الحضارية «دراسات شرقية غربية»
  الخميس: 04/10/2007

 

محاكمة الاستغراب: الاستغراب بين دعاته ومعارضيه

تركي علي الربيعو

كان إدوارد سعيد قد قام بفصح نظام الاستشراق، وذلك في كتابه الموسوم بـ «الاستشراق»، فقد ساهم نظام الاستشراق في «شرقنة» الشرق، وبذلك مثـّل أعلى استجابة للثقافة التي أنتجته من استجابته لموضوعه المزعوم(1). من هنا حرص إدوارد سعيد على اكتناه الاستشراق بوصفه إنشاء. يقول: «ما لم نكتنه الاستشراق بوصفه إنشاء فلن يكون في وسعنا أبدأً أن نفهم الفرع المنظم تنظيماً عالياً الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبر الشرق ـ بل حتى أن تنتجه ـ سياسياً، واجتماعياً، وعسكرياً، وعقائدياً، وعلمانياً، وتخيلياً، في مرحلة ما بعد عصر التنوير»(2).
في موازاة حفرياته في نظام الاستشراق ونقده الحاد له، نفى إدوارد سعيد في خاتمة «الاستشراق» غياب المؤسسات الفكرية في الشرق العربي التي تجعل من الغرب موضوعاً للدراسة. يقول سعيد:
«إنها لصدمة موقظة أن نجد، على سبيل المثال، أنه فيما توجد عشرات من المنظمات لدراسة الشرق العربي والإسلامي في الولايات المتحدة، فليس ثمة مؤسسة واحدة في الشرق لدراسة الولايات المتحدة، وهي أعظم المؤثرات الاقتصادية والسياسية إطلاقاً في المنطقة. وأسوأ من هذا، لا يكاد يكون ثمة من معهد ذي مكانة حتى متواضعة في الشرق مكرس لدراسة الشرق نفسه».
ويضيف سعيد في مكان آخر بقوله:
«إنه ليس ثمة من مؤسسة تعليمية عربية واحدة قادرة على مضاهاة أماكن مثل أكسفورد وهارفرد وجامعة كاليفورنيا أو جامعة لوس أنجلس في دراسة العالم العربي، دع عنك أي موضوع آخر غير شرقي»(3).
كان إدوارد سعيد، قد كتب أطروحته هذه مع نهاية عقد السبعينيات (1978م) تاريخ صدور الكتاب بالإنكليزية، وبداية عقد الثمانينيات ومع أول ترجمة عربية للكتاب (1981م)، وهو يرقب تحول العرب إلى مستهلكين شديدي التنوع لعدد هائل من المنتجات المادية والعقائدية الغربية، وكان هذا شاهداً من وجهة نظره، على غلبة الاستشراق، لنقل معه على غلبة الصور الثقافية النمطية للشرق، التي أنتجها الاستشراق والتي توفرها وسائل الإعلام الغربية، وتستهلكها دون تفكير جماهير التلفاز الضخمة. في نعيه لغياب المؤسسات الفكرية في الشرق العربي القادرة على جعل الغرب موضوعاً للدراسة، كان سعيد ينعى بصورة خاصة غياب الخطاب العربي المعاصر، بشقيه السلفي والراديكالي عن الارتفاع إلى مستوى الحدث، وبالأخص الراديكاليين العرب، الذي أخذوا ماركسيتهم بالجملة من نظرة ماركس التسلطية إلى العالم الثالث؟
مع نهاية عقد الثمانينيات، كان سمير أمين كأحد كبار الراديكاليين العرب، قد تلقى فحوى أطروحة إدوارد سعيد السابقة وعلى عجالة ودون أي يهضمها ويستوعبها، وذلك بالرغم من الأمثلة العديدة والمقنعة التي قدّمها سعيد على حد تعبيره. من هنا راح سمير يعيب على إدوارد سعيد عجزه عن طرح البديل العالمي، الذي من شأنه أن يحل محل الرؤية الأوروبية المشوهة المتمركزة على الذات والتي عززها الاستشراق. لكن سمير أمين ومن جهة ثانية، قد تلقف المسألة التي طرحها سعيد، والتي تعنى غياب المؤسسات الفكرية القادرة على دراسة الغرب، وعبر هذا راح سمير أمين وعبر جهد محكوم بإرادة معرفة على حد تعبير ميشيل فوكو، يشيد نظرية جديدة في الثقافة، تصبو إلى دراسة الغرب والشرق معاً، وهذا ما كان يطمح إليه سعيد.
كانت نظرية سمير أمين في الثقافة كما عبر عنها كتابه الموسوم بـ «نحو نظرية للثقافة» ترسم لنفسها أهدافاً بعيدة، وتتطلب مجهوداً جماعياً طويل النفس على حد تعبيره(4). ولكن سمير أمين والذي تحدوه إرادة معرفة وكما أسلفت، لم يستكن لذلك وراح يبني نظريته في الثقافة ويمحورها حول أربع نقاط أساسية:
أولاً: البحث عن نظرية عامة في تفسير التاريخ، تستند إلى منهج المادية التاريخية. وبصورة أدق، توسيع مدى نظرية نمط الانتاج الخراجي لتشمل العالم القديم من أوربا إلى اليابان.
ثانياً: نقد المركزية الأوروبية نقداً جذرياً يقطع مع تهويماتها وجذورها الأسطورية متمثلة في «خرافة الأسلاف الإغريق».
ثالثاً: نقد ما يسميه بالتمركز الأوروبي المعكوس وبخاصة في وطننا العربي، أو الاستشراق المعكوس(الاستغراب).
رابعاً: إشكالية الثورة في أطراف النظام العالمي والبحث عن دور الإنتلجنسيا الثورية.
كان الطريق إلى نقد التمركز الأوروبي الذي تفوح منه رائحة العنصرية والعرقية يمر عبر انتقاد شديد للماركسية المبتذلة على حد تعبير سمير أمين والسائدة التي أصبحت رديفاً يردف التمركز الأوروبي، فالنظرة التسلطية لهذه الماركسية، والتي نبّه إليها إدوارد سعيد في «الاستشراق» أصبحت عقبة إبستمولوجية وحاجزاً معرفياً ينبغي تجازوهما.
كان جوهر التمركز الأوروبي يستند كما يرى أمين، إلى خرافة روّجت لها الإيديولوجيا الرأسمالية، وتقوم هذه الخرافة، على مجموعة من الركائز، كالقول بالاستمرارية في تاريخ القارة الأوروبية، من الإغريق الأسلاف إلى الأوروبيين الأخلاف، وكذلك إبداع جذور وهمية على حد تعبير سمير أمين، للتضاد بين هذا التاريخ المزعوم وتاريخ المنطقة التي تقع جنوب المتوسط، والذي هو بمثابة نتيجة للطروحات الاستشراقية التي تقيم تضاداً مصطنعاً بين شرق أبدي وغرب أبدي، كما تشهد على ذلك أطروحة كبلينغ الشهيرة والتي ترى أن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، وأخيراً في الميل إلى تفسير المسيحية بأنها تخلف عن غيرها من الأديان، وأنها \رديفة التقدم الأوروبي وأساسه كما تشهد على ذلك أطروحة فيبر Weberعن «الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية».
إن سمير أمين يقيم توازياً بين الثقافة الأوروبية التمركز والتي يذهب ضحيتها الكثير من المثقفين في العالم الثالث، وبين ما يسميه بالتمركز الأوروبي المعكوس ويقصد به «الاستشراق المعكوس»، المصطلح الذي نحته منذ سنوات الدكتور صادق جلال العظم في رده على أطروحة إدوارد سعيد. فالاستشراق المعكوس والذي هو الاستغراب عينه الذي يدعو له البعض، لا يختلف عن الاستشراق الذي ساهم في محاكمة الشرق وتشويه صورته، إنه يتبادل معه المواقع نفسها، ولكنه لا يسمو إلى مستواه ويظل أسير ردود فعله ورؤاه الثقافية الضيقة المتمركزة على الذات. من هنا نستطيع أن نفسر اندفاع سمير أمين باتجاه نظرية جديدة للثقافة تتجاوز الاستشراق والاستغراب (الاستشراق المعكوس) معاً. مع بداية عقد التسعينيات هذا، كان حسن حنفي يتهيأ لإصدار بيانه النظري على جبهة الاستغراب على حد تعبيره، حيث سيحدد من خلاله موقفنا من التراث الغربي الذي يجري تبريره باسم الحداثة وما بعد الحداثة والذي كثيرً ما يأخذ شكل غزو ثقافي للثقافة العربية الإسلامية في عقر دارها.
مع بداية عقد التسعينيات صدر لحسن حنفي «علم الاستغراب» وقد أخذ صيغة «مقدمة في علم الاستغراب». وعلى ما يبدوا فإن حسن حنفي يطمح للتأسيس لعلم جديد هو علم الاستغراب، وذلك بعيداً عن النزعة الإيديولوجية التي حكمت بعض المشاريع في هذا المجال، وكذلك بعيداً عن التمركز الثقافوي الذي يحكم مسيرة وتوجه العديد من الأبحاث التي تحكم على الغرب بالجاهلية وتدعو عليه بالاندثار والثبور.
يتساءل حسن حفي في مقدمته الطويلة عن الحاجة إلى الاستغراب، الحاجة التي تأخذ صيغة بيان من أجل الاستغراب. ومن جهة نظره أن الانبهار بالتراث الغربي مثل أحد الدوافع لكتابة بيانه النظري هذا، خصوصاً أن هذا التراث ومنذ مدة تزيد على مائتي عام يحتل حجماً حقيقياً في وعينا القومي في مقابل التساؤل السابق وبموازاته، يطرح نفسه تساؤل آخر: ماذا يعني علم الاستغراب؟ من وجهة حنفي أن علم الاستغراب يوضع في مقابل الاستشراق من جهة، وللرد على المركزية الأوربية من جهة ثانية وذلك بهدف ضرورة التحويل من النقد إلى الإبداع.
ما يقلق حنفي، هو انتشار ظاهرة التغريب، والتي يمتد أثرها، ليس فقط إلى الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم، والتي من شأنها أن تهدد استقلالنا الحضاري، بل امتدادها إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللغة ومظاهر الحياة وفن العمارة.. الخ ولذلك فهو يهدف من وراء وضعه لأسس وقواعد علم الاستغراب، إلى الوقوف في مواجهة التغريب المستشري في حياتنا، وعلى جميع الصعد الحضارية واليومية، وإلى حد من حضور الاستشراق في حياتنا (يربط إدوارد سعيد تفشي الاستشراق في حياتنا بتفشي ظاهرة الاستهلاك). من هنا تأكيد حنفي مراراً على أن الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل والنقيض لـ «الاستشراق»، فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا (الشرق) من خلال الآخر (الغرب) فإن ما يهدف إليه علم الاستغراب هو فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، وكذلك الجدل بين مركب النقص عند الأنا ومركب العظمة عند الآخر، ووضع حد لظاهرة الاجتياح الثقافي التي يقوم بها الغرب للشرق والتي تدعو إلى مزيد من القلق. يقول حنفي:
«أصبحت الثقافة الغربية في ثقافتنا المعاصرة ظاهرة تدعو للانتباه. فالعالم هو الذي يعلم التراث الغربي، والعلم هي المعلومات الوافدة من الغرب. بل ولا يتسطيع الإنسان أن يكون مجدداً إلا إذا تعلم الوسائل الغربية. أصبح العلم نقلاً، والعالم مترجماً، والمفكر عارضاً لبضاعة الغير. ووجدت طبقة هشة من الأفكار والمذاهب والنظريات طائرة فوق الواقع لا هي مستمدة من الموروث القديم ولا هي نابعة من الواقع المباشر وتنظير له. وتتضارب المعلومات، وتتعارض النظريات، ينفي بعضها البعض، ويحار الباحث أمام العديد من هذه الأفكار والمذاهب المنتشرة فوق الواقع المجتثة الجذور من أرضها، والمنتزعة من واقعها الخاص الذي نبتت فيه، كيف يختار؟ وما هي مقاييس الاختيار؟..»(6).
ولا يكتفي حسن حنفي بهذا، بل يسعى للدفاع عما سماها سمير أمين بـ «الرؤى السلفية المتمركزة على الذات». فمن وجهة نظره أن من الطبيعي أن ينشأ رد فعل عنيف على ذلك ولكنه يقر بأنه ظل أسير ردود فعله ولم يرق إلى مستوى علم الاستغراب ورد الفعل إلى حدود الطبيعية(7).
على طول عقد الثمانيات ظل إدوارد سعيد يحلم ويسعى إلى منهج أكثر شمولية في دراسة الغرب. وهذا ما أكده في تقديمه لكتابه الجديد الموسوم بـ «الثقافة والإمبريالية»، يقول سعيد:
«بعد حوالي سنوات خمس من صدور الاستشراق عام 1978م، بدأت بتجميع بعض الأفكار التي كانت تجلـّت لي، وأنا أنجز ذلك الكتاب، حول العلاقة بين الثقافة والإمبريالية. ولقد حاولت في الكتاب الراهن (الثقافة والإمبريالية) أن أوسع المنظومات الواردة في «الاستشراق» لأصف نسقاً أكثر شمولية من العلاقات بين الغرب الحواضري الحديث وأصقاعه الواقعة ما وراء البحار»(8).
وهذا ما دفعه إلى قراءة جديدة للرواية باعتبارها امتداداً للإمبريالية. مثل روايتي «قلب الظلام» لجوزيف كونراد و «روضة مانسفيلد» لجين أوستن.. الخ. وإذا كان إدوارد سعيد قد جعل من الرواية ميداناً لدراسة الغرب، فإن حسن حنفي يجعل، وبحكم اهتمامه، من الفلسفة الغربية ميداناً للنقد ولوضع اللبنات الأساسية لعلم الاستغراب، وذلك بهدف الحد من مركب النقص عند الأنا. وهذا ما يفعله سمير أمين في نقده للتمركز الأوروبي الثقافوي.
إذا كانت الجهود السابقة تندرج بشكل أو بآخر، في إطار «علم الاستغراب» فإن حسن حنفي يدرك أن الاستغراب لن تكتب له الغلبة بين ليلة وضحاها، فهو يحتاج إلى أجيال من الباحثين، وعلى عدة أجيال، وإلى تحول يطاله ليجعل منه تياراً عاماً في البلاد. وعندها ومن جهة نظره سوف تحدث أمور كثيرة منها السيطرة على الوعي الأوروبي، أي احتواؤه بداية ونهاية، وذلك من خلال دراسته على أنه تاريخ وليس خارج التاريخ، ومنها إيقاف الغزو الثقافي.. والأهم من هذا كله إعادة كتابة التاريخ، والتي يريد لها حسن حنفي أن تقترن مع بداية فلسفة جديدة للتاريخ، تبدأ مع ريح الشرق والتي من شأنها أن تبشر بإمكانية نهوض الشرق، وذلك بعكس ما ظن الاستشراق والمستشرقون.
من «ريح الغرب» إن جاز لنا التعبير، إلى «ريح الشرق» والذي يذكرنا بكتاب أنور عبد الملك الموسوم تحت هذا العنوان، ثمة مسافة يطمح كثيرون إلى بلوغها، إلى تنسم شذاها، علـّها تبعث الدفء في تلك الأوصال المرتجفة لما سماهم إدوارد سعيد بـ المخبرين المحليين الأصليين والذي ما ملـّوا بعد من ترداد المذهبيات الجامدة الاستشراقية على حد تعبيره، على جمهورهم المحلي وقادوه إلى مزيد من التغريب والاغتراب. والسؤال هل ينجح علم الاستغراب في مساعيه أم أن عقبات كثيرة تقف في طريقه وتحول دون وصوله إلى أهدافه؟
معارضو الاستغراب:
في خاتمة «الاستشراق» حذّر إدوارد سعيد من سوء الفهم الذي قد يلحق بنقده لنظام الاستشراق، والذي قد يفسّر على أنه دعوة للاستغراب يقول سعيد:
«إنني لآمل أن أكون قد أظهرت لقارئي أن الجواب على الاستشراق ليس الاستغراب. فلن يجد «شرقي» سابق العزاء في فكرة أنه بعد أن كان هو نفسه شرقياً فثمة احتمال ـ واحتمال قوي جداًـ بأن يقوم بدراسة «شرقيين» جدد أو «غربيين» ـ من صنع يديه. وإذا كان لمعرفة الاستشراق من معنى، فإنه يكمن في كونها تذكيراً بالانحلال الإغوائي للمعرفة، أي معرفة، وفي أي مكان، وفي كل زمان»(9).
إذا كان الاستغراب يقع على الضد من الاستشراق؛ وهو وسيلة للدفاع عن النفس وخير وسيلة للهجوم على حد تعبير حسن حنفي، فإن تحذير إدوارد سعيد يقع في محله، فالانحلال الإغوائي للمعرفة في كل زمان ومكان من شأنه أن يدفع إلى مطبات الاستشراق نفسها. الدكتور حسن حنفي هو الآخر على وعي بهذا، لذلك فهو يستفيض بالشرق ليضع الضمانات التي تحول دون انزلاق الاستغراب إلى مستوى الاستشراق. يقول حنفي:
«فإن قيل: علم «الاستغراب» هو أقرب إلى الإيديولوجيا منه إلى العلم، وإلى العاطفة منه إلى العقل، وإلى الحماس منه إلى التحليل العلمي الرصين، وإلى الخطاب السياسي منه إلى التحليل الاجتماعي والوصف التاريخي، يعبر عن أزمة المهزوم تجاه المنتصر، ورغبة العبد في التحرر من السيد، مجرد صرخة في وادٍ لا ترجع إلى الصدى، نقول: إن علم «الاستغراب» يحاول أن ينقل الخطابة السياسية التي تعوّد عليها جيلنا إلى مستوى الخطاب العلمي الرصين»(10).
أعود للقول إن تحذير إدوارد سعيد، من مغبة الانزلاق إلى «الاستغراب» هو استدراك متأخر يفضحه موقعه الذي يشغل فيه آخر فقرات كتابه «الاستشراق»، وذلك لأن جهود سعيد تدفع بصورة مباشرة إلى «الاستغراب» ووضع الأسس لمؤسسات فكرية مشرقية لدراسة الغرب تقع في النهاية بصورة مباشرة وغير مباشرة في خدمة الاستغراب.
أثارت الدعوة إلى «الاستغراب»، وبصورة خاصة عند حسن حنفي، ردود فعل عديدة. وسأكتفي هنا بالوقوف عند أهم هذه الردود، مراعياً تسلسلها التاريخي وذلك بهدف رسم صورة متكاملة عن هذه الردود والتي كثيراً ما أخذت طابع التهجم.
كانت أولى الردود والمعارضات، قد جاءت من الباحث جورج طرابيشي، الذي شنّ بحق حملة شعواء على نوايا حسن حنفي، وأقول نوايا حسن حنفي لأن طرابيشي لم يقرأ كتاب حنفي عن «علم الاستغراب»، بل استند في محاججاته له إلى تصريحات حنفي لبعض الدوريات العربية، والتي أعلن من خلالها أنه يستعد لإصدار بيانه النظري على جبهة الاستغراب.
يتساءل طرابيشي: هل تملك الثقافة العربية الإسلامية فعلاً وعملياً، في المرحلة الراهنة من تطورها، أن تؤسس علماً كذلك؟ وهل تملك أصلاً الأدوات الضرورية والكافية، من باحثين ومؤسسات تأسيسه وتأسيس الوعي به(11)، مع أن حسن حنفي على وعي بهذا وهو يرى أن «علم الاستغراب» لا تتوافر له هذه القاعدة من الباحثين، وأن المسألة مسألة الأجيال، لا بل إن حسن حنفي هو الذي يصوغ لنا تساؤل طرابيشي السابق الذكر؟
من وجهة نظر جورج طرابيشي أن التساؤل السابق يحظى بالإيجاب من قبل حنفي، مع أن حنفي لا يقول بذلك، ولكن حكم طرابيشي على نوايا حنفي، هو الذي يدفعه إلى أن يسوق أحكامه المغالية في قسوتها وعلى حد تعبيره(12). وطرابيشي لا يكتفي بالأحكام القاسية التي يجلد بها حنفي، بل سرعان ما يدخله إلى مصح الأمراض النفسية، وهو الذي أغوته الأسطورة الفرويدية عن عقدة أوديب فوقع في حبائلها. فمن وجهة نظره أن الدعوة إلى الاستغراب، لا تصدر إلا عن طفل يدخل في فترة كمون، أي في مرحلة كبت معرفي لـ «مقولاته الخاصة» ولاعتقاداته المنسوجة على نول كلية القدرة. ويُظهر حسن حنفي على أنه مصاب بـ وهم العظمة وبقصور تناسلي. يقول طرابيشي في تعليقه على ما يسميه بـ «علم الاستغراب المستحيل»:
«إن تجنيس العلاقات الحضارية على هذا النحو، وتأويل التلقي الحضاري على أنه استقبال مهبلي، وربما أيضاً شرجي، ووضع كل ذلك في خانة التأنيث الشديد الجارحية نرجسياً لأنه مؤول بدوره على أنه خصاء، هو وراء محاولة حسن حنفي تأسيس علم جديد يسميه «علم الاستغراب». فالغاية من هذا العلم نفسية قبل أن تكون علمية(13).
إن طرابيشي يلاحق حنفي في كل مفردة، ويقوم بتأويل كل مفردة فرويدياً. وعلى سبيل المثال عندما يدعو حسن حنفي إلى وضع حد للاغتراب الحضاري، يظهر من وجهة طرابيشي على أنه مصاب بعقدة الخصاء، وعندما يدعو إلى وضع حد لحالة التبعية، يكون كل هدفه كما يرى طرابيشي هو إثبات ذكورته وبالتالي ذكورة الشرق بمفهومها الفالوسي. وعندما يدعو حسن حنفي إلى تجديد التراث لمواجهة حالة الاستلاب الحضاري يعلق عليه طرابيشي بالقول:
«وما تجديد التراث من منظور هذه الرمزية عينها إلا مشروع لنقل الحضارة العربية الإسلامية من طور التأنيث التي حشرها فيه الغزو الحضاري الغربي إلى طور جديد أكثر إفعاماً وأكثر إرضاءٌ للنفس نرجسياً، أي بالضرورة طور التذكير».
وشاهده على ذلك أيضاً قول حسن حنفي وسعيه إلى تحويل صورة الحضارة العربية الإسلامية في التاريخ، من «حضارة الكهف إلى حضارة السهم، ومن الدائرة إلى الخط(14)».
الكهف والسهم والدائرة والخط تتحول عند طرابيشي إلى رموز جنسية في حكمه على خطاب حنفي الداعي إلى تأسيس علم الاستغراب. ولذلك فهو يندفع وراء الأحكام الجنسية الفرويدية إلى الدرجة التي يخجل القارئ من متابعتها ومتابعة منطق الشتيمة التي يكمن وراءها. وليثبت بطلان الأساس الذي قام عليه الاستغراب في كتابه الموسوم بـ «نقد النص»، يتوجه علي حرب إلى كتاب حسن حنفي السالف الذكر مباشرة، ليستهل من خلاله طريقة جديدة في الحوار، بعيدة عن منطق الشتيمة وخالية من المصطلحات الليبيدية الفرويدية التي تسعى إلى تمديد المثقفين العرب على سرير فرويد هذه المرة وليس سرير بروكست بالرغم من تماثلها في النتائج. طريقة تبحث في المسكوت عنه داخل النص وعن اللامفكر فيه بحسب المصطلح الذي ابتدعه محمد أركون منذ سنوات وتحاوره من حيث لا يحتسب. إنه يدخل إلى أطروحة حنفي أو لنقل بيانه النظري على جبهة الاستغراب، في الهامشي والعرضي والمهمل. يقول الباحث علي حرب:
«لن أحاربه على الجبهات التي يفتحها ولن أدعه يجرني إلى حيث الربط ويعسكر، بل سأحاول إتيانه من حيث لا يحتسب ومنازلته من حيث لا يتوقع ولهذا فإنني لن أهتم بما يصرح به ويركز عليه، بل أهتم بما يستبعده ولا يقوله، منقباً عن خروم نصه وهوامش كلامه بذلك مع المنحى الذي أنحوه في تناول النصوص»(15).
أول ما يلحظه علي حرب هو ذلك الميل إلى الإنتقام عند مؤلف «علم الإستغراب» والذي يبدو واضحاً من خلال النزعة السجالية التي يشدد عليها حنفي في رؤيته للعلاقة بين الأنا والآخر. هذا الميل إلى الإنتقام يفسره على حرب على وجل ومن منظور التحليل النفسي على أنه ميل إلى قتل الأب. ولكنه قتل من نوع آخر. يقول علي حرب:
«إنه ـ أي حسن حنفي ـ يميل إلى نوع من الانتقام، إلى قتل الأب كما يقال في التحليل النفسي. ولكن قتل الأب يعني بالدرجة الأولى التحرر من سلطة النصوص التراثية. فإذا كان لفلاسفة الغرب سطوتهم، فإن للتراث أيضاً سطوته ورهبته»(16).
ولكن علي حرب لا يندفع في هذا المجال ـ مجال التحليل النفسي ـ ولا يمضي فيه كما يفعل طرابيشي الذي يستحوذ عليه فرويد نهائياً، مع أنه ـ أي علي حرب ـ يلحظ جيداً وقوع حنفي في مصيدة الهوية وفي سياج الأنا وسياج الآخر، وفي نرجسية المثقف والتي تجعل من خطابه خطاباً عقائدياً ونضالياً منسوجاً من جملة أوهام وأضاليل على حد تعبيره. يتساءل على حرب عن فكرة التأسيس لعلم الاستغراب بقوله: هل هناك مشاريع يمكن اعتبارها مشاريع تأسيسية؟ أم أن التأسيس هو مجرد وهم؟ ومن وجهة نظره أن مصطلح التأسيس الذي يستعمله حنفي وآخرون، هو مصطلح خادع، أنه مجرد كلمة نوظفها في الخطاب بطريقة ماورائية أو سحرية. من هنا يدخل علي حرب على الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي يستخدمها حنفي ليثبت لنا تجاوزها في حقل العلوم الإنسانية ومن زمن بعيد، وهنا يعيب علي حرب الذي يقرأ حنفي مستمتعاً، على حنفي قصوره الفلسفي عن متابعة الأطوار النظرية الأخيرة للفلسفة الغربية عند جيل دولوز وجاك دريدا وميشيل فوكو.. الخ. فلو أنه قرأها لما لجأ إلى تلك الطريقة الدونكيشوتية على حد تعبيره، التي يتحدث فيها حنفي عن فلاسفة الغرب وبذلك يتبادل والمستشرقين المواقع نفسها. يقول حرب:
«هذا شأن حسن حنفي في علم الاستغراب. إنه يريد حشرنا ضمن تعريفات نهائية للحضارات تذكـّرنا بآراء المتطرفين من أهل الاستشراق أمثال رينان وسواه»(17).
يمضي علي حرب في نقده لـ «إمبريالية الكلمات» عند حسن حنفي ولـ «وهم الأنا» وإلى فكرة «التسييج الحضاري» والتي يراها فكرة مركزية عند حنفي تحول دون تحرره من شرنقة الاستشراق والمركزية، والنتيجة التي يلخص إليها علي حرب تتمثل في دعوته لحنفي إلى تجاوز الخطابية التي تغلف الدعوة إلى الاستغراب وتستبطنها كما تجسدها مقدمة علم الاستغراب وكذلك خاتمته، والاهتمام بالفلسفة كما تتضمنها فصول الكتاب الممتعة. يقول علي حرب:
«إن حنفي يجيد ويبدع ويفرض نفسه عليّ بقوة أدائه عندما ينسى أنه مستغرب»(18).
هكذا يدعو علي حرب إلى تناسي «علم الاستغراب» وتجاوزه، فلعل ذلك يضمن عدم وقوع حنفي في الخطابية والنظالية والرسولية والتي شلت خطاب المثقف العربي وقادته إلى مزيد من الأوهام(19).
مع بداية عام 1955م كتب حازم صاغية كتابه الموسوم بـ «ثقافات الخمينية». وفي هذا الكتاب قام صاغية بمصادره أطروحة إدوارد سعيد عن «الاستشراق» والتهجم على صاحب «علم الاستغراب» واتهامه بالعجالة والاستخفاف بالآخر والهزء به والسخرية منه.
يتوقف صاغية عند مرحلة العداء المؤسس للاستشراق والتي أسسها مع نهاية عقد السبعينيات إدوارد سعيد. فقد اتسمت هذه المرحلة بهيمنة نمط من الثقافية المعادية للغرب يسمُها ويسمّيها صاغية بـ «ثقافات الخمينية»، فمع النقلة السعيدية، والتعبير له ـ وهو تعبير مضمر بالتهكم على إدوارد سعيد ـ «تمّ تثقيف العداء الفج للاستشراق»(20).
المرحلة السعيدية تقع في المتن من عمل صاغية، والذي يدور برمته حول استغراب إدوارد سعيد مناقشة ومساجلة وتسفيهاً واتهاماً وسخرية تطال الكثير من الكتـّاب العرب، وفي مقدمتهم حسن حنفي، ممن يقولون بمسألة الهوية والخصوصية، والذي تندرج أعمالهم بصورة لا لـُبس فيها في إطار الاستغراب والعداء الفج للغرب. ولا يكتفي صاغية بذلك، بل يلفت نظرنا إلى ذلك التزامن بين المرحلة السعيدية وبين الخمينية، وذلك عبر صيغة مؤامراتية لا يستطيع صاغية الإفلات من حبائلها. يقول:
«أغلب الظن أن ذاك التزامن بين كتاب سعيد وثورة الخميني كان له مغزى موضوعي هو المشاركة، من موقعين مختلفين، في إطلاق عملية التعرية التي تبلغ حدود التخلص من كل شيء «طارئ» على الجسد. وهذه العملية، إذا بدت كاريكاتورية على يد حسن حنفي، إلا أنها تتخذ أشكالاً دموية بالغة البشاعة في بلدان كالجزائر ومصر والسودان»(21).
وما يقلق صاغية هو تمفصل علم الاستغراب مع مشاعر العداء للأجنبي وتبريره لها. يقول:
«وما يضاعف خطورة المذهب الذي نحن في صدده، والذي لا يزال يلقى أوسع الترحيب، انسجامه مع المرحلة التي يمر فيها العالم والثقافة العربيان راهناً، حيث يستشري التعصب والكره، وتتمادى مشاعر العداء للأجنبي في أعمال من القتل والخطف، تصاحبها الرقصة الدموية اللولبية لـ «الهوية» التي لا تقتصر على بلدان العالمين العربي والإسلامي، وإن استفحلت فيهما»(20).
إن ربط صاغية بين كتاب «الاستشراق» الذي ثقف العداء الفج للغرب، وبين الحوادث التي طاولت بعض الأجانب في بعض الأقطار العربية، يدفعنا إلى الظن بأن الغرب هو الضحية، لنقل هو ضحية علم الاستغراب الذي يقول به سعيد وحسن حنفي. وهذه مفارقة كبيرة لا تجد ما يزكيها إلا في خطاب صاغية الذي يصم أذنيه عن هدير القاذفات العملاقة؟
أعود في الخاتمة للتساؤل هل ترقى المحاولات والمناقشات التي قدّمها معارضو الاستغراب إلى مستوى إرادة المعرفة؟ أم أنها تقع في مستوى آخر؟ وفي رأيي أنها ظلت الطريق وبقيت تنوس بين سفسطات حداثوية عند بعضهم وبين إرادة إيديولوجية تبسيطية تفحص عن تبعية واضحة للغرب لدى البعض الآخر.


الهوامش
ـــــــــــــ
(1) إدوارد سعيد، الاستشراق، نقله إلى العربية كمال أبو ديب، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1981م : 55.
(2) المصدر نفسه: 39.
(3) المصدر نفسه: 321.
(4) سمير أمين، نحو نظرية للثقافة، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1989م: 8.
(5) المصدر نفسه: 102.
(6) حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات، 1992م: 53.
(7) المصدر نفسه: 54.
(8) إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، نقله كمال أبو ديب، بيروت، دار الآداب، 1997م: 57.
(9) إدوارد سعيد، الاستشراق: 325.
(10) حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب: 71.
(11) جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي، بيروت، دار رياض الريّس للكتب والنشر، 1991م: 165.
(12) المصدر نفسه: 167.
(13) المصدر نفسه: 165.
(14) المصدر نفسه: 161.
(15) علي حرب، نقد النص، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1993م : 35.
(16) المصدر نفسه: 43.
(17) المصدر نفسه: 51.
(18) المصدر نفسه: 59.
(19) علي حرب، نقد المثقف أو أوهام النخبة، بيروت، مركز الثقافي العربي، 1996م.
(20) حازم صاغية، ثقافات الخمينية، بيروت، دار الجديد، 1995م: 71.
(21) المصدر نفسه: 160.
(22) المصدر نفسه: 11.
المصدر: المحاكمة والإرهاب، عقلية التخوين في الخطاب العربي المعاصر، رياض الريس للكتب والنشر، 2001م