|
الأربعاء:
28/11/2007
هل
صِدام الإسلام والغرب أمر لا مفر منه؟
ستيفن سيمون(*)
ترجمة: فالح حسن
نظريا، ليس هناك صراع حضارات، لأن
ليس هناك حضارات محضة. فمجتمعات آسيا وما وراء الأطلسي تعج بالاختلافات
في القيم والمعتقدات والعادات، في ما بين تلك المجتمعات وبين المجتمع
الواحد نفسه. وما العالم المسلم بأقل تنوعا. فالمسلمون الاندونيسيون
بالكاد يشبهون أخوتهم في الدّين السعوديين، على الرغم من ارتباطهم
بالكتاب نفسه. والأحزاب السياسية الأندونوسية والماليزية معتدلة جوهريا،
بينما تعيق الحكم السعودي مؤسسة رجال دين محافظة جدا. وللنساء حقوق أكبر
في تركيا وقطر منها في اليمن. والدين في سوريا ليس عاملا كبيرا في
القانون المحلي والسياسة الحكومية، لكنه حاسم في السودان. بل، في مستوى
أوسع، يتجادل المسلمون شيعة وسنّة، في أماكن عديدة، في أصالة التزام
بعضهم الديني.
كأفراد، يختلف المسلمون عن بعضهم بعضا بالجنسية، والانتماء العرقي،
والمستوى الاجتماعي ـ الاقتصادي، والمهنة، وبالطبع، الجنس. في الوقت نفسه،
يشترك المسلمين في الحداثة نفسها كما الحال في الغرب. ويعتمدون على
التقنيات نفسها، وأغوتهم العقائد نفسها ـ الاشتراكية، القومية،
الرأسمالية ـ كما جرى عند الأوربيين، ومتولعون بالألعاب الرياضية نفسها
ومنشغلون "بلعبها" كالآخرين.
وما كان هناك جدار يفصل بين العالم المسلم وبقيّة ثقافات العالم. هناك
تاريخ طويل متشابك، ومأساوي أحيانا مع الغرب، خلاله تغلغل أحدهما في
الآخر تغلغلا عميقا. فالأكاديمية الإسلامية هي التي حفظت المعرفة
الكلاسيكية في باكر العصور الوسطى، وابتكرت العلوم الطبية والفلكية.
واليوم، هناك 15 مليون مسلم يعيشون في أوروبا؛ ولو بقيت معدلات النمو على
حالها الحاضر، سيشكل المسلمون حوالي خمس السكان في أجزاء من أوربا
الغربية.
من جانب آخر، كان علماء وتجار أوروبيون يسافرون بنحو واسع إلى العالم
المسلم، ابتداء من عصر النهضة فصاعدا. واستعمر المسلمون شبه الجزيرة
الآيبيرية، وصقلية، ودول البلقان، في حين نفّذ الأوربيون حملات صليبية
حربية، وبعدها، مغامرات إمبراطورية ـ ومارسوا احتلالات طويلة ـ في شمال
أفريقيا المسلم، والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. هذا كلّه يقترح بأنّ
العالم المسلم ليس كتلة واحدة منسجمة، وكله يمثل "حضارة" واحدة أخرى
محكومة بالضرورة بـ "صراع الحضارات."
لكن، هل أمكن لهذا أن يتغير؟
نعم. فالتيارات الخطرة، التي تعشعش بين ظهراني كل من المسلمين والغربيين،
تهدّد بتحويل اللغو الأكاديمي حول صراع الحضارات إلى حقيقة واقعة.
والأكثر خطورة من بين أولئك هم أصحاب فكرة «الأمة»، الميل المتزايد
للشباب المسلمين إلى الظن بأنهم جزء من مجتمع موقوف للحرب يتخطى الحدود
الوطنية ـ أي أنهم امة ـ بينما يستخفّون بالانتساب إلى المحليّة.
بالمقابل، عززت هذه النزوة الشكوك الغربية حول رغبة المسلمين بالعيش في
الغرب مندمجين في مجتمعاته ومحترمين قيمه. وكل طرف الآن يقسر غريزيا
الأحداث الجارية إلى فهمه الصارم جدا لمصالحه. وهكذا، فمن منظور المسلمين،
يظهر إقدام التحالف الغربي على إسقاط صدام حسين لا يتصل بالاستقرار
الاستراتيجي أو بالديمقراطية في العراق. بل أن الأمر يتعلق باضطهاد الأمة
الإسلامية، تماما كما إيمان الكثير من المسلمين بما يفعل الهنود في كشمير،
والروس في الشيشان، أو الإسرائيليين في فلسطين. وفي الجانب الآخر، يُنظَر
إلى العنف الجهادي واللهجة المتشددة ليس على أنهما رد على ظروف خاصة، بل
بوصفهما خللا جوهريا في الإسلام.
دعونا نبتدئ بأصحاب فكرة "الأمة". لطالما كان الإسلام عنصرا أساسيا في
الهوية المسلمة. على أن المسلمين الآن يزيدون الضغط على هويتهم الدينية
ليضعوها فوق انتماءاتهم المجتمعية، بل فوق المواطنة، أو العشيرة أو
الطبقة الاجتماعية. وعولمة الهوية المسلمة هذه، تساعد في إحياء مصلحة
مشتركة يتطابق فيها الشمال أفارقة مع صراعات المسلمين في آسيا الوسطى،
والمسلمين الأوربيين مع النزاعات في الشرق الأوسط. إن هذا الامتداد يكتسب
قوة من الحس المشترك بالمظلومية، وهو، على الأرجح، ما يغذي الفهم بأنّ
هناك، في الواقع، حضارتان في صراع. إن حس المسلمين بالهوية المشتركة
والمصير يترافق مع تصور عدد من المسلمين بان العالم غير المسلم على حد
سواء غير مبال بهم ـ ومتحد ضد الإسلام.
ليس ذلك الحال مجرد انطباع. ففي استطلاع للرأي جرى في يونيو/حزيران من
العام 2003، اتفقت الغالبية الكبيرة التي تمثلت بثمان مجموعات مسلمة من
اصل تسع خضعت للمسح، "اتفاقا كاملا" على عبارة: «أشعر بتضامن أكثر هذه
الأيام مع الشعوب المسلمة في العالم كله ». وكان الموقف نفسه بالنسبة
لـ80 % أو ما يزيد من الذين المُستَطلَعين في أندونيسيا وباكستان، بينما
اتفق على الأقل 70 % على هذا الرأي في لبنان، ونايجيريا، والأردن. وأظهرت
الغالبية في الكويت، والمغرب، والسّلطة الوطنية الفلسطينيّة، تضامنا
عميقا مع ذلك.
وستقوى هذه الديناميكية فقط بانتشار التلفزيون الفضائي والاتصال
بالإنترنت، تلك التقنيات التي توجد الترابط والسياق الضروري للأفراد
المسلمين للإيمان والانتماء لهذه «الأمة المتخيّلة». وازدادت سرعة الصور
التحريضية للعنف الممارس ضد مسلمين، منطلقة تجوب العالم أجمع.
على أن هناك قضايا حقيقية. فالشرق الأوسط العربي منفصل عن الاقتصاد
العالمي، على الرغم من ازدياد نموه السكاني. وبلغ معدل البطالة الإقليمية
حوالي 25 %، ولن يتحسّن الحال على امتداد سنوات قادمة. والشعوب ترهقها
حكومات متسلطة فاسدة، وتخنقها بيروقراطية غير كفوءة. والمسلمون متشوشون
بالصراع العنيف من الشيشان مرورا بفلسطين حتى كشمير، بينما يرون الحكام
المسلمين قابعين لا يفعلون شيئا غير إثراء أنفسهم. وعلى مدى سنوات، كان
الجامع هو المكان الوحيد الذي يسجلون فيه معارضتهم.ومن أسفٍ أنْ تحوّل
هذا الحال من التعبير عن مظلوميات دنيوية إلى مظلوميات دينية. في تلك
الأثناء، جاء انشقاق السلطة الدينية، ليمكن الراديكاليين ومن نصّبوا
أنفسهم شيوخا من توجيه النص الديني المقدس وتطبيقه على المشكلات المعاصرة
في كل من جانبيْ تفسيرها ووصف دوائها. وكانت النتيجة أن تعاظمت قناعة
المسلمين بأنهم محاصرين لأنهم وحكامهم قد قطعوا صلاتهم بشريعة الله وبان
أعدائهم ـ الأميركان وحلفاؤهم الغربيون ـ تحركهم النوازع نفسها التي قادت
الصليبيين لغزو فلسطين قبل 800 عام خلت. على هذا الأساس، ليس مفاجئا إن
انبثقت حاجة المسلمين إلى إحياء التقوى واستعدادهم للقتال من اجل كرامة
الإسلام، على راس الأجندة.
ما كان اتساع هذه النزوة أن يكون عفويا. فالنخب الحاكمة في الخليج العربي،
بخاصة في العربية السعودية، المشبعة بنسخة إسلام صِدامي، والممتنة إلى
رجال الدين المحافظين على ما قدموه لها من دعم سياسي، موّلت المساجد
والمدارس المنتشرة من أمريكا الشمالية إلى آسيا الوسطى، وأرسلت آلاف
المعلمين والأئمّة المتماشين مع أفكارهم إلى المجتمعات المسلمة في العالم
اجمع. وحلت هجمات 11 من سبتمبر/أيلول لتكون رمز مقاومة رهيب لدى الشباب
المسلم الغاضب، بل إن الحرب على الإرهاب أعطتهم إشارة تؤكد التصورات
الشعبية عن قيام حرب غربية ضد الإسلام.
كانت أوروبا حاضنة لهذه المشاعر لمدة طويلة. فتمثيل المسلمين في أوربا
الغربية اقل من استحقاقاتهم في البرلمانات، ومداخيلهم هي الأوطأ، وهم
أدنى مستوى تعليميا من السكان الأوربيين الأصليين والجماعات المهاجرة
الأخرى. وأجيال المهاجرين العمال المبكرين، يشعرون بالامتنان لخلاصهم من
الظروف السيئة في الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا أو جنوب آسيا، فقبلوا هذه
الشروط الأوروبية، بينما يركزون على روابطهم بـ «البلاد القديمة». وعلى
أية حال، فان أحفادهم ينظرون إلى عالمهم هذا بعدسة مختلفة جدا. فتراهم في
الوقت عينه مستوعَبْين ومنضوين ومُشرَكين في ثقافة أوروبا؛ لكنهم منفصلين
عن مجتمعها. وفي بحثهم عن هوية تخصهم، عُرِضت عليهم المشاركة في مجتمع
مسلمين متخيل، لكنه مُلزِم، ومتخط للحدود الوطنية، معركته معركتهم. ومن
سخرية القدر، أن هذه العاطفة قد أثيرت من خلال إضعاف الهويّات الوطنية
الأوروبية المنفصلة التي دفع إليها الدمج الأوربي. وطبقا للذين خضعوا
لاستطلاع الرأي ذاك، فان أعدادا كبيرة من هؤلاء الشباب يعتقدون بأنّهم
مسلمين أولا، ومواطنين أوروبيين فقط بوصفها ضرورة إدارية بدلا من أن تكون
ولاءً ثقافيا.
أما الأوربيون الأصليون، الذين تتجذّر قيمهم المادية والعلمانية عموما في
ارث التنوير (لوك، أو ديدرو وفولتير، فهذا يعتمد على أي جانب من القنال
الإنكليزي يعيشون)، يتزايد شعورهم بان القيم المسلمة لا تتناغم مع ما لهم
من قيم. فهم يسألون: أين هي الحفاوة المسلمة بالحرية الفردية، والمساواة
بين الأجناس، وحرية الخيار؟ جاءت تفجيرات مدريد 3/11/2005 لتبلور هذه
الشكوك.
والحقيقة هي أنّ غالبية مسلمي أوروبا قد روّعهم هذا الهجوم، ويفضّلون
الاندماج على العزلة. مفكّرون بارزون، مثل طارق رمضان، أستاذ الدراسات
إلاسلامية والفلسفة في جامعة فريبورج، وحفيد مؤسس الأخوان المسلمين،
يحاججون بنحو بليغ ـ ومقنع
ـ بان القيم المتميزة التي يحملها الملسمون الأوربيون ينبغي أن
تحسّن الثقافة الأوروبية، وتجعل من المسلمين مواطنين لهم وزنهم فيها.
ونصيحته إلى المسلمين الأوروبيين هي«اعرفوا من انتم، وماذا تريدون أن
تكونوا، وابدأوا الحديث والعمل مع غيركم. أوجدوا قيما مشتركة واعملوا مع
مواطنيكم على بناء مجتمع يقوم على التنوع والمساواة. وفي اللحظة التي
تفهم فيها أن ليس هناك تناقضات بين أن تكون مسلما وأن تكون أميركيا أو
أوروبيا، فانك ستثري مجتمعك».
لكن جوّ سوء الظنّ والشكوى، خانق. إذ إن رمضان نفسه رُفِض من الدخول إلى
الولايات المتّحدة، حيث كان من المفترض أن يحصل على الأستاذية في جامعة
بارزة، بسبب روابطه المزعومة بناشطين. وتسممت السياسة الهولندية بمقتل
ثيو فان كوخ على يد ناشطين مسلمين،لأنهم وجدوه مستفزا لهم. لربما تثبت
هذه الجريمة وأثرها أنها مؤشر بالنسبة لأوروبا والعلاقات بين المسلمين
وغير المسلمين، وفي مستوى واسع جدا.
على الرغم من كل شيء، ما زال في طاقة الأوربيين والأميركان ـ ومواطنيهم
المسلمين ـ تبنّي الحوار الذي تمناه طارق رمضان، حوار يغني بدلا من أن
يدمر.
(*)ستيفن
سيمون محلل لامع في مؤسسة راند ـ التي تعد من ابرز مجالس البحث الأميركية
ـ ومشارك في تأليف كتاب "عصر الإرهاب المقدس"، الذي نال جائزة مجلس
العلاقات الخارجية. عمل السيد سيمون، لسنوات عدة، في وزارة الخارجية
الأميركية. ونشر هذا المقال في نيوزويك بولسكا في 23 كانون الثاني 2005.
|