|
الاربعاء:
05/12/2007
أصوليون أم إسلامويون.. على أيهما الاتفاق؟
(1\2)
مارتن كرامر(*)
ترجمة: فالح حسن
ما بوسع أحد، من الذين يقرأون أو يكتبون عن الأحداث في العالم المسلم، أن
يتفادى سؤال كيف يمكن تصنيف أولئك المسلمين الذين يعدّون الإسلام مصدرا
للسلطة في كل فعل سياسي واجتماعي. أينبغي تسميتهم بأنهم إسلاميين (أو
مسلمين) أصوليين؟ أم الأجدر وصفهم بالإسلامويين؟
كانت هذه القضية موضوع نقاش محتدم على مدى عقدين من الزمان. ولعهد طويل،
كان الاستخدام في المستويين العام والأكاديمي، في أميركا، يتبنى تعبير
الأصولية. أما تعبير إسلاموية، فقد انبثق في أواخر الثمانينيات، في
المجال الأكاديمي الفرنسي، ومنه انتقل إلى الإنكليزية، حيث أزاح، في
النهاية، تعبير الأصولية الإسلامية، في السياقات المتخصّصة. بل في عهد
قريب، اكتسب تعبير الإسلاموية تداولا أكثر اتساعا، ولربما رسّخ هذا
التعبير نفسه منذ 11 من سبتمبر/أيلول 2001، باعتباره الاستخدام الأميركي
المفضّل. على انه لمّا يزل مصطلحا محدثا قد يحمل أفقاً مواربا.
خلف المعركة على الاستعمال، يتوارى صراع آخر، في طبيعة الظاهرة نفسها.
ففي الحقيقة، يتعذر فصل النقاشين المحتدمين في الاستعمال الإنكليزي
والفهم التحليلي، عن بعضهما. ثم أنهما ليسا متحررين من التداعيات
الدلالية التي خلّفتها الاستخدامات السابقة. في ما يأتي سنستعرض تاريخا
موجزا لتغيّر الاستعمال ـ وهو نفسه تاريخ تغيّر التصوّرات الغربية عن
الواقع المسلم.
مُبتدأ اصطلاح الإسلاموية
ظهر تعبير إسلاموية في الفرنسية في منتصف ثمانينيات القرن الثامن عشر.
لكنه لم يكن يحيل إلى التوظيف الإيديولوجي للإسلام، الذي ما كان موجودا
حينذاك. بل على العكس، كان مرادفا لدين المسلمين، الذي عُرف في ما بعد في
الفرنسية بـ المُحمدية Mahométisme، الدين الذي جاء به وشيَّده النبي
محمد.
يتأرخ هذا الاستعمال في أوائل القرن السابع عشر. وكان يعكس رغبة جديدة،
ولدت من عصر النهضة، لفرز الإسلام بوصفه نسقا دينيا يقترن بشخص مؤسسه،
كحال المسيحية. لكنه استند إلى افتراض خاطئ يضع "محمدا" في علاقة مع
الإسلام كما حال وضع "المسيح" في علاقة مع المسيحية (Christianity(1.
على الرغم من هذا، راج هذا الاستعمال بنحو واسع في أوروبا. ففي العام
1734، كتب جورج سيلGeorge Sale، الذي وضع بترجمته الإنكليزية للقرآن
معيارا جديدا لهذا التعبير: "من المؤكد أن أحد أكثر البراهين إقناعا هي
أن المحمدية ليست سوى ابتداعا بشريا دان بتطوره ورسوخه، كله تقريبا، إلى
السيف(2)". وحتى بعد قرن من ذلك، عندما تغيرت المواقف إزاء الإسلام بنحو
مثير، كان شائعا دعوة هذه العقيدة مقترنة بالنبي. ففي العام 1833، بيَّن
الشاعر الفرنسي الفونس دي لامارتين Alphonse de Lamartine التغير في
المواقف الأوروبية، مع انه كان يستخدم التعبير القديم: "يمكن للمُحمدية
أن تتمشى بيسر وبلا عناء مع نظام مستند إلى الحريّة الدينية والمدنية…
فهي بطبيعتها، دين أخلاقي، صبور وقنوع، رحيم ومتسامح(3)".
في القرن الثامن عشر، حققت الدرس الغربي للإسلام نقلات هائلة، ولم يعد
الاستصغار الانفعالي يحكم مجمل الرأي الغربي. وعَرَفَ مفكّرو التنوير
وبنحو دقيق جدا بأنّ المسلمين كانوا يسمون عقيدتهم بالإسلام. فسعوا
لإيجاد سبيل يعكس ذلك الفهم من خلال استخدامهم للاصطلاح وبالتالي تصنيف
الإسلام بوصفه دينا له اعتباره بمصطلحاته الخاصة به.
الفيلسوف الفرنسي فولتير Voltaire هو الذي وجد الحلّ، لمّا سكّ تعبير
إسلاموية islamisme. كان لفولتير اهتماما متواصلا بالإسلام، وكتب عنه على
نطاق واسع، مقارنا إياه بمعتقدات أخرى، مؤيدا له أحيانا. كما فهم أيضا
دور "محمد" في الإسلام، ناحيا إلى تصحيح أفكار قرّائه: "هذا الدين" كما
كتب فولتير، "يدعى إسلاموية (islamisme(4 " لم ينطلق فولتير باصطلاحه هذا
من مفهوم سيل وحسب، بل انه وضع استنتاجه أيضا: "ليس بالسلاح أقامت
الإسلاموية نفسها في أكثر من نصف الكرة الأرضية. إنما تحقق ذلك بالحماس
والإقناع." المعجم الفرنسي الكبير للقرن التاسع عشر الذي وضعه ليتره،
أورد هذه الفقرة وحسب من "محاولة في الأخلاق" لفولتير، عندما عرّف
الإسلاموية islamisme على أنها "دين مُحمد."
على مدى القرن التاسع عشر، راج استخدام هذا الاصطلاح في أرجاء أوروبا
كلها. اليكسيس دي توكيفيل، في كتابه الصادر في العام 1838، وجد "جذر
الإسلاموية islamisme في اليهودية"(5). في العام 1883، نشر إيرنست رينان،
رائد الفيلولوجيا، مقالا مهما بعنوان "الإسلاموية والعلم". وكما لاحظ احد
المؤرخين الفرنسيين، فان استعمال رينان لاصطلاح الإسلاموية "لم يكن يحمل
المعنى المعاصر للاستخدام السياسي للإسلام"(6). إنما بالأحرى، كان يعني
به الإسلام. وبهذا المعنى، أيضا، وردت الإسلاموية في القاموس الإنكليزي
الجديد (المعروف الآن بقاموس أكسفورد الإنكليزي) في طبعته الصادرة في
العام 1900. فقد عرّف الإسلاموية على أنها "نظام المسلمين الديني؛
المُحمدية." بل أن الإسلاموية التي يذكرها تتعرف بوصفها "أرثوذكسية
مُحمدية"، وتورد المادة المعجمية مثالا منقولا عن مقال منشور في مجلة في
العام 1895:
"لا ينبغي الحكم ضدّ الإسلام والإسلامويين بعبارات تنم عن الحقد
والتحزّب."
هناك نقطتان تسترعيان الملاحظة حول استخدام الإسلاموية بالمعنى
الإنكليزيIslamism والإسلاموية بالمعنى الفرنسي islamisme، في القرن
التاسع عشر. أولاهما، عكست فهما أكثر دقّة لعقيدة الإسلام، إلا أنها في
الوقت عينه لم تستثن تأويلات نقدية لكيان الإسلام. في رسالة تتأرخ في
العام 1873, كتب قنصل بريطاني يقول أن "الخصائص المتأصّلة في الإسلاموية"،
"التي يذكر أنها " قلة الحيوية، و"العدوانية، "و"تحمل في صدرها، بذور
الاضمحلال"(7). أما المستشرق الفرنسي، البارون بيرنار كارا دي فو، فقد
كتب في العام 1901: "الإسلاموية دين متبدّد"(8). وفي كلا الحالتين، نجد
الإحالة إلى دين الإسلام بذاته ـ كما أن الازدراء واضح في كلا الحالتين.
والنقطة الثانية، فتتعلق بأنّ الإسلاموية بالمعنى الإنكليزي Islamismوالإسلاموية
بالمعنى الفرنسي islamisme لم يزيحا بالكامل المُحمدية بالمعنى الإنكليزي
Mohammedanism والمُحمدية بالمعنى الفرنسي mahométisme، حتى في المجال
الثقافي. في العام 1890، إغناز غولدزيهير، المستشرق الهنغاري اليهودي
الذي يُعدّ مؤسس الدراسات الإسلامية الحديثة، نشر دراسته التي ظهرت
بمجلدين عن "الحديث" تحت عنوان "دراسات محمدية Muhammedanische Studien.
وثمة شواهد أخرى بارزة عن مواصلة استخدام هذا التعبير في عناوين كتب منها
كتاب دي. إس. مارغوليوث "المحمدية" (1911)، وكتاب أي. أي. فيزي "مختصر
الشريعة المحمدية" (1949)، وكتاب جوزيف شاخت "أصول الفقه المحمدي"
(1950).
لم يتوقف استخدام هذا التعبير إلا في منتصف القرن العشرين، والسبب الرئيس
في ذلك هو أدراك الكتّاب الغربيين بأن المسلمين يقرأونهم أيضا، ويشعرون
بالاستياء منه. ففي العام 1946، كتب المستشرق البريطاني، إتش. أي. آر.
جبH.A.R. Gibb، مقدمة للإسلام في السلسلة نفسها، التي تضمّنت قبل خمسة
وثلاثون سنة من ذلك التاريخ، المحمدية لمارغوليوث. كان الناشر حينها يرغب
بالإبقاء على العنوان نفسه. ووافق جب على ذلك، لكنّه سرعان ما تنصل عن
هذا العنوان، وفي أول صفحة من مقدمته، إذ قال: "يكره مسلمو اليوم اصطلاحي
محمدي و محمدية، إذ يرونهما ينطويان على معنى عبادة محمد، كما ينطوي
مصطلحا مسيحي ومسيحية على عبادة المسيح"(9). وفي موضع آخر من المقدمة
نفسها، أشار جب إلى معتنقي هذا الدين بـ المسلمين والى عقيدتهم بـ
الإسلام.
لكن تعبير الإسلاموية اخذ بالتلاشي أيضا من المعجم مع الانعطافة إلى
القرن العشرين، تقريبا. فقد فضل العديد من العلماء التعبير الأقصر،
العربي الخالص، الإسلام. وفي العام 1913، التأم مستشرقون من بلدان عدة
بغية وضع موسوعة الإسلام Encyclopaedia of Islam. ومع تأريخ إكمالها في
العام 1938، انحسر اصطلاح إسلاموية تقريبا من الاستخدام، فقد استبدل
ببساطة بـ الإسلام.
إجمالاً، تمتّع تعبير إسلاموية بانطلاقته الأولى، مستمرا من فولتير حتى
الحرب العالمية الأولى، كمرادف لـ الإسلام. وفضّله علماء التنوير
وكتّابها عموما على استخدام تعبير المُحمدية. وفي آخرة المطاف، آل كلا
التعبيرين إلى استخدام تعبير الإسلام، وهو الاسم العربي لهذه العقيدة،
والكلمة الخالية من أية تداعيات مقارنة أو انتقاص. فما كانت هناك حاجة
لأيّ تعبير آخر، حتى طلوع تأويل الإسلام أيديولوجيا وسياسيا، متحديا بذلك
الدارسين والمتابعين للإتيان ببديل منه، لفرز الإسلام بوصفه أيديولوجيا
حديثة عن الإسلام كعقيدة.
الأصولية والإسلام
نشأ تعبير الأصوليّة في أميركا في عشرينيات القرن العشرين. فمع تسارع
خطوات التغير الاجتماعي، شعر المسيحيون البروتستانت بالتّهديد جرّاء
النقد الواسع للتوراة وانتشار الشكوكية الفلسفية. فسعوا إلى تأكيد
إيمانهم بالنصّ الحرفي للتوراة و"أصول" العقيدة المسيحية، ومن ضمن ذلك
التدبير الإلهي للخليقة creationism. دعا هؤلاء المسيحيون أنفسهم
أصوليون, وهو تعبير لاقى قبولا كبيرا في وقت محاكمة سكوبسScopes
("المُحاكي") في العام 1925. في ذلك الوقت، اكتسب معنى انتقاصيا شديدا في
أذهان الليبراليين والحداثويين.
في بضعة عقود لاحقة، ظهرت إحالات عرضية إلى تعبير الأصولية الإسلامية في
بعض الأعمال المنشورة، لكنّها كانت نادرة ومتناقضة في معانيها. فقد كتب
المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي في العام 1929: "إن نظرتَ في المواضع
الصحيحة، فاغلب الظن ستجد بعض الفكر الأصولي الإسلامي القديم لا يزال
موجودا. وتجد أيضا أنّ تأثيرهم لا قيمة له"(10). يتضح، من السياق، أن
توينبي يقصد بـ "الأصوليين" المسلمين التقليديين وليس الناشطين الجدد،
الذي أسسوا في ذلك العام نفسه، جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
بعد مضي خمسين سنة فقط، اتسع استخدام تعبير الأصولية الإسلامية، ومردّ
جزء كبير من هذا إلى التغطية الإعلامية لثورة إيران. فالصحفيون، في سعيهم
الحثيث نحو طريقة مختصرة للإحالة إلى شيء جديد وغير متداول، انجذبوا إلى
تعبير أصوليّة. فجرى استخدامه في الإنكليزية الأميركية، ودخل حينذاك في
قاموس ويبستر، والتعبير يستدعي معنى مناهضة الحداثة التي بدا أن آية الله
الخميني يجسدها. وبسرعة، انتشر استخدام تعبير أصولية مرتبطا بالإسلام،
حدَّ انه بحلول العام1990، عرفها قاموس أكسفورد الإنكليزي الوجيز ليس
بوصفها "التقيد الصارم بالمعتقدات البروتستانتية التقليدية" وحسب، بل
أيضا على أنها "التقيد الصارم بالعقائد القديمة أو الأصولية في أية ديانة
كانت، وبخاصة الإسلام(11)." وبفضل الاستعمال المحض، غدت الأصولية
الإسلامية الأكثر ورودا من بين التعابير الأخرى جميعها.
وعلى الرغم من أن الأصولية الإسلامية صارت الأكثر شعبية في أجهزة
الإعلام، إلا أن جُلّ دارسي الإسلام أشاحوا عنها. وتفاوتت أسباب ذلك. إذ
اعتقد بعضهم أنّ تعبير الأصوليّة أخفق في استيعاب منهجية وأسلوب ثورة
إيران، والحركات المسلمة المماثلة لها. فهذا بيرنارد لويس، المؤرخ اللامع
للإسلام، يطرح رأيه الآتي على الضد من هذا التعبير:
"إنّ استخدام هذا التعبير أمر قائم وينبغي أن يُقبل، بيد انه يبقى غير
ملائم وقد يكون مضللا. فـ"أصولي" تعبير مسيحي. ويبدو أنه دخل حيّز
الاستعمال في بواكير سنوات هذا القرن [العشرين]، ويدلّ على بعض الكنائس
والتنظيمات البروتستانتية، وبخاصة تلك التي تتقيد بأصل التوراة القدسي
الحرفي المنزّه. وبهذا، فهم يتعارضون مع اللاهوتيين الليبراليين
والحداثويين، الذين ينحون إلى تبني نظرة أكثر نقدية، وتاريخية، للكتاب
المقدس. وليس هناك من بين اللاهوتيين المسلمين، إلى الآن، من يتعاطى مع
القرآن بمقاربة ليبرالية أو حداثوية، كهذه، والمسلمون كلهم، في موقفهم
إزاء النص القرآني، أصوليون مبدأيا على الأقل. حيث أنّ الذين يُسمَوْن
بالأصوليين المسلمين يختلفون عن غيرهم من المسلمين، ناهيك عن الأصوليين
المسيحيين في تعنتهم العقائدي scholasticism وغلوهم legalism. فتراهم
يقيمون كيانهم على القرآن، وسنة النبي، والمدونة الفقهية المتواترة
والآراء الشرعية(12).
أعترض دارسون آخرون، خصوصا أولئك الذين تعاطفوا مع الحركات المسلمة
الجديدة، على أن نعت الأصولية يَسمُ ظلما المسلمين تقدّميي التفكير. فهذا
جون إسبوزيتو، المدافع الأول في أميركا عن الحركات التي تتوسل الإسلام،
يحاجج برأيه هذا ضد استخدام تعبير الأصولية في سياق إسلامي:
"بالنسبة للعديد من كبار المسيحيين أو الليبراليين، للـ"أصولي" دلالة
انتقاصية أو ازدرائية، وتطلق عشوائيا على جميع أولئك الذين ينافحون عن
الموقف التوراتي الحرفي، وعليه ينظر إليهم على أنهم جامدين، ورجعيين،
ومتطرفين. ونتيجة لذلك، طالما عُدّت الأصوليّة شعبيا بوصفها إشارة إلى
أولئك الحَرْفيين الذين يطمحون إلى العودة إلى الماضي ونسخ عالمه. وفي
الواقع، هناك القليل من الأفراد أو التنظيمات في الشرق الأوسط تتلائم مع
هذه الصورة النمطية. ففي الحقيقة، يتمتع العديد من الزعماء الأصوليين
بتعليم راقٍ، ويتسنمون مناصب مسؤولة في المجتمع، ويبرعون في تسخير
التقنيات الحديثة لبث آرائهم، ويقيمون المؤسسات الحديثة كالمدارس،
والمستشفيات، ووكالات الخدمة الاجتماعية"(13).
وأضاف اسبوزيتو بأن الأصولية "كثيرا ما تعدل النشوط السياسي، والتطرف،
والتعصب، ومناوئة الأميركان"، وهذا حكم مبتسر يشكّله النعت نفسه. وعلى
خلاف لويس، الذي كان مستعدا للتنازل لشيوع الاستخدام (الذي "ينبغي أن
يُقبل")، يتوقف اسبوزيتو فجأة ليقول: "أفضّل الحديث عن إحيائية إسلامية
ونشوط إسلامي عوضا عن أصولية إسلامية(14)."
إدوارد سعيد، المدافع عن فلسطين وناقد التمثيلات الغربية للإسلام، أدلى
بدلوه أيضا في هذه القضية. فهو لا يعترض كثيرا على هذا التعبير (إن هو
تعرّف بنحو سليم) بقدر ما يعترض على الطريقة التي يستخدم بها ضد الإسلام:
"بدلا عن المجال البحثي، غالبا ما نجد فقط صحفيين يصوغون عبارات مسرفة،
تُتلاقف من فورها، بل إن الإعلام يزيد من ذلك بمسرحتها. وما يشفّ عن
عملهم ذلك المفهوم المتقلقل، الذي لا يكفّون عن الإلماع إليه، أي الـ"أصوليّة"،
تلك الكلمة التي مضت لتقترن بنحو آلي تقريبا بالإسلام، وعلى الرغم من
ازدهار استخدامها، عادة ما تضمر علاقة بالمسيحية، واليهودية، والهندوسية.
إن التداعيات التي بُنيت عن عمد بين الإسلام والأصوليّة تضمن أن تجعل
القارئ العادي يرى أن الإسلام والأصولية شيء واحد في جوهرهما".
ورأى سعيد أن بهذا المعنى المستخدم "فالأصولية تساوي الإسلام وتساوي أي
شيء علينا الآن مقارعته، كما فعلنا مع الشيوعية في أثناء الحرب
الباردة"(15)
حظي تعبير الأصوليّة بقلّة من المدافعين الأكاديميين. ففي العام 1988،
أطلقت جامعة شيكاغو، وبدعم من الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم،
مشروع الأصوليّة، الذي تكرس لمقارنة هذه النزعات في المسيحية، والإسلام،
واليهودية، والهندوسية، والبوذية، وحتى الكونفوشيوسية. بدأ المشروع
بفرضية أن العجلة بالحداثة اجبر المؤمنين في الأديان كلها على اتخاذ
أسلوب ارتكاسي (عنيف أحيانا). وعرّف منظمو المشروع الأصولية بأنها "استراتيجية
أو مجموعة استراتيجيات، يحاول بواسطتها المؤمنون المحاصرون الحفاظ على
هويتهم المميزة بوصفهم شعبا أو جماعة... من خلال استرداد انتقائي لعدد من
العقائد، والمعتقدات، والسنن، من ماض مقدس بالنسبة لهم(16)." أسهم في
المشروع حوالي 150 خبيرا في تقاليد دينية متنوعة، وجُمعت أوراقهم في خمسة
مجلدات ضخمة، وحملت عناوين من مثل "ملاحظات في النزعات الأصولية"
و"الأصوليّة والدولة". وقد مثل مشروع الأصوليّة اكبر جهد إسنادي لشرعنة
هذا التعبير كأداة مقارنة بين الأديان. على أن وقعه ظلَّ محدودا، ربما
لأنه لم يولّد أبدا بيانا موحدا، وقويا عن موضوع دراسته. وغالبا ما طوَّق
المنظمون والمشاركون استخدامهم الخاص لهذا التعبير بأكمة من التحفّظات
والتنصلات.
لعل صادق ج. العظم، الفيلسوف السوري، هو الذي قدم اشد دفاع فكري عن
استخدام الأصولية في السياق الإسلامي. فالعظم، وهو ناقد المقدّس المشهور
بماضيه في الصدام مع السلطات الدينية، فحص عقائد الحركات الإسلامية
الجديدة، فوجدها تنسجم مع "العودة الفورية إلى "الأسس" الإسلامية
و"الأصول". وأضاف أن " العرب المسلمين أنفسهم، لجأوا إلى اللفظة العربية
الجديدة "أصولي" (نسبة إلى "أصول")، كنسخ لغوي للـ"أصوليّة
fundamentalism"(17). ثم قال مستنتجا "يبدو لي من المعقول جدا أن نعت هذه
الحركات الإسلامية بـ"أصولية"، ملائم، ودقيق، وصحيح"(18). أما الفيلسوف
المصري حسن حنفي فقد أجرى التحليل نفسه وتوصل إلى النتيجة نفسها. "من
الصعب إيجاد تعبير أكثر ملائمة من هذا الذي استخدم في الغرب مؤخرا، أي
تعبير "أصوليّة"، لتغطية معنى ما نسمّيه الصحوة الإسلامية أو الإحياء
الإسلامي(19) ".
الباحث في الإسلاميات، الهولندي. جي. جي. يانسين J.J.G. Jansen عزّز هذا
الرأي بحجة عملية. إذ كان هذا التعبير سهلا. فقد كتب يانسين "بطريقة ما،
إن النقاش في كلمة "أصوليّة" أصداء للنقاش الذي سبّبه سابقا اكتشاف
التلفون". "أليس تعبير "تلفون" مُغرِق في التبسيط؟ هل ينصف جمال هذا
الجهاز وإمكانياته العديدة؟ وماذا عن "التلغراف المتكلم" أو "الهاتف
الكهربائي المتكلم"؟" سخر يانسين من أولئك الذين اقترحوا بدائل اجتهادية
من قبيل "التطرف ثوري، أو التقليدية الجديدة، أو الراديكالية الإسلامية
المتشددة." إن تعاريف مثل هذه الابتداعات عادة ما لم تختلف كثيرا عما
يعنيه المرء بـ"أصولية"(20).
لكن الحجّة الأقوى للـ"أصوليّة" كانت كلية حضورها المطلق. فتحت مادة تحت
عنوان "أصوليّة"، المنشورة في انسكلوبيديا اكسفورد للعالم الإسلامي
الحديث، في العالم 1995، أورد المؤرخ جون فول John Voll أكثر الاعتراضات
شيوعا على هذا التعبير ووضع قائمة بالبدائل. وتضمنت؛ إسلاموية Islamism،
وتعصبية integrism، إسلام المعيارية الجديدة neo-normative Islam،
الإسلام التقليدي الجديد neo-traditional Islam، والإحيائية الإسلامية
Islamic revivalism، والعصبية الإسلامية Islamic nativism. وأضاف ملمحا
إلى إمكانية التراجع "على أية حال، تبقى الـ"أصوليّة" التشخيص الأكثر
استخداما للنزوات الإحيائية لدى المسلمين، على تنوعها. على أن هناك
تعابير أكثر دقة وألفاظا مستحدثة لم تجد قبولا واسعا"(21). كما ظهر، يقلل
فول من قيمة كوامن الإسلاموية Islamism.
الهوامش
ـــــ
(*)مارتن كرامر Martin Kramer محرر في فصلية الشرق الاوسط Middle East
Quarterly. وظهرت هذه الدراسة في المجلة نفسها في عددها الصادر في ربيع
2003. (المترجم)
(1) وكان هذا، على أية حال، تحسينا لتعابير مثل شرقي، وجلف، وتركي. ويشير
بيرنارد لويس إلى "نفور الأوروبيين من دعوة المسلمين بأيّ اسم يحمل
تضمينا دينيا، فآثروا مناداتهم بأسماء إثنية، وغرضهم من ذلك واضح، إذ
ينحو إلى الانتقاص من مقامهم وشأنهم واختزالهم إلى شيء محلي أو قبلي."
بيد أن دومينيك كارنوا يقول: "لعل المحمدية كانت اسم ديانة، لكنها كانت
مقتصرة على شعائر تفتقد لجوهر الإيمان؛ أي: حضور الله الحق." بيرنارد
لويس، الإسلام والغرب (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 1993), ص 7؛
دومينيك كارنوا، تمثيلات الإسلام في فرنسا القرن السابع عشر (باريس:
هارماتان، 1998), ص312.
(2) ذكره نورمان دانيال، الإسلام والغرب (أدنبرة: مطبعة جامعة أدنبرة،
1960), ص 300.
(3) أوردته كلودين غروسير، إسلام الرومانطيقيين، 1811-1840 (باريس:
ميزونيف و لاروس، 1984), ص157.
(4) ذكره اندريه فيرساي، معجم فكر فولتير بقلمه (بروكسل: كومبليكس 1994).
(5) اليكيس دي توكيفيل، الأعمال الكاملة، إصدارات جي. بي. ماير (باريس:
غاليمار 1961-77)، ج3، ص155.
(6) هنري لورنس، الإمبراطورية المستحيلة: فرنسا ونشوء العالم العربي
(باريس: ارمون كولان، 1990)، ص202، العدد23.
(7) أورده مروان ر. البحيري، "الإسلام ووزارة الخارجية: تقصي عن الإنعاش
الديني والسياسي في العام 1873" في كتابه "تشكيل وفهم العالم العربي
الحديث" (براينستون: مطبعة دارون 1989)، ص72.
(8) قضايا ديبلوماسية واستعمارية، 15 مايو/أيار 1901، ص582.
(9) اتش. أي. آر جب، المحمدية (لندن: مكتبة الجامعة المركزية، 1949)، ص
1.
(10) ارنولد توينبي، رحلة إلى الصين (لندن: كونستابل، 1931)، ص117.
(11) قاموس أكسفورد الصغير للإنكليزية الحالية، الطبعة الثامنة معدّلة
(مطبعة أكسفورد كلاريندون، 1990)، ص ص 477، 628.
(12) بيرنارد لويس، لغة الإسلام السياسية، (شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو،
1988)، ص 117، n3
(13) جون ال. اسبوزيتو، التهديد الإسلامي: أسطورة أم حقيقة؟ (نيو يورك:
مطبعة جامعة اكسفورد، 1992)، ص 7.
(14) المصدر السابق نفسه، ص 8. أما تعبير إحيائية، فعلى الرغم من انه شهد
بعض الرواج في الأعوام 1970، إلا انه يفتقر إلى البعد السياسي الواضح،
فهُجِرَ استخدامه.
(15) ادوارد سعيد، تغطية الإسلام، طبعة منقحة (نيو يورك: فينتاج، 1997) ص
ص 16، 19.
(16) مارتن أي. مارتي وسكوت ابليبي "مقدمة"، في(كتاب) مارتي وابليبي
"الأصوليات والدولة" (شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1993)، ص 3.
(17) أصوليون، كما كتب عالم السياسة نزيه الأيوبي، "تعبير عمره اقل من
عقد، يمثل الترجمة المباشرة للكلمة الإنكليزية " fundamentalists". وهي
ليست بالترجمة السيئة، فهناك الآن فرع في الدراسات الإسلامية يعرف باسم
"أصول الدين". الأيوبي: الإسلام السياسي: الدين والسياسة في العالم
العربي (لندن: روتليج، 1991)، ص 256.
(18) صادق ج. العظم؛ "تأمل في الأصولية الإسلامية: نقد مختصر للمشكلات،
والأفكار، والمقاربات"، نشرة جنوب آسيا، دراسات مقارنة في جنوب آسيا،
وأفريقيا، والشرق الأوسط، 1 و 2 (1993) ص ص 95-7.
(19) ذكره بسام تيبي، "فلسفة الأصوليين العرب السنة: المواقف إزاء العلم
الحديث والتكنولوجيا"، في مارتن أي. مارتي و ار. سكوت ابلبي، النزعات
الأصولية والمجتمع (شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1993) ص 85.
(20) يوهانس جي يانسن، "ازدواجية طبيعة الأصولية الإسلامية" (لندن: هارست،
1997) ص ص 14-5.
(21) انسكلوبيديا اكسفورد للعالم الإسلامي الحديث، مادة "أصولية".
|