|
|
 |
الحضارية
«دراسات شرقية غربية» |
|
موقف العرب من التقدم العلمي في
الغرب
علي المحافظة(*)
أدرك العرب، منذ مطلع
القرن التاسع عشر، أنّ من أسباب تفوق أوروبا وقوتها اعتمادها على العلوم التطبيقية
وتطويرها. ولذلك اقبلوا عليها إقبالاً شديداً. ودعا رفاعة الطهطاوي وخير الدين
التونسي إلى ضرورة اقتباس العلوم الغربية لتحقيق النهضة المتوخاة عند المسلمين،
مؤكدين أنّ ذلك لا يتعارض مع الدين الإسلامي. وذهب المجددون في الإسلام أمثال جمال
الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا أنّ العلم لا يناقض الدين، ولا ضرورة التوفيق
بينهما، ولو أدى ذلك إلى إلى التأويل في تفسير القرآن الكريم. واعتقد هؤلاء ان ربط
العلم بالدين كفيل بأن لا تحمل العلوم الغربية الحديثة معها اتجاهات أخلاقية تتعارض
والدين الإسلامي.
ورافق هذه الدعوة إنشاء العديد من المدارس والمعاهد العلمية في مصر وبلاد الشام
والمغرب العربي تدرس العلوم الحديثة. ونشأ عن ذلك رد فعل مضاد ومن جانب الأزهر
والأزهريين، الذين اعتبروا العلوم الشرعية هي الأساس واكتفوا بها. وبرز إلى الوجود
تياران فكريان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. احدهما يضم المفكرين
التقليديين من الأزهريين وأنصارهم، والثاني يمثله المفكرون الإصلاحيون الليبراليون.
وقد وقف التيار الأول موقف العداء من العلوم الغربية مكتفياً بالعلوم الشرعية
الإسلامية، بينما وقف التيار الآخر موقفاً ايجابياً من تلك العلوم واعتبرها الأساس
لقيام الحضارة المتفوقة ونموها، ورأى ضرورة اقتباسها والأخذ دون تردد.
وكان هذا التيار يضم جناحاً معتدلاً يمثله قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وسعد زغلول
ورشيد رضا ومحمد فريد وجدي وغيرهم، وجناحاً متطرفاً يضم قادة الصحفيين السوريين في
مصر أمثال يعقوب صروف وفارس نمر وجرجي زيدان وحركة الفلسفة العلمية بزعامة الدكتور
شبلي الشميل وفرح انطون. وأكد الجناح المتطرف في هذا التيار على اعتبار العلم هو
الأساس والتقليل من أهمية الدين. وبرزت الدعوة العلمية العلمانية على يد شبلي شميل
(1860م - 1917م) فكان أول من أدخل مذهب دارون في النشوء والارتقاء إلى العالم
العربي عن طريق الترجمات والمقالات التي كان ينشرها في مجلة «المقتطف». وكان شميل
يرى في العلم أكثر من وسيلة لاكتشاف القوانين التي تسيّر الأشياء، وإنما مفتاحاً
لأسرار العالم وطريقة العبادة. فالعلم في نظرة نظام ميتافيزيقي بناه هكسلي Huxely
وسبنسر Spencer في إنكلترا، وهكل Haeckel وبخنر Bukhner في ألمانيا ولامارك في
فرنسا. والعلوم الطبيعية، في رأيه، «هي أم العلوم الحقيقية ويقتضي أن تكون أم
العلوم البشرية كافة، وأنّ تقدم على كل شيء وان تدخل في تعليم كل شيء، فيصبح نظر
الإنسان حينئذ في لغاته، وينتظم قياسه في دليله، وتقوى فلسفته بارتباطها، وتعلو
آدابه لانطباقها على العمل، وتصلح شرائعه لتطبيقها على نظام الاجتماع الطبيعي،
ويتسع عقله لانطلاقه من قيوده المتناقضة بنظام واحد شامل ذي اتساع لا يحد وتصبح
أحكامه لتربيتها على القياس الصحيح، ويسرع ارتقاؤه لانطباقه في سيره به على نواميس
الكون» (1). ودعا شميل إلى تعميم العلوم عن طريق التعليم ونشره على نطاق واسع.
وهاجم المناهج الدراسية في عهده والعقلية الدينية التي ترفدها. ونادى بهدم مدرسة
الحقوق المصرية واستبدالها بمدارس علمية للكيمياء والطبيعيات والميكانيك والرياضيات.
كما دعا إلى تدريس العلوم الطبيعية في المدارس الابتدائية، ذلك من أجل فهم الواقع
الطبيعي الذي يعيش فيه التلاميذ، والاهتداء بقوانينه لبناء مدينة جديدة بطريقة
علمية واقعية (2).
وتأثر فرح انطون (1874 ـ 1922م) بالفكر الفرنسي الملحد الذي كان يقوده ارنست رينان
E.Renan ولوازي Loisy.
ورأى في العلم الأساس في بناء الفرد والمجتمع باعتبار أنّ الدين بدائي بطبيعته
وعاجز عن مسايرة تطور الإنسان. فكان ينشر آراءه في مجلة «الجامعة» التي كانت تصدر
في القاهرة وسار في هذا التيار العلمي ـ العلماني، في بلاد الشام، أحمد فارس
الشدياق وناصيف اليازجي وإبراهيم اليازجي وبطرس البستاني وسليم البستاني وأديب اسحق
وفرنسيس مراش.
وكان لمذهب دارون تأثير كبير على مفكري القرن التاسع عشر، وأحدث ردود فعل عنيفة لدى
المفكرين العرب، فانقسموا بين مؤيد لهذا المذهب ومعارض له. وقد بدأ المعركة ادون
لويس الأستاذ في الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية حالياً في بيروت)،
عندما أشاد بمذهب دارون في النشوء والارتقاء في خطبة ألقاها في حفلة التخرج لطلبة
الكلية عام 1882(3). فرد عليه جيمس انس الأمير كاني، مدير مدرسة اللاهوت في بيروت،
وجاء بالأدلة والشواهد على أن شارلز دارون كافر ملحد لا يؤمن بالمسيح ولا بالآخر،
وأن غاية أبحاثه العلمية «نفي المسيح من كل دائرة الطبيعة والعلم»(4). فما كان من
ادون لويس إلاّ أن ردّ على جيمس انس مؤكداً أن داورن «يحسب في أعلى طبقة بين
العلماء. ولا ينكر أنه عمل أعمالا يعجز غيره عنها، وذهب مذهباً من اشهر مذاهب أهل
هذا العصر من حيث تعليله للحوادث وكشفه للمجهولات...»(5). وأيده في هذا الاتجاه
يوسف حايك(6) من الإسكندرية. وكان رزق الله البرباري قد استعرض نظرية دارون في أصل
الأنواع في عدة مقالات نشرتها مجلة «المتقطف» في عام 1876م. وأخذ على هذه النظرية
الزعم بأن الخلية الحية الأولى قد ولدت من تلقاء نفسها منذ ملايين السنين، وهذا
إنكار للخالق(7).
ونشر جيمس انس كتاب «نظام التعليم في علم اللاهوت القويم» عام 1883م، تضمن رداً على
نظرية دارون والقائلين بها. وحاول أن يثبت بطلان مذهب النشوء الذاتي بالأدلة
التالية:
ـ الأدلة التي تثبت وجود الله وخلقه للكائنات.
ـ الأدلة التي تثبت بطلان الفلسفة المادية.
ـ تعذر التسليم بأن المادة الخالية من الحياة قادرة على التحول أو الانتقال من حال
إلى أخرى(8).
وأخذ إبراهيم الحوراني على مذهب النشوء الارتقاء ما يلي.
ـ التحرك في ذاته تغير واحداث. فكيف تتحرك الجواهر لتؤلف الكائنات ولا تكون هي
محدثة؟
ـ إذا كانت الجواهر الفرد ذات حياة فلماذا لا تكون المخلوقات المؤلفة منها حية؟ وهل
تأتي الحياة إذن قبل المادة خلافاً لما قال به علماء الفسيولوجيا؟
ـ لقد برهن العالم الفرنسي لوي باستور L.Pasteur إنّ الحي لا يخرج إلا من الحي.
فكيف نفترض إذن إنّ الجواهر الأولى لا تنمو بالتولد الذاتي؟(9).
وتناول المطران جرمانوس معقد، مطران اللاذقية، مذهب دارون، وخرج من خلال دراسته له
إلى أن العلم لا يتعارض مع الدين واستشهد بقول العالم الإنكليزي بيكون «قليل من
العلم يبعدني من الله وكثير منه يقربني إليه»(10).
أما الأب لويس شيخو اليسوعي، رئيس تحرير مجلة المشرق الكاثوليكية فكان من دعاة
التوفيق بين العلم والدين. فهو يرى أن «كل دين ينافي حقيقة علمية واحدة تناقض
تعاليمه الأصلية هو دين فاسد لا يجوز للإنسان ان يتبعه، وكذلك كل علم يناقض تعاليم
الدين المستقيم هو باطل لا يمكن الاستناد إليه». ويؤكد بالتالي «إنّ النصوص الدينية
والبراهين العقلية والشواهد التاريخية كلها لسان واحد على ائتلاف الدين والعلم،
وإنه لا يمكن ان يوجد بينهما تناقض البتة...»(11).
يتضح مما سبق أن رجال الدين والمفكرين المسيحيين قد ركزوا في دفاعهم عن الدين
المسيحي في مواجهة نظرية دارون والتيار العلماني الذي أخذ مجراه في العالم العربي
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر على النقاط التالية:
1 ـ حاجة الفرد للدين لأنه ينظم حياته الداخلية.
2 ـ لا تناقض بين الدين والعقل فهما يجيبان عن تساؤلات الإنسان عن معنى وجوده وأصل
العالم الذي يحيا فيه، والعلاقة بين الإيمان والعلم هي علاقة تكامل لا علاقة تناقض.
3 ـ الكتاب المقدس كتاب ديني لا موسوعة علمية. والعلم اختبار المحاولات وليس مذهباً
عقائدياً. فالكتاب المقدس لا يشرّع للعلم ولا العلم يشرّع للدين.
4 ـ إنّ المعجزة في العلم شك وريبة ولكنها في الدين برهان على كونه ديناً لا علماً
ووسيلة لتقريب العنصر الإلهي من العنصر الأرضي. وهي في نظر المؤمن معرفة من نوع آخر
تستند إلى الإيمان بأن الله القدير قادر على إظهار مجده بطرق غير عادية(12).
أما ردة فعل المفكرين المسلمين، سواء كانوا من التقليديين أو من المجددين، على
نظرية النشوء والارتقاء، فكانت مشابهة إلى حد بعيد لردة فعل المفكرين المسيحيين
المتدينين. فقد ألف جمال الدين الأفغاني كتابه المشهور «الرد على الدهريين» باللغة
الفارسية، وقام الإمام محمد عبده بنقله إلى العربية. ولم تختلف حجج الأفغاني في
الرد على الدهريين «القائلين بمذهب النشوء والارتقاء» عن حجج رجال الدين المسيحيين.
فهو يقول: «وعلى زعم دارون هذا يمكن أن يصير البرغوث فيلاً بمرور القرون وكر الدهور
وان ينقلب الفيل برغوثاً كذلك.
فإن سئل دارون عن الأشجار القائمة في غابات الهند والنباتات المتولدة فيها من أزمان
بعيدة لا يحددها التاريخ إلاّ ظناً وأصولها تضرب في بقعة واحدة وفروعها تذهب هي
هواء واحد وعروقها تسقى بماء واحد، فما السبب في اختلاف كل منها عن الآخر في بنيته
وأشكال أوراقه وطوله وقصره وضخامته ورقته وزهره وثمره وطعمه ورائحته وعمره. فأي
فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها، مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظن لا سبيل
إلى الجواب سوى العجز عنه»(13).
وبيـّن في رسالته هذه المضار والمخاطر التي تترتب على مذهب الطبيعيين من أنصار
دارون وسواه على البنيان الاجتماعي والتقدم البشري، وأثر الدين على الإنسان
والمجتمع: أثره على الإنسان في تنمية الحياء والشرف والأمانة والصدق في نفسه، وأثره
على المجتمع من حيث سيادة الألفة والنظام والقانون فيه.
وألف الشيخ أبي المجد محمد رضا الإصفهاني كتاب «نقد فلسفة دارون»(14) على منوال
كتاب الأفغاني الآنف الذكر. وتولت مطبعة ولاية بغداد نشره سنة 1331هـ - 1914م.
وكما حاول المفكرون المسيحيون من العرب أن يفصلوا بين أهداف الدين وأهداف العلم أكد
الشيخ مصطفى الغلايني هذه المحاولة اذ قال: «جاء الدين لحمل الناس على الاعتراف
بوجود الخالق سبحانه وتوحيده وتقديسه عما لا يليق بشأنه عز وجل. ومتى اعترف المرء
بهذا الحقيقة الراهنة... فلابد أن يتطلع إلى وراء هذه الحقيقة من الأعمال التي ترضي
الخالق.
«فالدين إنما جاء لتقرير هذه الحقائق ونشرها بين الناس تشربها النفوس وتعمل بها
الأقوام، ولم يجيء لتقرير الحقائق العلمية وتبيان الأصول الفنية، لأنّ الدين عام
يشتمل طبقات الأمة، فهو لابد أن يكون موضوعه عاماً يسهل تناوله على الجميع. وموضوع
العلوم التطبيقية الفكرية وغيرهما ما لا تتناوله الفهوم كلها ولا تحيط به الإدراكات
أجمعها»(15).
وحاول محمد رشيد رضا التوفيق بين آراء دارون وتعاليم الإسلام. ولم استنكر الشيخ عبد
القادر القباني مقالة للدكتور شبلي شميل في مجلة الهلال (عدد حزيران 1909م) التي
أكد فيها فكرة النشوء وأنكر فكرة الخلق، حاول رشيد رضا أن يزيل الغموض واللبس الذي
وقع فيه الشيخ القباني، وبيـّن أن الداروينية إذا فهمت فهماً جيداً فهي تتفق تماماً
والإسلام، وإن مقالة الدكتور شميل تهدف إلى التوفيق بين العلم والدين(16).
وهكذا نرى أن المفكرين العرب قد أجمعوا على الترحيب بالعلوم التطبيقية الحديثة،
ولكنهم اختلفوا في مواقفهم من النظريات العلمية التي صاحبتها، وخاصة تلك التي لها
مساس بمعقداتهم الدينية. فمنهم من آمن بها وتولى الترويج لها والدفاع عنها، ومنهم
من رأي فيها كفراً والحاداً فاستنكرها ورفضها رفضاً باتاً، ومنهم من حاول التوفيق
بينهما.
الهوامش
ـــــــــــــ
(*) رئيس جامعة مؤتة الأردنية.
(1) شميل، شبلي، فلسفة النشوء والارتقاء، المقدمة : 8.
(2) شميل، شبلي، المجموعة الثانية: 187 ـ 188.
(3) لويس، ادون، المقتطف، السنة 7، ج23، آب 1882م : 158 ـ 166.
(4) انس جيمس، المذاهب المختلفة في كيفية خلق الكون، المقتطف، السنة 7، ج 4، ت 2
1882 : 233 ـ 236.
(5) لويس، ادون، المذهب الداروني، المقتطف، السنة 7، ج 5، ك 1 1882م : 289.
(6) حائك، يوسف، المذهب الداروني، المقتطف، السنة 7، ج 5، ك 1 1882م : 291 ـ 292.
(7) البرباري، رزق الله، في أصل الإنسان، المقتطف، السنة الأولى، ج 12، 1876م :
280.
(8) أنس، جيمس، المذاهب المختلفة في كيفية خلق الكون، المقتطف، السنة 8، ج 4، يناير
1884 : 199 ـ 205.
(9) الحوراني، إبراهيم، الحق اليقين في الرد على بطلان داروين، بيروت، 1886م
والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات نشرها في مجلة «النشرة الأسبوعية» عامي 1884م
و1885م.
(10) المعقد، جرمانوس، العلم الحقيقي، المشرق، السنة 2، العدد 12، 15/6/1899م : 529
ـ 532.
(11) شيخو، الأب لويس، تناقض الدين والعلم، المشرق، السنة 3، عدد 7، 1/4/1900م :
302 ـ 309. الفتاوي الأمريكية في المعقدات الدينية، المشرق، السنة12، عدد 6، حزيران
1909م : 425 ـ 436. أوهام العقليين في الوحي الإلهي، المشرق، السنة 17، عدد 1، ك 2
1914م : 117 ـ 128.
(12) هزيم، اغناطيوس، شواغل الفكر العربي المسيحي منذ 1866م، الفكر العربي في مئة
سنة : 355 ـ 356.
(13) الأفغاني، جمال الدين، الرد على الدهريين، الأعمال الكاملة : 135.
(14) العرفان، م 5، 27/3/1914م : 197. المشرق، السنة 17، عدد 12، ك1 1914: 714.
(15) الغلاييني، مصطفى، الدين والعلم، النبراس، م 2، ج 7، 23/7/1910م : 241 – 247.
(16) Reveue du Monde Musulman, 3e annee Oct. I909, No, Io, pp. 336 - 338.
المصدر: الإتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة 1798 ـ 1914م: 236
|
|
|