الحضارية «دراسات شرقية غربية»

الاربعاء: 19/03/2008

 

قراءة في الاستغراب(1/3)

د. زيد عباس كريم(*)
(خاص للمعهد)

لكل نموذج فلسفي أو أيدلوجي ـ نسقي، أو منهجي ـ بحثي، بُعده المعرفي، أي أن كل نموذج له معاييره الداخلية التي تتكون من معتقدات وفروض ومسلمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل جذوره الكامنة وأساسه العميق، وتزوده ببعده الغائي. وهي جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التي تحدد النموذج وضوابط السلوك، أو منطقه بالمعنى العام، خطوطه الحمراء ومساحاته المسكوت عنها، والمطلق والنسبي من منظوره هو (هل المطلق هو الله أم الإنسان أم الطبيعة؟). فهي باختصار مسلمات النموذج الكلية أو مرجعيته التي تجيب على الأسئلة الكلية والنهائية (ما الهدف والغاية من الوجود في الكون؟ هل الإنسان مادة وحسب، أم مادة وروح؟ أين يوجد مركز الكون: كامن فيه أم مفارق له؟).
ويتم تكوين الصورة أو الخريطة المعرفية وعمليات إبقاء بعض عناصر الواقع وتضخيمها ومنحها مركزية واستبعاد أو تهميش البعض الآخر حسب هذه المعايير الداخلية، لذا تتعدد الفلسفات والأيدلوجيات وتتنوع مناهج البحث ونظرياته وأدواته. فإن كانت المعايير اقتصادية مادية فإن النموذج يصبح اقتصادياً مادياً بسيطاً يستبعد العناصر غير الاقتصادية والمادية المركبة، وإن كان المعيار حضارياً مركباً فإن النموذج يصبح كذلك، ويحاول أن يعكس مجموعة العلاقات المركبة التي تشكل حضارة ما، ولا يكتفي بالعناصر الاقتصادية المادية وحسب. ولكل مجتمع تحيزاته، ولكن ما حدث هو أن كثيراً من شعوب العالم بدأت تتخلى عن تحيزاتها النابعة من واقعها التاريخي والإنساني والوجودي، وبدأت تنظر لنفسها من وجهة نظر ذات بعد واحد.
ومن الحقائق الأساسية التي تجابه الإنسان في القرن العشرين أن النموذج الحضاري الغربي الحديث أصبح يشغل مكاناً اكثر مركزية في فكر ووجدان معظم المفكرين والشعوب بسبب انتصاراته ـ أو إن شئنا الدقة فلنقل «هيمنته» ـ المعرفية والعسكرية الواضحة في مجالات عديدة، والتي ترجمت نفسها إلى إحساس متزايد بالثقة المفرطة بالنفس من جانب الإنسان الغربي، وإلى إيمانه بأن رؤيته للعالم هي أرقى ما وصل إليه الإنسان، وأن كل التاريخ البشري يصل إلى أعلى مراحله في التاريخ الغربي الحديث، وأن العلوم الغربية علوم عالمية، وأن النموذج الحضاري الغربي يصلح لكل زمان ومكان، أو على الأقل
يصلح لكل زمان ومكان في العصر الحديث. ولأسباب أخرى أصبحت محاولة اللحاق بالغرب هي جوهر معظم المشروعات النهضوية ـ الليبرالية والماركسية والإيمانية ـ في العالم الثالث، بما في ذلك العالم الإسلامي، علمياً وفلسفياً. والسمة الأساسية لكل المشروعات الحضارية ـ رغم تنوعها واختلافها وتصارعها ـ أنها جعلت الغرب نقطة مرجعية نهائية ومطلقة، أي أنها استبطنت رؤية غربية تدرس الغرب نفسه ومشروعه الحضاري، سيادة ً كالليبرالية، أو نقداً كالماركسية، وأصبح الغرب بامتداده «الشمالي» هو هذا التشكيل الحضاري الذي سبقنا والذي علينا اللحاق به. فثمة نقطة واحدة تحاول كل المجتمعات الوصول إليها، وثمة طريقة واحدة لإدارة المجتمعات ولتحديد تطلعات البشر وأحلامهم وسلوكهم، أي أنه توجد رؤية واحدة عالمية للإنسان والكون، لا فارق بين من يقبل جوهرها وإن غالى في الفصل بين الجنسين وسعى لأسلمة العلم الغربي (وليس تحديه برؤى بديلة معرفية ندية) أو من تبنى جوهر الرؤية الغربية وأطلق العنان للشره الجسدي باسم الحرية الفردية. ومن ثم تحول الغرب من بقعة جغرافية وتشكيل حضاري له خصوصيته ومفاهيمه إلى البقعة التي يخرج منها الفكر العالمي الحديث(1). وقد أضفى هذا شرعية هائلة على عملية اللحاق بأوربا، إذ أصبح العلم الغربي الذي يسعى المثقفون العرب والمسلمون إلى تحصيله علماً عالمياً حديثاً، وأصبح الرضوخ الفكري للغرب والتبعية الفكرية له من سمات التقدمية والتحرر والطريق الوحيد إلى الانتماء للعصر الحديث. لذا قدمت لنا الثقافة العربية صورة نمطية جدا عن الغرب لم تخرج عن خطين، انبهار شديد بالثقافة الغربية أو رفض مطلق لها، صورة مضببة، بمعنى أنها لم تخضع للنقد الحقيقي، بعيداً عن التصور الايديولوجي الذي ساد، أو كاد، وخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهي صورة سلبية عموماً، لا تقل سلبية عن صورة العربي في الأدب الغربي. فتماهى المثقف الغربي في أذهاننا مع (الاستعماري، الرأسمالي المتعجرف الذي يحاول فرض ثقافته ونمط حياته). انها الصورة العامة للثقافة الغربية في اذهاننا. ولا يغير من هذه الصورة أيضاً الانبهار المطلق بالثقافة الغربية، فهو الوجه الآخر لها، لأن الاثنين ينبعان من منبع واحد هو غياب الموقف النقدي الذي يحاكم الأشياء بمنطق عقلي سليم قبل أن يقبل بشكل مطلق أو يرفض يشكل مطلق. من هنا نجد أن مفاهيم كثيرة خاطئة أنتجها ويعيد انتاجها مثقفون في هذا الجانب أو ذاك بحاجة حقيقية الى اعادة النظر على أسس معرفية سليمة انطلاقاً من الحقيقة التي يفرضها علينا عصرنا سواء شئنا أم أبينا، وهي وحدة المعرفة الانسانية مع المحافظة على كل الخصائص التي تميز هذا الشعب أو ذاك. نحن بحاجة حقيقية اى للتفكير لإعادة النظر في المفاهيم المتعلقة بثقافتنا وثقافات الآخرين، حاجة تدفعنا، ولو متأخرين لمعرفة الآخر، الشرط الضروري لمحاورته، ومحاولة التأثير فيه.
لقد دعا بعض المفكرين العرب إلى ضرورة أن يكون الغرب موضوعاً للدراسة والتحليل من قبل الشرق حتى نكون عنه رؤيتنا من خلال دراسات وتحليلات علمية، تحت مسمى (الاستغراب) او كما يحلو للبعض تسميته بـ (علم الاستغراب) وذلك أسوة بـ (الاستشراق) او على النقيض منه، والمقصود منه دراسة الموقف من الغرب وكيفية التعرف عليه ومعرفة أنساقه الفكرية وتجربته الحضارية وخصائصه التي تميزه عن غيره من الكيانات الحضارية. ولا يعني ذلك ان الاستغراب كان غائبا في الثقافة العربية قبل هذه الدعوة الى دراسة الغرب ، فهو في الواقع لم ينعدم تماماً في الدراسات العربية. فرسالة احمد بن فضلان في القرن العاشر الميلادي تندرج في مفهوم الاستغراب. فهي تحدثت عن حياة الغرب (اسكندينافيا) حينما كان هذا الغرب في درك تخلفه الثقافي والحضاري. وفي عصر التنوير العربي كتب الشيخ رفاعة الطهطاوي كتابه «الابريز في تلخيص باريز» اضافة الى بعض المثقفين العرب الذين بهرتهم الحضارة الغربية امثال: سليمان البستاني (مترجم الالياذة) وأمين الريحاني وطه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهم. ومع هذا ليس الاستغراب فاعلاً بقدر فعالية الاستشراق لسبب وحيد، هو ان هذا الاستشراق كان بمثابة استطلاع غربي لواقع الشرق لمقاصد استعمارية كما هو معروف، ويؤكده الدكتور ادوارد سعيد في مؤلفه بهذا المعنى. فمصلحة الغرب الاستعماري وجهت بعض الرحالة والمغامرين الغربيين الى استكشاف واقع الشرق المتخلف (في آسيا وافريقيا) توطئة لاستعماره في ما بعد. ولو كان الوضع معكوساً لانسحب ذلك على الاستغراب، وهو ما لم يحدث.
من اجل ذلك لا يمكن ان نعتبر الاستغراب مقابلا للاستشراق كما قد يفهم من ذلك او كما يميل البعض إلى تصوره وتصويره بانه ردة فعل مضادة للاستشراق تماثلها (بالقوة) وتعاكسها بالاتجاه. نعم قد يدل اللفظ على انه كذلك، ولكن في حقيقة الامر لا ينبغي أن تنطلق افعالنا من رد الفعل، لان في ذلك ما يمكن اعتباره تفرعا فكريا ناشئاً عن التاريخ السياسي والفكري للغرب. لذا يجب ان تكون لنا مبادراتنا في دراسة الغرب، فالبقاء في دائرة رد الفعل يفقد القدرة على الابداع والتأثير، وهذا ما لا يرغب فيه أي باحث. ومن جانب اخر فان المادة الاولية التي تعامل بها المستشرقون في دراساتهم للشرق لم تكن الشرق نفسه، وانما كانت كل مرجعيات واليات ومناهج العقل الغربي، ويشمل ذلك كل المستشرقين حتى المنصفين منهم ،وعليه لا يكون الاستغراب مقابلا للاستشراق الا اذا توفرت لدى العقل العربي آلياته ومناهجه الخاصة والنابعة من كل مرجعياته الفكرية والعقائدية والحضارية، وهذا ما لم يتحقق بعد.
لقد بدأ الاهتمام الغربي بالفكر العربي والإسلامي مبكراً، ففي عام 1633 تأسس أول كرسي لدراسة اللغة العربية في كامبردج، ثم في أكسفورد عام 1636 وذلك بعد فترة طويلة من إنشاء كراسي للغة العربية في باريس وليدن، كما لم تتوقف محاولات دراسة الشرق من قبل الغربيين، وقد شكل الشرق في إطاره موضوعاً لتفكير نتجت عنه دراسات وأبحاث وأقوال مختلفة، بدا فيها الشرقي نمطاً ملتبساً ومفعماً بالأساطير والتصورات المغلوطة، وظهر فيه الشرق مغايراً ومفارقاً لواقع الشرق ذاته، مع أن الشرق ليس كياناً واحداً، لكن الأبحاث والدراسات الاستشراقية صورته كذلك بناء على مسبقات وأحكام التمركز الغربي. فالفصل الميتافيزيقي بين الغرب والشرق لم يأخذ باصطلاحه المكاني والجغرافي، بل في تأكيد التباين الثقافي والسياسي والأيديولوجي بينهما في انفصامهما، لذلك فإن الاستشراق ليس ظاهرة خلقتها ظروف تاريخية محددة. كما أنه لم يشكل، عبر تاريخه، إفرازاً لحاجات ومصالح الغرب الحيوية المتصاعدة، بقدر ما كان إفرازاً، قد لا نغالي إذا قلنا (طبيعيا)، لعقل ميتافيزيقي متمركز على ذاته، همّه الأساس إنتاج الآخر (أي آخر) وفق صور رغبوية ومتخيلة، تعتريها تشوهات الإحالة والفصل والمعايير الميتافيزيقية التي وسمت مجمل تاريخ الفلسفة الميتافيزيقية الغربية، التي أنتجت مفهوم الذات ومركزيتها (2). ودون الرجوع إلى الفكر اليوناني الذي انبنت رؤيته للعالم على ثنائية الإنسان والطبيعة، باعتبار أن الإنسان مركز الكون، ومقياس الأشياء، وأن حقيقته أنه عقل أو صورة في مقابل الطبيعة أو المادة، ودون الرجوع كذلك إلى الفكر المسيحي وثنائية الأب والابن، واللاهوت والناسوت الخ… قد يكفي هنا التذكير بأن الفلسفة الأوربية الحديثة هي أساسا فلسفة (الذات أو الأنا): الإنسان ذات في مقابل العالم الذي هو موضوع لها. والفكرة المؤسسة(لفلسفة الذات) هذه هي (كوجيتو ديكارت) لقد شك هذا الفيلسوف الفرنسي في كل شئ و مسح الطاولة، حسب تعبيره، مسحا ولم يبق لديه أي شئ آخر غير كونه يفكر، ومن هنا قولته الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود». وجود الأنا سابق ومستقل عن وجود العالم وعن أي وجود آخر. ومن هنا كان كل وجود غير الأنا هو آخر بالنسبة لها، وبالتالي فعلاقة التغاير هي علاقة بين الأنا والآخر ابتداء، سواء كان هذا الآخر شيطانا ماردا يريد تضليل ديكارت، أو كان إلها ضامنا ليقينه ذاك، أو كان شيئا من الأشياء المادية المحسوسة التي يتوقف وجودها على يقينه وهكذا فالشبكة التي يرى (العقل الأوربي) العالم من خلالها وبواسطتها شبكة تستحوذ فيها علاقة أساسية هي علاقة الأنا والآخر، لا علاقة آخر بآخر. سيطول بنا الحديث ويتشعب لو أننا أخذنا نتتبع فكرة الآخر في الفكر الأوربي. ذلك لأن هذا الفكر يتمحور كله حول هذه الفكرة، من ديكارت إلى هيجل وماركس إلى سارتر والذين جاءوا من بعده. وهكذا، يظهر الاستشراق مستنداً الى فلسفة الذات الغربية في زهوة تفوقها وقوتها وسطوتها، بينما تزيِّف ثقافة الآخر الشرقي (خصوصاً الإسلامي) وتحتقر ثقافته ولغته وديانته ووجوده، وتضعه خارج التاريخ، وخارج الفضاء الكوني المشترك الذي يناضل من أجله الجميع، مجردة إياه من القيم الإنسانية المشتركة. قد لا ينطبق هذا التوصيف على توجهات وجهود بعض كبار المستشرقين، إنما على مجمل حركية وفعالية الاستشراق، خصوصاً خلال مراحل اقترانها بالمدّ الاستعماري.
وبالتاكيد كانت هذه الرؤية الغربية للشرق تحتاج لرؤية معادلة من قبلنا نحن العرب والمسلمين عن الغرب المعاصر، نحلل فيها مكوناته الفكرية وقيمه ووجهة الاختلاف بين أقاليمه وخصائص ومميزات كل منطقة بموضوعية، حتى تكون أحكامنا عنه أكثر إنصافاً ونتلافى مثالب وسلبيات الرؤية الاستشراقية المعيبة عن الشرق والإسلام.
ولكن يمكن ان يصح تعريف الاستغراب هذا في جانب واحد من جوانبه، فاذا كان الاستشراق يجعل من الشرق وشعوبه وحضارته وثقافته ودياناته مجالا لاهتمامه وبحوثه ودراساته، فان الاستغراب يمكن ان يكون رد فعل معاكس من هذا الباب، وذلك بجعل الغرب بموروثاته وحضارته وثقافته ودياناته موضوعا للدراسة والفحص، لكن ليس بغرض استلهامها في تكوين معتقدات وآراء وتوجهات، بل لغرضين: أولهما لمعرفة وجوه مخالفة ذلك العالم بتياراته ومذاهبه لحضارتنا وقيمنا ومعتقداتنا، حتى يمكن تجنب شرك الوقوع في أسرها. وثانيهما: تقديم المشورة اللازمة لدوائر اتخاذ القرار، والتي يمكن على اساسها تحديد السياسات وضبط العلاقات وفتح القنوات مع الاخر.
لكن المشكلة في دراسة الغرب من قبل العالم العربي والإسلامي انها في معظمها يمكن إيجازها من خلال رؤيتين متعارضتين في المنطلق متفقتين في الهدف والنتيجة، وهو ذم العالم الغربي والتركيز على مثالبه وعيوبه وطمس محاسنه ومنجزاته العلمية والحضارية والإنسانية. فالرؤية الأولى يقدمها تيار الفكر الديني الذي لا يرى في حضارة الغرب سوى أنها حضارة فاجرة تقوم على الشهوات والحياة الماديـة ولا مكان فيها للأخلاق والمبـادئ. وتتضح هذه الرؤية بصورة أوضح عند بعض الاسلاميين السلفيين من امثال سيد قـطب في مـذكراته عن أميركا التي رآها، كذلك ابي الاعلى المودودي، ومالك بن نبي، ومحمد اقبال وغيرهم. والرؤية الثانية يمثلها الأيديولوجيون العرب من أنصار الفكر الماركسي والاشتراكي ومن دار في فلكهم من القوميين العرب، وهؤلاء ينطلقون من منطلقات مخاصمة لبنية الفكر الغربي في الأساس فلا يرون في الغرب إلا الرأسمالية المتوحشة والإمبريالية الممتدة شرقاً وغرباً والتي تريد أن تبتلع العالم في أحشائها وتتحكم في ثرواته وقراراته فتكون لها السيادة واليد الطولى.
وهنا تكمن صعوبة المعادلة في الثقافة العربية حيث لا يمكن فصل الثقافة عن السياسة في العقل العربي. والايديولوجيا وجه من وجوه السياسة. ولأن الآخر، الذي هو الغرب ما زال يشكل في ذهنية المثقف العربي صورة الاستعماري الطامع في ثروات الوطن العربي ومحدث الكيان الصهيوني في فلسطين. وكان لا بد على المثقف العربي الذي يتنفس سياسة ان يخضع للاعتبارات الأيديولوجية في تعاطيه مع الغرب. فتشكلت حقيقة هذا الغرب في نظر المثقف العربي بوصفه استعمارياً ورأسمالياً متعجرفاً. وكان من الطبيعي أن تنمو الأفكار الأصولية في تربة خصبة كالتربة العربية الإسلامية، بعدما استشرى استغلال الغرب للشرق وتفاقم دوره المنحاز لاسرائيل التي لم تكن على هذا القدر من القوة والبأس لولا تعاظم الدعم الغربي لها في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية والعلمية والسياسية كافّة. ومن الطبيعي ايضا ان تنمو الأفكار الأيديولوجية والقومية في ظل الوضع المتأزم والدور الغربي المجحف في الشرق. فكانت هذه الرؤية الاصولية وكذلك الأيديولوجيا القومية، بمثابة ردة فعل على هذا الإجحاف الذي ألحقه (الغرب بنا). والملوم في ذلك ليس فقط الغرب الذي لم ينظر الى بلاد العرب والمسلمين الا نظرة متعالية همها خدمة مصالحه هو على حساب مصالح شعوب المنطقة، وانما ايضا المثقف العربي والثقافة العربية برمتها. فنحن مقصرون مع تراثنا ومع واقعنا الثقافي اليومي، ومقصرون في قراءة مجتمعنا وخطابنا الاجتماعي والثقافي، فما بالك بالخطاب الغربي؟!
وعليه فان هذه الرؤية وتلك تحتاج إلى إعادة نظر ودراسة موضوعية للغرب حتى يكون التواصل والتفاعل الحضاري بين الشرق والغرب قائماً على أسس منطقية ورؤية واضحة بعيدة عن المواقف المسبقة والأيديولوجيات الجامدة، وكلتاهما تنافي الموضوعية والمنهج العلمي السليم.

الهوامش
ــــــ
(*) مدرس الفلسفة الحديثة ، جامعة الكوفة.
1 - أنظر: مارتن برنار: أثينا السوداء، الجزء الأول تلفيق بلاد اليونان، ترجمة مجموعة من المترجمين، المشروع القومي للترجمة، القاهرة،1997
2 - أنظر: إدوارد سعيد: الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1984.