|
الخميس:
20/03/2008
قراءة في الاستغراب(2/3)
د. زيد عباس كريم(*)
(خاص للمعهد)
في الرؤية الاولى كان سيد قطب،
واحداً من أقوى الأصوات الثورية الإسلامية في مصر، وقد أمضى عامين في
الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين، اذ دفعه اطلاعه المباشر على
(الفردية العمياء) و(عبادة اللذة) المستشرية في المجتمع الأميركي إلى أن
يصبح (استغرابيا) حقيقيا. فقد كتب المقالات المختلفة عن الحياة في أمريكا
ونشرها في الصحف المصرية، ومنها مقال بعنوان (أمريكا التي رأيت) يقول فيه
(شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمة النمو والارتقاء، بينما هو في عالم
الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى، بل أقل من بدائي في
بعض نواحي الشعور والسلوك)(1).
وفي مقال آخر له بعنوان (لماذا الغرب الكافر متحضر)، وقبل أن يرد علي هذا
السؤال يرى (سيد قطب) ان الاختلاف واللبس ينشأ من عدم التحديد الدقيق
لمعنى (الحضارة)، لذا يضع اولاُ تعريفاً خاصاً به لمصطلح الحضارة، يرى
فيه ان المجتمع المسلم هو المجتمع المتحضر الحقيقي. فكلمة المتحضر
بمعناها العام لغو، لا يضيف شيئاً جديداً، على العكس تنقل هذه الكلمة إلى
حس القارئ تلك الظلال الأجنبية الغربية التي كانت تغبش التصور، وتمنع
الرؤية الواضحة الأصلية! لارتباطها بقيم مزيفة . فحين تكون إنسانية
الإنسان هي القيمة العليا في مجتمع، وتكون الخصائص الإنسانية فيه هي موضع
التكريم والاعتبار، يكون هذا المجتمع متحضراً.. فأما حين تكون المادة ـ
في أية صورة ـ هي القيمة العليا.. سواء في صورة النظرية كما في التفسير
الماركسي للتاريخ! او في صور الإنتاج الفكري كما في أمريكا وأوربا وسائر
المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي قيمة عليا تهدر في سبيلها القيم
والخصائص الإنسانية.. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متخلفاً.. أو
بالمصطلح الإسلامي مجتمعاً جاهلياً!(2)
والإسلام من وجهة نظر (سيد قطب) لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات،
مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي. والمجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يطبق فيه
الإسلام، عقيدة وعبادة، وشريعة ونظاماً، وخلقاً وسلوكاً. و المجتمع
الجاهلي هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته
وتصوراته، وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه. وحين تكون
الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده ـ متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية ـ
تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً من
العبودية للبشر. وتكون هذه هي «الحضارة الإنسانية» لأن حضارة الإنسان
تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان، ومن الكرامة
المطلقة لكل فرد في المجتمع. ولا حرية ـ في الحقيقة ـ ولا كرامة للإنسان
ـ ممثلاً في كل فرد من أفراده ـ في مجتمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد
يطيعون. وفي المجتمعات «الجاهلية» الغربية الحديثة ينحسر المفهوم
الأخلاقي؛ بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الطابع
الحيواني! ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية ـ
ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة ـ رذيلة أخلاقية. إن المفهوم الأخلاقي
يكاد ينحصر في المعاملات الاقتصادية ـ والسياسية أحياناً في حدود مصلحة
الدولة ـ ففضيحة كريستين كيلر وبروفيمو الوزير الإنجليزي ـ مثلاً ـ لم
تكن في عرف المجتمع الإنجليزي فضيحة بسبب جانبها الجنسي، إنما كانت فضيحة
لأن كرستين كيلر كانت صديقة كذلك للملحق البحري الروسي. ومن هنا يكون
هناك خطر على أسرار الدولة في علاقة الوزير بهذه الفتاة! وكذلك لأنه
افتضح كذبه على البرلمان الإنجليزي! والفضائح المماثلة في مجلس الشيوخ
الأمريكي، وفضائح الجواسيس والموظفين الإنجليز والأمريكان الذين هربوا
إلى روسيا. إنها ليست فضائح بسبب شذوذهم الجنسي! ولكن بسبب الخطر على
أسرار الدولة! والكتاب والصحفيون والروائيون في المجتمعات الجاهلية هنا
وهناك يقولونها صريحة للفتيات والزوجات : إن الاتصالات (الحرة) ليست
رذائل أخلاقية . الرذيلة الأخلاقية أن يخدع الفتى رفيقته أو تخذع الفتاة
رفيقها ولا تخلص له الود، بل الرذيلة أن تحافظ الزوجة على عفتها إذا كانت
شهوة الحب لزوجها قد خمدت! والفضيلة أن تبحث لها عن صديق تعطيه جسدها
بأمانة!.. عشرات من القصص هذا محورها! ومئات التوجيهات الإخبارية والرسوم
الكاريكاتورية والنكت والفاكاهات هذه إيحاءاتها.. مثل هذه المجتمعات
مجتمعات متخلفة.. غير متحضرة.. من وجهة نظر الإنسان وبمقياس خط التقدم
الإنساني(3).
اما (مالك بن نبي 1905 ـ 1973 الجزائر)، فقد كان يدعو في جل كتاباته إلى
ضرورة إبداع بدائل فكرية ومناهج علمية مستقلة تتناسب مع البيئة الإسلامية
بدل استيرادها كما هي من الغرب الأوربي. ويلح على ضرورة الاستقلال الفكري
في دراسة مشكلاتنا الحضارية والاجتماعية؛ لأنه يعتقد ـ كغيره من الدارسين
للحضارات الإنسانية ـ أن هناك خصوصيات كثيرة تتميز بها كل حضارة عن
غيرها. «فلكل حضارة نمطها وأسلوبها وخيارها، وخيار العالم الغربي ذي
الأصول الرومانية الوثنية قد جنح بصره إلى ما حوله مما يحيط به نحو
الأشياء، بينما الحضارة الإسلامية وبفعل عقيدة التوحيد المتصل بالرسل
قبلها، سبح خيارها نحو التطلع الغيبي وما وراء الطبيعة.. نحو
الأفكار»(4).
ومن أهم الخصوصيات التي ميزت نشوء الحضارة الإسلامية أن نشوءها سببه
الوحي الرباني؛ مما جعلها حضارة خالدة خلود المبادئ والتعاليم التي
تحملها وتدعو إليها، «فجزيرة العرب.. لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب
بدوي يعيش في صحراء مجدبة يذهب وقته هباء لا ينتفع به؛ لذلك فقد كانت
العوامل الثلاثة: (الإنسان، التراب، والوقت) راكدة خامدة، وبعبارة أصح:
مكدسة لا تؤدي دورا ما في التاريخ؛ حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء ـ
كما تجلت من قبل بالوادي المقدس، أو بمياه الأردن- نشأت بين هذه العناصر
الثلاثة (الإنسان + التراب + الوقت) المكدسة حضارة جديدة؛ فكأنها ولدتها
كلمة (إقرأ) التي أدهشت النبي الأمي، وأثارت معه وعليه العالم»(5).
وبما أن الحضارة إنجاز لا يمكن أن يوهب أو يشترى أو يستورد؛ فإن ابن نبي
أولى كل اهتمامه لتحريك الإنسان المسلم الذي يمثل بالنسبة له جوهر
الحضارة وعمودها الرئيسي نحو مواقع (الفعالية والعطاء والإنتاج)؛ لأن
«المقـياس العام في عملية الحضارة هو أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها،
وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة، حين نريد أن نصنع
حضارة من منتجاتها»(6).
وعملية استيراد أشياء الغرب ومنتجاته، والاكتفاء بذلك سبيلا للتقدم..
أشبه بالذي يحاول أن يعالج أعراض المرض ونتائجه البارزة الظاهرة للعيان،
بدل أن يعالج أسبابه العميقة، وأصوله الباطنية؛ مما يظهر المرض في الظاهر
كأنه قد اختفى، لكنه في الحقيقة لا يزال ينخر صحة المريض، ويستنزف قواه
في الباطن. لهذا علينا في معاجلة تخلفنا ـ كما يرى بن نبي ـ ألا نتبع
سبيل الاستيراد؛ فنحاول أن نصبغ من الخارج دارنا المتهدمة بلون الحضارة
الغربية ونملؤها بأثاثها، ونقتنع بذلك كوسيلة تجعل دارنا المتهدمة
المحطمة دارا قوية شديدة الأركان. فإن النظرة البسيطة تشير إلى أن الدار
تستدعي مهندسا يدرس أسباب الخلل الذي يوشك أن ينقض البناء، لا تاجرا يملأ
البيت بالأدوات والأثاث .
وطالما بقي المجتمع الإسلامي عاجزا عن إيجاد البدائل الفكرية والمنهجية
التي تنسجم مع عقيدته وواقعه؛ فهذا يعني أن هذا المجتمع ما زال يعاني من
التبعية والتخلف، ولم ترقَ أفكاره بعدُ إلى درجة الاستقلال والتحرر
الشاملين، وهذا هو الذي يشكل خطرا على حاضر ومستقبل المسلمين في نظر ابن
نبي؛ لأن «المجتمع الذي لا يصنع أفكاره الرئيسية لا يمكن على أية حال أن
يصنع المنتجات الضرورية لاستهلاكه، ولا المنتجات الضرورية لتصنيعه، ولن
يمكن لمجتمع في عهد التشييد أن يتشيد بالأفكار المستوردة أو المسلطة عليه
من الخارج.. فعلينا أن نكتسب خبرتنا؛ أي أن نحدد موضوعات تأملنا، وألا
نسلم بأن تحدد لنا بكلمة، علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية، واستقلالنا
في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا الاقتصادي والسياسي»(7).
وفي نفس الاتجاه ذهب (أبو الأعلى المودودي1903-1979) فقد حاول ربط الفكر
الإسلامي بفكرة الهوية، وكشف عن فيصل التفرقة بين المنظومة الإسلامية
وبين المنظومات الاخرى المغايرة من خلال الخصوصية التي يتمثل بها الاسلام.
فكتاب المودودي مثلا (نحن والحضارة الغربية)(8)، وهو يتضمن كثيرا من
الأدبيات الشائعة في وسط بعض فصائل الحركات الإسلامية، يتحدث عن ثورة
الإسلام الكونية، ويقرنها بضرورة إنشاء «حزب الله» باعتباره الحزب القادر
على مجابهة مادية ودنيوية الحضارة الغربية، من أجل حضارة للروح، قادرة
على تخليص الإنسانية من كل متاعبها (9).
يشير الغرب في نص المودودي إلى حضارة على أبواب الانتحار، حضارة مغالية
في طابعه المادي (10)، ويدعو إلى مواجهتها بمختلف الوسائل.
يكتب المودودي نصوصه بلغة عنيفة، ولا شك أن عنف اللغة الرمزي، يتغذى من
عنف الصراع التاريخي والواقعي الذي أحدثه الاستعمار الأوروبي في
المستعمرات.
وهو لا يكتفي في هذه النصوص بنقد الرأسمالية والاستعمار، بل إنه يضيف إلى
الغرب الإمبريالي الغرب الاشتراكي، حيث ينتقد «التفرنج» كما ينتقد
«الشيوعية الإباحية» بلغة لا تقيم أي تمييز بين المستويات والأزمنة
والمعتقدات(11). وقد لا نكون مجازفين إذا ما اعتبرنا أن كثيرا من النصوص
الغربية المعادية للإسلام والحاقدة على المسلمين، ترد بصورة مباشرة على
ما جاء في بعض نصوص المودودي، ومن يأخذ بآرائه في موضوع العلاقة بين
الغرب والإسلام، وذلك رغم الفوارق الزمنية القائمة بين هذه النصوص،
واختلاف الدوافع المباشرة المنشئة لها.
ينتمي المودودي إلى الفضاء الإيديولوجي الذي رسمت ملامحه العامة نصوص
الأفغاني في نهاية القرن 19، وخاصة رسالته: (الرد على الدهريين) (12)، بل
إن نصوص المودودي تتجاوزها أحيانا، وهي تعبر عن نمط الصراع الإيديولوجي
السائد في المحيط الإسلامي بعد الحرب العالمية الثانية (13).
يتضح هذا الأمر عندما نعرف الدهريين الذين تتحدث عنهم رسالة الأفغاني.
إنهم ممثلو الفكر الغربي المعاصر، فلاسفة الأنوار، والقائلون بالتطور،
استنادا إلى نظرية داروين، ثم دعاة الاشتراكية الطوباوية، كما تنتمي نصوص
المودودي أيضا إلى الآفاق التي دشنتها نصوص (جاهلية القرن العشرين)،
و(المستقبل لهذا الدين)، و(معالم في الطريق) وهي نصوص لسيد قطب، كتبت
وأعدت لتوجيه اختيارات في الإيديولوجيا المناهضة للحضارة الغربية،
للاستعمار الغربي، للغرب بالمفرد، باعتباره عنوانا لمظاهر مادية ملحدة،
آن أوان كشف وتهافت أسسها، لمصلحة تاريخ جديد، تلعب فيه حضارة الروح
الشرقية الإسلامية دور الريادة والزعامة، وقبل ذلك دور الإطاحة بالغرب
وحضارته المادية(14).
ومن جانب آخر أظهرت الثقافة العربية خطاً آخر في الاستغراب غير الخط
الاسلامي الأصولي، تبناه بعض الباحثين العرب، فمنهم من تمسك بالهوية
الاسلامية ومنهم من تخلى عن هذه الهوية. ومن هؤلاء على سبيل المثال: طه
حسين، وأحمد أمين، وأحمد لطفي السيد، ولويس عوض، وغالي شكري، وتركي
الحمد، وهشام شرابي، وهشام جعيط، ومحمد عابد الجابري، وسعيد السريحي،
وعبد الله الغذامي وغيرهم. ولكن يرى معظم الاصوليون أن هذا القسم الآخر
ممن عنوا بدراسة الغرب هم مستغربون لا استغرابيين، وهنا يطفو على السطح
التفريق بين مصطلح الاستغراب ومصطلح التغريب. فالتغريب تيّار فكري يرمي
إلى صبغ حياة الأمم بعامة، والمسلمين بخاصة، بلون الحضارة الغربية
وطابعها، وجعلها أنموذجاً يُحتذى، وهدفاً يُبتغى، وغاية تؤمَّل في مجالات
الحياة وأنشطتها المختلفة ثقافيةً، وحضارية، وفكريةً، وروحيةً، وأطلق على
من تبنوا الفكر الغربي متغربين او مستغربين. لكن الاستغرابيين هم
المعنيون (بالاستغراب) وهم الذين درسوا الغرب دون التنازل عن الذات.
الهوامش
ـــــــ
(*) مدرس الفلسفة الحديثة ، جامعة الكوفة.
1 ـ سيد قطب "المستقبل لهذا الدين"، دار الشروق بيروت 1978.
2 ـ المصدر نفسه
3 ـ المصدر نفسه
4 ـ مالك بن نبي، شروط النهضة، ص: 51.
5 ـ مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص: 117.
6 ـ مالك بن نبي: شروط النهضة، ص: 42.
7 ـ انظر: د.نصر عارف: مقال "هندسة البناء الحضاري عند مالك بن نبي" مجلة
الفكر الإسلامي، نشرة تصدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ملف العدد
الحضارة ـ ذوالقعدة 1414هـ أبريل1994م.
8 ـ أبو الأعلى المودودي: نحن والحضارة الغربية, دار الفكر، بيروت
(بدون تاريخ) ص62 .
9 ـ يقول المودودي: "ويتضح جليا من هذا البيان (فصول كتاب نحن والحضارة
الغربية) أن هذه الحركة ليست بحركة رجعية ولا هي حركة تقدمية تستهدف
الرقي المادي فحسب, وأن المركز التربوي الذي أطمح إليه ببصري لا أنموذج
له (…) وكذلك الحزب الثوري الذي أتخليه في ذهني لا أنموذج له (…) وإن كان
لذلك المركز وهذا الحزب أنموذح في شيء، فما هو لا مدينة (الرسول)و (حزب
الله) الذي تم تشكيله على يدي النبي العربي (صلعم)"، نحن والحضارة
الغربية ص 339.
10 ـ المصدر نفسه، ص 70-81.
11 ـ انظر الفصل المعنون: الداء ودواؤه، ص 316 من كتاب "نحن والحضارة
الغربية".
12 ـ جمال الدين الأفغاني، الأعمال الكاملة تحقيق وتقديم محمد عمارة،
القاهرة/ المؤسسة المصرية العامة (بدون تاريخ)، ص 194.
13 ـ راجع كمال عبد اللطيف: السلفية في المفهوم والسياق، ضمن كتاب مفاهيم
ملتبسة في الفكر العربي المعاصر، دار بيروت، 1992، ص 27-37.
14 ـ اليكسي جوارفسكي: الاسلام والمسيحية، ترجمة خلف محمد الجراد، سلسلة
عالم المعرفة، الكويت، 1996، ص 71.
|