون، وارستقراطية عسكرية، وطبقة قوية من الكهنة كانت تشرف على المذاهب
الدينية المعقدة التي كانت تعترف بآلهة متعددين. أما السواد الأعظم من
السكان فكانوا يزرعون الأرض بالسخرة. ولقد توصلت مصر القديمة وبابل إلى
بعض المعارف التي اقتبسها الإغريق فيما بعد، ولكن لم تتمكن أي منهما من
الوصول إلى علم أو فلسفة. على أنه لا جدوى من التساؤل في هذا السياق عما
إذا كان ذلك راجعاً إلى افتقار العبقرية لدى شعوب هذه المنطقة، أم إلى
أوضاع اجتماعية، لأن العاملين معاً كان لهما دورهما بلا شك. وإنما الذي
يهمنا هو أن وظيفة الدين لم تكن تساعد على ممارسة المغامرة العقلية. ففي
مصر كان الدين معنياً إلى حد بعيد بالحياة بعد الموت. فالأهرامات كانت
صروحاً جنائزية. ولقد كان الإلمام ببعض المعارف الفلكية لازماً من أجل
الوصول إلى تنبؤ دقيق بفيضان النيل، كما أن طبقة الكهنة، في ممارستها
للحكم الإداري، استحدثت شكلاً من أشكال الكتابة بالصور. ولكن لم تتبقّ
بعد ذلك موارد تكفي للتطور في الاتجاهات الأخرى. أما في بلاد ما بين
النهرين، فقد حلت الإمبراطوريات السامية الكبرى محل السومريين الأسبق
منها، الذين اقتبس أولئك عنهم الكتابة المسمارية. وفي الناحية الدينية
كان الاهتمام الرئيسي منصباً على السعادة في هذا العالم، وكان تسجيل
حركات النجوم وما صاحبه من ممارسات للسحر والتنجيم موجهاً من أجل هذه
الغاية».
يقول فؤاد زكريا في مقدمة ترجمته لكتاب رسل: «إن رسل يمجد الحضارة
اليونانية تمجيداً مفرطاً، ويُرجع ظهور الفلسفة والرياضيات ومنهج الفكر
المنطقي الاستدلالي إلى عبقرية الشعب اليوناني وحده. ولا شك أن المقام لا
يتسع هنا لمناقشة تلك المشكلة المتشابكة، مشكلة العلاقة بين الحضارة
اليونانية والحضارات الشرقية السابقة لها. ولكن رسل يميل إلى الإقلال من
أهمية ما تعلمه اليونانيون من الشعوب السابقة، على الرغم من أن كثيراً من
الأبحاث الحديث، المبنية على آخر ما وصل إليه علم الآثار والتاريخ
القديم، تؤكد على نحو متزايد ضخامة الدين الذي كان يدين به اليونانيون
للحضارات القديمة، مع عدم الإقلال بطبيعة الحال من عظمة الانجاز
اليوناني، وخاصة في الميدان النظري. ومن ناحية أخرى فإن موضوع الكتاب
نفسه قد فرض على المؤلف ألا يعرض بأي قدر من التوسع للفكر العربي
الإسلامي، فاكتفى بإشارات موجزة تخدم أغراضه في التركيز على «حكمة
الغرب»، ولكن مما يحمد له أن هذه الإشارات جاءت منصفة لهذا الفكر ومقدرة
للدور الذي قامت به الحضارة الإسلامية إلى حد بعيد».
القدرة على النظر العقلي
لقد حاول بعض العلماء رد الشعوب إلى أجناس تتفاوت بطبيعتها في القدرة على
النظر العقلي المجرد وإبداع المذاهب الفلسفية، وأبرزهم ارنست رينان
وكرستيان لاسن. وقد يكون هذا الرأي من الخواطر التي أملاها التعصب الجنسي
أو الديني. وقد فند كثير من الباحثين هذا الزعم. على سبيل المثال، يفند
جورج طرابيشي الدعوى الرينانية القائمة على ركيزة من عرقية لغوية، إنها
تبطن تناقضاً داخلياً عميقاً. فهي إذ ترمي الفلسفة العربية بأنها مكتوبة
بالعربية ليس إلا، تتجاهل أن الفلسفة اليونانية نفسها ما كانت يونانية،
بالمعنى الإثني للكلمة، بقدر ما كانت مكتوبة باليونانية. وإذا كان رينان
يلاحظ أنه «بين الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنهم عرب ما كان ثمة وجود
تقريباً إلا لواحد فقط من أصل عربي هو الكندي، بينما كان سائر الآخرين
فرساً، ومما وراء النهر، وإسباناً، ومن أهالي بخارى وسمرقند وقرطبة
وأشبيلية»، فإننا نستطيع أن نلاحظ بدورنا أن أكثر الفلاسفة والعلماء
الموصوفين بأنهم يونانيون ما كانوا يونانيين ولا من أهالي أثينا وشبه
جزيرة الأتيكي، وأن أثينا نفسها لم تنجب سوى فيلسوفين اثنين (سقراط
وأفلاطون)، وأن معظم الفلاسفة «الأثينيين» كانوا على حد تعبير نيتشه من
«الأغراب». وإذا كان العرق، كما يفترض رينان، مقولة لغوية، فكيف يمكن أن
يصنف عشرات الفلاسفة من ذوي الأصول السورية أو المصرية الذين كتبوا
باليونانية في عداد الجنس الآري، ثم يمتنع عن تصنيف عشرات الفلاسفة من
ذوي الأصل الفارسي أو الصغدي في عداد الجنس السامي مع أنهم كتبوا
بالعربية؟ فلماذا تُحضر اللغة في الحالة اليونانية ويُغيَّب العرب؟
ولماذا تُستذكر لفلاسفة الإسلام أصولهم الإثنية وتُنسى لفلاسفة اليونان
الأصول عينها؟.
يقول طرابيشي: «ابتداءً من القرن التاسع عشر، قرن تمخُض المركزية الإثنية
الأوروبية، بات تاريخ الفلسفة مركزاً لصراع أنتروبولوجي. فالحضارة
الأوروبية الغربية، التي قرأت نفسها حضارة عقل مطلق، أعادت على ضوء هذه
القراءة النرجسية قراءة تاريخ الفلسفة. وقد كانت النقطة المركزية في
إعادة القراءة هذه ما لا نتردد في أن نسميه تغريب... العقل اليوناني
بوصفه العقل المؤسس للحظة ميلاد الفلسفة. فهذا العقل، الذي لا يقبل فصلاً
في نشأته وتطوره عن إطاره التاريخي والجغرافي في الحوض الشرقي للبحر
الأبيض المتوسط، جرى فصله عن منبعه وروافده وحول مجراه، في نوع من مصادرة
يعز مثيلها في تاريخ الأنتروبولوجيا الحضارية، نحو الغرب الأوروبي الذي
لم يسهم في تغذيته - في حينه - بقطرة واحدة.
يشير طرابيشي إلى أن ما يهمنا أن نلاحظه الآن هو أن هذه الجغرافية
الفلسفية الخيالية، التي أملتها الاستيهامات الرغبية للمركزية الإثنية
الأوروبية، قد اصطدمت، عند التصدي لرسم خريطتها الفعلية، بعقبة كأداء:
فنهر الفلسفة اليونانية، الذي انتهى فعلياً إلى أن يصب في المجرى
الأوروبي الغربي، ابتداء من القرن الثاني عشر، كان قبل ذلك قد مر بـ «تحويلة»
شرق أوسطية لا سبيل إلى المماراة فيها: الحضارة العربية الإسلامية التي
كانت هي الأخرى - مع استطالتها الفارسية - حضارة فلسفية، في مظهر من
مظاهرها على الأقل. وبما أن هذه التحويلة العربية الإسلامية لنهر الفلسفة
بدت وكأنها تشكل خرقاً للاحتكار الأوروبي الغربي لامتياز «التفكير بالعقل
في العقل»، فقد جرى إما إغفالها في العديد من تواريخ الفلسفة المتداولة
وإما - وهذا أدهى - إنكارها والطعن في «واقعيتها».
لقد نزعت كتب تاريخ الفلسفة في القرن التاسع عشر إلى التركيز في الفلسفة
الأوربية مقتدية بمنهج هيغل في معالجة الشرق باعتباره أرض «الشروق» الذي
يمثل التاريخ الباكر لروح العالم ولكنه ليس جزءاً من إنجازه الفلسفي، ذلك
أن هذا الإنجاز جاء في البداية على أيدي طاليس فقط. ولكن بول ديوسين في
كتابه «التاريخ العلمي للفلسفة» الذي بدا عام 1894، كان استثناء واضحاً
في هذا الصدد، ذلك لأنه حاول التحلل مما اعتبره المؤلف النظرة أحادية
الجانب إلى الفلسفات الغربية. بيد أن الكثير من كتب التاريخ الصادرة في
هذه الفترة اقتدت بهيغل وأغفلت الفلسفة غير الأوروبية أو سواها. واعتادت
تناولها باعتبارها السلف الأول للتطورات الفلسفية التي بلغت ذروتها في
أوروبا.
استشهد حسام الآلوسي بالنص الذي ذكره أرسطو عن طاليس في كتاب «ما بعد
الطبيعة»، وبيّن فهم الباحثين لهذا النص، هذا النص فهم من قبل بعض
الباحثين المحدثين بأنه يقول بصراحة بأن الفلسفة الطبيعية المقطوعة الصلة
بالميثولوجيا، والتي تفسر الظواهر الطبيعية تفسيراً طبيعياً تقوم على
ملاحظة الأشياء نفسها، إنما بدأت مع طاليس، وأن الفلسفة لم تكن لها قائمة
قبل ذلك.
وقد استمر رأي أرسطو عن ابتداء العلم الطبيعي أو الفلسفة الطبيعية بطاليس
مقبولاً حتى القرن التاسع عشر وعلى رأس هذا الفريق زيلر (1814-1908)، إذ
يرى أن الفلسفة الإغريقية ابتكار إغريقي لم يشاركهم فيه أحد وإننا لا نجد
عند الأمم التي قبلهم فلسفة بمعناها الصحيح القائم على التفكير المستقل
عن الدين، نعم يوجد شيء يمكن أن يسمى فلسفة تسامحاً عند الصينيين والهنود
ولكن اللغة المستخدمة آنذاك لم تكن ملائمة للتعبير الفلسفي كما أن فلسفة
لاتسو... هي صوفية أكثر مما هي فلسفة. ومع ظهور نظم فلسفية هندية فإنها
لم تنفصل عن الدين أبداً... إن الدعوى القائلة بابتداء الفلسفة مع
اليونان دعوى فارغة، فقد رأينا أن العلوم وهي جزء أساس من الفلسفة
بمعناها الشامل سابقاً، نشأت قبل اليونان، ورأينا الآن أن الميتافيزيقا،
وهي معنى الفلسفة الخاص والأهم، لا تعني المعقولية، بل مجرد موقف، ورأينا
أن حظ الفلسفة اليونانية من العقلانية، متمثلة في كبريات فلسفاتها هو في
الجوهر حظ أي من المواقف البدائية قبلهم. ومعنى هذا أن فلسفات اليونان
الميتافيزيقية الكبرى هي مجرد عمل بان استمد المواد الخام، بل ربما الخطة
عموماً، لبنائه الذي يبنيه، من الشعوب البدائية، واعتقادات الحضارات
المعاصرة له والمتقدمة عليه.
يقول برهييه عن الفلاسفة الطبيعيين الأوائل: من العسير أن نحدد الأهمية
والدلالة الدقيقة لتيار الأفكار الذي شق مجراه في ملطية في القرن السادس
ق. م. فمن بين الفلاسفة الملطيين الثلاثة الذين تعاقبوا على المدينة،
التي كانت عصرئذ أقوى حواضر آسيا الصغرى اليونانية وأعظمها ازدهاراً، لم
يكتب الأول منهم، طاليس (640-562)، شيئاً، ومعرفتنا به ندين بها لمأثور
لا يرقى إلى ما قبل أرسطو؛ أما الفيلسوفان الآخران، انكسيماندرس (المولود
نحو 610 والذي كان لا يزال على قيد الحياة في عام 546)، وانكسيمينس
(نهاية القرن السادس ق. م.)، فقد ترك كل منهما كتاباً نثرياً، صار يشار
إليه فيما بعد بعنوان في الطبيعة، ولكننا لا نعرف عنهما بدورهما شيئاً
إلا عن طريق ما ذكره عنهما أرسطو وكتّاب مدرسته. والحال أن ما كان يبحث
عنه أرسطو قبل كل شيء في تعاليمهم هو جواب عن هذا السؤال: ما الهيولى
التي منها جُبلت الأشياء؟ وهذا السؤال إنما أرسطو هو الذي يطرحه، وهو
يطرحه بلغة مذهبه بالذات؛ وليس لدينا من دليل على أن الفلاسفة الملطيين
أنفسهم اهتموا بالمشكلة التي بحث أرسطو عن جواب عنها لديهم. ومن ثم،
حينما يفيدنا أرسطو أن الماء في نظر طاليس هو مبدأ كل شيء، وأنه عند
انكسماندرس اللامتناهي، وعند انكسيمينس الهواء، فمن اللزام علينا أن
نتحفظ في اعتبار هذه الصيغ متضمنة لجواب عن مشكلة الهيولى.
يطرح برهييه ثلاث أسئلة مهمة في بداية كتابه «تاريخ الفلسفة»، ويهمنا
منها الأول والثاني:
1- ما أصول الفلسفة وما حدودها؟ هل بدأت الفلسفة في القرن السادس ق. م في
الجزر الأيونية، كما يفترض مأثور يرقى بأصله إلى أرسطو، أم أن لها أصلاً
أقدم وأبعد إيغالاً في الزمن سواء أفي الأصقاع الإغريقية أم في الأمصار
الشرقية؟ وهل في مقدور مؤرخ الفلسفة ومن واجبه أن يقتصر على تتبع تطور
الفلسفة في اليونان وفي ديار الحضارات ذات الأصل الإغريقي - الروماني، أم
يتعين عليه أن يتوسع بنظرته لتشمل الحضارات الشرقية؟
2- ثانياً، إلى أي حد وإلى أي مدى ينعم الفكر الفلسفي بتطور مستقل بذاته
بما يكفي لاتخاذه موضوعاً لتاريخ متميز عن تاريخ سائر العلوم العقلية؟
أفليست الرابطة التي تربطه بالعلم والفن والدين والحياة السياسية أوثق من
أن تبيح اتخاذ المذاهب الفلسفية موضوعاً لبحث منفصل؟.
لا يعتقد برهييه أن لأي من هذه المشكلات الثلاث حلاً صارماً باتراً، بل
يرى أن كل الحلول التي أعطيت لها تنطوي على مسلمات ضمنية. ومع ذلك لا
مناص لنا من اتخاذ موقف بصدد هذه المسائل إن كنا نريد أن نطرق باب تاريخ
الفلسفة؛ والموقف الوحيد الممكن هو أن نزيح النقاب بأقصى قدر من الجلاء
عن المسلمات المتضمنة في الحل الذي نأخذ به. ويرى أيضاً أن مسألة الأصول
تبقى بلا حل محدد، فإلى جانب أولئك المؤرخين الذين جعلوا مع أرسطو من
طاليس، في القرن السادس ق. م، الفيلسوف الأول، وُجد في اليونان مؤرخون
آخرون رجعوا بأصول الفلسفة إلى ما قبل الحضارة الإغريقية، إلى الأقوام
التي كان يقال لها «البرابرة»؛ فديوجينس اللايرتي يحدثنا، في مقدمة كتابه
حياة الفلاسفة، عن الوجود القديم شبه الخرافي للفلسفة لدى الفرس
والمصريين. هكذا تتواجه حتى في العصور القديمة أطروحتان: هل الفلسفة
ابتكار ابتكره الإغريق أم هي ميراث أخذوه عن «البرابرة»؟. ويشير إلى أن
المستشرقين يؤيدون الأطروحة الثانية طرداً مع ما يكتشفونه من أمر
الحضارات السابقة للحضارة الإغريقية مثل حضارة مصر وما بين النهرين
اللتين كان بينهما وبين حواضر أيونيا، مهد الفلسفة الإغريقية، تماس
واتصال. فمن المتعذر أن ينكر المرء صلة القرابة الفكرية بين الدعوى
المعروفة التي قال بها أول فيلسوف إغريقي، طاليس، والتي أرجعت أصل كل شيء
إلى الماء، وبين مطلع قصيدة الخلق التي نظمت قبل ذلك بقرون عديدة في بلاد
ما بين النهرين: «يوم لم تكن السماء في الأعالي قد سُميت بعد، ويوم لم
يكن للأرض في الأداني من اسم، من آبسو الأولي، أبيهم، ومن تيامات
الصاخبة، أمهم جميعاً، امتزجت المياه في واحد». وتكفي نصوص كهذه على أية
حال لتبين لنا أن طاليس لم يكن مبتدع نظرية مبتكرة في نشأة الكون؛ فالصور
النشكونية التي ربما جاز القول بأنه أوضحها وجلاها كانت موجودة منذ عهود
عديدة. ولنا أن نرهص بأن فلسفة الطبيعيين الأيونيين الأوائل ربما كانت
شكلاً جديداً من تصورات سحيقة القدم. إن فلاسفة اليونان الأوائل، كما
يرى، لم يضطروا إلى ابتكار شيء، وما كان عليهم أن يبتكروا بقدر ما كان
عليهم أن يفرزوا وينتقوا، أو إن ابتكارهم كان في هذا التمييز بالذات
وأغلب الظن أننا كنا سنفهمهم فهماً أفضل لو تسنى لنا أن نعرف ما انتبذوه
واطرحوه بدل أن نعرف ما استبقوه واحتفظوا به ولا يندر على كل حال أن تعود
الظهور تمثلات كانت قد كُتبت؛ والفكر البدائي الباطن يبذل مجهوداً
متواصلاً - قد يحالفه التوفيق أحياناً - ليطيح بالسدود التي تحتجزه.
لكن، لماذا بدأ برهييه تاريخ الفلسفة بطاليس؟ ليس ذلك تجاهلاً منه
للتاريخ الذي سبق الحضارة اليونانية، بل لسبب عملي وهو قلة الوثائق
والمنقوشات الكتابية لحضارات ما بين النهرين وصعوبة الوصول إليها. لذا
فقد طلب إلى مختص في الفكر الهندي، هو في الوقت نفسه فيلسوف، ب. ماسون -
أورسيل، ليكمِّل هذا التاريخ بعرض لتطور الفلسفة في الشرقين الأوسط
والأقصى.
إن تاريخ الفلسفة، كما يرى برهييه، ليس تاريخاً مجرداً للأفكار والمذاهب،
منفصلة عن مقاصد واضعيها وعن المناخ المعنوي والاجتماعي الذي رأت في ظله
النور ومن المتعذر على المرء أن ينكر أن الفلسفة شغلت في ما نستطيع أن
نسميه بالنظام الفكري السائد في كل عصر مكانة متباينة للغاية. وإننا
لنلتقي، في مجرى التاريخ، فلاسفة هم في المقام الأولى علماء؛ وآخرين هم
على الأخص مصلحون اجتماعيون، نظير أوغست كونت، أو معلمو أخلاق، نظير
الفلاسفة الرواقيين، أو وعاظ ودعاة، من أمثال الكلبيين؛ وفي عدادهم نلقى
فلاسفة متوحدين محبين للتأمل ومحترفين للفكر النظري، من أشباه ديكارت أو
كانط، إلى جانب رجال يضعون نصب أعينهم التأثير العملي المباشر والفوري،
نظير فولتير. وقد يكون التأمل الشخصي تارة مجرد تفكير في الذات، وقد
يحاذي طوراً الوجد. لا يختلف الفلاسفة هذا الاختلاف الكبير من جراء
مزاجهم الشخصي وحده، بل كذلك بسبب ما يتطلبه المجتمع في كل عصر من
الفيلسوف. فالنبيل الروماني الذي يطلب مرشداً للضمير، وبابوات القرن
الثالث عشر الذين يرون في التعليم الفلسفي الذي تقدمه جامعة باريس وسيلة
لتوطيد دعائم المسيحية، والموسوعيون الذي يريدون أن يضعوا حداً لجبروت
قوى الماضي، يطلبون من الفلسفة أموراً شديدة الاختلاف؛ فهي عند كل منهم
على التوالي رسولية، ومذهبية، ونقدية.
الموقف من الفلسفة في الشرق والغرب
ليست المواقف متشابهة تماماً، بل هي بحسب المرحلة. فعندما أصبح الفكر
الديني مسيطراً في القرون الوسطى، شرقاً وغرباً، كانت الفلسفة في مرحلة
تراجع، وإن كان هذا التراجع يختلف بحسب المنطقة. لكن الدين لم يحارب
الفلسفة وحدها، بل العلم والفن وكل نشاط يراه رجال الدين في عصر ما أنه
قد خرج عن الدين. أما حربه ضد الفلسفة فهي حرب ضد التدخل، فضلاً عن أن
كثيراً من الخلاف يتعلق بمسألة حرية التعبير عن الرأي.
إن الدين ميال إلى المطلق، والمطلق ميال إلى مصادرة الحرية، وإن رأيت
ديناً يؤمن بحرية الآخر فقد تغير عن ميله الأصلي. والفلسفة بطبعها نسبيةٌ
تؤمن بالحرية، وإن رأيتها تصادر الحرية فقد انحرفت عن طبيعتها الأصلية.
الدين ميال إلى الثبات والمحافظة، والفلسفة ميالة إلى التغيير والتجديد.
الدين يتكئ على اليقين، والفلسفة شك قد يكون من بعده يقينٌ أو لا يكون.
الدين حاسم قاطع مجيب. والفلسفة حائرة متسائلة. الدين يستغني حتى عن
الفلسفة المتدينة، إذ لا طقس فيها ولا شعيرة ولا جمهور، وهو يختصر كلاماً
عقلياً كثيراً بجمل إيمانية قليلة. أما الفلسفة التي لا تتعارض والدينَ
فسرعان ما تنهار أمام الدين، فكل ما تقوله، بعد جهدٍ ولأي، قد قاله الدين
قبلها، وهو غني عنها وعن براهينها.
مثلما ظهر في الغرب من ألغى الفلسفة ومدارسها وشرد معلميها، ظهر في الشرق
من أفتى بتحريمها وتكفير المشتغلين بها. وليس عبثاً أو قلة معرفة أن تمنع
دولٌ كبيرة تعليمَ الفلسفة إلى الآن، فقد رأى أصحابُ الأمر أن فيها خطراً
على عقيدتهم. لكن الفلسفة في الغرب تكبو ثم تنهض، وإذا كانت قد تراجعت
فإن الذي احتل أماكنها هو العلم الذي لم يُقصها إلا عن طريق الحجة
والمعرفة، وكان الفلاسفة أنفسهم هم أول من يحاكم الفلسفة. أما عندنا
فكانت تأتيها ضربةٌ قوية وهي بعدُ لم تنهض جيداً، وليت الضربة قد أتت من
العلم، لكنها عادةً ما تأتي من الدين، أو بالأحرى الدين المسيس. فبقيت،
وربما ستبقى، ثقافة هامش لا مركز.
الهوامش
ــــــــ
(*) كلية الآداب، جامعة بغداد.
عبد الرحمن بدوي: تصدير عام، لكتاب روح الحضارة العربية. في هانز هينرش
شيدر: روح الحضارة العربية، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين –
بيروت (1949)، ص7-9.
المصدر نفسه، ص9.
المصدر نفسه، ص9و10.
إيرل، وليم جيمس: مدخل إلى الفلسفة، ت: عادل مصطفى، المجلس الأعلى
للثقافة، القاهرة، (ط1) 2005، ص 13و14.
توفيق الطويل: أسس الفلسفة، دار النهضة العربية، القاهرة (بلا)، ص45.
هنتر ميد: الفلسفة أنواعها ومشكلاتها، ترجمة: فؤاد زكريا، دار نهضة مصر،
القاهرة، يناير 1969، ص18.
برتراند رسل: حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا (ج1)، عالم المعرفة، الكويت
1983، ص19
المصدر نفسه، ص18.
المصدر نفسه، ص18و19.
هنتر ميد: الفلسفة أنواعها ومشكلاتها، ترجمة: فؤاد زكريا، دار نهضة مصر،
القاهرة، يناير 1969، ص21
توفيق الطويل: أسس الفلسفة، ص39و40.
المصدر نفسه، ص 37
برتراند رسل: حكمة الغرب، ص22.
المصدر نفسه، ص22.
المصدر نفسه، ص22و23.
فؤاد زكريا: مقدمة لكتاب \"حكمة الغرب\" في: برتراند رسل: حكمة الغرب،
ترجمة فؤاد زكريا (ج1)، عالم المعرفة، الكويت 1983، ص12.
توفيق الطويل: أسس الفلسفة، ص40.
جورج طرابيشي: مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، دار الساقي، بيروت –
لبنان (ط1) 1998، ص15و16.
المصدر نفسه، ص13و14.
المصدر نفسه، ص14.
كلارك، جي. جي: التنوير الآتي من الشرق، ترجمة: شوقي جلال، سلسلة عالم
المعرفة، الكويت، ديسمبر 2007، ص180و181.
الآلوسي، حسام: بواكير الفلسفة قبل طاليس أو من الميثولوجيا إلى الفلسفة
عند اليونان. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، (ط3) 1986، ص6.
المصدر نفسه، ص9.
المصدر نفسه، ص83و84.
اميل برهييه: تاريخ الفلسفة. ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة
والنشر، بيروت، (ج1)، (ط1) حزيران 1982، ص56.
المصدر نفسه، ص .
المصدر نفسه، ص .
المصدر نفسه، ص7.
المصدر نفسه، ص7.
المصدر نفسه، ص8.
المصدر نفسه، ص10.
المصدر نفسه، ص12.
المصدر نفسه، ص13.
drali_almerhj@yahoo.com
|
|
|