الحضارية «دراسات شرقية غربية»
 

بواكير الوعي الأمريكي بالعرب وبالإسلام

د. محمد الدعمي(*)

«يختلف الأندلسيون كثيراً عن بقية الأوروبيين في سجاياهم على نحو ملموس. ومقارنة ببقية سكان إسبانيا الآخرين الذين شاهدتهم هنا، يبدو هؤلاء أفارقة في تصرفاتهم وعاداتهم. وكنت، كلما اختلطت بهم في بعض بلداتهم الريفية القديمة، غالباً ما أخفق في إقناع نفسي بأن جلاء الأندلسيين من إسبانيا إنما كان جلاءً اسمياً فقط». (واشنطن إرفنغ).
«ليس كولومبوس واكتشافه إلا خطوة مبكرة لا تتجاوز الأربعة قرون عمراً، إذ لم نكن قبلاً سوى عراقيل على طريقة نحو الغرب... ولكننا نحقق اليوم حلمه حرفياً، إذ نرفع البيرق الآري لسفنه إلى حيث أراد أن يغرزه: على مرتفعات شرق متيقظ». (إرنست فينولوسا).
أمريكا وعبء الاستشراق الأوروبي
ليس من قبيل المبالغة أن يرى دارسو الاستشراق الأمريكي أن أمريكا قد ورثت عن أوروبا كامل أدبياتها (وما رافقها من أفكار ومفاهيم وتصويرات خاطئة) حيال الشرق العربي الإسلامي(1)، تراثه وإنسانه وثقافته، تلك الأدبيات التي تراكمت منذ القرون الوسطى وعبر عصور التنافس والصراعات العسكرية (الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية والأندلسية بخاصة) حتى وقت اكتشاف أمريكا وما تلاه من هجرة أوروبية واسعة للاستقرار على أراضي القارة الجديدة.
وتعكس التسمية «إنكلترا الجديدة» (New England) التي أطلقت على الأقاليم الساحلية الشمالية الشرقية التي شهدت الاستقرار في القارة الأمريكية الجديدة طبيعة التركيبة الإثنية والثقافية الغالبة على المهاجرين الأوائل. وإذا كانت هذه المجاميع البشرية الوافدة إلى هذه الأصقاع الشاسعة بدون هوية ثقافية قومية موحدة تخصها، فإنها عمدت في بداية الأمر إلى «استعارة» الذاكرة الثقافية والإرث الحضاري للأقطار التي جاء المهاجرون منها، وبخاصة قبيل انفلات أمريكا من السيطرة الإستعمارية البريطانية (عام 1763م). وإذا كانت التواريخ التي خطها همفري بريدو وسايمون أوكلي وجورج سيل حول العرب والإسلام(2) قد خدمت تاريخياً كحلقة وصل بين تراث القرون الوسطى الملبد بالغيوم من ناحية أولى، وكتابات الاستشراق الجديد الأكثر انتظاماً، قبيل وأبان عصر الثورة الصناعية من الناحية الثانية، فإنها وظفت مشرباً وخزيناً أولياً للكتـّاب والمستشرقين الأمريكيين الأوائل، ناقلة إليهم، من بين عناصر كثيرة، أغلب الأخطاء والانطباعات المشوبة بالضغائن والتوجس التي توارثها الفكر الأوروبي منذ العصر الوسيط (3) لهذه الأسباب لا يمكن قط الادعاء بأن الاستشراق الأمريكي قد بدأ بداية جديدة مستوحاة من التجربة المباشرة، نابذاً الترسبات النفسية والعاطفية التي جرفها إليه الفكر والثقافية الشائعة في أوروبا عن العرب والإسلام.
إن أول تاريخ أمريكي مهم حول الإسلام ظهر عام 1830م بعنوان حياة محمد. وقد خطـّة رجل ديني أمريكي اسمه جورج بوش (Bush) وهو مؤرخ «كان يتبع خطى كاتب السيرة ]الأوروبي[ همفري بريدو»(4). ومن ناحية ثانية، ردد أوائل الكتــّاب الأمريكان أفكار نظرائهم الأوروبيين وآراءهم حول العرب، حياتهم ودينهم، عاكسين أنماطاً فكرية وذوقية كانت شائعة في أوروبا على جمهور القرـّاء الأمريكيين. أما مسألة الارتكان إلى ألف ليلة وليلة كوثيقة تاريخية واجتماعية تعبر عن الحياة العربية، فقد وجدت تعبيرها المبكر في أمريكا عندما ألــّف فرانكلن أول «حكاية عربية» في وقت كانت فيه كتابة مثل هذه الحكايات المستوحاة من هذا العمل الفولكلوري الشرقي ذائعة في أوروبا عصر التنوير(5) وما بعده. حتى كتاب واشنطن إرفنغ (الذي يعد أباً للأدب الأمريكي) المعنون بـ (الحمراء) فهو من نتاجات الاهتمام الكبير بـ (ألف ليلة وليلة)، وهو الاهتمام الذي طبع كتابات عدد مهم من المفكرين والنقاد والشعراء البريطانيين والأوروبيين على الجهة الشرقية من المحيط الأطلسي عبر القرن التاسع عشر(6).
الأدبيات المتاحة: العقل الأمريكي بين المطبوع والتجربة المباشرة
في دراساتها الرائدة لاهتمام الكاتب والشاعر الأمريكي هيرمان ملفل تمكـّنت الكاتبة دوروثي فنكلشتاين من أن تقدم صورة دقيقة المعالم عن التاريخ والمؤلفات المتصلة بالعرب وحضاراتهم التي كانت متاحة في عدد من المكتبات الأمريكية أثناء مرحلة حياة ملفل (1819م – 1891م). فإضافة إلى توفر نسخ من ألف ليلة وليلة كانت هناك ثمة ترجمات للقرآن الكريم. كما أن القارئ الأمريكي المثقف قد توفر على مؤلفات مهمة بقدر تعلق الأمر بالعرب وحضارتهم مثل المعجم التاريخي لبايل (Bayel) وتاريخ الجزائر لمورغان (Morgan) وتاريخ العرب لأوكلي (ألذي مرـّ ذكره)، فضلاً على تاريخ الحملات الصليبية لتشارلس مل (Mill) والتاريخ الكوني لمؤلف مجهول(7). ومع هذا ينبغي ألا تغيب عن بالنا تواريخ عامة شاملة تناولت الماضي العربي الإسلامي بضمن سياق كوني، منها كتاب غيبون انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية الذي تناول الفصل الخامس عشر منه شخصية الرسول الكريم (صلــّى الله عليه وآله وسلــّم) وأحوال العرب قبل ظهور الإسلام وبعده(8).
ومن ناحية أخرى، كانت كتابات كبار المستشرقين الأوروبيين ترد إلى أمريكا تباعاً على طباعتها، حيث وجدت كتب دي ساسي (De Sacy) وهامر - برغستال (Hammer Purgstall) طريقها إلى أيدي القارئ الأمريكي في وقت مبكر من القرن التاسع عشر(9).
وإذا كانت المؤلفات التي مرـّ ذكرها قد ساعدت في إشاعة جو من الاهتمام وحب الإطلاع بين الجمهور الأمريكي من خلال الاتصال غير المباشر وعبر الصفحة المطبوعة، فإن ازدهار وتوسع حركة التنقيبات الأثرية في أودية الرافدين والنيل وفي فلسطين وغيرها من بقاع البلدان العربية قد أجـّجت الرغبة في ارتياد المشرق العربي بحثاً عن الكنوز الأثرية وتقصياً لقصص الأديان والحضارات الدفينة في هذه البقاع العتيقة العابقة برائحة التاريخ. وكان كتاب المنقب الآثاري أوستن ليارد (Layard) الموسوم بـ (نينوى وبقاياها)(10) واحداً من أكثر المؤلفات تأثيراً في هذا المجال في أوروبا وأمريكا على حد سواء.
لم يكن هذا الكتاب مجرد تقرير علمي عن تفاصيل تنقيبات المؤلف في هذه الأصقاع المحيطة بمدينة الموصل، بل كان كذلك سبباً مباشراً ليقضة استشراقية واسعة في الثقافة الأمريكية، يقظة كانت ترنو إلى استكشاف وارتياد ذلك الإقليم المترامي القديم الذي تقص كل زاوية منه جزءاً من قصة الإنسان الأولى، فضلاً عن كونه مسرحاً لأحداث العهدين القديم والجديد. كان المشرق العربي، على رأي الباحثة فنكلشتاين، هو «أور تاريخ العالم، البقعة الأصلية لنافذة الإنسان نحو الغامض»(11).
وسوية مع المواد والمكتشفات البابلية والفرعونية، الكنعانية والفينيقية، التي راحت أنباؤها تنهمر على جمهور القراء الأمريكيين، تزايدت الرغبة بـ «الحج» إلى ما يسمى بإقليم «الجغرافيا المقدسة»، بحثاً عن حل للإشكالية التاريخية لظهور المسيحية، وعودة «نوستالجية» إلى الينابيع الأصلية للأديان المنزلة الثلاثة.
وهكذا جاءت كتابات «الحجيج» من المرتحلين، من أمثال واشنطن إرفنغ وهرمان ملفل ومارك توين من بين آخرين، جزءاً من جهد لتعريف الجمهور الأمريكي لهذا الإقليم من خلال التجربة المباشرة على أيدي المرتحلين بديلاً عن التجربة غير المباشرة التي كانت تصل إليهم «معادة الاستيراد» عبر أوروبا.
الإقليم العربي فضاءً تجارياً ومحكـّاً عسكرياً
ولكن إلى جانب رجال القلم والآثاريين ورجال الدين التبشيريين (الذين سيأتي ذكرهم)، كان هناك السفراء والتجار وحتى الجند، ذلك أن الدوافع الروحية والمعرفية والرغبة بالعودة إلى دفء الأراضي المقدسة لم تشكل كامل صورة بواكير الوعي الأمريكي بالعرب وبأرضهم لقد سبقت السفن التجارية، ومن ثم العسكرية الأمريكية، هؤلاء المرتحلين إلى السواحل العربية حيث جرت أحداث ما يسمي بـ «حروب الساحل البربري» (شمال أفريقيا، 1785م - 1815م) التي تركت آثاراً نفسية واعتبارية عميقة في الذهنيتين الرسمية والشعبية في أمريكا وقتذاك. فبذريعة تعرض «القراصنة»، كما يسمونهم، للسفن التجارية الأمريكية عبر سواحل شمال أفريقيا، اضطر الكونغرس إلى تأليف لجنة مهمتها التفاوض مع الحكــّام المحليين المناطق الساحلية من شمال أفريقيا للتوصل إلى اتفاقيات تدفع الولايات المتحدة بموجبها مبالغ من المال لهم مقابل تعهد الحكــّام المحليين بحماية السفن الأمريكية من غارات القراصنة. ولكن، لأن الأمر لم يكن مجرد «قرصنة»، كما كان يخيل للإدارة الأمريكية حينذاك، فشلت هذه اللجنة في عقد اتفاقات مع بعض الحكام المحليين، في الوقت الذي نجحت فيه مع بعضهم الآخر(12).
ونظراً إلى هذا الإخفاق في كسب ود حكام الجزائر وليبيا بخاصة، عمدت الحكومة الأمريكية إلى تأسيس وإطلاق قوة بحرية خاصة من ست سفن (لم يزل الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط يسمى بـ «الأسطول السادس» نسبة للسفن الست(13) لحماية الأنشطة البحرية الأمريكية في هذه المناطق. وقد حدثت مناوشات عسكرية قرب السواحل الليبية بين هذه السفن والملاحين المحليين: وتعد هذه الاحتكاكات أول حرب تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها خارج حدودها الإقليمية عام 1801م. وعلى الرغم من فشل هذا الأسطول الصغير في تأمين السيطرة على الشريط الساحلي الليبي، بقيت هذه المغامرة العسكرية الأولى راسخة في الذاكرة الأمريكية، إذ يستذكرها جنود البحرية الأمريكية صباح كل يوم وهم يرددون النشيد القومي الخاص بقواتهم(14). ولكن علينا هنا أن نتريث خشية سوء الفهم، ذلك أن هذه الاحتكاكات المحدودة لم تكن قط من ذات النوع الذي جسدته المداخلات العسكرية الأوروبية (الفرنسية والبريطانية والبرتغالية مثلاً) في تلك الحقبة وما سبقها. بينما كانت الأساطيل الأوروبية تسعى إلى بناء إمبراطوريات من خلال عملية الضم أو إلى ضمان طرق التجارة الرئيسية مع الشرق الأقصى من خلال تأسيس قواعد حماية ثابتة في المضايق العربية، لم تكن أمريكا آنذاك تفكر بتأسيس إمبراطورية على الطريقة الأوروبية، بقدر ما كانت ترنو إلى استكشاف الشرق العربي واستشراف آفاق تأسيس أواصر اقتصادية وتجارية مع أقاليم البحر المتوسط والمناطق المتاخمة له.
الماضي العربي جزءاً من الأسطورة الأمريكية
لقد ساعد غياب التطلعات لبناء إمبراطورية أمريكية وقتذاك، إلى حد كبير، على تبلور استشراق أمريكي تخيلي يختلف عن الاستشراق الأوروبي ويتباين مع توظيفاته في المؤسسات التجارية والإدارية. لقد برز الاستشراق الأمريكي تأملياً كما عبـّر عنه الكتــّاب الخياليون والمفكرون والشعراء في بداية الأمر. وإذا ما انطلق المرتحلون الأمريكيون الأوائل من أمريكا «بيوريتانية» شديدة التدين إلى الأراضي العربية المقدسة بحثاً عن شيء من التيقن الروحي وحباً بتأمل ما يسمونه بالعالم القديم، فإن بعضهم الآخر، وهم من الكتــّاب والمفكرين الأحرار، حاول إيجاد مكان لهذا العالم العربي القديم في بناء الأسطورة الأمريكية الأولى في تاريخ الثقافة الأمريكية، وهي أسطورة كولومبوس: «الرجل الأمريكي الأول». لقد انطلق كولومبوس إلى القارة الجديدة من شبه جزيرة ايبيريا، نصف الأوروبية ونصف العربية، بهدف ولوج الشرق (الهند) عبر طريق جديدة لم يسبق لأحد أن مخرها، المحيط الأطلسي (بحر الظلمات، كما كان يسمى). ولكن بدلاً من الوصول إلى الهند، حط كولومبوس بقدمه لأول مرة في تاريخ البشرية على تراب «العالم الجديد». وبكلمات أخرى، بدت «الأندلس»، وهي نقطة التقاء الشرق القديم (العرب، الإسلام، الساميون) بالغرب القديم (أوروبا، المسيحية، الآريون) وكأنها بلورة لتزاوج نصفي العالم القديم (الشرق / آسيا / أفريقيا، مع الغرب / أوروبا) على طريق ولادة «العالم الجديد» (آمريكا).
هذه هي الأسطورة التي هيمنت على العقل الأمريكي مذـّاك. وقد استهوت (على نحو خاص) واحداً من أوائل الأدباء الأمريكيين، واشنطن إرفنغ، عند زيارته الطويلة للأندس. لقد وقف إرفنغ متأملاً الجسر الإسباني القديم المسمى «بينوس»: شهد هذا الجسر معارك دامية بين القوات الأندلسية المسلمة والقوات الإسبانية المسيحية إبان حروب إجلاء العرب من شبه جزيرة إيبيريا؛ كما أن هذا الجسر كان هو «البقعة التي شهدت استيقاف كولومبوس واستدعاءه من قبل رسول الملكة إيزابيلا، إذ كان مكتشف أمريكا يوشك على مغادرة إسبانيا يائساً ليحمل مشروع رحلته إلى البلاط الفرنسي»(15). لم يستهو هذا الجسر العتيق إرفنغ لقيمته المعمارية المتمثلة بترتيب الحجر والخشب في عمارته، بل كان يستهويه لقيمته الرمزية الاعتبارية التي تتجلى في أنه الجسر الذي واشج الماضي الشرقي (الأندلس) بالماضي الغربي (أوروبا) من ناحية أولى، أما من الناحية الثانية، فهو الجسر الذي ربط الماضي (العالم القديم) بالحاضر (أمريكا) مجسداً للمشاهد المرهف الحس ثالوثاً محكماً عميق الدلالات: العالم القديم – كولومبوس – العالم الجديد(16).
لم تكن هذه الرؤية الرمزية الخيالية في تزاوج العالمين القديمين على طريق ولادة العالم الجديد رؤية نادرة في الثقافة الأمريكية والغربية بعامة، كما لاحظنا ذلك في موضع سابق. لقد دأب الذهن الاستشراقي الغربي على التعبير عن فكرة الغرب (ممثلاً لقوة الفحولة – العسكرية – العلمية) وهو يخترق الشرق (ممثلاً لاستكانته الأنوثة المخبوءة تحت خمار «الحريم» في العديد من كتابات عصر التوسع الاستعماري(17). وقد تجسدت عملية «تأنيث» الشرق العربي – الإسلامي في الثقافة الأمريكية تأسيساً على أفكار «الخصوبة» و «الدفء» والقدرة على منح الحياة «الولادة» التي غالباً ما أوحت بالشرق. كما أشرنا لذلك في فصل سابق.
برلمان الأديان
لم يؤد الشعور الوسواسي الأمريكي بأنهم يمثلون ولادة عنصر جديد على أرض قارة بكر إلى الإحساس بالتفوق والاختلاف عن غيرهم من سكان العالم القديم فحسب، بل أدى هذا الشعور كذلك إلى موقف علوي جديد تجاه حضارات العالم القديم، إذ خامرهم إحساس قوي بأنهم الورثة الشرعيون لإرث العالم القديم من شرقه إلى غربه. قد لا يكون هذا الإحساس واعياً أو متبلوراً على نحو معلن، ولكن تواصل جدل «تزاوج» الشرق والغرب لولادة أمريكا يؤول بالتتبع إلى مثل هذه الخلاصة المبطونة في طبيعة التناول الأمريكي الفوقي لـ «تركة» قارات العالم القديم: أوروبا، آسيا، أفريقيا. لم أجد في الأدبيات الأمريكية بينـّة على هذا الموقف الدوني والإنتقائي تجاه موروثان العالم القديم أقوى من «برلمان العالم للأديان» الذي أقيم في شيكاغو على هامش «المعرض الدولي» التجاري عام 1883م(18). لقد تم «عرض» أديان العالم القديم أمام «المشاهد» الأمريكي بذات الطريقة التي تمت بها عملية «عرض» البضائع التجارية أمام المتبضع الأمريكي. تتلخص فكرة هذا البرلمان في استقدام رجال دين بارزين من كافة أنحاء العالم، يمثل كل واحد منهم ديناً معيناً لغرض استعراض عقائدهم الروحية من خلال حوارات ومجادلات تجري في ما بينهم أمام الجمهور الأمريكي الذي تنتهي إليه عملية التقييم والتفصيل! ولكن مرة ثانية، بدا الإسلام عصياً على الإستجابة «مهرجان» العقائد الروحية في شيكاغو، ذلك أن السلطان العثماني آنذاك رفض المشاركة بإرسال رجل دين لتمثيل الإسلام في مثل هذه المناسبة التي عدّها غير لائقة بدينه الحنيف. وهكذا اضطر الجمهور الأمريكي إلى التعرف على عقائد الإسلام على نحو غير مباشر من خلال رجل أمريكي سبق أن اعتنق الإسلام، اسمه الكسندر رسل ويب (Webb) (أطلق عليه اسم محمد ويب في ما بعد)(19).
الاستشراق الأمريكي رسمياً
لا ريب في أن هذا النوع من التفكير وهذه الطريقة في التناول لا يعكسان عدم الاكتراث واللامبالاة بقدر ما يعكسان مواقفاً أمريكياً مشحوناً بالخيلاء ينطوي على رؤية دونية تجاه العالم القديم، أقوامه وأديانه. لهذا لم يكن تكهن الأستاذ كارل جاكسون (Jackson) القائل بأن الاهتمام الأمريكي بالشرق لم يكن مجرد ظاهرة عابرة، لا معني لها في التاريخ الفكري الأمريكي(20). وزيادة على ذلك، علينا أن نلاحظ تفجر الاهتمام الفكري الأمريكي بالشرق بعامة وبالشرق العربي بخاصة إبان القرن التاسع عشر، إذ شهدت هذه المرحلة بدايات الاستشراق الرسمي الأمريكي من خلال تأسيس «الجمعية الشرقية الأمريكية» عام 1842م(21). إن مجرد التفكير بتأسيس «جمعية» متخصصة تعتني بأنشطة المهتمين بالشرق وتشرف عليها وتنظمها يعكس تزايد أعداد المستشرقين وتعاظم الحاجة إلى تحرير الاهتمام بالشرق من كينونته غير المحترفة السابقة (المتمثلة بتأملات وأفكار ورومانسيات الكتــّاب الخياليين والشعراء الذين بذا الاهتمام بالشرق العربي الإسلامي فردياً عابثاً وتأملياً لا مجدياً) إلى برنامج منظم لا تنقصه العملية. فالجميعة، نصاً ثقافياً، إنما هي إعلان ينطوي على أن الشرق هو حقل علمي يستدعي الدراسة المنظمة والاستقصاء العلمي الموثق.
ولكن هذه الجمعية لم تكن حكراً على العلماء فقط. فعلى الرغم من انتماء أكاديميين محترفين إليها من أمثال كورنيلس فيلتون (Filton) (جامعة هارفرد) والأستاذ إدوارد سالزبري (Salisbury) (جامعة ييل)، يلاحظ المرء أن التركيبية الطاغية على عضوية الجمعية كانت من حصة رجال الدين التبشيريين(22). وهذه الظاهرة تدل على أن الاهتمام الأمريكي بالشرق العربي الإسلامي في بواكيره كان خالياً من التطلعات الاستحواذية الاستعمارية لأنه سقط في سلة الاندفاع الديني للتبشير. وما يعزز ما نذهب إليه هنا هو ظهور البعثات التبشيرية الإنجيلية الأمريكية في وقت مبكر في بعض المدن الكبرى في الوطن العربي: بيروت والموصل والإسكندرية وغيرها. وكانت المدارس التي أسسها التبشيريون والتي تطورت، في ما بعد، إلى جامعات أمريكية هي واجهات لهذا النوع من الأنشطة الدينية. لهذه الأسباب، لم يغادر جاكسون الحقيقة الموضوعية عندما قال بأن «الكنيسة، وليس الجامعة، هي التي كانت القوة المهيمنة على البحث الاستشراقي الأمريكي»(23).
ولا ريب في أن قسم الدراسات السامية (Semitic) في هذه الجمعية كان هو المعوّل عليه في تطوير ورعاية الدراسات الخاصة بالإقليم العربي. وإذا كانت أدبيات الاستشراق الأمريكية الأولى قد عدت سالزبري أباً للبحث الاستشراقي الأمريكي، فإنه ليس من المبالغة القول بأن وتني (Whitney) هو المؤسس الحقيقي الذي قام بتفعيل حركة الاستشراق الأمريكي العلمي والمنتظم مؤسساتياً، لأنه هو المسؤول عن إطلاق هذا الاتجاه الأكاديمي الجاد الذي مهد الطريق للاستشراق الأمريكي الأكثر نضوجاً في القرن العشرين.
ولابد لنا هنا من الارتجاع إلى محمد ويب الذي سبق ذكره في الدفاع عن الإسلام في برلمان الأديان، إذ اضطلع هذا المسلم الأمريكي «الأول» بتأسيس مركز إسلامي في نيويورك، متيحاً واحدة من أوائل فضاءات الكتابة والبحث العلمي حول العرب والإسلام، وهي مجلة العالم الإسلامي(24) التي لا يمكن إغفال دورها المبكر في تشكيل وتطوير صورة العربي أو المسلم في الثقافة الأمريكية.
القرن العشرون: أمريكا والعرب
إن أية مراجعة للأدبيات الحديثة حول الاهتمام الأمريكي بالعرب وبالإسلام لن تخفق في ملاحظة تركيز نقاد الاستشراق بعامة (ومنهم الأستاذ الراحل إدوارد سعيد) على النصف الأول من القرن العشرين، وكأن الوعي الأمريكي بالعرب قد ظهر فجأة، متبلوراً بلا جذور مع تبلور المصالح الأمريكية المعاصرة عبر البحار، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وبهذا الافتراض يخفق العديد من متابعي هذا الموضوع الحيوي في تضمين دراساتهم تلك التأملات الفكرية المهمة التي رسمت (منذ بدايات القرن التاسع عشر) الخطوط الأساسية لصورة الإسلام والعرب في الذهنية الأمريكية.
وفي رأيي أن ما تمـّ رصده أعلاه من تجارب وأفكار وتصويرات عامة حول العرب وتاريخهم شكـّل الأساس الذي بنيت عليه أفكار الأمريكيين وآراؤهم بعد بداية القرن العشرين. ويلاحظ بعض المتابعين تزايد الاهتمام الأمريكي بالعرب بعد اضمحلال الإمبراطوريات الأوروبية (الفرنسية والبريطانية بخاصة) وبعد تدهور التهديد الألماني. كما أنهم يذهبون إلى أن هذه المتغيرات الدولية التي ترافقت مع تعاظم المصالح الأمريكية عبر البحار جاءت مترادفة مع بداية، ومن ثم، اشتداد الصراع العربي – الصهيوني الذي كان محكاً مهماً في تشكيل السياسة الأمريكية الرسمية وفي تكوين صورة العرب في الذهنية الشعبية وفي الثقافة الشائعة في الولايات المتحدة. ويركز سعيد بشكل خاص على الدعاية الصهيونية داخل أمريكا، منحياً عليها بالائمة في تشكيل الصورة المشوهة للإنسان العربي، تلك الصورة التي أخذت تغزر وسائل الإعلام والكتابات الفكرية والأدبية. ويقدم سعيد، محقاً، توصيفاً مؤسفاً لصورة العربي في الثقافة الشائعة الأمريكية(25).
ولكنني أعتقد بأن هذه الصورة المشوهة لم تكن من ابتداع وسائل الدعاية المضادة للعرب فقط، بقدر ما كانت تعكس كذلك تواصلاً للملامح الأساسية لهذه الصورة، وهي الملامح التي ساهم في رسمها وتشكيلها كتـّاب ومفكرون أمريكيون أبان القرن التاسع عشر، مؤسسين أفكارهم على ما وردهم من إرث خاطئ وملتوِ من أوروبا الغربية. وعلى الرغم من أن كتـّاب قرن التاسع لم يكونوا يريدون الإساءة إلى العرب والإسلام على نحو معتمد أو مباشر، إلاّ أن ما قدموه من آراء وتصويرات كان قد شكـّل فضاءً مفتوحاً للتحوير وقابلاً للتشويه والحرف، الأمر الذي جعل الطريق معبدة لأصحاب الأغراض السياسية في القرن العشرين لتشويه صورة العرب، ماضياً وحاضراً. فبدافع الإعجاب والتقدير، وبهدف إفادة جمهور القراء الأمريكيين، عبـّر كتــّاب القرن التاسع عشرمن أمثال إرفنغ وإمرسون عن اهتمام شديد بالعسكرية العربية، على سبيل المثال. ولكن استذكارهم للفتوحات العربية الإسلامية لاجتياح العرب الأندلس إنما كان ينطوي على فكرة طاقات عربية كامنة هائلة يمكن تفجيرها إذا ما توفرت للعرب قيادة بطولية كقيادة الرسول الكريم محمد (صلـّى الله عليه وآله وسلـّم). هذه الفكرة، على نحو خاص، أخذت من قبل البعض من أجل حرفها وليـّها على النحو الذي يخدم أغراضاً سياسية معاصرة، منها تشويه الإنسان العربي، والتوجس من انفلات قدراته العسكرية كما حدث في التاريخ.
وهكذا تكون تأسيسات الاستشراق الأمريكي في القرن التاسع عشر قد خدمت خزائن تم استغلالها الآن لأغراض الإساءة والتشويه والتخويف من إمكانيات العرب العسكرية أو «الإرهابية»، إذا ما توفرت لهم الفرصة التاريخية كما حدث في الماضي. وأود هنا إيراد نصين من أدبيات القرن التاسع عشر لإيضاح نقطتي الجوهرية. في كتابة المهم الحمراء (1832م)، يقدم إرفنغ وصفاً دقيقاً (ولكن مثيراً للهواجس والمخاوف) للاجتياح العربي لشبه الجزيرة إيبيريا ذاهباً إلى أنه لولا معارك جنوب فرنسا لكان العرب قد اجتاحوا أوروبا بأكملها: «كانت موجة من ذلك الطوفان العربي العظيم القاصي قد ارتطمت بسواحل أوروبا. بدا العرب وكأنهم يختزنون حماس السيل الأول.. فقد تقدمت الفتوحات من جبل طارق إلى حافات البيرينيه بذات الاندفاع والفطنة التي وسمت انتصارات المسلمين في سوريا ومصر. كلا، فلولا عملية احتوائهم على سهول توروز لكانوا قد اكتسحوا فرنسا بأكملها، بل أوروبا كلها، بالعنفوان ذاته الذي ميـّز اكتساحهم لإمبراطوريات الشرق؛ ولرأيت الهلال يتلألأ اليوم فوق كنائس باريس ولندن»(26).
في هذا النص يقدم إرفنغ تقريراً تاريخياً عما حققه العرب من فتوحات في «الماضي». ولكن بغض النظر عما يمكن لمثل هذا النص أن يتركه في ذهن القارئ الأمريكي (غير العارف بطبيعة الفتوحات الإسلامية وبأهدافها الروحية السامية) من انطباعات وهواجس، فإن النص الثاني للكاتب نفسه يمكن أن يعزز التوجسات والمخاوف الغربية من طاقات العرب في «المستقبل».
هذا النص يتحدث عن جلاء العرب من إسبانيا بعد ثمانية قرون من الازدهار المشوب بالصراعات البينية والخارجية. ولكنه يحذّر الغرب من إمكانية عودة عربية إلى إسبانيا: فهو يتحدث عن حاكم تطوان، في بداية القرن التاسع عشر، وهو يترقب وقتاً منتظراً يستعيد فيه العرب ممتلكاتهم في الأندلس، حيث ستؤدى العبادات الإسلامية في جامع قرطبة. ويستأنف إرفنغ لهجة التحذير من خلال إيراده نقطتين مهمتين للدلالة على أحلام المسلمين بالعودة إلى إسبانيا، وهما: أولاً، إن الأندلسيين الباقين حتى ذلك الوقت في شمال أفريقيا لا يزالون محافظين على نوع من الكينونة المغلقة والمستقلة نتيجة لعدم اختلاطهم بأقرانهم المسلمين في شمال أفريقيا ونتيجة لإحساسهم بأنهم شعب «منفي»، مشتت ولكن غير ميت؛ وثانياً، يعد إرفنغ احتفاظ حفدة الأندلسيين في شمال أفريقيا بمفاتيح عقاراتهم وبوثائق ممتلكاتهم غير المنقولة في الأندلس بيـّنة على آمالهم بالعودة إلى فردوسهم المفقود.
لنلاحظ كلمات إرفنغ: «يقال إن هذه الأسر لم تزل تتحسر على الفردوس الأرضي الذي كان يملكه أجدادهم؛ وهي لم تزل ترفع الصلوات أيام الجمع تدعو الله للإسراع بعودة غرناطة للمؤمنين؛ إنه يوم ينتظرونه بتيقن ولوعة، كما كان الصليبيون يتحرقون شوقاً لاستعادة الضريح المقدس. كلا، بل يقال كذلك بأن بعضهم لم يزل يحتفظ بالخرائط القديمية وبمستندات العقارات والبساتين العائدة لأجدادهم في غرناطة، بل ويحتفظون حتى بمفاتيح المنازل، بوصفها قرائن تؤيد عائديتها إليهم إرثاً، يقدمونها بعد عودة الأندلس المنتظرة»(27).
لا ريب في أن تأملات إرفنغ أعلاه هي من النوع المبالغ به، إذ إنه قد أطلق العنان لخيالاته في جهد فردي لدراسة التاريخ والحضارة العربية. ولكن المهم في الأمر هو تشخيص ذلك الاهتمام الذي جسده المفكرون الأمريكيون الأوائل بالعرب وبطاقاتهم العسكرية، كما فعل «المستشرق الأمريكي الأول» رالف والدو إمرسون (Emerson) في تكراره التركيز على هذه النقطة وفي إبرازه «لرجل السيف» على حساب تجاهله «لرجل القلم» في التاريخ العربي الإسلامي(28). ولكن المسألة التي تستحق الاهتمام هنا تتلخص في أن بعض المفاهيم الخاطئة عن العرب في أمريكا اليوم لا تتجذر فقط فيما يسمى بالعداء العربي – الإسرائيلي، ولا في هيمنة العرب على أضخم خزائن النفط العالمية، بل هي تستمد شيئاًَ مهماً من عناصرها (علاوة على التشويهات الصهيونية) من الأفكار التي روـّج لها أوائل المستشرقين الأمريكيين الذين عبـّدوا الطريق لما تبع عبر تأسيس أطر فكرية وصور نمطية يصعب الإفلات منها حتى اللحظة. لقد تـُرك الباب مفتوحاً لمديري ومصممي الإعلام والثقافة الشائعة لتشويه صورة العرب والمسلمين وحرفها عن الحقيقة.
لنلاحظ أن الفكرة الشائعة حول العرب، في بداية الأمر، كانت تتجسد بـ «الإعجاب»، ذلك أن كتـّاب القرن التاسع عشر كانوا يستحضرون الماضي العربي درساً وأداةً للإصلاح المحلي، ولكن هذه الفكرة طرأت عليها تغييرات جذرية عبر ثلاث محطات (الحرب العالمية الثانية وتعاظم طموحات الولايات المتحدة الخارجية والحروب العربية -الإسرائيلية)، كما لاحظ ذلك عدد من متابعي صورة العربي في الإعلام الأمريكي(29). ولكن النتيجة لهذه المحكات، ولل