الحضارية «دراسات شرقية غربية»

 

عندما كان فلاسفة العرب أساتذة فلاسفة أوروبا

هاشم الصالح(*)

قد لا يصدق بسبب الوضع المتدهور والمرزي الذي وصلنا إليه أننا كنا يوماً ما أساتذة لهذا العالم المتحضر الذي يهيمن علينا الآن: إي أوروبا والعالم الغربي بشكل عام. قد لا يصدق أن فلاسفتنا وعلماءنا كانوا قبل سبعة قرون فقط (أو حتى ستة) يمثلون المرجعية العليا كبار مفكري القارة الأوروبية: من أبيلار إلى ألبيرتوس الكبير إلى توما الأكويني إلى عشرات غيرهم. وعندما أقول مفكرينا فإني أقصد الفارابي و ابن سينا وابن باجة وابن رشد بشكل أساسي. أقول ذلك وأنا لا أتحدث إلا عن المجال الفلسفي فقط، فكيف بي لو تحدثت عن المجال العلمي أيضاً؟ أقصد عن إسهامنا في مجال علم الفلك والجبر والهندسة والبصريات... الخ. ولكن المجال العلمي البحث يحتاج إلى دراسة خاصة ليس مكانها هنا. وهو على أي حال عرضة للبحث والتنقيب من قبل فرق البحث العالمية من أجل تقييم مدى إسهام العلم العربي في تغذية العلم الحديث، وأين يتوقف هذا الإسهام، وما هي حدوده... الخ.
سوف أركز اهتمامي إذن فقط على مجال الفلسفة وتاريخ الأفكار لكي أعرف كيف أثـّر العرب، من مسلمين ومسيحيين ويهود، على الفكر الأوروبي من خلاله. ولن أفعل ذلك من أجل التبجح بالذات، أو التغني بأمجاد الأجداد. باختصار، إني لن أقع في خط التبجيل السائد لدى الإيديولوجيين العرب، فهذه ليست طريقتي ولا منهاجي. ولا أعتقد أنها تفيد في شيء ، بل إنها تضر. ربما ساهمت في تعزية النفس قليلا ً أو تخديرها، ولكن ليس أكثر من ذلك. وربما كانت فائدتها تكمن في قول ما يلي: إذا كنا قد استطعنا أن نفعل شيئا ً ما في الماضي ونقدم إسهامنا الخاص للحضارة الكونية، فلماذا لا نستطيع ذلك في المستقبل؟ ربما أعطانا ذلك بعض الثقة بالنفس من أجل الإقلاع الحضاري يوما ً ما. يضاف إلى ذلك أني أعتقد بضرورة إضاءة هذا التراث القديم لمعرفة أين كنا وكيف أصبحنا ولماذا أصبحنا على ما نحن عليه الآن: أي لماذا توقفنا، لماذا مرضنا، لماذا تأخرنا؟... وكذلك فإني أهدف إلى معرفة كيف واجهت المسيحية الأوروبية (أو اللاتينية)(1) هذا التراث الهاجم عليها، وكيف اتخذت منه موقفا ً. كيف واجهت أوروبا هذا «الغزو الفكري» من العرب - المسلمين، وكيف انقسمت حياله إلى تيارات شتى؟ هذا ما يهمني أن أعرفه الآن. وقد استخدمت تعبير «الغزو الفكري» عن قصد لكي أبيّن أنه وجد أيضاً في أوروبا تيار أصولي يمانع من دخول الفكر العربي والإغريقي إلى الساحة المسيحية، مثلما يوجد عندنا نحن الآن تيار يمانع من دخول الحداثة بحجة الدفاع عن الخصوصية والأصالة والهوية والتراث... الخ.
نعم لقد كنا نمثل الحداثة في العصور الوسطى بالنسبة لهذه البشرية الأوروبية المغرقة في مسيحيتها وتقليديتها وانقطاعها عن حركة الفكر. من يصدق ذلك الآن؟ أقصد من يصدق بعد أن انقلبت الأمور إلى مثل هذا الحد وانعكست تماماً؟ يكاد المرء عندما يقرأ مناقشاتهم واختلافاتهم حيال «العلم العربي» آنذاك، ويقارن بينها وبين اختلافاتنا حول فكرهم الحالي وهل نأخذ منه أم لا، أو يصرخ قائلا ً: ما أشبه الليلة بالبارحة! ولكم مع بعض الفروقات بالطبع. فالتاريخ لا يعيد نفسه كلياً أو بنفس الطريقة. ولكن هناك ثوابت وتشابهات حقيقية، فالطبيعة البشرية واحدة وتتصرف بنفس الطريقة إذا ما وجدت في نفس الظروف.
بقى أن أسجل نقطة أخيرة ولكن أساسية قبل الدخول في صلب الموضوع. وهي تتعلق بالتحقيب الإبستمولوجي (أو المعرفي العميق) لتاريخ الفكر. نحن نعلم أن الفكر الأوروبي المعاصر يقسم تاريخ الفكر إلى ثلاث مراحل أساسية:
ـ العصور القديمة اليونانية – الرومانية.
ـ العصور الوسطى.
ـ العصور الحديثة.
وقد أخذنا عنهم هذا التقسيم وتبنـّيناه في برامجنا التعليمية والجامعية كما يحصل عادة عندما يقلـّد المتأخر المتقدم. ولكن المشكلة هي أننا نجني على أنفسنا إذ نعتمده بدون تمحيص أو بدون إجراء بعض التصحيحات الضرورية. فذروة إنتاجنا العلمي والفكري تتموضع في تلك الفترة المدعوة بالعصور الوسطى! وإسهامنا الوحيد في الحضارة الكونية حصل آنذاك. بعدئذ لم تقم لنا قائمة، أو قل كلما حاولنا أن نقوم سقطنا وانتكسنا. بل إن إسهامنا ظهر في العصور الأولى أساساً، أي عندما كانت أوروبا لا تزال تغطـّ في نوم عميق (بدءاً من ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي وانتهاءً بموت ابن رشد في القرن الثاني عشر، أي طيلة خمسة قرون من العطاء والقيادة للعالم). ولكن بما أن تسمية العصور الوسطى شائنة أو محاطة بالسلبية في الوعيين الجماعيين العربي والأوروبي فإننا نشعر بالألم بل والغضب الشديد لأن أفضل ما عندنا مصنـّف في خانتها!... ألا يدفع بنا ذلك إلى إعادة تحقيب تاريخ الفكر بشكل يتماشى مع خصوصية تاريخنا؟
في الواقع إن هذا ما يفعله بعض الباحثين المعاصرين عندما يقسمون تاريخ الفكر في الناحية العربية - الإسلامية إلى المراحل التالية: مرحلة العصر الكلاسيكي، أي مرحلة الإنتاج والتفاعل والعطاء الحضاري، وتشمل القرون الستة الأولى من تاريخ الإسلام . ثم تليها مرحلة عصر الانحطاط أو المرحلة السكولائية - المدرسانية، أي التكرارية والاجترارية لما سبق، وهي تمثل عصورنا الوسطى في الواقع وبالمعني السلبي للكلمة. وقد استمرت من القرن الثالث عشر حتى التاسع عشر (ابن خلدون الذي ظهر في القرن الرابع عشر لا يمكن اعتباره «منحطاً» أو جامداً من الناحية الفكرية. ولكنه استثناء على القاعدة ليس إلاّ). ثم جاءت بعد ذلك مرحلة عصر النهضة ـ نهضتنا نحن - بدءاً من القرن التاسع عشر (هذا يعني أنها تأخرت عن النهضة الأوروبية مدة ثلاثة أو أربعة قرون، وهي مسافة التفاوت التاريخي الكائنة بيننا وبينهم حتى الآن). ثم يقول هؤلاء المفكرون بأن عصر النهضة أو العصر الليبرالي قد اُغلق حوالي عام 1950م وابتدأت بعده مرحلة الثورة القومية والاشتراكية بقيادة جمال عبد الناصر. واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1970م حين أخذت الحركات الأصولية تحل محلها تدريجياً وبقوة حتى الآن. وقد يتساءل أحدهم: كيف يمكن أن نعود إلى عصر الأصوليات الدينية بعد أن مررنا بمرحلة النهضة؟ ونجيب بأن نهضتنا قد أجهضت على عكس النهضة الأوروبية التي استمرت في الصعود منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم. وبالتالي فإنّ العصر النهضة لا يزال أمامنا وليس خلفنا. ينبغي أن نحاول النهوض من الجديد، وحتى لو سقطنا مائة مرة ينبغي أن نحاول النهوض مرّة أخرى إضافية. ولعلّ سبب فشل عصر النهضة وما تلاه يعود إلى أننا لم نستطع أن نصفـّي حساباتنا التاريخية مع تراثنا كما صفـّاها الأوروبيون مع تراثهم أو قل إنا تجرأنا على تصفيتها نصف تصفية أو ربع تصفية فقط. هذا كل ما في الأمر. لا أكثر ولا أقل.
هكذا نجد أن تقسيم تاريخ الفكر عندنا لا يتطابق مع تقسيمه لدى الأوروبيين لأن مجريات التاريخ، أو الصعود والهبوط، ليست واحدة ولا متطابقة في كلتا الجهتين. ولكن المفكرين الأوروبيين منذ فترة - منذ ثلاثين أو أربعين سنة - ابتدأوا يعيدون الاعتبار للقرون الوسطى ويعترفون بأنه قد حصل فيها شيء ما، وأنها لم تكن كلها صحراء قاحلة كما أوهمتنا الوضعية الظافرة في القرن التاسع عشر. وقد هدفوا من إعادة الاعتبار للعصور الوسطى ليس خدمة مصلحتنا وإنما خدمة مصلحتهم هم بالدرجة الأولى وإعادة الاعتبار لمفكريهم آنذاك: أي لأبيلار وألبيرتوس الكبير وروجية بيكون وتوما الأكويني وكل تلك المناقشة السكولائية التي دارت حول العقل والإيمان. عندئذ راحت بذور العقلانية تنمو لأول مرة في ساحة المسيحية الأوروبية. بل واعتبر بعضهم تلك الفترة بمثابة «النهضة الأولى» على الرغم من أنها واقعة في خضم العصور الوسطى، أو قل إنها كانت النهضة البدائية التي حضـّرت للنهضة الحقيقية في القرن السادس عشر. ولكن بما أنهم أعادوا الاعتبار إلى مفكريهم في تلك العصور، فإنهم لم يستطيعوا إلاّ أن يعيدوا الاعتبار إلى مفكري العرب والمسلمين الذين كانوا أساتذة لهم. عندئذ تذكروا أننا وُجدنا يوماً ما! وأخذوا يكرسون صفحات طويلة لدور لعرب في تثـقـيف أوروبا. بل ووصل الأمر ببعضهم - كآلان دو ليبيرا - إلى حد تقريع أوروبا الحالية لأنها نسيت دَينها للعرب وتنكرت له. وهذا الباحث الذي سنتعرض لأفكاره بعد قليل يدافع عن التراث العربي بشكل أفضل مما يفعله الكثير من العرب أنفسهم. وذلك لأنه يدافع عنه بطريقة ذكية، مرنة، وليس بطريقة تبجيلية أو إيديولوجية غوغائية يغلب عليها طابع المغالاة الزائدة عن الحد.
هكذا نجد أنّ إعادة الاعتبار إلى القرون الوسطى - أو إعادة قراءتها من جديد - تخدم العرب أيضاً مثلما تخدم الأوروبيين. فالجميع لهم مصلحة في ذلك. هناك فرق واحد فقط: هو أنّ العرب سيطروا على العصور الوسطى الأولى وسبقوا أوروبا إلى التفاعل مع فلسفة أرسطو والعلم الإغريقي، هذا في حين أن الأوروبيين استيقظوا في العصور الوسطى الثانية وأخذوا يصعدون في الوقت الذي راح فيه العرب يتوقفون أو يتعبون. وهكذا يمكن إعادة الاعتبار إلى تلك العصور فلا تعود تبدو وكأنها كانت كلها نقطة سوداء في تاريخ البشرية، نقطة امتدت ألف سنة تقريباً!... فكيف يمكن للبشرية أن تتوقف ألف سنة عن العطاء؟ هل هذا ممكن؟
بعد أن وضعنا هذه التنبيهات والإيضاحات في موضعها يمكننا أن نعود إلى التحقيب الأوروبي لتاريخ الفكر ونعيد إلى مشروعية الإبستمولوجية، ولكن على ضوء جديد. فالواقع أنّ تراثنا الكلاسيكي على الرغم من عظمته، وكذلك تراث الفلسفة المسيحية الأوروبية، يقع ضمن إطار العصور الوسطى! بمعنى أنه لم يكن قادراً على الرغم من جرأة مفكر كبير كابن رشد أو كروجيه بيكون أن يخترق السقف الإبستمولوجي للمسلمات المعرفية للقرون الوسطى. هذا شيء واضح ومؤكد، ولكنه لا ينقص من قيمة تراثنا أو عطائنا الحضاري. وهذا ما ندعوه بالممكن التفكير فيه، والمستحيل التفكير فيه في مرحلة ما أو زمن ما. ولا ينبغي أن نلوم أناس العصور الوسطى على عدم معرفة أشياء كان يستحيل عليهم معرفتها آنذاك. فلم تكن المخترعات التكنولوجية قد ظهرت بعد، ولم يكن الإنسان قد وثق بنفسه إلى مثل هذا الحد الذي وصله في الحداثة الأوروبية الحالية. وبالتالي فلم يكن يتجرأ على فعل المعرفة أكثر مما تجرأ. كان مشدوداً إلى مسلمات لاهوتية – معرفية لا يستطيع منها فكاكاً. وبالتالي فحتى عقلانيته كان لها سقف معين لا يمكن أن تتعداه. بهذا المعنى فإن الحداثة الأوروبية كانت تشكل بدءاً من القرن السابع عشر، أي بدءاً من غاليليو وديكارت وسبينوزا، قطيعة إبستمولوجية كبرى في تاريخ الفكر. كانت تشكل قطيعة مع المناخ العقلي للقرون الوسطى. وهذا ما سنحاول إثباته فيما بعد.
ما علاقة طب ابن سينا بالطب الذي نعرفه اليوم؟ هناك مسافات ضوئية بينهما، ولكن هذا لا يقلل من عظمة ابن سينا في وقته. ما علاقة كيمياء جابر بن حيان بكيميائنا، أي بالكيمياء العضوية والخلوية الحديثة؟ لا شيء. ما علاقة فلسفة ابن رشد بالفلسفة الحديثة: أقصد بفلسفه هيغل أو نيتشه أو ماركس؟ ربما احترام العقل فقط. ولكن الأدوات والمصطلحات والمنهجيات مختلفة تماماً. ما علاقة العلم القروسطي كله بالعلم الحديث الذي أسسه نيوتن أو اينشتاين؟ تقريباً لا شيء، أو حتى لا شيء بالمرة... وإذن فهناك قطيعة في تاريخ الفكر، وفي تاريخ الحياة والوجود. وينبغي على الفكر العربي أن يعترف بها يوماً ما كأمر واقع لا مندوحة عنه. وإلاّ فلن يستطيع أن يتحلحل ويلحق بركب الحضارة الحديثة. ولكنه لن يعترف بها قبل أن يعاني الأمرين كما حصل للفكر الأوروبي من قبل أثناء تلك الأزمة الشهيرة: أزمة الوعي الأوروبي. لن يعترف بها قبل أن يصفـّي حساباته مع نفسه وينجح في عملية التصفية تلك. ولكن القطيعة لا تعني أنّ كل عناصر الفكر في القرون الوسطى قد ماتت، أو أنها كانت بلا جدوى. على العكس. إنها تعني أنّ عناصرها الإيجابية قد هضمت واستوعبت من قبل الصيرورة التاريخية لإقلاع الحداثة. وبالتالي فإن مناقشات ابن رشد عن العقل والإيمان أو فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، وكذلك مناظراته الكبرى مع الغزالي من خلال تهافت التهافت كلها أشياء كانت مفيدة جداً للأجيال المقبلة التي صنعت النهضة والحداثة في أوروبا. كانت مفيدة حتى في فشلها، أو في المأزق الذي وصلت إليه. وقل الأمر نفسه عن تركيبة القديس توما الأكويني أو عن إنجازات أبيلار وألبيرتوس الكبير وكبار مفكري العصور الوسطى.
بعد أن نضيء كل هذه الأشياء نعرف كيف نتصل بالعصور الوسطى وكيف ننفصل، أو كيف نتصل بعد أن ننفصل... فمن المؤكد أنّ المسلمات المعرفية للفكر الحديث غير المسلمات المعرفية (أو الإبستمولوجية) للفكر القروسطي. ولكن هذا لا يعني أن هناك قطيعة عدمية أو مطلقة في جميع الأشياء. فهناك جسور تواصلية، هناك إشكاليات استمرت في الوجود حتى بعد كل نجاحات الحداثة: كإشكالية العقل والإيمان مثلاً. فهي لم تنته حتى الآن، وإن كانت قد أصبحت تطرح بطريقة مختلفة بعد الاكتشافات العلمية الحديثة وبعد أن تمت عقلنة قطاعات واسعة من المسيحية الأوروبية. سوف تتبدى لنا نقاط الاتصال والانفصال بشكل أوضح كما نأمل ونرجو.
هجمة «الحداثة العربية» على أوروبا في القرون الوسطى
قلنا إذن إن القطيعة تمثل ضرورة حقيقية بالنسبة لأية أمة من الأمم، ولكنها ليست قطيعة مطلقة أو عدمية، وإنما قطيعة إيجابية واستيعابية. فهناك عناصر تموت وتسقط أثناء الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وينبغي أن نقبل بذلك كأمر واقع على الرغم من الحنين الرجعي والقاتل إلى الوراء، على الرغم من الحنين المضني إلى الماضي. بل إن القطيعة تمثل ضرورة حتى على المستوى الشخصي. فأحياناً تجد إنساناً ما مضطراً للقطع مع ماضيه أو مع شريحة كاملة من حياته الشخصية السابقة لكي يستطيع أن يبتدئ حياة جديدة؛ لكي يستطيع أن يستمر في العيش. فهناك عناصر تموت أو تسقط أثناء عملية الانتقال كما قلنا، ولا نستطيع أن نحتفظ بكل شيء لأن ذلك يثـقل كاهلنا ويشلـّنا عن الحركة والانطلاق.
كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قد تحدث عن النسيان (أي عن القطيعة في الواقع) في صفحات رائعة وعميقة جداً كعادته. وكان مما قاله هذه الجملة الهائلة، بل والمخفية تقريباً: قد يستطيع المرء أن يعيش من دون أي تذكر تقريباً كالحيوان، بل وأن يعيش سعيداً، ولكن من المستحيل عليه أن يعيش من دون أن ينسى(2)!... فالنسيان دليل صحة وعافية، دليل على الهضم والاستيعاب، دليل على النجاح في التجاوز والتخطـّي. هذه هي القطيعة بالمعنى الإيجابي للكلمة وليس بالمعني السلبي المدمِّر. هناك قطيعات مدمرة بالطبع وسوف نتعرض لها بعد قليل.
نخلص إذن إلى القول بأن القطيعة بالمعنى الإنساني للكلمة تمثل ضرورة تاريخية في لحظة ما من اللحظات. إذا لم نقم بها تحنَّطنا وسبقنا الآخرون وانقطعنا عن حركة الحياة، وربما متنا وانقرضنا (هناك شعوب انقرضت لأنها لم تستطيع أن تواكب حركة التاريخ). بهذا المعنى فالقطيعة شيء إيجابي لا سلبي على عكس ما يوحي به اسمها. فهي تعنى التخفـّف من أثقال الماضي لكي يستطيع الإنسان أن ينطلق حراً، قوياً، فاتحاً. أما إذا ظل مصراً على الارتباط بالماضي بنفس الطريقة، إذا كان حنينه جارفاً للماضي، إذا كان إخلاصه حرفياً للتراث، فإنه سيعرقل حركة التقدم بالضرورة. وهذا ما يحصل لدى الأصوليين والمحافظين في كل البيئات، سواء أكانت أوروبية أم عربية – إسلامية. فهؤلاء لا يعترفون بالقطيعة أو بغربلة التراث من أجل فرز العناصر الصالحة وإعادة استخدامها، وطرح العناصر الميتة أو الشكلانية ويعتبرون أنها هي التي تمثل التراث الحقيقي. لنضرب على ذلك مثلاً ابن رشد. ماذا يعني ابن رشد بالنسبة للأصوليين الحاليين؟ هل سمعت أحداً يدعو للعودة إلى ابن رشد؟ إلى ابن سينا، أو الكندي، أو الفارابي، أو التوحيدي، أو المعري، أو بقية النجوم اللامعة في سماء تراثنا؟ لا. إنهم يعودون إلى الرموز التي تشكل السفح الآخر من التراث، أي السفح المضاد للوجه الفلسفي والعقلاني المشرق. هنا نجد أن معركة التراث لم تنته فصولاً بعد في الساحة العربية، ولن تنتهي قبل أمد طويل. ولكن بناء على حسمها بشكل ناجح أو ناجع سوف يحسم مصير العرب.
فنحن إذا نغربل التراث نريد العودة إلى هؤلاء الفلاسفة الأفذاذ للتعريف بأفكارهم ونضالهم من أجل المعرفة والحقيقة. والأصوليين الماضويون إذا يريدون العودة إلى التراث الماضي يحذفون هؤلاء الفلاسفة من التراث حتى لكأنهم أعداؤه! أو كأنهم لم ينوجدوا قط... وهذه هي القطيعة بالمعنى السلبي مع التراث. إنها تتمثل في نسيان أهم عناصره حيوية وابتكارية. هنا تكمن المعضلة الأساسية. وهي معضلة لا تزال مستمرة منذ تلك المناظرة الكبرى التي حصلت بين الغزالي وابن رشد وانتصار خط الأول على الثاني نتيجة عوامل عديدة تاريخية واجتماعية وسياسية. ولا أقول ذلك تقليلا ً من أهمية الغزالي، فهو شخصية استثنائية بدون شك، ويشكل عظمة حقيقية ضمن منظوره الخاص أي ضمن منظور إحياء علوم الدين والمعاناة الروحية. ولكن قلته فقط لكي أبيـّن أن المعركة بين القوى التقليدية التي تريد التركيز على العناصر الامتثالية فقط لا تزال مستمرة حتى الآن. وهي معركة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. وبالتالي فلا يمكن لنا أن نفهم ما يجري الآن إلاّ على ضوء الماضي البعيد. ونستنتج من كل ذلك أنّ سيطرة القوى الهابطة فينا على القوى الصاعدة أمر قديم جداً، أي مزمن، وليس حديث العهد كما قد نتوهم. من هنا صعوبة النهضة أو عدم نجاحها من الضربة الأولى. فالمرض قديم، وهو مشرّش في الأعماق والأقاصي. نستنتج أيضاً أنه لا يمكن تحرير الحاضر قبل تحرير الماضي. ولا معني لتحرير الأرض قبل تحرير السماء!
أعتقد أن المقارنة هي أساس الفهم والنظر. وقد اعتمدتها هنا منهاجاً عندما رحلت أتردد باستمرار بين الوضع الأوروبي، والوضع العربي – الإسلامي. أريد الآن أن أطرح هذا السؤال: كيف استقبلت البيئات الأصولية المسيحية الفكر العربي في القرن الثاني عشر؟ وسوف أتخذ كدليل على ذلك آخر الأبحاث العلمية الواردة حول الموضوع، وهي أبحاث آلان دو ليبيرا ( من جملة أبحاث أخرى بالطبع، ولكنه هذا الباحث تميز في السنوات الأخيرة بجدية طرحه. وقد تجلى ذلك في كتابين أسياسيين هما: التفكير في القرون الوسطى، والفلسفة القروسطية)(3). كانت المشكلة التي واجهها المثقفون المسيحيون في القرن الثالث عشر هي «التحدي الأرسطوطاليسي». وكان هذا التحدي يعبّر في الواقع عن احتجاج إيديولوجي، أي احتجاج الفئات الجديدة الصاعدة على القوى التقليدية المحافظة. ولم يستند على أرسطو فقط وإنما استند عليه وعلى العلم العربي بشكل خاص، لأنّ أرسطو دخل عن طريق العرب. وكانت هجمة هذا العلم العربي على الغرب في نهاية القرن الثاني عشر قد أثارت فيه أزمة تثاقف حقيقية. وأجبرت هذه الأزمة المثقفين المسيحيين على أن يراجعوا أنفسهم وحساباتهم بعمق. وهذا ما يحصل عادة عندما يدخل تيار فكري من الخارج وبشكل مفاجئ.
كانت أول صدمة إيديولوجية قد جاءت من قبل ابن سينا لأنه كان أول من تـرجم إلى اللاتينية (سبق ابن رشد). وقد جاءت على هيئة ميتافيزيقا متركزة على مسألة الله المتعالي الذي يفوق كل وصف، وعلى مسألة الكينونة بصفتها كينونة. ولذا تلوّن لاهوت ابن سينا بالبعد الانطولوجي. ولكن امتزاج فكر ابن سينا بالافلاطونية الجديدة جعلة مقبولاً وسهلاً على الهضم والتمثـُّل من قبل الفكر المسيحي المطبوع بالافلاطونية منذ عهد القديس أوغسطينوس. بل وقد وصل الأمر بفيلسوف كنيتشه إلى حد اتهام المسيحية بأنها «أفلاطونية الشعب»! وأمّا فكر أرسطو فقد استـُقبل بشكل سيء جداً في البداية، أو قل إنه شكِّل صدمة موجعة للمسيحيين أكثر من غيره بكثير، وذلك عندما وصل إلى فرنسا حوالي عام 1200 قادماً عن طريق العرب. وكان سبب هذه الصدمة أطروحات أرسطو حول قدم العالم، (وليس استحداثه وخلقه)، وحول فناء الروح مع الجسد بعد الموت، وحول مواضيع أخرى أيضاً. وبالتالي فإنّ تصور أرسطو لله والكون غير مقبول من قبل المسيحية، ولا حتى من قبل الأديان التوحيدية مجتمعة. وقد وجد المثقفون الغربيون أنفسهم في حيرة من الأمر: فإما أن يقبلوا بأطروحات أرسطو ويقعوا في تناقض واضح مع العقيدة المسيحية، وإمّا أن يتفاعلوا معها إلى حد ما ويبلوروا لاهوتاً فلسفياً جديداً قادراً على هضم مكتسبات العلم العربي وفلسفة أرسطو، في الوقت الذي يرفضون فيه مواقفنا إذا ما وقعت في تناقض مع مبادئ العقيدة. وهكذا نكون قد عدنا مرة أخرى إلى مسألة الصراع بين العقل والإيمان، أو بين الفلسفة واللاهوت. والواقع أنّ فلاسفة العرب قد عانوا من هذه المسألة قبل فلاسفة المسيحية الأوروبية بقرن على الأقل.
ولكن كيف دخلت الفلسفة العربية إلى أوروبا ومن خلالها أرسطو؟ يقول آلان دو ليبيرا بأنّ المسيحيين اللاتينيين، أي الغربيين، كانوا يصطدمون في كل مكان بالإسلام أثناء تلك الفترة. ففي الغرب كانوا واقعين في مواجهة عسكرية مع الموحّدين على أرض الأندلس. وفي الشرق كانوا يواجهون جيش الأيوبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي. ينبغي ألاّ ننسى أننا في عز الحروب الصليبية. وفي تلك الفترة من المواجهات السياسية الحامية كان الغرب الأوروبي لا يزال يتردد بين طريقتين أو خطين متباينين: خط افلاطونية، وخط الأرسطوطاليسية. كان لا يزال يتردد بين مدرسة الدير، وبين مدرسة المدينة التي أخذت تظهر هنا وهناك. والأولى أقرب إلى المثالية الأفلاطونية، والثانية أكثر تقبـُّلاً للأفكار الأرسطوطاليسية.
كانت المدن قد ابتدأت تظهر في أوروبا، وكذلك أخذ نظام البلديات يظهر ويتبلور. و كان له أثر كبير على تطور أوروبا فيما بعد. بل ويؤرخ للنهضة الأولى من خلاله. فالعمران أخذ يتكاثر ويتعقـّد ولم تعد مدرسة الدير التقليدية (أي التي تقابل المدرسة القرآنية عندنا) بقادرة على تلبية كل متطلبات أبناء المدن. والواقع أنّ الثقافة الأوروبية لم تكن تعرف حتى ذلك الوقت إلاّ شيئاً يسيراً من فكر أرسطو وأفلاطون. كان عليهم أن ينتظروا سقوط طليطلة في يد الأسبان عام 1085م لكي تبتدئ بعده بخمسين سنة أكبر حركة ترجمة وتثاقف في تاريخ أوروبا: ترجمة الفلسفة العربية إلى اللاتينية. يقول آلان دو ليبيرا بالحرف الواحد: «كانت ردة الفعل المعاكسة على الانتصار الإسباني هي إثارة أكبر حركة تثاقف شهدها العالم الغربي الناطق باللاتينية. فخلال بضعة عقود من السنين فقط راحت تتدفق على أوروبا الشمالية أجزاء كبيرة من الثقافة الفلسفية التي كانت قد تراكمت في أرض الإسلام منذ قرون عديدة. وكانت صدمة اللقاء (أو التثاقف) ذات عنف استثنائي، لكأن التاريخ قد انشطر إلى شطرين: ما قبل التثاقف مع العرب وما بعده. وأصبح أرسطو متوافراً كلياً في اللغة اللاتينية، وقد سبقه ابن سينا ببضعة أعوام فقط. ورافقه ابن رشد. وخلال ثلاثين سنة راح المسيحيون الناطقون باللاتينية يجدون أنفسهم مضطرين لاستيعاب ما كان العرب قد أمضوا في جمعة مدة ثلاثة قرون!
وهكذا راحت حركة الدراسات ومراكز الترجمة والبحوث تنتقل من العالم العربي - الإسلامي إلى أوروبا الغربية. لقد انتهى عهد بغداد وقرطبة. وابتدأ عهد باريس وأكسفورد وبولونيا وبادوا» (4)... وهكذا انتقل مشعل الفكر من العرب إلى الغرب.
ويرى آلان دو ليبيرا أنه قد حصلت نهضتان في القرن الثاني عشر: الأولى محلية، والثانية خارجية آتية عن طريق العرب. وقد سبقت الأولى الثانية وتفاعلت معها. كانت النهضة الأولى تتمثل في ذلك الازدهار العجيب الذي شهدته العلوم اللغوية كعلم النحو والجدل والبلاغة والمنطق. ثم حصل اللقاء التدريجي بين الفكر المنطقي – اللغوي وبين عالم النصوص المقدسة. وكان بطل هذه الحركة، أي حركة تطبيق المنهجية المنطقية على تأويل النصوص المقدسة، هو بيير أبيلار. ورافق ذلك انتشار المدارس الحديثة، أي مدارس المنطق والجدل، في جميع المدن وبخاصة باريس. ونشب الصراع بين المدرسة الحديثة وبين مدرسة الدير التقليدية التي ترفض تطبيق هذه المناهج الجديدة على دراسة النصوص. ونهضت «مدرسة المسيح»، أي مدرسة الدير، ضد المدرسة الفاسدة والمفسدة لأبناء المدن. وعكس ذلك صراعاًً بين الريف / والمدينة، وهو صراع موجود في كل المجتمعات. وكان زعيم حزب المحافظين أو التقليديين هو بيرنار كليرفو، عدو أبيلار اللدود. فهو يرفض أخذ العلم عن «الكفار»، ولا يعترف بمشروعية الفلسفة الأرسطوطاليسية أو الرشدية.
وأما النهضة الثانية فهي تلك التي حصلت في طليطلة، وكانت ذات طبيعة أخرى مختلفة تماماً. فهي تمثل حركة ترجمة واستملاك ثقافي لا تقل ضخامة عن تلك التي حصلت في بغداد العباسية قبل ثلاثة قرون. وقد خلع مطران طليطلة المشروعية الدينية على عملية التثاقف والنقل هذه. وأخذ الخصمان التاريخيان يتعرفان على بعضهما البعض ثقافياً بعد أن تلاقيا في ساح الوغى. ومرة أخرى راح المغلوب (أي العربي - المسلم) ينتصر على الغالب (أي المسيحي - الأوروبي) ثقافياً. ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي ينتصر فيها المغلوب على الغالب بطريقة أخرى...
رد فعل الأصولية المسيحية على «الغزو الفكري» للعرب
كيف استقبلت السلطات الكهنوتية المسيحية هذا الدخول المفاجئ للفلسفة العربية – الإسلامية؟ كيف واجهت «الغزو الفكري» للعرب؟ هذه هي النقطة الأساسية التي تهمنا هنا. وذلك لأنه بناء على ضوئها يمكن أن نفهم موقف جميع الأصوليات في جميع العصور. وقد استخدمت مصطلح «الغزو الفكري» عن قصد لأنه هو المستخدم من قبل المسيحية في القرن الثالث عشر ضد فكرنا، وهو مستخدم أيضاً من قبل أصوليتنا الحالية لمنع التفاعل مع الفكر الأوروبي الحديث. يمكن القول إن أول منع لفكر أرسطو قد حصل عام 1210، أي في بدايات القرن الثالث عشر، هذا الفكر الذي دخل عن طريق شروحات الفارابي وابن سينا أولاً، وليس عن طريق ابن رشد. ابن رشد سوف يدخل على الخط وبقوة أكبر فيما بعد، وسوف يشكل تياراً فكرياً كبيراً له ممثلوه في كل الجامعات الأوروبية ويدعى بالتيار الرشدي. ففي عام 1210 أصدر المجمع الكنسي المنعقد في فرنسا قراراً لاهوتياً بمنع قراءة كتب أرسطو وكتب شرّاحه سواء في الحلقات العامة أم في الحلقات الخاصة. والكتب المستهدفة أساساً بالمنع كانت هي كتب الطبيعة وما بعد الطبيعة (أي الميتافيزيقا) لأنها تقدم صورة مخالفة للصورة المسيحية عن الكون ونشأته ومآله.
وأمّا المنع الثاني فقد أصدره عام 1215 الكاردينال روبير دو كورسون، ولكنه لم يشمل هذه المرة كتب المنطق لأرسطو، وإنما شمل فقط كتب «الطبيعة وما بعد الطبيعة والشروحات التي استمدت منها». هذا يعني أن المنع كان يشمل أرسطو وشارحيه من «الوثنيين والكفار»: أي ابن سينا والفارابي(5). ينبغي ألا ننسى أننا كنا في زحمة العصور الوسطى. وهنا تمكن إحدى الميزات الأساسية التي تفرّق بين العصور الوسطى والعصور الحديثة. فالأولى كانت تتميز بحساسية لاهوتية هائلة وعدوانية، ولذلك نقول الحساسية الدينية القروسطية تمييزاً لها عن الحساسية الدينية الحديثة: أي المنفتحة والمتسا