الحضارية «دراسات اجتماعية»
  الاثنين: 08/10/2007


 

جدلية الذات والآخر في الثقافة العربية

د.زيد عباس كريم
(خاص للمعهد)

تحتاج كل ثقافة متطورة، أو رامية إلى التطور لتجاوز أزمة أو وضع متأزم إلى الاستنارة بأنوار العقل، وإلى توظيف جديد للعقل. ومن الملاحظ أن المجتمع العربي يعيش بالفعل فترة مراجعة قوية وصحية لفرضياته الأيديولوجية التقليدية السابقة، التي عاش عليها منذ بدء تبلور حركة الكفاح ضد الاستعمار والتي استمرت إلى ما بعد الاستقلال، وذلك بقدر ما بقيت فترة الاستقلال القريبة تشكل في واقع الأمر امتداداً لحقبة الكفاح ضد الاستعمار سواء من ناحية القوى الاجتماعية التي سيطرت عليها أم من ناحية المؤسسات والقيم والمفاهيم التي وجهت مسيرتها، وهي في الغالب مفاهيم مستمدة من حقبة التنوير الشكلي الذي أعقب في العالم العربي بعد اكتشاف الثقافة الغربية والافتتان بحركيتها وحيويتها العميقة. لقد كانت لأفكار الحداثة المبسطة والمشتقة مباشرة من محاكاة الغرب هي النسغ الذي يغذي العقائديات المختلفة والمتعددة للنخبة وللمجتمع، والمكونة في الوقت نفسه لخطاب السلطة الحقيقي.
ومع انهيار الثقة بهذه البنى الفلسفية نتيجة للشعور بعدم فاعليتها في عبور الامتحان التاريخي للتنمية والتقدم، وليس بسبب تهافتها الفكري أو بسبب مضمونها أو عدم تماسكها - وهو الأمر الذي يؤكد أن مصير الأفكار وتطورها لا يرتبط بتماسكها النظري بقدر ما يستند إلى التجربة والممارسة - ومع انهيار الثقة بهذه العقائديات الحديثة والتحديثية كان لابد من حدوث نوع من الفراغ العقائدي ومن الشك في المسلمات والطرق العقلية والمذاهب المعروفة. وهكذا انفتح باب الصراع الفكري في الوعي العربي ليحل محل القيادة الفكرية.
نستطيع القول إن رفضاً عميقاً وجذرياً لمناهج النسخ والتقليد التي سادت في الحقبة الماضية - مع تفوق الاستعمار وتحت تأثير هيمنته - والمطالبة أكثر فأكثر بالانطلاق من الذات وتأصيل الممارسة النظرية وتأكيد الاستقلالية الفكرية والهوية المحلية والوحدة التكاملية داخل هذه الهوية بين مختلف مكوناتها الروحية والتاريخية والمادية، وهذا يعني بحد ذاته المطالبة بتغيير العديد من الخيارات والتوجيهات التي كانت سائدة في الحقبة الماضية، كما يعني العمل على مصالحة العربي مع نفسه ومع تراثه المادي والروحي كشرط من شروط تحفيزه على العمل والتفكير في المستقبل والاعتماد على الذات بدل التسليم للقوى الخارجية وانتظار مساعدتها للتقدم في حل المشكلات المطروحة عليه(1). وإذا كان لابد لنا من تحديد القصد من هذه الدراسة فنقول: إنه ليس الدفاع عن أنصار الأصالة (الذات) ولا عن أنصار الحداثة (الآخر)، ولا عن موقف محافظ أو تقدمي، ولا إيجاد تفسير للتخلف العربي في الحاضر أو في الماضي، ولا تفكيك البنية السحرية للفكر العربي، وإنما وعي الذات، أي فهم القاعدة الروحية والعقلية التي ينطلق منها الوعي العربي الراهن ويتأسس عليها، بما فيه من وعي نظري وفلسفي ومن وعي فردي وشعبي. فهذا الوعي الذاتي هو بداية كل وعي ومبدأ كل ممارسة. فالخروج من شقاق الوعي وأزمته هو الخطوة الأولى والضرورية على طريق الخروج من شقاق الواقع وفوضاه، أو على الأقل من التخبط الأعمى في هذا الواقع. ولابد من الالتزام بالجماعة وبوحدتها وتقدمها، والإيمان بأنه لا بديل للعرب عن ثقافتهم وعن تنميتها وتطويرها، ورفض كل ما من شأنه أن يهددها بالتفكيك والفناء. «إن غياب الوعي أو استلابه، هو الذي يحول كل صراع اجتماعي إلى حرب ساخنة ويجدد شروطها. ونحن نعيش الآن هذه الحرب المعلنة والخفية: حرب العقل والدين، الساسة والوجهاء، الفقر والغنى.. وغير ذلك. ولا يشك أحد بأن ما يعيشه العربي اليوم هو حرب مواجهة بكل معنى الكلمة: مواجهة فكرية وضميرية واجتماعية وروحية في الوقت ذاته. وهي حرب تفقده كل قدرة على إدراك واقعه والتفكير في مستقبله، وتحصر نشاطه وجهوده في الصراع من أجل حماية الذاتيات المتنافية والرابض كل منها خلف متاريس ذهنية أكثر منها مادية، ووهمية أكثر منها موضوعية، تحرم من رؤية الخطر أكثر مما تحمي منه»(2).
وهنا نعمد الى تعريف الثقافة بالمعنى السوسيولوجي الواسع، الذي يحدد التمايز بين العقلانيات بكيفية ومدى تأثير العوامل المكونة للثقافة في تعريف العقل وفي تحديد طرق استخدامه ومجالاته وحدوده. وهذا يعني أن الأخذ بالتمايز بين العقلانيات بحسب الثقافات يتطلب تطبيقاً خاصاً لجدلية الشمولية والخصوصية في التاريخ الثقافي العالمي، مع العلم أن هذه الجدلية لا تلعب بالشكل نفسه وبالمقدار نفسه بالنسبة إلى أصناف العقلانيات كلها. إن واقع العقلانية العربية ليس التراث العقلاني العربي، الحي أو الميت، وحده، إنما ذاك التراث، القديم والحديث، والممارسات الحاضرة للعقلانية على جميع مستويات الحياة الثقافية والاجتماعية في البلدان العربية. إنه التراث العقلاني العربي كما يعلن عن نفسه، وكما نقرأه ونفسره ونقيمه ونستوعبه ونتجاوزه، وهو في الوقت نفسه الممارسات التي نقوم بها نحن أفراداً وجماعات ومجتمعات، لتطوير مفهوم العقل واستخدام العقل في مختلف الميادين النظرية والعملية. إن مقاربة العقلانية العربية من زاوية الواقع والآفاق تجعل من جدلية التراث والحاضر، التي هي في العمق جدلية التراث والتغيير أو التراث والإبداع، جدلية مركزية(3). ولكن عندما ننتقل إلى تحليلها من زاوية الميادين والمستويات، فإننا نجد أنفسنا مدفوعين إلى اعتماد معادلات متباينة لتلك الجدلية وإلى التركيز على جدلية أخرى هي جدلية الذات والآخر.
تلخص الثقافة تجربة المجتمع ووعيه بذاته وبمحيطه، فهي تشكل أيضاً نافذة يطل منها الباحث على كل نواحي الحياة العلمية والسياسية والاقتصادية والروحية للمجتمع بما هي سجل للقيم الأساسية التي تحكم الممارسة العلمية والسياسية والإنتاجية، وتشكل لحمة الجماعة الأساسية. ولا يعني النظر إلى الثقافة كميدان رئيسي لطرح مسألة النهضة العربية، أن النهضة الثقافية هي بالضرورة أساس النهضة الحضارية والمادية. ولو أن بعضهم يقع في هذا الخطأ. ولكنه يعني في الواقع، وكما يطرح الموضوع منذ أكثر من قرن، تحديد علاقة الثقافة بالنهضة ودورها فيها. ويدور النقاش الأساسي حول مدة صلاحية أو عدم صلاحية الثقافة العربية في توفير القيم والمفاهيم المساعدة في التغيير الفكري والعلمي والسياسي والتكنولوجي. والموضوع يتجاوز في حقيقة الأمر هذه المسألة الجزئية إلى علاقة الوعي بالممارسة عامة، والوعي العربي الحديث بالتغييرات الفعلية الحاصلة. يمكن القول إن الاهتمام بالثقافة ذاتها، أي لما تعبر عنه وما تمثله في النسق الاجتماعي بقي اهتماماً ضعيفاً في العالم العربي. وعدّت الثقافة بصورة عامة أقل قيمة في إحداث التغيير الاجتماعي من العوامل السياسية الاقتصادية بالرغم من حصول المناقشة كلها تقريباً في الميدان الثقافي. ولم يهتم الدارسون العرب بالثقافة إلا من زاوية ما تستطيع أن تقدمه من دعم للممارسة السياسية أو الاجتماعية، ومن تشجيع لقيم التقدم أو التغيير. باختصار إن البحث في الثقافة قد تمحور حول دور الثقافة في النهضة لا على وظيفتها الاجتماعية. ولم تصبح قضية الثقافة مسألة متميزة للبحث إلا مع تفجر مسألة الهوية. فأصبحت علاقة الثقافة بالنهضة حكراً على المتحدثين بالتغيير والثورة، وأصبحت علاقتها بالهوية حكراً على المنادين بالمحافظة والتمايز والاستقلال. ومن هذا المنظور، أصبحت المشكلة الأساسية للثقافة العربية النهضوية هي الصراع أو التناقض بين الحداثة والتقليد، المعاصرة والأصالة. وضمن هذا الصراع تعددت المواقف والآراء، واختلطت التحليلات بين من ينكر على الثقافة العربية احتواءها على قيم التقدم والتغيير، ومن يؤكد فيها على عناصر هذا التقدم، وبين من يدعو إلى تجاوزها وإقصائها عن موقعها الاجتماعي المتميز، ومن يطالب بإحيائها وتدعيم مركزها ضمن الجماعة القومية، وبين من يرفضها كقاعدة للتقدم، ومن يقبلها كأساس له، ومن يرفضها كلية ويقبلها كلية، ومن يقبل جزءاً منها وينكر جزءاً آخر. هكذا أصبح الصراع بين أنصار الحداثة وأنصار الأصالة، والدين والعلم، والتقدم والمحافظة، محور التفكير العربي في العصر الحديث، ومصدر حواراته الأساسية. وأصبح تاريخ الثقافة العربية الحديثة هو تاريخ تطور هذا الصراع وتبدل صوره وانبعاثه المتواتر. أصبح هذا الصراع في الواقع لحظتين في الوعي العربي، شق المثقفين العرب، بل المجتمع العربي إلى معسكرين متخاصمين لكل منهما رؤيته الخاصة للماضي والحاضر، ونظرته للتاريخ ومفهومه للعقل والعقلانية، وأهدافه وشعاراته السياسية والاجتماعية. وعكسا بذلك عمق التمزق والتوتر الذي عاشه هذا الوعي. وقد برز هذان الموقفان منذ بداية الشعور بخطورة التغيرات التي يحملها صعود الحضارة الغربية على الوضع العربي عامة، وبتحدياتها المتزايدة. ولم يضعف تأثيراهما أو تنازعهما مع الزمن، بل هو في تطور مستمر. وكل التركيبة النظرية العربية منذ النهضة إلى اليوم، من إصلاحية دينية، إلى قومية عربية، لم تكن سوى محاولات للتقريب بينهما وتجاوزهما أو إعادة عرضهما بصورة جديدة على ضوء المعطيات الخاصة بكل حقبة. لكن هذا لا يلغي أن التناقض الذي يشق الوعي العربي، ويشكل في الوقت ذاته محركه والدافع إلى الحركة، والنشاط والإبداع فيه، هو الانجذاب بين قطبين: رفض الغرب لتأكيد الذات، ورفض الذات لتأكيد الحضارة والاندماج فيها. إن هذه الوضعية المتميزة التي احتلتها مسألة الصراع بين المعاصرة والأصالة هي التي تدفعنا اليوم إلى البدء في إعادة طرح موضوع النهضة العربية انطلاقاً من مناقشة مسألة الذات والآخر والتوتر الذي تعيشه بين قيم الحاضر وقيم الماضي التاريخي. وهذا لا يعني أن هذه المسألة تشترط مسألة النهضة أبداً. بل نحن نعتقد العكس تماماً، أي أن ما تعاني منه الثقافة العربية من تمزيق وأزمة ليس انعكاساً لأزمة المجتمع نفسه. تتجاوز، إذن، مسألة الثقافة ما يرتبط بها من إشكالية نهضة وإشكالية هوية وتشمل جوهرياً علاقة العربي بالآخر، ومن ثم بذاته عبر الآخر محوراً موضوعياً للتفكير بالذات، أو لوعي الذات. ويصبح موضوعها الرئيس هو الكشف عن أسباب هذه القطيعة المأساوية العميقة، التي تجعل من رفض الذات شرطاً لقبول الحضارة أو توطينها، ومن إنكار هذه الحضارة شرطاً لتأكيد الذات. ترى ما المطلوب من الوعي العربي، الحفاظ على الذات مع التخلي عن الآخر (الحضارة)، أو الانخراط في الآخر (الحضارة) مع التخلي عن الذات؟ في الواقع، لم يستطع الوعي العربي أن يقبل الواقع كله كما هو، ولم يستطع أن يرفضه كما هو، ولم يستطع أن يحوله حتى يتمكن من قبول ما شاء منه ورفض ما شاء. بقي العالم كما هو منذ أكثر من قرن رمزاً للسيطرة الغربية. وبقيت هذه السيطرة سارة ومرعبة، قاتلة ومخلصة، حامية وفاتحة، وبقي العربي خائفاً ومسحوراً معاً. وكما أخفق في إيجاد الموازنة المطلوبة بين طموحاته وواقعه الفعلي حتى يحدد مكانة معقولة له في العالم ويتصالح مع التاريخ، لم ينجح أيضاً في تحديد دائرة التعامل والتبادل الممكنة والثابتة مع الغرب حتى يتصالح مع نفسه. متمرداً على هيمنة الغرب في التاريخ، حيث أصبح العربي متمرداً على التاريخ في الغرب والعالم. وهكذا تذبذب بين الخضوع الكامل، والاحتجاج الشامل، ما زال يعيش بين تجريح الذات وتعظيمها، وإنكار الآخر وتقديسه، لا قدرة له على رفضه ولا رغبة له في تمثله. هكذا وضع العربي أمام إحراج مأساوي لا مخرج منه، وصل في الواقع إلى شق الوعي العربي وهزه في أعماقه، ودمر روح المبادرة والإبداع عنده. ليست المسألة في نظرنا إذن، هل الثقافة العربية – أو هل العقل العربي أو الدين العربي أكثر غنى أو علمية أو عقلانية من الثقافة والعقل الغربيين، أو هل الثقافة الغربية متفوقة على الثقافة العربية في أنظمتها وإبداعاتها، وهي إشكالية عصر النهضة عامة ومن استمر يفكر في نطاقها. وليست أيضاً مسألة تقرير أيِِِِ ٍ من التيارين أقرب إلى الصواب أو أجدى نفعاً للعرب، وأقدر على إيصالهم إلى الحضارة أو الذاتية، مما هو مطروح اليوم في النقاش بين الأصاليين والمحدثين، وفي المقارنة الضمنية أو العلنية بين قيم الحداثة وقيم الأصالة ومحاسن كل منهما. فهذه مسائل لا معنى لها في إشكاليتنا، وهي في نظرنا بعيدة كل البعد عن الطرح العلمي. إن السؤال الجوهري في رأينا: كيف حصل ذلك، أي كيف نشأ هذا التعارض والانشقاق في الوعي العربي، وما هو مغزاه التاريخي ومضمونه الاجتماعي، ولماذا لم ينجح العرب والمجتمع العربي في تجاوزه، أي في إنتاج وعي متسق ومستقل ينقل الثقافة العربية ذاتها من دائرة الصراع الأيديولوجي المفقر إلى دائرة الإبداع المثري، ومن التقليد الأعمى للماضي والحاضر، إلى خلق المستقبل أي إلى التجديد..؟ ولا بد من أن نشير في هذه المناسبة إلى أن العديد من المساهمات الراهنة في حل هذه المسألة قد زادت في تعقيدها أكثر مما قدمت فرصاً أفضل لتجاوزها. فهي ما زالت غير قادرة على الخروج من آلية المعارضة المستمرة بين القديم والحديث إلى الكشف عما يكمن وراءها وعما تخفيه من رهانات ومواقف وأهداف، فتجعل من الصراع الفعلي والتاريخي والاجتماعي، صراعاً يبن فكرين أو أيديولوجيتين تنفي واحدتهما الأخرى. فتصبح الحداثة (عند دعاتها) علامة العقلانية والعلمية والتقدم والديمقراطية والإبداعية..، وتصبح الأصالة علامة الجهل والتخلف والركود التاريخي والاستبداد والحكم الديني والتأخر المادي.. وغير ذلك. ولكي توضع المسألة في نصابها الصحيح، وفي السياق الاجتماعي والتاريخي العام، والذي يطرحها فيه الواقع العملي نفسه، لابد في نظرنا من الارتقاء إلى مستوى البحث الاجتماعي التاريخي. فعلى هذه المستويات وحدها يمكن الكشف عن العلاقات المعقدة داخل كل ثقافة، بين أنظمتها وميادينها المختلفة، وبين الثقافات الحية المتنازعة فيما بينها، والتأثر أو التأثير المتبادل الذي يمارسه بعضها على بعضه الآخر. كما يمكن فهم العلاقة المعقدة بين خصوصية الثقافة ومحليتها من جهة أو طموحها لأن تكون عالمية وإنسانية من جهة ثانية، وما ينجم عن ذلك من تنازع دائم بين مختلف الثقافات الكبرى على احتلال ما نسميه حقل العالمية والمرجعية التاريخية الذي يشكل احتلاله القاعدة الأساسية لتأكيد تفوق ثقافة ما وهيمنتها ومن ثم علاقتها بالثقافات الأخرى، وصور تطورها اللاحقة.
وعليه تتمايز العقلانيات بتمايز الثقافات التي يقع انتماؤها إليها، كما تتمايز الثقافات بتمايز العقلانيات التي تحتضنها، وتتمايز أيضاً، ضمن الثقافة الواحدة، بتمايز المؤلفين والأنظمة الفلسفية التي يبنونها. وذلك طبيعي لأن النظرة إلى العقل وعلاقته بالوجود، ومنزلته ووظيفته في الحياة الإنسانية، تتبع التعريف المعتمد لماهية العقل والنظرة العامة المعتمدة إلى الوجود والحياة. والسؤال المطروح: ما مدى طبيعة الحضور الفلسفي في الفكر العربي الحديث؟ لقد تزاحمت أبحاث كثيرة – تكاد لا تحصى – في تحليل التيارات الفكرية المتصارعة في مجال النهضة، ويتم التركيز في معظمها على المستويات الأيديولوجية والإصلاحية، وقد خلت في غالبيتها من التركيز على مستويات الفكر الفلسفي. فمن الصعب أن نعثر على كتابة واحدة تتناول بدايات تشكل الخطاب الفلسفي في الفكر العربي الحديث. لذلك سنحاول إلقاء الضوء، بالقدر الذي تسمح به فسحة هذا البحث، على بدايات الفلسفة العربية الحديثة، رغم قناعاتنا بوجود بحوث وأطروحات، ومفاهيم فلسفية في ثنايا الفكر العربي الحديث، رغم غياب المدارس الفلسفية بمعناها المعروف في تاريخ الفلسفة، ورغم غياب الإبداع الفلسفي.
فما طبيعة الحضور الفلسفي في الفكر العربي الحديث؟ وبأي معنى يمكننا أن نتحدث عن فلسفة عربية داخل إشكالية النهضة العربية ؟ تتضح الإجابة على هذين السؤالين من خلال مراجعة النصوص الفكرية النهضوية التي خلت من الجديد الفلسفي، حيث لا نعثر في الفكر العربي النهضوي على فكر فلسفي حديث، منتج عربياً، ويتبع نسقاً خاصاً، أو حتى مطور للمشكلات الميتافيزيقية الأساسية في تاريخ الفلسفة، وإذا ما لاحظنا نصوصاً فلسفية، فنجدها تصب في مجرى الفلسفة السياسية. ونفسر غياب النسقية الميتافيزيقية وحضور نمط من الخطاب السياسي في الفكر العربي، بعامل سيادة فلسفة الأنوار، والفلسفة السياسية، والفلسفات التاريخية، على تاريخ الفلسفة في المرحلة التي تمت فيها عملية المثاقفة بين الفكر العربي والفلسفة الغربية. كما نفسره بعامل استفحال التأخر والاستبداد، في مستوى الواقع التاريخي المؤطر لزمانية المثاقفة. حيث حطت مفاهيم الخطاب السياسي الليبرالي (العقل والحرية والدستور)، رحالها في مناخ الفكر العربي النهضوي، كما تم التعرف على مفهوم التقدم الأوروبي وعلى العقلانية الغربية في صورتها الوضعية المتحمسة للعلم التجريبي. من هذه المصادر صاغ بعض المثقفين العرب ملامح الخطاب الفلسفي، وقد تمّ ذلك في غياب المدارس الفلسفية التي تراعى أصول الفلسفة وتقاليدها وتاريخها، إضافة إلى هيمنة النصوص الوثوقية التي اكتفت بنظم الموروث ونقل القديم. نلاحظ إذن السيطرة السياسية على مظاهر الفكر الفلسفي والتي تجلت تجلياً واضحاً في الأبحاث السياسية والإصلاح السياسي، وهذا ما يفسر لنا مثلاً عدم تمكن رسالة التوحيد لـ (محمد عبده) من إنجاز مشروع علم كلام جديد في الفكر العربي، ولماذا لم تتمكن ترجمة (شبلي الشميل) لمقالات (بوخنر) في فلسفة النشوء والارتقاء، وكذلك إخفاق موضوعات مجلة( المقتطف) من دعم التوجه الفلسفي الوضعي في نظرية المعرفة.. ومرجع الإخفاق، في نظرنا، يعود إلى نمو المعارف الفلسفية الذي يؤطره التاريخ العام بصراعاته المختلفة، كما تؤطره المعارف العلمية والثورات العلمية. وبسبب غياب الأبحاث العلمية من الثقافة العربية المعاصرة، فقد غابت معها الأبحاث والتأملات التي تجري في سياق الأبيستمولوجيا. وربما يتساءل سائل: ألم تولد الفلسفة الإسلامية الوسيطة – كالرشدية، أو الخلدونية (نسبة لابن خلدون) مثلاً، أتباعاً أو تلاميذاً لهما؟ وتأتي الإجابة من وجهة نظرنا، عن الرشدية، ولا سيما مع (فرح أنطون) و(محمد عبده)، والعناية اللاحقة بابن خلدون، داخل الأزهر وداخل الجامعات العربية، أنهما لم يولدا تجديداً في الفكر الفلسفي – باستثناء بعض الاهتمامات بالخطاب السياسي الليبرالي والمفاهيم السياسية المحددة له. بينما بقيت المسائل المهمة المتعلقة بتاريخ الفلسفة، عبارة عن محاولات لم تغتن في سياق تطوري لاحق يُسهم في تطوير تاريخ الفلسفة. ونجد منزعاً آخر في المجال الفلسفي لعصر النهضة، وقد غذى، وما يزال يغذي في نظرنا، التأملات الفلسفية العربية إلى يومنا هذا، يتعلق الأمر ببدايات فلسفة حضارية عربية. ويعود سبب بروز هذا المنزع إلى لحظة تاريخية كبرى أطرت بنية الوعي العربي عموماً، منذ أن حدث الاصطدام التاريخي الحضاري بين الغرب الإمبريالي وبين الشرق المستعمر التابع، وحصل تأثير كبير على العقل العربي، فظهرت مفاهيم الذات والهوية والأصالة، وكان لذلك الظهور مبرراته في المجتمع العربي، فمقابل الشعور بالدونية، أمام عظمة أوروبا الإمبريالية، تبلورت ثنائيات مفهومية حادة، من قبل العرب، (التسامح والاضطهاد، التقدم والتأخر، العلم والأسطورة، القوة والضعف، الأصالة والمعاصرة... وغيرها) امتلأت أغلب الكتابات المدونة في هذا المجال بطغيان عاطفة الحماسة التي أغفلت التجريد النظري الشمولي والنقدي، فقد حاول أصحابها صياغة البيانات والنصوص المحرضة على الفعل، وقد كان وراء الفقر الفلسفي الظاهر في هذه النصوص معاداة أغلب منتجيها للفكر الفلسفي (خاصة في بعض كتابات الأفغاني وعبده ورضا، المتعلقة بالرد على دعاوي بعض المستشرقين الذين تناولوا مراحل الفكر العربي الإسلامي بالدراسة والتحليل). إن الأمر المؤكد كما نرى هو أن معظم كتابات مفكري النهضة لم يلق التأصيل الفلسفي منها أي عناية تذكر، بل جاء دورها في التركيز على المستوى السياسي والإصلاح السياسي، وأهملت بذلك متطلبات الفكر وقوانين الواقع، وكذلك عجزت الشروط النظرية والتاريخية المؤطرة لنظام تاريخ الفلسفة، ومرد ذلك –كما نرى – يعود إلى مفكري النهضة أنفسهم، حين قرءوا فكر الأنوار الأوروبي والنص السياسي الليبرالي، فاهتم بعضهم بالدفاع عن العقل والتقدم والتغني بالمساواة والتسامح، واكتفى بعضهم الآخر بالاهتمام ببعض مبادئ الفلسفة الوضعية، وجاءت كتاباتهم في الأغلب مجرد رجع صدى، شرحاً على شرح، مفارقين لتاريخهم الذاتي غير متمكنين من قراءة تاريخ الفلسفة في ضوء المغايرة التاريخية، ولم يمتلكوا سلاح النقد (نقد الواقع ونقد الأفكار)، رغم امتلاكهم سلاح الحماس التنويري (4). ورغم كل ذلك، لا يجب أن تفهم هذه المسألة – في نظرنا – في ذاتها، أو تفهم بعدِّها قصوراً ذاتياً من مفكري النهضة، أو في نصوصهم المنتجة، بل علينا محاولة فهمها من خلال ربطها بشروطها العامة، والشروط التاريخية النظرية التي واكبت عملية تولدها العسير في الثقافة العربية. تُرى ما الغاية المرجوة من العودة إلى النهضة ومساءلتها أو الوقوف على أطلالها؟ هل تقدم النهضة أجوبة على أسئلتنا المعاصرة؟ أم أن أسئلتنا وأجوبتنا مختلفة جداً عن أسئلة وأجوبة النهضة؟ وهل المطلوب استعادة النهضة العربية كلها أو جزء منها؟ إن النهضة العربية لا تنتصب أمامنا إلا لأننا قد فشلنا، حتى اللحظة التاريخية، في صياغة مشكلاتنا ومن إيجاد الحلول النظرية والعملية الصحيحة لها. لذلك علينا أن نعلن القطيعة مع عصر يفسد علينا القدرة على امتلاك واقعنا الراهن. وإذ نتناول عصر النهضة العربية وفكرها، فإنما نحاول أن ندحض أوهام من يجهد نفسه لاستعادتها أو استعادة جزء منها، وأن نبرهن أن النهضة لن تستعاد. فالتاريخ لا يعيد نفسه ولو فعل ذلك فإن الإعادة لن تكون إلا نسخاً مشوهة. ويعود الاهتمام بعصر النهضة العربية كلما شعر العربي بأزمة تعتري طريق تقدمه وتطوره (وما أكثرها من أزمات). فإما أن تتحول النهضة إذ ذاك إلى حنين رومانسي يدفع بعضهم لرؤيتها بوصفها عصراً ذهبياً كما هو الحال عند عزت قرني وفاروق أبو زيد وأمثالهم، أو أن بعضهم يحملها وزر الحاضر التعس، فيدينها كمسؤولة عن الراهن العربي المتخلف- كما هو الحال عند (الجابري وتزيني وكوثراني) وآخرين. وأياً كان الموقف فإن العودة للنهضة ومساءلتها ظاهرة تحتاج إلى بحث في حد ذاتها سيما أن المشكلات التي يفرزها الراهن العربي لا تختلف في غالبيتها عن المشكلات التي تصدى لها عصر النهضة العربية. والأجوبة التي يمكن ان تقدم تفوح منها الإجابات التي قدمها في حينه النهضويون العرب(5).

الهوامش
ــــ
(*) مدرس الفلسفة في جامعة الكوفة.
(1) برهان غليون : العقلانية ونقد العقل، سلسلة ندوات العقلانية العربية والمشروع القومي، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، ط1، 1992،ص193-194.
(2) برهان غليون : اغتيال العقل ، المؤسسة العربية للدراسة والنشر، ط6، بيروت 1992، ص40.
(3) ناصيف نصار : في خصائص العقلانية الفلسفية العربية، سلسلة ندوات العقلانية العربية والمشروع القومي، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، ط1، 1992، ص81-82.
(4) كمال عبد اللطيف، فلسفة النهضة (فكر أوروبي معاصر)، في الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الثاني، معهد الإنماء العربي، 1988، ص1044.
(5) أحمد برقاوي : محاولة في قراءة عصر النهضة، دار الرواد، دمشق، ط1، 1988، ص11-12.