|
الاحد: 07/10/2007
العقل العربي والعقلانية الغربية
د. زيد عباس كريم(*)
(خاص للمعهد)
ظهرت الدعوة العقلانية الأوروبية، منذ نهاية القرون
الوسطى، كتجسيد للنزعة الإنسانية التي أعادت للإنسان اعتباره بصفته محور العالم
ومركزه، وإيذانا بانبعاث الحركة القومية والتطور الاقتصادي. وقد نادت بتحرير الروح
من وصاية السلطة، وتحرير المجتمع من وصاية الكنيسة، فحل العقل محل الإيمان، وسادت
الحرية محل التعصب الأعمى، وأصبحت سياسة الدولة هي السياسة المبنية على العقل بعدما
هزمت سياسة السلطة المطلقة إلى غير رجعة، وأصبحت الفلسفة عقلية، بينما بقي اللاهوت
نقلياً، وتأسست العقلانية على سند من القطيعة بين الفلسفة والدين الرسمي، وارتبط
تحرر المجتمع من الكنيسة بتحرر الفكر من هيمنة المفاهيم اللاهوتية، وتأكيد سلطة
العقل كسلطة مناهضة للنقل، والانتقال من مدينة الله السماوية إلى مفهوم مدينة
الإنسان الأرضية الحديثة. والدعوة العقلانية الجديدة لم تلغِ الدين بل كانت تجاوزاً
له، وجاء العلم الجديد ليؤكد دور الفلسفة في المعرفة الإنسانية، حيث حدث ترابط وثيق
بين العلم والفلسفة، فالعلماء كانوا فلاسفة، والفلاسفة كانوا علماء(1). وظهر
الانتقال من الوعي التقليدي (المرجعية واللاهوتية) إلى الوعي الحديث (المرجعية
الإنسانية). على الرغم من ذلك «فقد حدث تطور عقلي كبير، ليس اكتشاف وقائع جديدة،
بقدر ما كان اكتشاف أداة عقلية جديدة في البحث، فالروح العلمية الحديثة دخلت
الميدان الأوروبي من أوسع أبوابه»(2). لقد عايشت العقلانية الغربية كذلك الصراعات
والثورات الاجتماعية والمعرفية التي عرفها العرب، والتي مازالت تحمل إشكاليتها إلى
اليوم، فهي ليست ببساطة نمطاً للتفكير أو العقل كما يحاول أن يظهرها العقلانيون
العرب والأجانب ولا يمكن استيرادها كما تستورد الآلة أو المصنع. إنها بشكل أو بآخر
سلسلة إحالات لهذا التاريخ وتلخيص لنمط علاقاته الداخلية أيضاً. لقد استطاع الفكر
الأوروبي الحديث أن ينطلق من أسره، وتغيرت صورة العالم في عقل الإنسان كما تغير
منهجه في التعامل مع الطبيعة وتفسيرها. وكشفت أوروبا في معركتها عن الأصالة
والتحديث عن صيغة جديدة في التوفيق بين النقل والعقل، أو بين التراث وحاجات العصر.
فكان الولاء للتراث ولاء إبداعياً إذ أخضعت تراثها للنقد وأسقطت كل بال ومعوق،
وأحيت روائع تراثها القديم، إذا أدركت أن تاريخها وأصالتها امتداد إلى ما قبل ظهور
المسيحية، لتتمكن من الوقوف بخطى ثابتة على أرض التاريخ الصلبة(3). فالغرب عاش أكثر
من خمسة قرون في ظل سيادة العقل والعلم. إن الإنسان الأوروبي – رغم هذا كله – يعاني
حقاً، والعقل الأوروبي تصدعه أزمة، ولكنه يدرك أنه يعاني، وأخطر ما يتهدد المريض
أنه ينكر مرضه ويتمسك بالأوهام والادعاءات، وأن المثقف الأوربي قادر على رصد عناصر
أزمته وتحليلها وبيان تسلسل أحداثها والكشف عن جذور المعاناة دون رقيب أو حجر على
رأي، ودون اتهام بالزندقة، أو الخروج عن المألوف والموروث(4). وهو كذلك يواجه بجرأة
وحرية مشكلاته مهما تباينت الآراء أو تعارضت، مؤمنين بأن تباين الآراء ليس عيباً أو
نقيصة بل دليل خصوبة وثراء. هذه هي باختصار قصة تكوين العقل الأوروبي الحديث الذي
انفعلنا به وتفاعلنا معه بين صد وقبول وملاءمة. لننتقل إلى محطة العقل العربي
الحديث، هل اعتصم في خيمة السلف أو امتطى قطار الحداثة والتقليد. العقلانية العربية
– تمسك بالموروث السلفي أم بالجديد الأوروبي؟ إذا كانت العقلانية الغربية الحديثة
قد برزت كرد فعل على نمط المعرفة اللاهوتي المدرسي، الذي كان سائداً في القرون
الوسطى، وكمحصلة لإحدى نتائج المذهب الإنساني، فهي بناء للإنسان بعدّه محور العالم
وغايته، مستندة على رؤية أبستمولوجية للواقع، وكنمط لبناء مناهج علمية لأصناف
العلوم كافة، من أجل التعرف على الواقع، والتقرب منه، والسيطرة عليه... فإن
العقلانية العربية ما زالت تحاول الخروج من عالم الميتافيزيقية إلى عالم العقل، ومن
نطاق الغموض إلى نطاق الوضوح، ومرد ذلك جملة أسباب منها: إننا نغالي في سيادة
الجانب الانفعالي في حياتنا على حساب الجانب العقلي، والأمر الآخر أن العقلانية
العربية ليست بنت بيئتها، أي ليست نمطاً لإنتاج المعرفة، ولم تكن تجاوزاً للحاضر،
ولم تنتج نظاماً معرفياً ناجعاً، وإنما استوردنا العقلانية من الحضارة الغربية (التي
تجاوزتها بدورها لأنها لم تعد تخدم المرحلة التاريخية الراهنة لها) لتبرير النظام
القائم وتدعيمه – أي نظام الحداثة والتبعية – فتحولت بذلك إلى تقليد للآخر بعيدة عن
إرثها وقيمها وواقعها، ومنتزعة من سياقها الاجتماعي، من خلال ظهورها على شكل أفكار
وتصورات جاهزة مستوردة فهي تحيا على غذاء الثقافة الغربية السائدة أو الكلاسيكية
التراثية، وبالتالي أجهضت إمكانياتها من أن تتحول إلى إنتاج للمعرفة المنظمة
المتسقة، بل بقيت على مستوى العقائدية الوسيطة في نظرتها إلى العلم من خلال
مرجعيتها الجاهزة المستوردة أو العودة إلى النص الديني المقدس، مما أبعدها عن
التجربة والروح العلمية. فالعقل العربي في عصرنا الراهن، في جانب كبير منه – لم
يتجاوز أسلوب العقل النهضوي، في التعامل مع إشكاليتنا العربية الإسلامية. حيث انقسم
مثقفونا في العصر الحديث، وشكلوا فرقاً وفصائل متباينة متنازعة، كما هو الحال لدى
مثقفي عصر النهضة، ومسألة أخرى شخصها محمد عابد الجابري في كتابه (تكوين العقل
العربي)، هي تداخل الأزمنة الثقافية في فكر المثقف العربي، وذلك على الصعيدين
المعرفي والأيديولوجي. فعلى الصعيد المعرفي ما زال المثقف العربي، كما كان منذ
العصر الأموي، يستهلك معارف قديمة على أنها جديدة، سواء كان مصدرها عربياً أم غريباً،
تلك كانت حالته بالأمس، وتلك حالته اليوم. وأما على الصعيد الأيديولوجي فإن المثقف
العربي، كان منذ العصر الأموي، وما يزال إلى اليوم يعيش في وعيه صراع الماضي
متداخلاً مع أنواع الصراعات الأخرى التي يشهدها حاضره. «هذا الواقع، واقع تداخل
الأزمنة الثقافية في فكر المثقف العربي، هو ما يفسر ظاهرة مزعجة في الفكر العربي
المعاصر، ظاهرة المثقفين الرحل الذين يرحلون عبر الزمن الثقافي العربي من المعقول
إلى اللامعقول، من اليسار إلى اليمين بسهولة تكاد لا تصدق. ودون ذكر أسماء ، تكفي
الإشارة إلى القفز على صعيد المواقف المبدئية حول قضايا الوحدة، الاشتراكية،
الديمقراطية، الإسلام، العروبة، العلمانية، وهي القضايا الرئيسة في الفكر العربي
المعاصر»(5). إن تلك المتاهة الفكرية التي كبلت العقل العربي وسحبت أدوات إنتاجه،
جاءت نتيجة التعلق الطوعي أو القسري بالغرب، والذي جاء بعد الدهشة الأولى التي
داهمت الرعيل النهضوي الأول، ثم استمرت وأخذت أنماطاً وأشكالاً وأساليب عديدة في
حياتنا بعد أن زحف الغرب بجيوشه وحط رحاله بيننا، وفرض علينا هذه الحياة الفكرية
الجديدة التي يبتغيها. لقد استطاع الغرب وأعوانه داخل الوطن العربي، تهميش العقل
العربي وجعله يدور في فلك الفكر الغربي، فهل يسمحون لنا بتطبيق الديمقراطية – رغم
أنها منتج غربي – وبناء الدولة الحديثة أسوة بالدول الغربية الحديثة؟ والإجابة على
هذه التساؤلات عشناها تجربة بعد أخرى.. وللأسف صارت هذه الأسئلة مثار خلافات فكرية
عميقة في حياتنا العربية، امتدت على مدى مئة وخمسين عاماً، وما زال العقل العربي
يطرحها للبحث ثم يختلف عليها، ثم يعيد طرحها للبحث ثم يختلف عليها، حتى صرنا في
حلقة فكرية مفرغة(6). رغم أننا في كل مرة نستخدم مفاهيم الفكر الغربي كي نجيب على
هذه الأسئلة، ونستخدم أدواته الفكرية في تشخيص واقعنا، وحين يشعر الغرب أن ثمة
تحركاً إيجابياً قد برز في حياتنا، يقمعه والشواهد كثيرة، فالغرب يريدنا أن نستهلك
إنتاجه الفكري والمادي فقط دون أن نتعدى هذه الحدود، وقد صور لنا الجابري ذلك
المشهد في كتابه( التراث والحداثة) : «أننا عندما نستورد بضاعة مادية فنحن نستوردها
بطابعها المصنعي الأوروبي (ألمانية وفرنسية..) وكذلك عندما نأخذ الأفكار الغربية أو
نقتبسها أو ندرسها، ندرسها في بيئاتها. لا يمكن أن نفصل في الفكر ما بين الفكر كفكر
مجرد، وبين أرضية المادية الاجتماعية الاقتصادية الأيديولوجية فصلاً مطلقاً، لذلك
عندما نستورد – ونحن نستعمل هنا كلمة استيراد – لأننا فعلاً نستورد الفكر بكل
مضمراته الأيديولوجية، وبكل أسسه المادية، وحتى مع بعض تطلعاته. لماذا؟ لقد كان من
الممكن أن يمر هذا الاستيراد بإعادة تحويل داخل بلدنا لو أننا ننتج العلم، لو أننا
ننتج الفلسفة، لو أننا ننتج الفكر، إلا أن المشكل هو أننا نستهلك فقط»(7). لقد
استطاعت العقلانية الأوروبية تخليص العقل من براثن النقل، وتخليص المعرفة من هيمنة
السلطة الكنسية، بينما راح العقل العربي يرتمي في أحضان النخبة المتسلحة بالعلموية
اللاهوتية، بعيداً عن الجماهير الشعبية ذات المصلحة الأساسية في كل تغيير وتجديد. «فالمثقف
العربي يستمد مرجعيته من تاريخ واقعي، وممارسات فعلية ونضالية لمثقف الغرب، كما
يتبين أن المثقف العربي لم يستند إلى أرض صلبة من إرث فكري وتاريخي، الأمر الذي أدى
إلى اتساع الهوة بين ثقافة العامة وثقافة النخبة»(8). إن العقلانية العربية جعلت من
العلم أساساً لصحة معارفنا، بدلاً من أن تجعل الانخراط في التجربة العلمية معاينة
الواقع بآلياته أساساً لصحة معارفنا، بل اكتفت بالاستهلاك العلمي بدل أن تمارس
الفعل العلمي النقدي للواقع، وتحولت بذلك إلى علموية أي أيديولوجية تُبشر بالعلم
وتمتدحه، إلى أن أصبحت قاعدة تحطيم المسعى العلمي الحقيقي من خلال اعتقادهم بأن
العلم موجود، جاهز ومتطور، وليس علينا إلا أن نأتي به، لذلك نجد الكثيرين من
المثقفين العرب تتفق أفكارهم و تنسجم مع أفكار المستشرقين(9). ومع تطور العلاقات
الإنتاجية والاقتصادية، وظهور الطابع التجاري السمسري للرأسمالية العربية، طرقت
النزعة العقلانية أبواب أبناء العائلات المسيطرة والقوية اقتصادياً، من أجل تقويتها
والدفاع عن مصالحها، وفي الجهة المقابلة تهميش الجماهير الشعبية وتركها منهمكة في
البحث عن لقمة العيش، أو تقليد الأجداد والحفاظ على الموروث من قيم وتراث... هذا
الوضع الجديد أفرز شريحتين اجتماعيتين: شريحة عصرية قليلة العدد تمتلك السلطة
والثروة والمعرفة. وشريحة ثانية، هي الغالبية من الجماهير الشعبية، محرومة من
السلطة والثروة والمعرفة وآلت النتيجة إلى عجز الشريحة الأولى عن التعبير عن الواقع
واستيعابه، وتشكيل نسق معرفي خاص بها تستقل به عن نسقها الأول. وكذلك ضعف الشريحة
الثانية أدى إلى عجزها أيضاً عن استيعاب حاجات العصر وتفسير الواقع. ومن الأسباب
المهمة لعجز هاتين الشريحتين هو تغلغل العلاقات الرأسمالية في المجتمع العربي كإحدى
صور التفكك القومي. ومع عجز منظومات القيم القديمة والحديثة (النخبة والعامة،
العصرية والتراثية) فقد العقل العربي توازنه، وجفت ينابيع المعارف لديه وتدهور
المشروع الثقافي العربي وأصاب الشلل مواقع الجماهير الشعبية، وتحولت شيئاً فشيئاً
إلى التمرد والرفض، ومعاداة كل جديد وعصري، وبروز النزعة العائلية والطائفية. فتألق
التيار الديني من جديد تألقاً قوياً شرساً أكثر من أي وقت مضى. إن تغيب الثقافة
القومية الموحدة، كما جاء في كتاب برهان غليون، (اغتيال العقل) وظهور ثقافات ذات
طابع أقوامي وأجناسي لا عقلاني مغلق، هو من إحدى نتاجات الأيدلوجية العقلانية
العربية المسيطرة والسائدة في الحياة الاجتماعية وفي الدولة، أي أيدلوجية المثقفين
والسياسية الثقافية للدولة(10). إن من المهام المطروحة على العقل العربي في هذه
الفترة البحث عن عملية تفكيك وانهيار منظومات القيم القديمة والحديثة، وإعادة النظر
في دراسة الثقافة العربية بعدِّها علاقة اجتماعية تتحكم بتطور صور الوعي العربي،
وكذلك نقد أيدلوجية العقل عند المثقفين واستبدالها بنظرة عقلانية للواقع تهتم
بالكشف عن منطق الأمور، وترابطها الداخلي، وتفسر الواقع، وتكشف عن القوانين التي
تحكمه، ومراجعة نقدية دائمة لمعارف العقل و مسلماته. إن العقلانية الغربية تمكنت في
مراحلها الأولى من تحرير الوجدان الإنساني، وإعطاء أساس نظري للعلم بعد رفضه كل
التصورات القديمة عن الكون، وتأكيد حرية الإنسان... أما العقلانية العربية فقد
اتخذت موقفاً دفاعياً عن وجهة نظر العقل العربي في قضايا فكرية عديدة، بدءاً من
المفكرين الإصلاحيين العرب حتى يومنا هذا، ولم تنتج العقلانية العربية فكراً جديداً
بمضمون قومي أو مضمون إسلامي أو مضمون حضاري، بل بذل المفكرون جهدهم في الرد على
المقولات الغربية الاستشراقية، أو على نظريات غربية في العلوم الإنسانية، ولم تقدم
مؤلفات الكتب العربية، في خلال الفترة الماضية، أي إضافة هامة إلى الفكر العربي
الحديث. ونجد إن بعضهم يعتمد على الأسلوب الدفاعي التقليدي، واثبين فوق الواقع
والتاريخ، ليدافعوا عن الماضي بكل حيثياته، وليعدوا الماضي كلاً لا يتجزأ، أو
ليرفضوا أي محاولة لتجزئة الماضي الثقافي العربي، سواء لأغراض الدراسة، أم لأغراض
تمس واقعنا في عالم اليوم. ونلاحظ إنهم لا يضيفون شيئاً جديداً للعقل العربي، لأن
الماضي الفكري حسب اعتقادهم هو الحاضر والمستقبل. إن هذا الموقف الدفاعي للفكر
العربي الحديث أخذ حالة السكون وهي اخطر ما يواجهه المثقف المتجه نحو مشروعه
النهضوي. فالعقلانية العربية ما تزال تعاني من عدم سيادة العقل على حياتنا العامة
والخاصة، لا من غيابها، تعاني من عدم إنتاجها عربياً، لا من استيرادها غربياً،
تعاني من سكونيتها الكلاسيكية في تحليل واقعنا، لا من حركيتها وفعاليتها... وأسباب
المعاناة كثيرة منها:
أ- غياب منهجية التفكير العلمي، والفكر النقدي للعقل والواقع معا: إذا أمعنا النظر
في تحليل المفكرين العرب لأزمة العقل العربي نجدهم ينقسمون إلى طائفتين رئيستين:
فالطائفة الأولى تستعمل منهجاً غير علمي، حيث يلجئون في تفسيرهم لأزمة العقل العربي
إلى التقاط العناصر الطافية على سطحها، والتي هي نتاج لعناصر جوهرية أخرى كامنة
خلفها، وعدّ تلك العناصر مبادئ أولى أو مقدمات يفسرون الأزمة بأنها نتيجة لها،
فيصلون إلى تباعد بين الأزمة وبين الحلول التي حصلوا عليها. فجاء منهجهم مقلوباً،
لأنهم تعاملوا مع الظاهرة وكأنها حدث غير قائم في الزمان، وعلى أنها واقعة فريدة لا
صلة لها بغيرها، وعدّوا الثانوي نتيجة جوهرية ويقوم بدور السبب. أما الطائفة
الثانية فتنطلق من مقدمات علمية، لكنها لا تصل إلى نتائج منطقية، بل إلى نتائج أخرى
لا تنسجم مع مقدماتها(11). فالمنهج العلمي علمي تاريخي وجدلي في آن معاً، حيث تقود
علميته إلى اكتشاف قوانين الواقع وعلاقاته مع الواقع ذاته. أما تاريخيته فتقوده إلى
القيام إما بحركة تراجعية يتتبع فيها كل فكرة إلى مصدرها الذي نشأت منه، راصداً
بذلك التطورات كافة التي تطرأ عليه في كل مرحلة، أو بحركة تصاعدية تبدأ من المنشأ
وتنتهي إلى الحالة التي تكون الفكرة قد وصلت إليها. أما جدليته فتتمثل في رصد
الفكرة ودراستها في علاقاتها بغيرها، وعلاقاتها بذاتها وهي تنمو.
ب- قصور التفكير الجدلي: نلاحظ تناقضاً مماثلاً في تحليلات من يتبنون منهجاً جدلياً
في التفكير، فحين يتعلق الأمر بالبحث في المنهج ذاته، نجد كل شيء في علاقة وتفاعل
وتأثير متبادلين في كل شيء آخر، ولكن حين يعالج هؤلاء أزمة العقل، ويحاولون تفسيرها،
نجد أن الثبات هو القاعدة، والتفرد هو السمة المميزة للحوادث، ونلاحظ المذهبية
الجامدة المغلفة هي القانون الأزلي للعقول(12).
ج- تلون العقلانية بمبدأ السببية الميكانيكية الساكنة أدى على عدم إدراك العلاقة
الجدلية للزمان والمكان، وتحولت بذلك حركة التاريخ إلى حتمية قدرية.
د- تقزيم العقل العربي من خلال تغييبه عن الإبداع لصالح النص، والقبول بالحديث
الأوروبي المستورد على أنه الأفضل والأنجع.
هـ- تغييب الواقع العربي وفرض ثوب جاهز مستورد عليه، أدى إلى اغتراب غالبية القوى
الفكرية عن واقعها وعن مجتمعها. و- طغيان الانفعالية على العقلية العربية مما أدى
إلى غياب الحوار العقلاني، والروح العلمية، وتلون العقلية العربية بالتعصب والتحيز،
وإلقاء الأحكام القطعية، وعدم مرونة العقل تجاه الحدث أو الواقعة، وكما وصفه
الجابري «عقل قابل لأن يكون مسرحاً تتعايش به المتناقضات والتنافرات، وكأنها تعكس
أو تقرر وضعاً طبيعياً تماماً. أما عقلاً كهذا، عقل ميت أو هو بالميت أشبه، لأنه
يفتقد السلطة التي تجعل منه عقلاً حياً، السلطة التي بها يفرض النظام على نفسه وعلى
العالم»(13).
من هنا ترتبط العقلانية في قيامها بالديمقراطية من حيث علاقات تفاعل متكافئ واعتراف
بغيرية الآخر واختلاف بين الذات والآخر والتفاعل ضمن هذا الاختلاف. ذلك هو المدخل
إلى التفكير الجدلي الذي يقوم على تكامل الضدين. كما أنها ترتبط بالديمقراطية من
حيث هي استرداد الإنسان لاعتباره وبالتالي استرداده للسيطرة على مصيره وصولاً إلى
صناعته، فذلك هو المدخل إلى التخطيط والنظرة المستقبلية، والعقلانية بما هي وليدة
الديمقراطية واسترداد السيطرة على المصير لا تصنع بقرار. إنها نتاج عملية تربية
طويلة الأمد ترسخ أسلوباً من التعامل مع الذات والآخر والكون، والتعامل مع ظواهره.
أما القهر والتسلط وعلاقات السيطرة والخضوع فلا تؤدي إلا إلى بروز الانفعالية
وسيطرة التصلب الذهني، وصولاً إلى علاقة الإخضاع كوسيلة وحيدة لحسم أي صراع أو
اختلاف. وأما الإبداع فهو بدوره يرتبط بالديمقراطية من حيث هي حرية تعبير وانطلاق
للفكر، كما يرتبط بها فوق ذلك بعدّها شرط نمو المرونة الذهنية(14). وتشكل المشاركة
في صناعة المصير، ضمن إطار الانتماء إلى بنى منغرسة الجذور في التاريخ الثقافي،
الشرط الثاني اللازم للإبداع. فلا إبداع دون الالتزام بقضايا المصير والجهد الخارج
عن المألوف من أجل الظفر على تحدياته(15). ولا إبداع خارج النهل من كنوز اللاوعي
الجماعي في السعي نحو صناعة المستقبل. وبما أن هذه العملية تتسم بالمنهجية والدقة
والضبط والموضوعية فلا مجال لنموها إلا حين يحتل العلم وظيفته في فهم الواقع
والسيطرة عليه، واستشراف المستقبل والتخطيط لصناعة العقلية العلمية التي تولد وتنمو
في داخل المجتمع. في دراسة بعنوان (معضلة العلم والتكنولوجية في الوطن العربي) يشخص
أنطون زحلان، الخبير العربي في نقل التكنولوجيا، الواقع الراهن تشخيصاً بليغاًَ في
دلالة نتائجه: - رغم أنه قد أسس الآن ما يزيد عن 500 مركز ووحدة عربية للبحث
والتطوير، تبقى معظم الإجراءات المعتمدة عقيمة وعاجزة عن القيام بدورها المفترض. -
هناك انفصال قائم ما بين المؤسسات العلمية التكنولوجية وبين العمليات الحكومية.
وعلى الرغم من النداءات والتوصيات على مدى 40 عاماً، ما تزال الفجوة بين المؤسسات
والمجتمعات العلمية وبين التنفيذ الفعلي اليومي للمخططات الحكومية في اتساع
مستمر(16). - ليس هناك مشكلة في أعداد الجامعيين، بل في المستوى والاستخدام، كما أن
هناك وفرة كبيرة في المشروعات المنفذة إلا أنها تعتمد على الخبرة الأجنبية. ولكن
تكمن الفجوة في القصور المؤسسي بين العرض والطلب والربط بينهما. أجل، فلا النظام
التعليمي تطور، ولا المشاريع تستفيد من الطاقات المحلية. ويذهب مايكل سمبسون المذهب
نفسه ويصل إلى النتائج نفسها. فمؤسسات البحث التي تربط بين الحكومات والجامعات
تعاني من حالة قصور واضحة، مما يحول دون إدخال التنكولوجيا (بمعنى صناعتها وليس
استيرادها واستهلاكها)(17). إن توطين العلم ما زال هدفاً بعيد المنال في العالم
العربي رغم الكم الهائل المتراكم من المعارف. الخطر الكبير يكمن في أن تظل هذه
المعارف معطلة وظيفياً، تقتصر على دور القناع الثقافي الذي يلبس في المناسبات، ويظل
مبعداً عن التأثير في الممارسات. ويتفاقم هذا الخطر ببقاء اللغة العربية على مسافة
تتفاوت في درجاتها من التعبير العلمي والقيام بوظيفتها في تداول العلم وإنتاجه. حيث
إن اللغة تصنع الفكر. وبمقدار ابتعادها عن الدقة والضبط العلمي يبقى الفكر
انفعالياً. كما أنه بمقدار إنتاجها للعلم تفتح باب نمو العقلانية والإبداع العلمي
باللغة القومية. لابد إذن للغة العربية أن تتجاوز انفعاليتها كي تصبح لغة عالمة
تكوِّن العقلانية. ولابد لهذه العقلانية من النمو وصولاً إلى إنتاج المعرفة العلمية
وممارستها. المهمة الكبرى المطروحة على العقل العربي هي ابتداع أصالة عربية
مستقبلية (18)، أي إعادة الزخم والديناميكية والتماسك إلى تيار التاريخ العربي
المتصل، الذي يضرب جذوره في الثقافة العربية ويتغذى منها، ويستوعب حقائق العالم
المعاصر – عالم ما بعد التكنولوجيا – بكل تعقيداته وإمكاناته. وفي الحالتين لابد من
الشجاعة والقدرة على فهم الواقع العربي الراهن بمعوقاته وإمكاناته الذاتية وما يحيق
به من أخطار وتهديدات خارجية وداخلية. فمهمة صناعة المشروع الحضاري تمر من خلال وصل
تيار التاريخ واستعادة الهوية العربية الوحدوية المتوافقة مع ذاتها. بالوحدة، وخلال
مسيرة صناعتها، يتاح للإمكانات والطاقات أن تأخذ كل مداها. وضمن إطارها يصبح التنوع
والتعدد والاختلاف حياة وغنى ودور. والأصالة في الوحدة تبنى ولا تتخذ بقرار. فقط
الإجماع والمشاركة يبنيان هوية ويصنعان كياناً ويؤسسان مستقبلاً. موجز القول، إن ما
تم رصده من مظاهر الافتقار إلى سيادة العقلانية، وليس انعدامها، إنما هو سبب ونتيجة
في آن معاً لحالة التخلف التي يعاني منها مجتمعنا وتلك الحالة التي تضافرت وتفاعلت
فيها الظروف التاريخية الداخلية والخارجية معاً(19). وبالتالي فإن كل جهود تنموية
حقيقية وشاملة، إصلاح لنظمنا الاجتماعية كافة لابد سيكون لها انعكاساتها على
العقلانية، كما أن كل توجه نحو مزيد من العقلانية سوف تكون له انعكاساته على الجهود
التنموية التي لابد أن تكون بالضرورة عقلانية. إن الانتقال إلى عصر العقلانية
العربية إنما هو فعل تاريخي نضالي يتعين على حامليه الاجتماعيين، أصحاب المصلحة
الحقيقية في الوصول إليه، تبعات ذلك الفعل(20). ومن المهام الملقاة عليهم في هذه
المرحلة التاريخية القيام بدراسة تحليلية نقدية للمجتمع العربي كشرط أساسي للوصول
إلى رصد دقيق للأزمة، أي الانطلاق من الواقع العربي، وتحليله ورصد جدليته بآلية
التفكير العلمي، وإخضاعه لقوانين التاريخ، ليخرج من دائرة الذات إلى دائرة الموضوع.
الهوامش:
ــــ
(*) مدرس الفلسفة، جامعة الكوفة.
(1) محمد سبيلا : فلسفة النهضة (فكر أوروبي)، في الموسوعة الفلسفية العربي، المجلد
الثاني، معهد الإنماء العربي 1988، ص1035.
(2) حامد خليل : مشكلات فلسفية، المطبعة الجديدة، دمشق ،1983 ، ص114.
(3) إيسايا بيرلين : عصر التنوير (فلاسفة القرن الثامن عشر)، ترجمة فؤاد شعبان،
وزارة الثقافة، دمشق 1980، ص51.
(4) ف.فولغين : فلسفة الأنوار، ترجمة هنرييت عبودي، ، دار الطليعة، بيروت ،ط1،
1981، ص42.
(5) محمد عابد الجابري : تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ،
ط4، 1990، ص45.
(6) ثابت ملكاوي : إشكالية العقل العربي، دار الطليعة، بيروت ، 1995، ص12-13.
(7) محمد عابد الجابري : التراث والحداثة، دار الطليعة، بيروت، 1980، ص116.
(8) محمد شكري سلام : وظائف المثقف وأدواره بين الثابت والمتغير، المستقبل العربي،
العدد 200، 1995، ص71.
(9) برهان غليون : اغتيال العقل، مصدر سبق ذكره ،ص222-223.
(10) المصدر نفسه، ص259.
(11) حامد خليل : قراءات في الفكر السياسي العربي، دار الينابيع، دمشق، 1996، ص98.
(12) المصدر نفسه ، ص98-99.
(13) محمد عابد الجابري : بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،
ط3، 1990، ص511.
(14) مصطفى حجازي : شروط التفكير الابتكاري ومقوماته ، مجلة الفكر العربي، ، السنة
الثالثة، العدد 21، 1981، ص36.
(15) المصدر نفسه، ص36.
(16) أنطوان زحلان : السياسات التكنولوجية في الأقطار العربية، ندوة نظمتها الأمم
المتحدة ونشرها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1985، ص124.
(17) مايكل سمبسون : الآفاق المستقبلية للنمو التكنولوجي في المجتمعات العربية، في
كتاب العقد العربي القادم، بيروت 1986، ص170.
(18) عيسى بلاطة : تحديدات الأصالة الثقافية العربية، في كتاب العقد القادم، مركز
دراسات الوحدة العربية، بيروت 1986، ص86.
(19) المصدر نفسه ، ص86.
(20) حامد خليل ، قراءات في الفكر السياسي العربي ، مصدر سابق ، ص 101.
|