الحضارية «دراسات شرقية غربية»
 

 

 

الغرب في عيون الشرق(1)

الغرب في عيون الطهطاوي(نصوص مختارة)

د. علي عبد الهادي المرهج

ذهب الطهطاوي إلى باريس على رأس بعثة علمية بوصفه مرشدا دينيا لها. وقد تمت الموافقة على اختياره من قبل محمد علي باشا وهذا واضح من إهداء مطول لـ \"ولي النعم\" \"وعظيم الشيم\" (الحاج محمد علي باشا) الذي رشحه لكي يكون مرشدا دينيا للبعثة.
كتب الطهطاوي هذه الرحلة بناءا على طلب شيخه حسن العطار، حتى يستفيد منها من يريد الذهاب بعده أو من يريد معرفة أخبار الأمم.
في بداية هذه الرحلة نرى الطهطاوي يقوم بتقسيم الأمم إلى عدة مراتب:
الأولى: مرتبة الهمل المتوحشين ـ ومثالهم بلاد السودان.
الثانية: مرتبة البرابرة المنشينين ـ ومثالهم عرب البادية الذين عندهم نوع من الاجتماع ولكن لم تكتمل درجة الرقي عندهم في أمور المعاش والطبائع البشرية والعلوم العقلية والنقلية.
الثالثة: مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدن والتمصر والمستطرفين ومثالهم بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم و الإفرنج و المغرب وسنار وبلاد أمريكا، وجميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات وعلوم وصناعات... وهذه المرتبة تتفاوت في علومها، فالبلاد الإفرنجية قد بلغت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية وما وراء الطبيعة أصولها وفروعها ولبعضهم مشاركة في العلوم العربية وتوصلوا إلى دقائقها وأسرارها (ص 13تخليص الابريز).
غير إنهم لم يهتدوا إلى الطريق القويم ولم يسلكوا سبيل النجاة أبدا وكما إن البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية وفي العلوم العقلية وأهملت العلوم الحكمية بجملتها فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه(ص14).
لذلك يدعو الطهطاوي إلى الاهتمام بالعلوم لاسيما الحكمية بقوله\" إن العلوم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله، وفي الأمثال الحكمية( الناس على دين ملوكهم) \" (ص 15 تخليص الابريز).
وقد\" قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم وتدبيرهم ومعرفتهم في الحرابات وتنوعهم واختراعاتهم\" (ص15 تخليص الابريز)،وقد وجد الطهطاوي إن دولة الغرب إنما قامت على أساس العلوم وهو على أنواع عندهم فضلا عن الحساب والهندسة والجغرافية والتاريخ والرسم هناك علم تدبير الأمور الملكية وعلم تدبير العسكرية وعلم القبطانية والأمور البحرية وعلم فن المشي في مصالح الدول الدبلوماسية وفن الحياة وصناعة القناطر والجسور والميكانيقا( الميكانيكا) وهندسة العساكر وفن الرمي بالمدافع وتركيبها وفن السبك والمعادن لصناعة المدافع والأسلحة وعلم الكيمياء وفن الطب وفروعه وعلم تاريخ الطبيعيات وفروعه وصناعة النقاشة وفروعها، وفن الترجمة ينظر (ص 19-20 تخليص الابريز).
كل هذا الإعجاب لهذه العلوم الذي يبديه الطهطاوي بعلوم الغرب إلى انه لم تفارقه نزعته الدينية المتطرفة القائمة على تكفير الآخر وما يؤيد ذلك قوله \" (ص59 تخليص الابريز)

لان طلقت باريس ثــلاث                 فما هذا سوى لوصال مصــر
    فكل منهما عندي عروس                   ولكن مصر ليست بنت كــــفر

وقوله في موضع أخر عن باريس \" أغلبها نصارى أو كفرة \" ويروي عن امرأة مسلمة إنها تحولت إلى المسيحية ويقول عنها \" تنصرت وماتت كافرة\"( ص56 تخليص الابريز)
ولكن هذا لا يمنع من أن الطهطاوي كان معجبا وشديد الإعجاب بما وصلت إليه بلدان الغرب من تقدم في العلوم وهو يحاول أن يكون منصفا على الرغم من تشكله الديني المتشدد الذي ضعف بشكل تدريجي بسفره إلى فرنسا وأصبح أكثر قبولا للرأي المختلف،بل وأصبح من أوائل دعاة الإصلاح في العالمين العربي والإسلامي فيقول عن الغرب \"لا ينكر منصف إن بلاد الإفرنج الآن في غاية البراعة في العلوم الحكمية وأعلاها في البحر... و أذا رأيت كيفية سياستها علمت كمال راحة الغرباء فيها ومراعاة خاطرهم ولو اختلف الدين... وبالجملة في بلاد الفرنسيين يباح التعبد بسائر الأديان فلا يعارض مسلم في بناء مسجد ولا يهودي في بناء بيعة \"(ص32 تخليص الابريز)
طبائع الغرب:-
\" مما يستحسن في طبائع الغرب دون عداهم من النصارى حبهم النظافة الظاهرية فان جميع ما ابتلى الله سبحانه وتعالى به قبط مصر من الوضم والوسخ /أعطاه للإفرنج من النظافة ولو على ظهر البحر\"(ص 34 تخليص الابريز)
ولم يتساءل الطهطاوي لماذا ابتلي قبط مصر بالوساخة، هل الله ابتلاهم أم \"ولي النعم\"،بعبارة الطهطاوي وهذا التوجه مما لا يتفق بأعتقادنا والنزعة الإصلاحية التي يتبناها الطهطاوي، كونه مصر على رأيه هذا تجاه أقباط مصر لا سيما بقوله عنهم \"أنهم يميلون بالطبيعة الى الجهل والغفلة\"( ص 76 تخليص الابريز)
وان الإنسان حينما \"يجيء من البلاد الشرقية الى بلادهم لا يدخلها الا بعد الكرنتينه( المصحة) أي يمكث ايام معلومة لأذهاب رائحة الوباء ولكنهم يجيؤن الإنسان بسائر ما يحتاج ويناولهم الثمن فيضعونه في ماعون فيه خل ( للتعقيم) ونحو مع التحفظ التام \" (ص46 تخليص الابريز)
كانت البلاد جميلة وأبنيتها محكمة ومتقنة وممتلئة بالرياض وحينما وصلنا مرسيليا وبعد دخول الكرنتينه أحظروا لهم الكراسي التي لم يعتد الشرقيون الجلوس عليها ومدوا الطبليات ووزعوا الملاعق والشوكات لكل ملعقة وشوكة ولا يجوز عندهم أن يأكل الإنسان بيده أصلا ولا بشوكة غيره أو سكينته أو يشرب من قدحه أبدا...
ومن طباعهم الذهاب إلى القهاوي و القهاوي عندهم ليست مجمعا للحرافيش بل هي مجمع لأرباب الحشمة وهي مزينة بالأمور العظيمة النفيسة التي لا تليق إلا بالغنى التام وأثمان مافيها غالية جداً\"( ص 52 تخليص الابريز)
و الفرنسيين لا سيما الباريسيين يتميزون بذكاء العقل ودقة الفهم وغوص ذهنهم في العويصات... وليسوا أسراء التقليد أصلا بل يحبون دائما معرفة أصل الشيء والاستدلال عليه حتى إن عامتهم يعرفون القراءة والكتابة...\" (ص76 تخليص الابريز)
ومن طباعهم التطلع والتولع بسائر الأشياء الجديدة وحب التغيير والتبديل في سائر الأمور وهم محبون لأوطانهم وقد يلقون بأنفسهم في المهالك لمصلحة تعود على أوطانهم ينظر (ص 77 تخليص الابريز)
موقفه من المرأة
وأما النساء فمن عادتهن في هذه البلاد \"كشف الوجه والرأس والنحر وما تحته والقفا وما تحته واليدين إلى قرب المنكبين\" (ص53 تخليص الابريز)
فأنه يرى إن الرجال عندهم عبيد النساء وتحت أمرهن سواء كن حمالات أم لا قال بعضهم إن النساء عند الهمل معدات للذبح وعند بلاد الشرق كأمتعة البيوت وعند الإفرنج كالصغار المدلعين وترى الطهطاوي مؤيد لقول الشاعر\"

أعصي النساء فتلك الطاعة الحسنة              فلن يسود فتى يعطي النساء رسنه
يعقـــــنه عن كثير من فضــائله             ولو سعى طالبـــــا للعلم آلف سنه

يبدو ان موقف الطهطاوي هذا نابع من فهم خاص للشريعة القائم على الأيمان بأن\"الرجال قوامون على النساء\" فضلا عن تساوق هذا الموقف مع تربيته الشرقية التي تقلل من اهمية المرأة وتحجم دورها وتجعله قاصراً على اداء الاعمال المنزلية وأطاعة الزوج وتحقيق رغباته وشهواته
نظام الحكم:-
بعد أن يستعرض الطهطاوي كيفية تشكيل الدولة في فرنسا وكيفية تكوينها من الملك والوزراء المختصين الذين تفتقد وجودهم دول الشرق يشير إلى طبيعة السياسة في فرنسا.
تسير هذه السياسة وفق قانون مفيد بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي حددتها (الشرطة) (الدستور) والقائمة على أسس العدل والأنصاف وقد انقادت الحكام والرعايا إلى (الدستور) حتى غمرت بلادهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم ( ص 99 100 تخليص الابريز)
وبعد أن يستعرض الطهطاوي الدستور الفرنسي نجده يقف عند المادة الأولى التي \"تقول سائر الفرنسيس متساوون قدام الشريعة\" ويعلق على ذلك قائلا \" معناه سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون حتى إن الدعوة الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره فانظر إلى هذه المادة فان لها تسلط عظيم في إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظرا إلى إجراء الأحكام ولقد كانت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية وهي من الأدلة الواضحة إلى وصول العدل عندهم إلى درجة عالية وتقدمهم في الآداب الحاضرة وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف وذلك لان معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان بل القوانين هي المحكمة والمغيرة فهذه البلاد بلاد حرية (ص تخليص الابريز 113)
\"وقد ضمنت الشريعة لكل إنسان التمتع بحريته الشخصية...ومن الأشياء التي تترب على الحرية عند الفرنساوية إن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة ويعاقب كل من تعرض لعابد في عبادته\" (ص117 تخليص الابريز)
هذه القوانين التي جاءت في الدستور الفرنسي\" ليست مستنبطة من الكتب السماوية إنما هي مأخوذة من قوانين أخر غالبها سياسية\" (ص119 تخليص الابريز)
موقفه من الحرية:-
تنقسم الحرية إلى خمسة أقسام حرية طبيعية وحرية سلوكية وحرية دينية وحرية مدنية وحرية سياسية، والطهطاوي يفهم الحرية الطبيعية بأنها متعلقة بوجود الإنسان في هذا العالم وحريته ممارسة الغريزة كالأكل والشرب والمشي وهذه الحرية تقف حدودها عند الضرر بالنفس أو بالآخرين.
أما الحرية السلوكية فهي المتعلقة بتمام الأخلاق وحسن السلوك التي يقتضيها حكم العقل وبالشرط السابق نفسه بالحرية الطبيعية وهو عدم الإضرار بالنفس أو الآخرين (ص127 تخليص الابريز)
والحرية الدينية فيفهما الطهطاوي بأنها حرية العقيدة والرأي والمذهب بشرط أن لا تخرج عن أصل الدين. أما ما يراد منها في الغرب فهو حرية ممارسة العقائد الدينية للإنسان أن يختار الدين أو العقيدة التي تطمأن لها نفسه ولا تتدخل الدولة في آراءه أو عقيدته وذلك أيضا ينطبق على الحرية السياسية التي يفهما الطهطاوي أيضا في ضوء وضعه وعلاقته بالحكومة فهو يفهم الحرية السياسية بأنها حرية أرباب الإرادة الملكية في إجراء أصولهم وقوانينهم وأحكامهم على مقتضى شرائع بلادهم.
هذا الفهم بأعتقادنا يتعارض مع ماهو معروف و المراد من الحرية السياسية في الغرب وهي حرية أبناء المجتمع في تبني الرؤية السياسية التي يعتقدون بأنها تنفعهم وتنفع أوطانهم وهذا متضمن حرية الانتماء الحزبي والتعددية السياسية وان أرباب الإرادة الملكية إنما يخضعون لإرادة شعوبهم.
أما المساواة فهي قرينة الحرية وكلاهما ملازم للعدل والإحسان وأما التسوية بعبارة الطهطاوي بين أهالي الجمعية فهي صفة طبيعية في الإنسان تجعله في جميع الحقوق البلدية كإخوانه وهي جامعة للحرية المدنية والحرية الملكية على الرغم من أن الناس قد يتباينوا في الصفات العضوية بل الصفات الطبيعية وهذا ما اقتضته الحكمة الإلهية ولكن هذه الحكمة جعلتهم متساوين في الأحكام لافرق بين الشريف والمشروف والرئيس والمرؤوس( ينظر ص 130 تخليص الابريز)
المواطن والوطن:-
حينما يقال عن شخص بانه وطني فمعنى ذلك \"انه يتمتع بحقوق بلده وأعظم هذه الحقوق الحرية التامة في الجمعية التأنسية( الاجتماع الإنساني ) ولا ينعت الوطني بوصف الحرية الا اذا كان منقاداً لقانون الوطن ومعيناً على إجرائه في انقياده لأصول بلده يستلزم ضمناً ضمان وطنه له التكتع بالحقوق المدنية والتمزي بمزايا البلدية والانتماء للبلد )فهذا المعنى هو وطني وبلدي يعني انه انه معدود عضواً من أعضاء المدينة فهو بمنزلة احد أعضاء البدن وهذه اعظم المزايا عند الامم المتمدنة \".ص94 المرشد الأمين.
\"والوطن يستوي فيه النوع الإنساني فتجد الحزبين ولو اختلف البعض مع الاخر يتحدان بالنسبة للأجنبي لحماية الوطن أوالدين أو النوع\" (ص125 المصدر نفسه).
ومن اسباب تمدن الأوطان \"التمسك بالشرع وممارسة العلوم والمعارف وتقدم الفلاحة والتجارة والصناعة واستكشاف البلاد التي تعين على ذلك واختراع الآلات والادوات من كل ما يسهل او يقرب الطرق التمدنية بأيجاد الوسائط والوسائل.فما اعان على التعليم والتعلم الذي هو ركن عظيم من اركان التمدن المطابع الاهلية... وما اعان على سعة دائرة التمدن في بلاد الدنيا ترخيص جميع الملوك للعلماء وأصحاب المعارف في تدوين الكتب الشرعية والحكمية والادبية والسياسية ثم التوسع في حرية ذلك بنشره طبعا وتمثيلا وخصوصا جرائد الوقائع لاسيما في بلاد اوربا بقانون حرية إبداء الآراء بشرط عدم مايوجب الاختلال في الحكومة بسلوك سبيل الوسط بغير تفريط ولا شطط (ص125 المرشد الأمين)
ومن أعظم معين على التمدن حرية الملاحة والسياسة في البر والبحر\"(ص126 المرشد الأمين)
الغناء والموسيقى:-
يعد الطهطاوي من هواة الموسيقى والغناء ومن الذين يعتقدون بعلاقة الموسيقى بالروح والغناء الشجي لبسط النفس وهذا الموقف باعتقادنا جاء من حظور الطهطاوي حفلات الاوبرا في باريس وقد قال حول أهمية الغناء مستشهدا بأقوال بعض الحكماء بان فضل الغناء كفضل النطق على الخرس والدينار المنقوش على قطعة من الذهب وفي كلام بعضهم إن الغناء يحرك الهوى الساكن ويسكن الم الهوى المتحرك وفي كلام بعضهم الصوت الشجي يوصل إلى نعيم الدنيا والآخرة واصطناع المعروف قال أفلاطون هذا العلم يعني علم الموسيقى لم يضعه الحكماء للهو واللعب بل للمنافع الذاتية ولذة الروح الروحانية
وبسط النفس وترطيب اليبوسات وتعديل السوداء وترويق الدم وقال بعضهم سميت الأنغام والألحان لأن النفس تستغني به عن الملاذ البدنية في حال سماعه (ص157 المرشد الأمين).
والموسيقى والرقص في بلاد الغرب والافرنج بعبارة الطهطاوي فانها من الامور المثيرة عندهم والتي تستحق الاحترام لانها تنقل حظارة الشعوب وتحترم الإنسان وتبتعد عن الامور المخلة بالحياء لاسيما الاوبرا وحتى الرقص عندهم فهو دائما غير خارج عن قوانين الحياء بخلاف الرقص في أرض مصر فأنه من خصوصيات النساء لتهييج الشهوات، وأما في باريس فأنه نمط مختلف لا يشم منه رائحة العهر أبدا\" (ص139 تخليص الأبريز)لعشق والحب:-
العشق قسمان عشق الحواس وعشق القلب وعشق الحواس المجر عن عن عشق القلب شهواني ينتهي بالوصال ولذة الاتصال وأما عشق القلب الذي هو العشق الحقيقي فهو حب حقيقي يرسخ في النفس (ص 198 المرشد الامين) والحب يعمي بصيرة العاشق ويشوش ذهن الوامق ويملك روحه.
والحب ليس بمستنكر في الدين ولا بمحظور في الشريعة وقد روي عن النبي (ص) عن ابن عباس(رض) من عشق وصبر فعف وكتم فمات فهو شهيد وشرط الشهادة الكتم والعفه (ص 200 المرشد الأمين).
وسأل بعض الأطباء عن ماهية العشق فقالوا إن وقوعه بأهله ليس باختيار منهم ولا بحرص لهم عليه ولا لذة لأكثرهم ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المرتفعة والأمراض المتلقة فلا ينبغي إنكاره على من ابتلى به بل يستحب مساعدته من غير تعنيف ولا زجر كما فعله الصحابة والخلفاء الراشدون، وقال بعضهم المحبة اخذ جمال المحبوب بمحبة القلب حتى لا يجد مانعا للالتفات لسواه ولا يمكنه الانفكاك عنه ولا مخالفة لمراده ولا وجود الاختيار عليه لوجود سلطان الجمال القاهر للحقيقة بتحيله المستغنين عليه دون اختيار منه ولا مهلة ولا روية فان مغازلة الجمال لا يشعر بها آخذته لا يقدر عليها وحقيقة ما يتولد عنها لا يعبر عنها فتنقضي الأعراض وتفنى الحقائق والأمراض فلا يبقى مع غير المحبوب قرار ولا مع سواه اختيار وقد قيل إن العناية أن تحب ويحبك من تحب ومن الشقاء أن تحب ولا يحبك من تحب (ص201 المرشد الأمين).
موقفه من الدين عند الغرب:-
فـ\"الفرنساوية على الاطلاق ليس لهم من دين النصرانية غير الاسم ان سائر تعبدات الأديان التي لا نعرف حكمتها من البدع والأوهام ولا يعظم القس في هذه البلاد الا في الكنائس عندما يذهب اليهم ولا يسأل عنهم ابداً فكأنهم ليسوا الا أعداء للانوار والمعارف\" (ص 185. تخليص الأبريز)
لذلك نجد شيوع العلوم النظرية والعقلية عندهم ويعتقد الطهطاوي ان اعتقاداتهم نتيجة احتكامهم للعقل أصبحت مخالفة لسائر الكتب السماوية، وقد أثرت كتب الفلسفة في إعتقاداتهم لانها محشوة بكثير من هذه البدع... ويجب على من أراد الخوض في لغة الفرنساوية المشتملة على شيء من الفلسفة أن يتمكن من الكتاب والسنة حتى لا يتغير بذلك ولا يفتر اعتقاده وإلا ضاع يقينه\"(ص 190. تخليص الابريز)
نتيجة لاهتمامه بالعلوم نظراً وعملاً نجد ان لفظ العالم عندهم مختلف عن لفظ العالم عندنا فالعالم عندنا هو من له دراية ومعرفة واسعة بالعلوم النقلية (الفقه والشريعة) أما العالم عندهم فـ\"لايفهم منه أنه يعرف في دينه بل انه يعرف علما من العلوم الأخر\"(ص193 تخليص الأبريز) كلعلوم الطبيعية وفنون الصناعة.

المصادر

ـــــــــــ
- الطهطاوي: تخليص الإبريز في تلخيص باريز، طبعة دار الأندلس بيروت،بلا تاريخ
- الطهطاوي: المرشد الأمين، مطبعة المدارس الملكية بمصر،طـ1 1289هـ،أعاده المجلس الاعلى للثقافة بمصر 2002.