الحضارية «دراسات شرقية غربية»

الاربعاء: 12/03/2008

 

الموقف من الغرب (الآخر)
الاستغراب جذوره ومشكلاته
(قراءة في أفكار حسن حنفي)

د. يوسف زيدان(*)

يمثل الدكتور حسن حنفي قيمة فلسفية مهمة في ثقافتنا المعاصرة، بحيث لا يمكن الكلام عن الفلسفة في مصر ـ والوطن العربي ـ دون الوقوف عند حسن حنفي وأفكاره ورؤاه ومواقفه وجهوده التي لا تهدأ.
والجيل الذي انتمى إليه، من أهل الفلسفة، مدين للدكتور حسن حنفي بالكثير، فبالإضافة إلى ما تعلمناه من كتبه ومن حركته الدؤوب، كان الفضل له دوما في أننا (تجرأنا) على خوض الغمار وطرح الأفكار.. واعترف هنا أن ما فعله حسن حنفي من خلال (الجمعية الفلسفية المصرية) ومن خلال مناوشتنا الدائمة، كان أحد أهم الأسباب التي دفعت بجيلي إلى الاشتباك والاحتكاك الحقيقي في أرض الأفكار (كان أفلاطون يقول: المعرفة تتولد باحتكاك النفوس) وقد كان حريصا ـ دوما ـ على الزج بنا في هذا البحر، مشجعا لنا على التجديف بكل قوة.. ولا شك أنه احتمل منا ـ قبل
الآن ـ الكثير، وأطالبه اليوم، شخصياً، بمزيد من الاحتمال! لأنني بصدد مناوشته والاشتباك الفكري معه في مشروعه الأخير.
مشروع حسن حنفي:
أواخر سنة 1990 ميلادية، صدر كتاب (مقدمة في علم الاستغراب) وهو كتابٌ ضخم يقترب من التسعمائة صفحة.. فكان مؤلفه هو أول من أبرز لفظة «الاستغراب» على هذا النحو اللافت، وآثار الكتاب بصدوره ضجة واهتماماً واسعاً، فكتبتُ وكتب غيري من المهتمين بالعلاقة بين الشرق والغرب، عن الكتاب وقضاياه المهمة؛ وناقشناه كثيراً في عدة ندوات(1).
وتحت عنوان (من الاستشراق إلى الاستغراب) يقول الدكتور حسن حنفي، ما نصه: الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض من الاستشراق، فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا (الشرق) من خلال الآخر(الغرب)، يهدف علم الاستغراب إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر.. وإذا كان الاستشراق هو دراسة الحضارة الإسلامية من باحثين ينتمون إلى حضارة أخرى، ولهم بناء شعوري مخالف لبناء الحضارة التي يدرسونها؛ فإن الاستغراب هو العلم المضاد له.. في الاستغراب انقلبت الموازين وتبدلت الأدوار، فأصبح الأنا الأوروبي الدارس بالأمس، هو الموضوع المدروس اليوم، كما أصبح الآخر اللاأوروبي المدروس بالأمس هو (الأنا) الدارس اليوم(2).
ومع أن الكتاب يقع في ثمانية فصول وخاتمة، إلا أن محوره الأساسي يكمن في الفصل الأول، إذ السبعة الأخرى بمثابة تطبيق للفكرة الرئيسة (دراسة الغرب) من ذلك المنظور الذي يسميه المؤلف (منظور الأنا) بيد أن الدكتور حسن حنفي، في الحقيقة، لم يستقر على مفهوم محدد لهذه الأنا، فأحياناً يعنى بها الشرق وأحياناً الإسلام، وأحياناً دول الجنوب أو العالم الثالث، وأحياناً العروبة.. وعلى أي حال، فهي (دوائر) متداخلة يصعب الفصل بينها، إذ كلها تشكل (الأنا) الذي يتحدث عنه الدكتور حسن حنفي؛ وقد كنتُ أود أن يحدد مقدار كل دائرة منها في هذا التشكيل الخاص بالذات الحضارية التي ننتمي إليها.
وقبل الدخول إلى الكتاب، والفصل الأول منه على وجه الخصوص؛ نقف عند العنوان (مقدمة في علم الاستغراب) لنسأل: هل الكتاب حقاً مقدمة؟ وهنا نلاحظ أن تسمية الكتاب بالمقدمة لا تنطبق إلا على الفصل الأول، وربما الخاتمة أيضاً؛ ففيهما التنظير والملامح العامة للمشروع ولو كان الكتاب قد اقتصر عليها ـ دون الفصول السبعة الأخرى ـ لكان بالفعل مقدمة.. لكن الكتاب اشتمل على التطبيق والمشروع كله، حين راح يدرس مفكري الغرب من منظور(الأنا) كما أسلفنا.. ويبدو أن المؤلف كان حاضراً في ذهنه (مقدمة ابن خلدون) بالذات(3)، فاستعار التسمية، ربما، دون أن ينتبه لاختلاف مضمون الكتابين وحدودهما. ومما يؤكد هذا الفرض، الإشارة الواضحة ـ المتكررة ـ إلى دورة السبعمائة عام! فقد جاء ابن خلدون بعد سبعمائة عام أخرى. وفي ذلك نوع من التعميم والرؤية العصفورية لحركة التاريخ والإبداع الفكري.
ثم نأتي لكلمة علم لنسأل: هل كان الاستشراق علماً بحيث يوصف الاستغراب بأنه علم؟ وهنا نلاحظ أن الاستشراق كان دراسة يغلب عليها طابع التأريخ، والتأريخ مـُختلفٌ فيه، أهو علمٌ أم فن. ولقد أشار المؤلف إلى منهج المستشرقين تحت عنوان ساخر هو «النعرة العلمية» وذلك في كتابٍ سابقٍ له؛ ومن السهل على غيره أن يصف منهجه بوصف مشابه، إذ تغلب على الكتاب ـ نظراً لاعتماده على المنهج الفينومينولوجي ـ النزعة الشعورية الدافقة، وما تجر إليه من تذبذبٍ لا يتفق مع (العلم) في مفهومة العام.. والدكتور حسن حنفي يعترف في أواخر الكتاب بهذه الذبذبة، فيقول تحت عنوان(محاولة في النقد الذاتي) ما نصه: «ويمكن إجمال أوجه القصور في هذه المقدمة في علم الاستغراب، في عدة نقاط أساسية:
1 ـ التذبذب المستمر بين التحليل والمادة العلمية، بين العلم الجديد والمعلومات القديمة؛ وقد نشأ ذلك من الرغبة في الكتابة على مستويين ولجمهورين أو قارئين، الأول مستوى التخصُص الدقيق، والثاني مستوى المعلومات العامة»(4). نقول: في هذه الحالة، يصعب قبول وصف (العلم) على ما يقدمه الكتاب! فالأحرى تسمية (اتجاه) أو شيء من هذا القبيل.
ونأتي أخيراً لكلمة «الاستغراب» وهي اشتقاقٌ خاص من جذر (غرب) في اللغة، وإذا أطلقت هذه الكلمة، فهي تعني الاندهاش أو الإنكار، فيقال «استغراب الشيء» إذا اندهش منه أو أنكره.. لكنها في الدلالة الاصطلاحية تقابل (الاستشراق) وتستقي معناها منه بدلالة المقابلة والمخالفة؛ وهنا يظهر أن المؤلف لم يخرج من هيمنة النظرة الغربية وهو يصوغ أفكاره واصطلاحاته، فالغرب قام بالاستشراق، وهو (المؤلف) يقوم برد فعل يقابله؛ فيكون الغرب فاعلاً في المرتين.. وربما كان الأفضل عند اختيار التسمية، أن يستفيد الدكتور حسن حنفي من تراثه، فيختار لفضة يشتقها من كلام السابقين الذي درسوا الحضارات الأخرى، كما فعل البيروني مثلاً في دراسته للحضارة الهندية فجعل كتابه بعنوان: (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة).. أو كما فعل مسكويه حين سمى كتابه: (تجارب الأمم).. وغير ذلك مما كان يمكن معه تأسيس هذا الاتجاه الجديد في الدراسة، تحت عنوان ينبع من (الأنا) وليس من (الآخر) الذي طالت هيمنته؛ وسوف تطول.
وبعيداً عن هذه الملاحظات الشكلية، تبقى للكتاب أهميته من خلال هذا الجهد الضخم المبذول فيه وفي الفصول التطبيقية، ويحسب له أيضاً هذا الشعور الجارف بضرورة تأكيد الذات والهوية ضد عمليات التغريب المستمرة التي تغلغلت في وجدان أمتنا.. وهذا الوعي العميق بحرج اللحظة التي تعيشها الأمة على كافة المستويات، وهو الوعي الذي ينطق في كل صفحة من صفحات الكتاب.. مما يدعونا للقول إن هذه الدعوة لتأسيس شكل جديد للفكر، يـُخضع الغرب للدراسة، ولا ينفعل به دوماً؛ هي دعوة نابعة من أغراض نبيلة، لا شك في جدواها وأثرها الإيجابي حاضراً ومستقبلاً.
لكن الدكتور حسن حنفي لم يكن هو أول من دعا إلى هذا الاتجاه الجديد، وقد أشار هو بنفسه إلى أن لهذا (العلم) جذوراً ممتد منذ نشأة (الأنا) الحضاري في التراث الإسلامي عبر أربعة عشر قرنا أو يزيد، إذ تمتد الجذور إلى النموذج القديم في علاقة الحضارة الإسلامية بالحضارة اليونانية التي تحولت إلى موضوع دراسة.. ثم أتت مرحلة أخرى حين صور ابن خلدون أهل الشمال وتحدث عن (الفرنجة) وبلادهم وتاريخهم وعُمرانهم.. ثم بدأت، كما يقول الدكتور حسن حنفي بنفسه: إرهاصات علم الاستغراب في جيلنا، وتحدث الكثير منا عن إمكانية إنشاء هذا العلم، بل ضرورة ذلك حتى يساعدنا على الخروج من نطاق التبعية الثقافية للغرب، ولكن الغالب على هذه الإرهاصات أنها تعبير عن نوايا نعلنها جميعاً دون أن تتحول هذه النوايا إلى علم دقيق.. ولكن خروج هذه المقدمة في (علم الاستغراب) في هذه اللحظة يدل على أن لحظة الإعلان عن النوايا قد تم تجاوزها، وأن الإرهاصات الأولى قد تم تحويلها إلى علم دقيق أو كاد.. والمحاولة الأولى هي هذه المقدمة في علم الاستغراب(5).
ونرى من جانبا أن مقدمة الدكتور حسن حنفي ـ على أهميتها ـ جاءت متأخرة.. فالحقيقة الثابتة ان (تجاوز الإعلان عن النوايا) تم منذ فترة طويلة، وأن مقدمة الدكتور حسن حنفي لم تكن هي المحاولة الأولى؛ فقد سبقته ـ على الأقل ـ محاولتان مشهورتان، الأولى لرفاعة الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) والثانية لخير الدين التونسي في كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) وهناك من بعدهما الكثير من الجهود التي بُذلت لقراءة الفكر الغربي القديم والمعاصر من منظور الذات.. ولسوف نتوقف فيما يلي أمام جذور هذا الاتجاه عند الطهطاوي والتونسي، ثم نستعرض الصعوبات والمشكلات التي تواجه ذلك (الاتجاه المعرفي) المسمى بالاستغراب.
جذور الاتجاه
قبل قرابة قرنين، ولد الطهطاوي بصعيد مصر، في بلدة (طهطا) التابعة لمحافظة سوهاج بالتحديد سنة 1801 ميلادية، وتوفى وهو في الثانية والسبعين من عمره بعد حياة حافلة. وقد ذهب في شبابه المبكر للدراسة بالأزهر، فالتقى هناك بأحد أعلام عصره من أهل الاستنارة ومحبة العلوم: الشيخ «حسن العطار» الذي استفاد الطهطاوي من علومه ومناهجه شيئا كثيراً.. وكان الشيخ العطار صاحب فضل كبير على الطهطاوي حين توسط له عند محمد علي كي يرسله مع البعثة العلمية إلى فرنسا؛ إذ كان محمد علي ـ بثاقب بصرة ـ يخشى على المبعوثين الذين يرسلهم إلى أوربا لدراسة العلوم الحديثة، من انفلات أمرهم واللهاث وراء المتع الحسية المتوفرة هناك، وبالتالي يفشلون! فرأى محمد علي أن من التدابير اللازمة، إرسال فقيه أزهري كمرافق للبعثة، يؤدي بالمبعوثين فروض الشريعة ويذكرهم بأمر دينهم وبلادهم.. ورشح الشيخ العطار لهذه المهمة تلميذه رفاعة الطهطاوي، وسعى عند محمد علي للموافقة عليه؛ فسار الطهطاوي مع البعثة.
كانت السنوات الخمس التي قضاها الطهطاوي في باريس (من سنة 1826م حتى 1831م) من أخصب سني عمره، فقد انكب على دراسة اللغة الفرنسية، وبحث أحوال الفرنسيين، ووضع خلاصة بحثه في كتابه الذي يعد أول دراسة في (الاستغراب) وهو الكتاب الذي اختار له الطهطاوي عنواناً تراثياً، مسجوعاً على عادة القدماء، هو: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».. وهو عنوان ـ كما نرى ـ ملئٌ بالدلالة، إذ يشير إلى سعي مؤلفة لاستخلاص الفوائد الذهبية (الإبريز هو الذهب الخالص) من دراسة الحياة الأوروبية متمثلة في مدينة باريس.. وهكذا انطلق الطهطاوي بالفعل من الأنا، حين اراد رؤية الآخر(5).
وهكذا، يقوم الطهطاوي ببحث مظاهر الحياة الأوروبية من منظوره الخاص كرجل عربي مسلم، فنراه يقدم دراسة نقدية، لا تستسلم لواقع الحضارة الغربية وتنبهر بها، ولا تحاول ـ من الناحية الأخرى ـ الغض من قيمة هذه الحضارة والحط من شأنها.. باختصار: قدم الطهطاوي دراسة موضوعية.
ولم يترك الطهطاوي مظهرا من مظاهر الحياة الأوروبية في العاصمة الموسومة بالنور والثقافة (باريس) إلا تعرض له تعرضا نقدياً تحليلياً، فنراه وهو يذكر الأحوال الاجتماعية ـ مثلاً ـ مفرقا بين ما يختص به الفرنسيون، وما يشتركون فيه مع بقية البشر من ظواهر اجتماعية وطباع خُلُقية، ثم يوضح موقفه هو ـ كشرقي ـ من ذلك.. وذلك ما يبدو لنا من خلال هذه الفقرات التالية من «تخليص الإبريز» حيث يقول الطهطاوي: ومن طباع الفرنساوية التطلع والتولع بسائر الأشياء الجديدة، حيث التغير والتبديل.. ومن طباعهم المهارة والخفة.. ومن طباعهم أيضاً الطيش والتلون، حت أن الإنسان قد يرتكب في يوم واحد جملة أمور متضادة، وهذا في الأمور غير المهمة، وأما في الأمور المهمة فآراؤهم في السياسات لا تتغير (وهكذا يفرق الطهطاوي بين الجوهري والعرضي، أو بين الثابت والمتحول في السلوك الاجتماعي) ومن خصالهم محبة الغرباء والميل إلى معاشرتهم، خصوصا إذا كان الغريب متجملاً بالثياب النفيسة.. وليس عندهم المواساة إلا بأقوالهم وأفعالهم، لا بأموالهم؛ وهم في الحقيقة أقرب للبخل من الكرم.. ومن خصالهم أيضاً صرف الأموال في حظوظ النفس والشهوات الشيطانية، واللهو اللعب، فإنهم مسرفون غاية السرف؛ ثم إن الرجال عندهم عبيد النساء، وتحت أمرهن سواء كن جميلات أم لا.. ومن خصالهم الرديئة قلة عفاف كثير من النساء، وعدم غيرة رجالهم.. الخ.
ثم ينتقل الطهطاوي من الجانب الاجتماعي إلى الجانب الفكري، فيقول: إن الفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح العقليين (وهو مذهب المعتزلة من المسلمين) ومن عقائدهم القبيحة قولهم أن عقول حكمائهم وطبائعييهم أعظم من عقول الأنبياء وأذكى منهم، ولهم كثير من العقائد الشنيعة كإنكار بعضهم القضاء والقدر، مع أن الحكيم العاقل من يصدق بالقضاء.. إلخ.
ولم يكتف الطهطاوي في هذا الكتاب برؤية المجتمع الغربي من زاويته الخاصة فحسب، بل تراه يدخل في نقاش مع الرؤى الأخرى؛ فهو حين يتعرض لأحوال الديانة يقول ما نصه: وقد أسلفنا أن الفرانساوية على الإطلاق ليس لهم من دين النصرانية غير الاسم، فهم داخلون في اسم الكتابيين، فلا يعتنون بما حرمه دينهم أو أوجبه.. ثم أن مسيو «دي ساسي» لما اطلع على ذلك (يقصد ما كتبه الطهطاوي) كتب عليه «قولك إن الفرانساوية ليس لهم دين البتة، وانهم ليسوا نصارى إلا بالإسم، فيه نظر.. وإن دخلت كنائسنا أيام الأعياد المعظمة ظهر لك صحة قولي. يقول الطهطاوي: هكذا انتهت عبارته، والحامل له على ذلك، كونه من أرباب الديانة، وعددهم نادر ولا حكم له»(6).
وقد نال كتاب طهطاوي «التخليص» شهرة عظيمة، وترجم إلى اللغة التركية؛ ولا تزال طبعاته العربية تتوالى إلى اليوم من حين لآخر. وقد كتب الطهطاوي ـ وترجم عن الفرنسية ـ الكثير من الأعمال المهمة، لكن ما يعنينا هنا مادمنا نتحدث عن جذور الاستغراب هو كتابه «التخليص» الذي يعد بحق: أول جهد مبكر يقوم به أحد علماء الشرق لدراسة واقع الغرب وتاريخه وأفكاره.. ومن هنا نقول إن الطهطاوي كان: رائد الاستغراب في تاريخنا الحديث.
وبعد صدور «تخليص الإبريز» بربع قرن من الزمان أو يزيد، ازداد تيار (الاستغراب) قوة واستمراراً مع صدور كتاب خير الدين التونسي: (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)، سنة 1867 ميلادية.. ليكون هذا الكتاب هو الحلقة الثانية، المبكرة، في مسيرة هذا التيار الرامي إلى تأسيس معرفة عميقة بالغرب.
ولد خير الدين التونسي سنة 1810ميلادية وسط عائلة شركسية، فتلقى علوم الدين اللغة العربية، ودرس اللغة الفرنسية، ثم صار مملوكا شركسياً لأحد الحكام العثمانيين، هو أحمد الباي حاكم تونس الذي أرسله إلى باريس سنة 1852 في مهمة دبلوماسية قانونية، فظل خير الدين هناك حتى سنة 1856 ميلادية.. وهذه السنوات الأربع كانت فترة شبيهة بالسنوات الخمس التي قضاها الطهطاوي هناك، من حيث كونها فترة كافية لدراسة واقع الغرب، وهي الدراسة التي سوف يضع خير الدين خلاصتها ضمن كتابه «أقوم المسالك..» الذي سنتحدث عنه بعد قليل.
وبعد رجوعه إلى تونس، تم تعيين خير الدين وزيراً للبحرية، وزار عاصمة الخلافة العثمانية في تركيا (اسطنبول) عدة مرات، ووضع في هذه الفترة عدة مشروعات إصلاحية لم تلق نجاحاً فانسحب من الحياة السياسية وعكف على تحرير كتابه «أقوم المسالك».. وبعد صدور الكتاب بست سنوات، وبالتحديد في سنة 1873م، تم تعيينه رئيسا لوزراء تونس، فظل في هذا المنصب أربع سنوات حاول خلالها تنفيذ آرائه الإصلاحية، التي لم تلق للمرة الثانية نجاحاً ـ بسبب الظروف الدولية ـ فاستدعاه السلطان عبد الحميد إلى عاصمة الخلافة العثمانية، وعينه كبيراً للوزراء، وهو المنصب الذي كان يُعرف باسم: الصدر الأعظم.
ومرة ثالثة تـُخفق محاولات خير الدين الإصلاحية في عاصمة الخلافة، لظروف عامة وخاصة يطول شرحها (أهمها: الفوضى المالية، وصراع الدول الأوروبية على النفوذ في المنطقة، وعدم مجاملته للسلطان العثماني) فانتهى الأمر بعزل خير الدين.. وظل في عزلته حتى مات في اسطنبول سنة 1899 ميلادية.
وكتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» هو أشهر ما كتبه خير الدين، بل هو كتابه الوحيد.. وقد نـُشر الكتاب لأول مرة، في تونس، ثم أعيد نشره في تركيا، وتـُرجم إلى الفرنسية بعد صدور طبعته الأولى التونسية بعام واحد، وبعد الترجمة الفرنسية تـُرجم الكتاب إلى التركية.. وبعد مائة عام من صدور الطبعة الأولى العربية، صدرت ترجمة إنجليزية للكتاب قام بها ليون براون ونشرها سنة 1967م(7).
وفي سنة 1990م ـ وهي نفس السنة التي صدر فيها كتاب الدكتور حسن حنفي ـ صدر «أقوم المسالك» في طبعة محققة، في تونس، قال المحقق في مقدمتها: ورجاؤنا أن يحتل هذا الكتاب وهو يظهر كاملا غير مبتور، مكانته.. باعتبار مؤلفه رائدا لعلم يسعى إلى استكناه الغرب وسبر أغواره، يمكن تسميته بـ (الاستغراب) Occidentalisme مقابلة مع (الاستشراق) Orientatisme الذي لا ننكر لا محالة فضله، بقدر ما نمقت انحيازه وتحامله على الحضارة العربية الإسلامية(8).
وفي مقدمة «أقوم المسالك» يورد خير الدين الأسباب التي دعته لوضع الكتاب، فيجملها في: «إغراء ذوي الغيرة والعزم، من رجال السياسة والعلم، بالتماس ما يمكنهم من الوسائل الموصلة إلى حسن حال الأمة الإسلامية وتنمية أسباب تمدنها، وتحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يحمد من سيرة الغير (الغرب) الموافقة لشرعنا، بمجرد ما انتقش في عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والترتيب ينبغي أن يُهجر.. وهذا على إطلاقه خطأ محض»(9).
ويورد خير الدين من الأدلة العقلية والنقلية شيئاً كثيراً، ليستدل على وجوب الاستفادة من التمدن الغربي. ثم يعلل اتجاهه الذي سيعرف اليوم باسم (الاستغراب) حين يقول ما نصه: ولما كان الغرض من هذا الكتاب لا يتم إلا ببيان أحوال البلدان الأوروباوية، لزم أن نثنى العنان إليه، مدرجين في أثنائه ما يناسب الأمة الإسلامية.
يتجاوز خير الدين في كتابه المبكر «أقوم المسالك» حدود الاستغراب بمفهومه الجديد ـ الذي يدعو إليه الدكتور حسن حنفي ـ حين يجمع بين غايتين، الأولى دراسة الواقع والتاريخ الغربي من وجهة نظر شرقية، وبيان تطور مسيرة الحضارة الأوروبية في سياقها الخاص(وذلك هو الاستغراب) ثم الغاية الثانية وهي تصحيح صورة الشرق المسلم في ذهن الإنسان الغربي والرد، ضمنا، على الصورة التي صاغها الغربيون في دراستهم للشرق المسلم (وهو ما يُعرف بالاستشراق) فنراه وهو يشير إلى دراستهم للشرق المسلم (وهو ما يُعرف بالاستشراق) يرى في مقدمة الكتاب ـ إلى أنه: هذا ما دعت الحاجة إلى تحريره من أسباب التقدم والتأخر للأمة الإسلامية، ملخصا جلة من الكتب الإسلامية والافرنجية، وبه يعلم من لا خبرة له بأحوال المسلمين من الأوروبيين وغيرهم، ما كان للأمة الإسلامية من التقدم في المعارف وغيرها وقت نفوذ الشريعة في أحوالها ودخول الولاة تحت قيودها، وأن الشريعة لا تنافي تأسيس التنظيمات السياسية المقوية لأسباب التمدن ونمو العمران، كما يعتقده الكثير ممن ذكرنا، حتى صاروا يدرجون ذلك في صحف أخبارهم ومستحدثات تأليفهم(10) وقد لاحظ ليون براون الذي قام بترجمة الكتاب للإنجليزية، المعنى المراد من العبارة السابقة، فأشار إلى أنها تدل على أن التونسي كان ينوى منذ البداية إصدار ترجمة فرنسية لكتابه، لأنه يوجه بالحديث هنا إلى الجمهورين: العربي الإسلامي، والأوروبي.
وفي الكتاب عبارة مهمة، توضح لنا ـ اليوم ـ أن ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، ليس جديداً! تقول عبارة خير الدين: سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه «إن التمدن الأورباوي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصله قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق».
ولم يقف خير الدين التونسي أمام هذا الوضع العالمي ـ آنذاك ـ موقف الرافض المتشنج، وإنما أقر بواقع الأمر، معقبا على العبارة بقوله «وهذا التمثيل المحزن لمحب وطنه، ما يصدقه العيان والتجربة» وهكذا يعترف خير الدين بالواقع الحاصل، لكنه لا يقف أمامه مكتوف الأيدي، وإنما يشرع في درس متمهل لطبيعة التمدن الأوروبي وأطواره المتعاقبة وتجلياته العلمية والسياسية، وينتقي ـ بعين الخبير ـ ما يلائم بلاده من النموذج الحضاري الغربي؛ ثم ينهي مقدمته الخلدونية بقوله:
«وإني لا أزال أقول إن ترتيب التنظيمات (الإدارية والسياسية) المشار إليها، من لوازم وقتنا هذا. كما أقول، صدعاً بالحق، أن كل موظف لا يرى الاحتساب عليه في وظيفته، فهو عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه.. حيث إن أكثر المتوظفين (الحكام والإداريين) إنما يباشر خطته على مقتضى شهواته ومصالحه الخصوصية، مؤثراً لها على المصالح الوطنية العمومية؛ فهب أنه كان مجبولاً على حب الإنصاف، فإن غيره لا يفعل مثله إلا بمراقبة الاحتساب، ولأنه لو كان منصفاً في الواقع ما ضره الاحتساب حتى يمتنع منه، بل اللائق بحاله مزيدُ الحث عليه، إذ به تظهر براءته ظهوراً لا يحصل بدون ذلك.. وفيما أودعناه في هذه المقدمة للمستبصرين كفاية».
وهكذا بدأ مشروع النهضة عند خير الدين التونسي من هموم الواقع، فاستقرأ الأحوال، ثم نظر في أحوال الآخر (الأوروبي) ثم عاد مرة أخرى لواقعه يحمل مفتاح النهضة.. وكان هذا المفتاح هو الديمقراطية والحسبة على الكلام؛ لكن التونسي ـ وغيره من الإصلاحيين ـ لم يُمسك بهذا المفتاح فضاع المشروع النهضوي كله، وضاعت الأمة الإسلامية أيام العثمانيين.. ولا تزال ضائعة.
المشكلات الأساسية:
بعد جهود رفاعة الطهطاوي وخير الدين باعتبارهما مؤسسين لهذا الاتجاه في عصرنا الحديث لم تتوقف محاولات الباحثين الشرقيين لقراءة الثقافة الغربية من منظور الذات، وقد أشار الدكتور محمود حمدي زقزوق في خاتمة كتابه (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) إلى تزايد الدعوة لتأسيس اتجاه الاستغراب، من خلال عبارة الدكتور السباعي الذي يقول: «كثيراً مما أتمنى أن يتفرغ منا رجال للكتابة عن هذه الحضارة الغربية وتاريخ علمائها بالأسلوب نفسه الذي يكتب به المستشرقون، ومن تتبع الأخبار الساقطة وفهم النصوص على غير حقيقتها». ثم يعقب الدكتور زقزوق قائلاً: « وفكرة انشاء اتجاه مقابل للحركة الاستشراقية سبق أن أثيرت في بعض المؤتمرات الإسلامية. ويشير المستشرق رودي بارت إلى ذلك بقوله: ولا بأس من أن ننتهز هذه الفرصة فنثير سؤالاً، ولو من ناحية المبدأ، عن إمكانية أن ينشأ في الناحية الأخرى، أي في العالم العربي الإسلامي، اتجاه للبحث، شبيه بالدراسة الإسلامية عندنا، ولكن في الوجهة المقابلة، يهدف إلى دراسة تاريخ الفكر في العالم النصراني الغربي وتحليله بطريقة علمية.. وقد دعا الدكتور محمد رحبار في المؤتمر الإسلامي العالمي الذي انعقد في لاهور سنة 1957م بحماس إلى هدف من هذا القبيل، ولكنه لقي معارضة شديدة».
وهكذا يظهر لنا أن الدعوة إلى (الاستغراب) قديمة سواء كانت دعوة متعصبة كما في (أمنية) الدكتور السباعي، أم كانت دعوة موضوعية كما في (اقتراح) الدكتور محمد رحبار.. وقد رأينا من قبل الطهطاوي والتونسي قاما بالفعل بدراسات استغرابية. فما الذي يبقى للدكتور حسن حنفي، صاحب كتاب: مقدمة في علم الاستغراب؟ يبقى له لفت الأنظار بقوة إلى ضرورة الاهتمام بهذا الاتجاه، يبقى له التأكيد على مصطلح (الاستغراب) الذي يعود الفضل في انتشاره وذيوعه إليه، وتبقى له محاولته (الاستغرابية) في كتابه هذا الذي خصص فيه سبعة فصول لدراسة نشأة وتطور الوعي الأوروبي المعاصر.
ومع هذا، فإنني أرى جملة صعوبات أساسية ومشكلات تواجه ذلك الاتجاه (الاستغراب) وتحول دون نجاحه كما نجح الاتجاه المقابل له (الاستشراق) من قبل.. وهذه الصعوبات المشكلات على جهة الإيجاز هي:
أولاً: لا تزال المبادلات (الاستغرابية) محض جهود فردية، فلم تتأسس لدينا، بعد الطهطاوي، مدرسة لهذه الدراسة بحيث تتنامى الجهود وتتراكم المعارف.. هذا في الوقت الذي كان فيه الاستشراقية (مؤسسة) غربية، ترعاها الحكومات وتخصص لها الأقسام الأكاديمية في جامعات الغرب، وتمدها بالتمويل اللازم؛ وذلك ما يفتقده ـ حتى الآن ـ مشروع الاستغراب.
ثانياً: كان الغرب يدرس الشرق من موضوع القوة والتفوق، وقد سهل ذلك عملية الحصول على المادة البحثية والمخطوطات وغير ذلك من القدرة المعلوماتية الممهدة للبحث.. هذا في الاستشراق، أما الاستغراب فهو يواجه نقصا معلوماتيا، إذ لا يسمح الغرب ـ لأنه في موضع القوة ـ إلا بالمعلومات التي يريد هو أن نعلمها عنه.. بل أكثر من ذلك، ففي كثير من الأحيان، نستمد معلوماتنا عن ذاتنا من الغرب! وتلك مسألة خطيرة.
ثالثاً: كان الاستشراق موظفاً في خدمة الأغراض السياسية والاستعمارية للغرب، ولا يزال، أما عندنا فالحال مختلف، إذ لا ينظر أصحاب القرار في العالم العربي الإسلامي إلى المادة البحثية بنفس الجدية، مما يعرض نتائج البحث (الاستغرابي) لخطر الإهمال، كغيره من البحوث، وبالتالي يتراجع تيار البحث فيه.
رابعاً: مسألة «المنظور» الذي يتم من خلاله قراءة الحضارة الغربية.. إذ إننا، حتى الآن، مازلنا نعاني من مشكلة الهوية واضطراب مفهوم الذات، والتذبذب بين الانتماء العربي، والإسلامي، والشرق أوسطي(المزعوم).. إلخ، وهذا بدوره سوف ينعكس على ما يقدمه الاستغراب الجديد، وبالتالي سوف نختلف على نتائج الاستغراب!
خامساً: تبقى صعوبة «الانبهار بالغرب» وهي خطورة عظيمة على الدارس في حقل الاستغراب.. فالمستشرقون درسوا الحضارة الإسلامية والتراث العربي وهما في حالة سكون وخمود، أما الحضارة الغربية فهي لا تزال حية متطورة، وهنا تنشأ إمكانية الانبهار واحتمالية أن يغرق الباحث الاستغرابي في تيار الحضارة الغربية المتدفق، ولا يستطيع الوقوف على الثابت والمتحول فيها.
وبعد.. فإن الصعوبات التي ذكرناها لا تمثل (استحالة) قيام اتجاه الاستغراب، فهي صعوبات من الممكن التغلب عليها لإفساح المجال أمام هذا الاتجاه البحثي الجديد الذي سيكون له نتائج مهمة، بل هو ضرورة مستقبلية في إطار ما يسمى بالنظام العالمي الجديد.. فهو نظام لا يمكن لنا أن نرفضه، فلا يبقى لنا إلا محاولة فهمه ـ من خلال فهم بنية الحضارة الغربية ـ وبالتالي نضمن أن نتعامل معه تعاملاً جيداً يحفظ لنا هويتنا الحضارية كعرب مسلمين.

الهوامش
ــــــ
(*) مدرس الفلسفة الإسلامية، آداب الاسكندرية، فرع دمنهور.
(1) كتبتُ عن الكتاب مقالاً بجريدة الأهرام فور صدوره، وناقشته بإحدى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب (يناير 1991م) وكتب الدكتور صلاح قنصورة مقاله المنشور بمجلة الهلال تحت عنوان «اعتقال الغرب» ثم كتب الدكتور جابر عصفور سلسلة مقالات نشرتها جريدة الحياة وأعيد نشرها بمجلة الثقافة الجديدة.. وغير ذلك كثير.
(2) د. حسن حنفي: مقدمة علم الاستغراب (المطبعة الفنية ـ الطبعة الأولى): 29.
(3) نظراً لأن مقدمة ابن خلدون يعقبها كتابة (العبر وديوان المبتدأ والخير).
(4) مقدمة في علم الاستغراب: 778.
(5) قد يكون الكلام عن (الأنا ـ الآخر) مناسباً لعصر الطهطاوي، حيث كان هناك ـ آنذاك ـ حدوداً فاصلة يمكن معها تمييز الأنا عن الآخر.. لكن هذا يصعب اليوم، في زمن د. حسن حنفي، نظراً للتداخل الشديد بين المفهومين بحيث يصعب التمييز بين هذا الجوهر وذلك، وذلك للتداخل الشديد بينهما بداية من نمط الأزياء حتى عالم الافكار والفلسفة العليا.
(6) الطهطاوي: تخليص الأبريز في تلخيص باريز (الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993م، مصورة عن نشرة مهدي علام، أنور لوقا، أحمد بدوري، القاهرة، 1958م): 252.
(7) مؤخراً قام الدكتور معن زيادة بنشر مقدمة الكتاب مع دراسة جيدة، يقول في التمهيد لها ما نصه: لما كانت الدراسات عن خير الدين نادرة إلى حد يثير الدهشة، خاصة باللغة العربية، ولما كانت مقدمة «أقوم المسالك» تشكل المصدر الأول لدراسة فكر خير الدين وتجربته في الإصلاح، فقد رأيت ضرورة إعادة نشر هذه المقدمة، وقدمت لها دراسة تحليلية.. آملاً أن يملأ ذلك بعض الفراغ الموجود في ميدان دراسة الكتاب وتجربة خير الدين، وتونس، بل والتجربة العربية عامة في محاولة النهوض ومواجهة التحديات الفكرية.
د. معن زيادة: خير الدين التونسي وكتابه «أقوام المسالك» (الطبعة الثانية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1985م): 9.
(8) خير الدين التونسي: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي (بيت الحكمة، قرطاج، تونس، 1990م) المجلد الأول: 141 (مقدمة المحقق).
(9) المرجع السابق: 126.
(10) صفحة 205 من نشرة الدكتور معن زيادة.
المصدر: كتاب «جدل الأنا والآخر»، قراءات نقدية في فكر حسن حنفي، سلسلة رواد الفكر العربي المعاصر.