الحضارية «دراسات شرقية غربية»
 

التعريف بالحضارة العربية ـ الإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية

(مشكلات التواصل والتفاهم)

د. هشام نشابه(*)

مقدمة:
في إطار التعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت للتعريف بالحضارة العربية ـ الإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية، وتصحيح الصورة القاتمة حتى الظلمة والعداء، التي سادت في المجتمع الأميركي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول /سبتمبر 2001، أتيحت لي الفرصة خلال عام 2004 أن أقوم بزيارتين للولايات المتحدة الأميركية، استضافتني في الزيارة الأولى جامعة Mercer في ولاية جورجيا (الجنوبية) لمدة ستة أسابيع، واستضافتني في الثانية جامعة Davenport في ولاية ميشيغن (الشمالية) لمدة ستة أسابيع أيضاً. وألقيت في كل من الزيارتين ستين محاضرة في عشرين حرماً جامعياً، وأجريت ثلاثين مقابلة وحديثاً في نواد اجتماعية وكنسية وصحفية ومحطات إذاعية وتلفزيونية. فقد كان في جعبتي ثلاثون محاضرة عن الإسلام والحضارة العربية تتناول مختلف أوجه هذه الحضارة، لذلك كان يسيراً عليّ أن أستجيب لكل الدعوات لإلقاء المحاضرات. غير أنه كان لي، خارج هذا الإطار، برنامج عمل خاص (أجندا) لم تمنعني كثافة الارتباطات من متابعته بحرص شديد.
فقد تبين لي منذ ردح من الزمن، أنني لا أعرف الولايات المتحدة الأميركية معرفة وافية كافية. بل إنني كنت، كغيري، متأثراً بالانطباع السائد بأن مجرد معرفة اللغة الإنكليزية أو إتقانها، كاف لمعرفة خصائص الحضارة الأميركية، والقوى المحركة لها، ونظرة الأميركان إلى أنفسهم والى العالم.
والواقع أن قلة نادرة منا، نحن الذي درسنا في المؤسسات الجامعية الأميركية، أو في الجامعات التي تتبع النمط الأميركي، قد درسوا التاريخ الاميركي دارسة معمقة، أو درسوا النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي للولايات المتحدة الأميركية. بل إن الكثيرين منا، لم يستطيعوا أن يؤسسوا صداقات حقيقية طوال مدة إقامتهم في الولايات المتحدة ليتمكنوا من التعرف عن كثب على الروابط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تكّون في مجموعها، الخصائص المميزة للمجتمع الأميركي المعاصر ولعلّ من أتيحت له فرصة تأسيس مثل هذه الصداقات وتيسرت له مثل هذه المعارف، قد استقر في أميركا وأصبح أميركياً، كما هو الحال بالنسبة لآلاف الشباب العرب الذين نلقاهم في مختلف دروب الحياة والوظائف والمهن في الولايات المتحدة. وهؤلاء لا يهمهم في الغالب أن يشاركونا معارفهم... وقد نكون نحن مقصرين في الاستفادة منهم.
ولعل مرد ذلك، في الأساس، يعود إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لم تظهر على ساحة السياسة الدولية كقوة ذات شأن إلا في وقت متأخر جداً. فلم يكن للولايات المتحدة شأن يذكر بالنسبة لنا، إلا في القرن التاسع عشر، يوم عرفناها كبلد اغتراب يلوذ به من ضاقت به سبل العيش، فهاجر إلى تلك البلاد النائية.
ثم برزت الولايات المتحدة الأميركية لأول مرة على الساحات الدولية منذ الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) عندما قامت بدور مرموق في تأسيس عصبة الأمم. ومنذ ذلك التاريخ، ودور الولايات المتحدة ينمو ويزداد حتى أصبحت اليوم، شئنا أم أبينا، وفي فترة زمنية تكاد تكون قياسية، الدولة العظمى في العالم دون منازع.
وإذا كنا نريد أن نكون فاعلين ومؤثرين أو ناجحين في تعاملنا مع الولايات المتحدة الأميركية ـ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ـ لابد أن نعرف عن كثب وبعمق هذه البلاد، وأن لا يعتقد أحدنا أنه إذا رطن بالانكليزية كأبنائها أنه أصبح بالضرورة خبيراً في الفكر الأميركي أو في المجتمع الأميركي ومكامن القوة والضعف فيه.
إن هذه المعرفة العميقة لا تتم إلا إذا أنشئت مؤسسات متخصصة تكرّس جهدها للدراسات الأميركية، وليس في البلاد العربية مؤسسة علمية واحدة مكرسة لهذه الغاية.
والدولة الأميركية، على الرغم من كل مظاهر الجبروت، وإدّعاءات القوة، تشكو من نقاط ضعف، علينا أن نعرفها، كما علينا التعرف إلى العقلية الأميركية كيف تكوّنت، وبماذا تتأثر، وكيف؟
كان لابد من هذه المقدمة قبل أن أحدثكم عن اختباري الشخصي، ونتيجة مطالعاتي وتعرّفي إلى آلاف الناس ـ ولا أبالغ ـ خلال زيارتيّ الأخيرتين للولايات المتحدة الأميركية.
السؤال الأول الذي يجب أن نسأله لأنفسنا، في محاولة التعريف بديننا وحضارتنا، هو: أي جمهور نخاطب في الولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة؟ أقول: (في هذه المرحلة) لأن محاولة مخاطبة كل الناس، كما سأبين، وإن كانت غاية مرجوة، سوى أنها في الوقت الحاضر على الأقل، وبالنظر لضعف الإمكانات المادية والبشرية والظروف العدائية السائدة، غير ممكنة. لذلك لابد أن نحسن استخدام طاقاتنا فلا نفرط بها في مجلات لا جدوى منها.
وقد ثبت بالاختبار، أن خير جمهور نخاطبه في هذه المرحلة هو الجمهور الأكاديمي. أعني الأساتذة والطلاب، ويأتي بعده، بالدرجة الثانية، التجمعات الدينية. أما الجمهور العام، أو ما يعرف بالـ main steam Americans فإنه إجمالاً غير متعاطف معنا، لأن الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي (التلفزيون الأميركي والسينما الأميركية والصحافة عموماً) معبأ ضد العرب والمسلمين منذ سنوات عديدة، وبأسلوب مدروس ودؤوب، وتأثير هذه الوسائل الإعلامية على الجمهور العام تأثير طاغ. فإن بدر بين حين وآخر مقال أو فيلم تلفزيوني أو سينمائي يعطي فكرة إيجابية متعاطفة مع العرب والمسلمين، فهذا استثناء لا يؤخذ به.
أما جمهور رجال الأعمال، فهو أيضاً معبأ ضد العرب. فإذا حاولت أن تذكّر هذا الجمهور بعدد المسلمين وعدد العرب في العالم، وبثروات المواد الخام التي يملكون، والتي تغذي المصانع الأميركية وتقدم للأميركي وسائل الرفاه بثمن بخس، وأن هذا العالم العربي والإسلامي مستهلك نهم للتكنولوجيا.. فقد يلقى هذا الكلام آذاناً صاغية. ولكن لا تلبث الدعاية المشّوهة للعرب والمسلمين أن تزيل تأثيره. ويستغلّ الإعلام جهل رجل الأعمال الأميركي بالحضارة العربية الإسلامية، وبالإنسان العربي وقضاياه، وبمحاولاته الحثيثة للحاق بركب الحضارة التكنولوجية والتطور الاجتماعي، يستغل ذلك لكي يجعل رجل الأعمال ينظر إلى العربي، خاصة العربي المسلم، على أنه مجرد مستهلك لا يوثق به، ولا يمكن بالتالي أن يكون صديقاً إستراتيجياً لا في التجارة ولا في السياسة. وهكذا تصبح إسرائيل الحليف الضروري الذي يعتمد عليه تجارياً وعلمياً في المشرق.
ولكن لابد من الاعتراف أن خطى العالم العربي في مجالات التقدم، بالمفهوم الأميركي ما تزال بطيئة، وأن ثمة واجباً علينا وهو أن نسرع الخطى في هذه المجالات... ولكن رجل الأعمال لا يرحم، ولا رجل الإعلام, وحدهما، في نظري، الأستاذ والطالب في الجامعة، مستعدان للاستماع، والتعاطف وتفهّم الصعوبات والعقبات. ذلك أن تفكير الأستاذ والطالب مبني على إعمال العقل والمنظور وتقصّي الحقائق. هذا، على الأقل، هو اختباري الشخصي في هذا الشأن.
وثمّة على ذلك بعض الأمثلة:
1 ـ في محاضرة مع أساتذة كلية الحقوق في جامعة Mercer في جورجيا، تطرقت للقضية الفلسطينية، مبيناً أوجه العدوان التاريخي المستمر على الحقوق العربية في فلسطين. وكيف أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي قد عرقل تقدم العرب والمسلمين. وعندما انتهيت من حديثي وفُتح باب الأسئلة، قالت إحدى الأستاذات: لقد بينت لنا حقائق نجهلها أو نتجاهلها، وأقول بصراحة إنني أشعر أنه كان من الخطأ أن ندعم قيام دولة إسرائيل في فلسطين. ولم أعلق على هذا الكلام الثوري لأنني لو أيدته لاتهمت باللاسامية.
2 ـ وعلق أستاذ حقوق آخر في الجلسة نفسها قائلاً: إنك تتحدث عن فلسطين طوال الوقت، ولكننا نحن لا نقر بوجود فلسطين، وإنما نعترف بوجود إسرائيل فقط. فقلت: نعم هناك إسرائيل وقد اعترف العرب بحقها في الوجود. ولكنك تعترف بأن هناك فلسطينيين، وهم يثبتون وجودهم في كل يوم بشكل لا يمكن معه تجاهلهم؟! قال: نعم، قلت: هذا لبّ المشكلة، لكل شعب أرضٌ ودولةٌ وعاصمةٌ، فلماذا لا يكون ذلك حقاً للفلسطينيين أيضاً كما هو لسائر الشعوب؟ وأنت تعرف أن إسرائيل لم تحدد بعد حدوداً لها منذ قيامها سنة 1948، فأين حدود هذه الدولة التي تمدها أميركا بالعون المستمر كما لا تمده أية دولة أخرى في العالم؟
3 ـ في محاضرة عن الإرهاب ألقيتها في أحد فروع جامعة دافنبورت، حاولت أن أبين أن الإرهاب ليس عقيدة ism وقلت إن هناك أعمالاً إرهابية. فلابد إذاً من دراسة الدوافع التي أدّت إلى هذه الأعمال. ثم رحت أستعرض الظلم المتمادي الذي تعرّض له العرب والمسلمون في التاريخ الحديث، منذ عصر الاستعمار حتى كارثة فلسطين والعراق وأفغانستان. وقلت إن إلصاق الإرهاب بالإسلام محاولة لجعل الإرهاب عقيدة إسلامية. وهذا خطأ فادح على كل صعيد. وبعد المحاضرة جاءني شاب أسمر اللون، طويل القامة، لعله أستاذ أو طالب، فشكرني على المحاضرة قائلاً: إنها (eye-opener)، فتحت أعيننا على حقائق كنا نجهلها، ثم همس في أذني قائلاً، أرجو أن لا تؤكد كثيراً على أسباب الإرهاب عندما تحاضر في الولايات المتحدة, لأننا نعتبر هذا التأكيد موقفاً عدائياً لأميركا.
أرجو أن لا يساء فهمي، إذ أسوق هذه الأمثلة. فما قصدت إلا إثبات استعداد الأوساط الأكاديمية للاستماع والتفهم أكثر من الأوساط الإعلامية أو المالية والاقتصادية.
غير أنه لابد من أن أسوق إليكم اختباراً مع الإعلام في التعريف بقضايانا. ففي مدينة Grand Rapids في ولاية ميشيغن أتيح لي التعرف إلى طبيب وزوجته، التي قالت إنها تعمل كصحافية حرة free-lance journalist، أي أنها غير تابعة لنقابة أو تنظيم، وإنما يخصها مدير تحرير الصحيفة المحلية بعمود في الصفحة الأدبية بين حين وآخر، وقالت إنها تحب أن تكتب مقالاً عن الإسلام وموقف المسلمين من القضايا المعاصرة، خاصة في موضوع حقوق المرأة المسلمة وحقوق الإنسان عموماً. وقدّمت لي لائحة أسئلة حول هذا الموضوع لأجيب عنها. وعكفت على الإجابة عن الأسئلة بأسلوب أعتقد أنه موضوعي وبعيد عن الانفعال. وقدمت لها الأجوبة في اليوم التالي، فسرّت كثيراً وشكرتني شكراً جزيلاً. وبعد ثلاثة أسابيع من موعد لقائي مع هذه السيدة الفاضلة، كتبت لي تقول بأن محرر الصحيفة اعتذر عن نشر المقال، باعتبار أنه يعبر عن وجهة نظري لا عن وجهة نظرها. وأرسلت لي المقال الذي كتبته، فوجدت أنها غيرت فيه الكثير مما كتبته، وأبدت آراء أنا لا أوافق عليها، ولكنها أثبتت في مقالها ثناءً عطراً على الموضوعية والرصانة التي عرضت فيهما وجهة نظر العرب والمسلمين في موضوع حقوق الإنسان وحقوق المرأة.
واستنتجت من هذه الحادثة أن أبواب الإعلام الصحفي تكاد تكون مغلقة بالنسبة لنا في الولايات المتحدة الأميركية.
والآن أنتقل إلى النقطة الثانية، وهي المتعلقة بالمواضيع التي يهتم بها الأميركيون عموماً نحدثهم عن العرب والمسلمين؟
إن أول ما يسأله الأميركي العادي اليوم هو لماذا يكرهنا العرب والمسلمون؟ فالأميركي العادي يعتقد، صادقاً، أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق مصلحتنا فضلاً عن صيانة مصالحها. وسأعود إلى هذه النقطة.
ويستتبع هذا السؤال، سؤال ثان هو: لماذا لا يؤيد العرب والمسلمون أميركا تأييداً مطلقاً في محاربة الإرهاب؟ هل السبب هو أن الإسلام دين يشجع على الإرهاب؟
السؤال الثالث: لماذا يضطهد العرب والمسلمون المرأة ويحرمونها حقوقاً أساسية؟ ولا يحترمون حقوق الإنسان عموماً؟
السؤال الرابع: لماذا لا تؤمنون، ولا تمارسون الديمقراطية مع أنها خير نظم للحكم؟ وما موقف الإسلام من الديمقراطية والحرية؟
السؤال الخامس: ويسأل الأميركي: لماذا يقف العرب، خصوصاً، موقفاً غير معقول، بل ومتعصب ضد إسرائيل على الرغم من كل المغريات التي تعرضها عليهم؟
أخيراً، يسال الأميركي: كيف يمكننا الخروج من العراق دون أن نريق ماء الوجه؟ ودون التفريط بمصالحنا الحيوية؟
سأعرض عليكم محاولتي للإجابة عن هذه الأسئلة، راجياً المعذرة إن أنا لم أوفِ كل سؤال حقه، فالمقام لا يسمح بالإطالة، والأسئلة كما تلاحظون متشعبة.
السؤال الأول: لماذا يكره العرب والمسلمون الأميركان؟
من المفيد التذكير بأن أول من طرح هذا السؤال هو Stephen Penrose، يوم كان رئيساً للجامعة الأميركية في بيروت، بُعيد سنة 1948، أي أثناء وبعد الكارثة التي حلت بفلسطين. فكتب Renrose مقالاً تحت عنوان: لماذا لم يعد العرب يحبوننا؟ Why the Arabs like us no more نشرته مجلة Readers' Digest، وكانت من أكثر المجلات انتشاراً في أميركا وفي الوطن العربي آنذاك، حيث كانت تسمى (مجلة المختار). واستعرض Penrose، وهو شخصية سياسية وأكاديمية معروفة، تاريخ العلاقة بين العرب والغرب عموماً، وبين العرب والأميركيين خصوصاً، مبيناً أن قيام دولة إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة على أرض فلسطين، قد خيّب آمال العرب بالولايات المتحدة، التي كانت حتى ذلك التاريخ تعد خير صديق للعرب في العالم الغربي. وذكر بلجنة King-Grane الدولية لاستطلاع رأي العرب بعد الحرب العالمية الأولى فيمن يختارون كدولة منتدبة، يوم ذاك عبر العرب عن ثقتهم بالولايات المتحدة، واختاروها لتكون الدولة المنتدبة إذا لم يوافق المجتمع الدولي على منحهم الاستقلال الكامل. بالطبع لم يكن العرب يعرفون بأن للولايات المتحدة تاريخاً غير مشرف في استعمار الفيليبين وجزر البحر الكريبي. وحتى لو عرفوا هذا التاريخ، فقد كانوا على استعداد لتناسيه، نظراً لما خبروه على يد الأساتذة الاميركان، الذين عرفوهم في الجامعة الأميركية في بيروت، إذ وجودوا فيهم أناساً محبين ومقدرين لتاريخ العرب والمسلمين(1)، فاعترفوا بفضلهم وما يزالون حتى اليوم.
والواقع أن النظرة الإيجابية للولايات المتحدة الأميركية، لم تهتز في الوطن العربي والإسلامي عموماً، إلا في عام 1948. بل إن العرب حتى ذلك التاريخ، كانوا يستشهدون دوماً، في معرض التقدير والإعجاب، بل والمحبة، للولايات المتحدة الأميركية، بدور الجامعة الأميركية في بيروت في قيام النهضة العربية، والوعي القومي العربي، ومبادئ الرئيس ولسن الأربعة عشر في حق الشعوب في تقرير مصيرها.
أما بعد سنة 1948، وكلما توغلت أميركا في ممارسة دورها القيادي في السياسة الدولية، أخذ العرب والمسلمون يدركون أن الولايات المتحدة الأميركية تسير على خطى سائر الدول الاستعمارية الغربية، بل تسبقهم في تأييد إسرائيل واستغلال الثروات العربية، لقد أخطأت أميركا خطأ جسيماً يوم دخلت بعد الحرب العالمية الثانية حلبة العلاقات مع دول العالم العربي والإسلامي، على الأسس نفسها التي بنيت عليها سياسات الدول الاستعمارية. بل تحالفت في ذلك مع إسرائيل، التي ابتدعت الاستعمار الاستيطاني، ولقيت تأييداً مطلقاً من الولايات المتحدة الأميركية.
ولكن على الرغم من ذلك، علينا اليوم أن نذّكر الولايات المتحدة الأميركية أن الدول العربية والإسلامية، طوال سنوات الحرب الباردة، كانت أعظم ظهير للولايات المتحدة الأميركية في حربها ضد الشيوعية، إذ وقفت الدول العربية والإسلام في تلك الحرب في وجه المد الشيوعي العارم. ولولا ذلك الموقف العربي والإسلامي، لاستطاعت الشيوعية أن تنشر عقائدها في دول كثيرة، ولربما تغير نتيجة ذلك مجرى التاريخ المعاصر. لقد استفادت الولايات المتحدة كثيراً من الإسلام في فترة الحرب الباردة فشجعته، ودعمت توجهاته، حتى المتطرف منها. فلما انقضت الحرب الباردة، انقلبت عليه، متهمة إياه بتشجيع الإرهاب.
يسأل الأميركيون: لماذا لا يؤيد العرب والمسلمون الأميركيين، تأييداً مطلقاً، في حربهم على الإرهاب؟ يشكك الأميركيون في مصداقية ما تقوله أكثرية العرب والمسلمين، كما يشككون في مصداقية قول الحكام والشعوب العربية والإسلامية، بأنهم رافضون للإرهاب ومعادون له، بحكم دينهم ومصالحهم القومية، ولكونهم كانوا وما يزالون من ضحايا الأعمال الإرهابية. وفي نظري أن هذا التشكيك مسألة ترتبط بأزمة الثقة التي تسود العلاقات العربية الأميركية بخاصة، والإسلامية الأميركية عموماً. غير أن للمسألة بعداً نظرياً أعمق وأدق.
نقول للأميركان إن الإرهاب يتمثل (بأعمال إرهابية محددة، تقوم بها جماعات محددة منظمة، على غرار الجماعات إتقاناً في التنظيم والتخطيط في المشرق العربي عشر، وتمثلت أكثر هذه الجماعات إتقاناً في التنظيم والتخطيط في المشرق العربي بجماعتي (الأرغون) و (السترن) الصهيونيتين في فلسطين.
فعلى الرغم من كل الظلم الذي تعرض له العرب خلال القرن التاسع والقرن العشرين، لم تظهر عندهم حركات إرهابية. وعرفنا حزبي (العهد) و (العربية الفتاة) في العهد العثماني، غير أنهما كانا حزبين سريين لا إرهابيين.
إن للأعمال الإرهابية في العالم العربي والعالم الإسلامي أسباباً يجب تقصيها. وهذه الأعمال مدانة بشدة عند الأكثرية العظمى من العرب والمسلمين. ولذلك فإن معالجة الإرهاب والقضاء عليه تكون بمعالجة أسبابه أولاً. والإرهاب ليس ism. أي، إنه ليس عقيدة. فليس من إنسان يولد إرهابياً، وإنما يصبح إرهابياً، نتيجة خيبات الأمل المتكررة، والفشل، واليأس والكراهية العارمة للغير.. عندئذٍ يصبح إرهابياً إذ يفضّل الموت على الحياة، فينتحر ويودي بحياة أكبر عدد من الناس انتقاماً.
وجميع الذين درسوا موضوع الإرهاب، يعرفون أنه ليس عقيدة، وإنما هو في الأصل والأساس انحراف ناتج عن ظروف ظلم بالغ ويأس بالغ وكراهية بالغة.
غير أن الولايات المتحدة الأميركية جعلت الإرهاب عقيدة بربطه بالإسلام. فألحقت بالإسلام إساءة بالغة. كما رفعت من شأن الإرهاب بجعله ism، بدلاً من اعتباره سلسلة أعمال إرهابية ذات أسباب ودوافع معروفة.
إنني من المؤمنين أن العنف لا يحل مشكلة، ولم يتمكن أن يحل يوماً مشكلة، لا على صعيد الأفراد، ولا على صعيد الدول. إن من المؤسف أن مسار الإنسانية منذ فجر التاريخ، قد جعل من الحرب، وهي العنف الجماعي، وسيلة لحل المشكلات، ولذلك جعلت دراسة التاريخ من الحروب. وهكذا أصبحت الانتصارات العسكرية معيار البطولات والعزة القومية. بل ذهب بعض المنظرين إلى اعتبار الحروب العسكرية ضرورة لتقدم العلوم والفنون والمجتمعات عموماً. إن هذه النظرة إلى الحرب، واستطراداً إلى العنف عموماً، هي نظرة بدائية بل وهمجية. وليس وفي أي دين إلهي المصدر ما يمكن أن يؤيد هذه الهجمة أو البدائية.
والإسلام دين منزّل من رحمن رحيم، يمج الحرب، ويدعو للسلم والسلام، ويرى اللجوء إلى الحرب انحرافاً لا يبرره إلا ردّ اعتداء أو دفع ظلم بالغ. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (لأنفال:61).
فأي خدمة نقدمها للإرهاب إذ نرفعه إلى مرتبة العقيدة، وأي ظلم للإسلام إذ نصفه بالداعي للإرهاب!!؟
قلت لمستمعيّ في إحدى الجامعات الأميركية: يقولStephen Grane في كتابه The Red Badge of Courage، وهو من كتب الأدب الكلاسيكي الأميركي: (إن من الخطأ أن يحشر أي إنسان عند قدم الجدار) lt is wrong to drive people into final corners، لأنه عندئذٍ يتصرف بلا وعي ولا رادع، وهذا تماماً ما أدى إلى ظهور الإرهاب عند بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة. وساعدهما على ذلك توافر السلاح المدمِّر.
عندما عرضت هذا التحليل في الأوساط الأكاديمية الأميركية، وجدت تجاوباً مشجعاً. ولكنني لابد أن أقول أيضاً إنه، بعد المحاضرة عن الإرهاب، جاءني من همس في أذني قائلاً: (أنصحك بأن لا تؤكد كثيراً على فكرتك هذه، فإن الإدارة الأميركية تعتبر كل من يطرح موضوع أسباب الإرهاب معادياً لأميركا). وأنا بدوري أقول إن من يرفع الإرهاب إلى مصاف العقائد العالمية ويربطه بالإسلام، يعادي الإسلام وأميركا جميعاً.
قضية المرأة وحقوق الإنسان: من أولى المسائل التي يطرحها الأميركيون مع العرب والمسلمين قضية المرأة وحقوق الإنسان في مجتمعاتنا. وهي مسألة شائكة لا ريب. وليس من الأمانة العلمية أن نتخذ موقفاً دفاعياً أو عاطفياً أو اعتذارياً (apologetic) أو تبريرياً من هذه المسألة. بل يجب الاعتراف أن ثمة فارقاً واضحاً بين النظرية والتطبيق في هذا الشأن، بين ما ندّعيه من صون لحقوق الإنسان في الإسلام، وواقع ما يتمتع به الإنسان العربي والمسلم عموماً من هذه الحقوق، وما تتمتع به المرأة من هذه الحقوق، على وجه الخصوص. صحيح من ناحية أخرى أن المنظرين الإسلاميين يرون أن ثمة دعوة في الفكر الإسلامي للموازنة بين الواجبات والحقوق، مما يستدعي بلورة نظرية أعمق مما نجده في الأدبيات التي تتناول هذه المسألة. ولكن من الواجب التأكيد أن المجتمع العربي والإسلامي عموماً يسير في اتجاه الاعتراف بجميع الحقوق التي نصت عليها الشرعة العالمية لحقوق الإنسان فنحن اليوم في مرحلة القول بأن ليس في هذه الشرعة ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وفي اعتقادي أن جميع الدلائل النظرية والاجتماعية، تشير إلى أن التطور المستقبلي هو لصالح القبول بشرعة حقوق الإنسان من قبل جميع الدول العربية والإسلامية. علماً بأن الأغلبية الساحقة من هذه الدول قد وقعت على هذه الشرعة، وأن دولة إسلامية واحدة وقّعت، مع التحفظ على بندين أو ثلاثة من بنودها. فالمسألة بالنسبة إلي هي مسألة وقت لا مسألة مبدأ. والتطورات الاجتماعية تحتاج إلى وقت، أي أنها تحتاج إلى صبر. ويؤسفني أن أقول إن المجتمع المعاصر لم يعد يعطي الصبر مقاماً مرموقاً بين الفضائل الأساسية في سلوك الأفراد ولا في سلوك الدول.
وعلينا أن ننّبه المحاور الأميركي، عند طرح موضوع حقوق الإنسان وحقوق المرأة إلى ثلاثة نقاط أساسية.
النقطة الأولى: أن الولايات المتحدة لا تخدم قضية حقوق الإنسان إذا اتخذتها غطاء للتدخل في شؤون الدول لصون مصالحها التجارية أو المادية. كما أن الولايات المتحدة لا تخدم شرعة حقوق الإنسان إن كالت بمكيالين، فتغاضت عن خروقات الشرعة في بعض الدول، وطالبت بفرض عقوبات على دول أخرى إن هي تغاضت عن هذه الحقوق. إن مثل هذه المواقف ـ وهي كثيرة ـ تضعف مصداقية الداعين لاحترام الشرعة في دول العالم.
النقطة الثانية: أن الدعوة لاحترام شرعة حقوق الإنسان لا تكتسب قيمة حقيقية في المجتمعات التي تتفشى فيها الأمية بشكل واسع. فإن كنا نريد لمجتمع أن يعي أفراده حقوقهم وواجباتهم، علينا أن نبدأ من حيث بدأت البلاد الغربية نفسها، أي من محو الأمية. إذ لا تثمر مع الأمية أي جهود في هذا الميدان أو في غيره من ميادين التطور الاجتماعي.
النقطة الثالثة: أن الدول الغربية قد احتاجت إلى مئة وخمسين سنة للتوصل إلى ما توصلت إليه اليوم من صون لحقوق الإنسان، علماً بأن هناك جدلاً حادّاً حول مدى احترام الدول الغربية نفسها ـ وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية ـ لحقوق الإنسان في تعاملها مع مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى بعض القوانين في المملكة المتحدة وفي الولايات الأميركية، التي تبيح التوقيف المبني على الظن، وتأجيل المحاكمة للموقوفين إلى آجال غير مسماة، وعدم احترام حقوق اللاجئين، والتمييز العرقي في التوظيف الخ... مما لا يتسع المجال للتوسع في تبيانه.
ولابد من إشارة خاصة إلى حقوق المرأة في الإسلام. إن من العبث، في نظري، في معرض حوارنا مع الأميركان، في موضوع حقوق المرأة في الإسلام، القول بأن المرأة المسلمة لا تشعر بأن حقوقها مهضومة. فهذا القول لا يمكن تعميمه على كل النساء في العالم الإسلامي. فقد عانت المرأة المسلمة، كغيرها من نساء العالم، من حرمان وظلم عظيمين.
كما أن لا جدوى من القول بأن الإسلام قد أعطى المرأة، منذ أكثر من ألف واربعماية سنة، حقوقاً لم تعرفها المرأة الغربية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وأن ليس في الإسلام، حسب أغلب المذاهب الفقهية، ما يحول دون وصول المرأة إلى جميع مجالات العمل وتسلم أعلى المناصب في الدولة. كما لا تجدي الأمثلة عن نساء مسلمات برزن في التاريخ الإسلامي وكنّ ذوات حول وطول. ذلك أن الواقع المرير يشير إلى أن الأمية متفشية بشكل مريع بين صفوف المرأة المسلمة اليوم، وأن مقامها الاجتماعي ومشاركتها الفعلية في مختلف ميادين العمل ما تزالان أدنى بكثير مما حققته المرأة الغربية في ميادين العلم، والمكانة الاجتماعية والمشاركة في الحياة العامة.
غير أنه يمكننا القول، بكل ثقة، إن المرأة العربية قد خطت خطوات مهمة في ميدان التعلّم خلال القرن العشرين، وإن عدداً لا يستهان به من النساء يناضلن من أجل حقوقهن، ويحرزن في كل يوم انتصارات واضحة، وإن جميع الدلائل تشير إلى أن هذه الانتصارات النسائية ستتوالى بسرعة في المستقبل. ولعل أكثر دليل على ذلك، هذه الأعداد المتنامية من الفتيات اللواتي يملأن مدرجات الجامعات والنتائج التي تحققهن في الامتحانات والمسابقات، حتى إن عدد الفتيات فاق عدد الفتيان، كما هي الحال في أكثر من جامعة في لبنان مثلاً. وأحسب أن هذه الظاهرة تصح في عدد من الجامعات في مصر والأردن، والعراق. أعتقد أن هذه الظاهرة، وحدها، إلى جانب ظاهرة انخراط المرأة في الحياة العامة في الدول الإسلامية، تطمئن أنصار حقوق المرأة في بلادنا، بأن مسيرة تحرر المرأة سريعة الخطى أكثر مما يظن البعض. ولنذكر جميعاً أن المرأة الأميركية، حتى منتصف القرن العشرين، لم تكن تتمتع بحق فتح حساب باسمها في البنك دون موافقة زوجها، وأن معركة حقوق المرأة ما تزال قائمة بشدة في البلاد الغربية نفسها. إن قضية المرأة قضية عالمية وإن اختلفت حدتها بين دولة وأخرى.
ولا يسعني أن أنتقل إلى نقطة أخرى في هذا الحديث دون أن أشير إلى الاختيار الشخصي التالي:
عندما كنت أحاضر في جامعة دافنبورت في Warren في ولاية ةMichigan دعيت لزيارة متحف مدينة Detroit للفنون Art Detroit Metropolitan Museum of، وكانت زيارة ممتعة، إذ تجلت في لوحات المعرض النهضة الصناعية التي تعبر عن أعظم إنجازات الولايات المتحدة الأميركية في القرن العشرين. فقد كانت troit De أحد المراكز الرئيسية لهذه النهضة.
بعد الزيارة الرسمية، اقترحت عليّ مرافقتي، وكانت أستاذة أميركية من أصل أفريقيAfro-american كما يحلو أن يشار اليوم إلى الأميركيين السود ـ إقترحت أن نزور متحفاً آخر للأميركيين من أصل أفريقي، فوافقت بالطبع؛ لأنني كنت وما أزال أتعاطف مع هذه الفئة من الأميركيين، نظراً لما تعرضوا له من اضطهاد في الولايات المتحدة الأميركية منذ القرن السابع عشر، وما تزال آثار ذلك الاضطهاد باقية حتى اليوم، على الرغم من كل محاولات تخفيف هذا الظلم العريق.
وكانت تعرض في المتحف وثائق وصور وشهادات لأبشع ما تعرض له الأفارقة الأميركيون من الجلد، والاستغلال، والاستفزاز، والاغتصاب، إضافة إلى مواقف التمييز العنصري والعرقي من قبل بعض السياسيين ورجال الأعمال البيض، بل ومن بعض رجال الدين. ولمدة ساعتين، شاهدت وقرأت عن هذا الظلم، حتى كدت أتقيأ اشمئزازاً، دون مبالغة. وكان عنوان المعرض Without Sanctuary (بلا حماية). قلت لمرافقتي إن هذا المعرض يثير الاشمئزاز، بل أكثر من ذلك، إنه يثير الضغائن والحقد والكراهية بين البيض والسود. فلماذا نظّم متحفكم مثل هذا المعرض؟ قالت: لكي لا ننسى. عليهم أن يتذكروا دوماً كيف عاملونا.
إن على الولايات المتحدة الأميركية أن تعمل الكثير للتخفيف من حدّة النقمة التي يشعر بها الأفارقة الأميركيون تجاه مواطنيهم البيض.
قضية الديمقراطية
يعتقد الأميركيون أنهم اليوم حماةُ الديمقراطية ودعاتُها في العالم. وقد يطيب لنا، في موقف اعتذاري عريق في الفكر العربي والإسلامي الحديث، أن نتحدث عن عراقة الفكر الديمقراطي في الإسلام وفي التراث العربي، فالحديث عن الشورى والإجماع، كسمات بارزة للديمقراطية في النظام السياسي في الإسلام، باتت معروفة.
غير أنه قد تبين لي بالتجربة، أن هذا الخطاب لا يعني شيئاً بالنسبة للسامع الأميركي. لذلك فإن ممارسة ديمقراطية واحدة، شفافة وديمقراطية ـ مثل الانتخابات الفلسطينية في 9 كانون الثاني 2005، أكثر بلاغة من كل ادعاءات الديمقراطية المتوافرة في كتابات البعض.
غير أن من الضروري الإشارة، إلى أن الأميركي نفسه، خاصة في أوساط المثقفين، ليس فخوراً بالممارسات الديمقراطية في بعض الأحيان في الولايات المتحدة نفسها. بل إنني سمعت انتقادات حادة، يتردّد أحدنا من توجيهها إلى النظام الأميركي، إدراكاً منا بان ما عندهم يبقى أفضل مما هو حاصل عندنا!!
قالت لي عميدة إحدى الكليات، تعليقاً على الانتخابات الأميركية الأخيرة: (إن جون كيري، المرشح الديمقراطي، أفضل من جورج بوش، المرشح الجمهوري، ولكن بوش هو الذي سينجح في النتيجة). قلت: هذا قول خطير؛ إنه يعني أن الانتخابات لا تأتي بأفضل المرشحين إلى الحكم.. قالت: نعم هذا صحيح ولا شك فيه. قلت: إذاً كيف تنتظرون من شعوب العالم أن تتبنى هذا النظام؟ وساد الصمت بيننا.
ويوافق الأميركيون، دون تردّد، إذا قيل لهم بأن الديمقراطية لا تُفرض فرضاً وإنّما تتبع من قناعة الشعوب. ولكي تنبع من قناعة الشعوب لابد أن تسبقها الثقافة الديمقراطية أو التنشئة الديمقراطية. وللتدليل على ذلك، إليكم هذا الدرس في الديمقراطية، الذي تعلمته من طفل أميركي في الخامسة من عمره.
دعاني أحد الأساتذة ذات يوم لتناول الغداء مع عائلته في أحد التجمعات التجارية الكبرى التي تحتوي عادة على عشرات المطاعم. واقترح الأستاذ مارك أن نذهب إلى مطعم في الطابق الأرضي، واعترضت زوجه مارغريت، مفضلة مطعماً في الطابق الأعلى. واحتدم النقاش وأنا أستمع دون إمكانية التدخّل لجهلي بالمطاعم المتوافرة في ذلك المكان. واذ بابنهما الصغير، نيكولاس، يقول Letus vote. فلنصوّت. لقد نشأ نيكولاس منذ ولد على أن حل الاختلاف واتخاذ القرار يكون بالتصويت. هذه هي الثقافة الديمقراطية. فعندما يصبح الطفل ابن خمس سنوات، يرى في التصويت الوسيلة (الطبيعية) في حلّ النزاع، فتكون الديمقراطية قد ترسخت في المجتمع. ومن أجل ذلك، لابد من أن يتعاون البيت والمدرسة والمجتمع على تحقيق هذا الهدف.
إن هذه الثقافة الديمقراطية لم تتحقق في الولايات المتحدة الأميركية إلاّ خلال قرون من الزمن، كان بعضها أبعد ما يكون عن الممارسة الديمقراطية. ولذلك؛ إذا أصرّت الدول العربية على بلورة نظام ديمقراطي خاص بها، فإن ذلك يثري الممارسة الديمقراطية ويساعد على انتشارها... هذا إذا سلمت بالطبع النوايا وصحّت الرغبة في نشر الديمقراطية في العالم.
ولكن، ماذا عن العرب الأميركيين؟
لما كنت في زيارتي الأخيرة أتنقل بين جامعات ولاية ميشيغن، كان من الطبيعي أن أخص إحدى الجامعات في مدينة Dearborne بزيارة خاصة. ففي Dearborne توجد أكبر جالية عربية في الولايات المتحدة الأميركية، ولعلّ عدد أفراد هذه الجالية يتجاوز المئة ألف في هذه المدينة وحدها، بحيث يشكل العرب الأميركيون فيها قوة سياسية واقتصادية لا يستهان بها، وعندهم مجلة يومية تصدر باللغتين العربية والإنكليزية. ولكن قوة الجالية العربية لا تتجلى إلا في الانتخابات البلدية. فمع أنني كنت في Dearborne في عزّ الحملة الانتخابية للرئاسة، فإنني لم ألحظ أي اهتمام يذكر من المرشحين للرئاسة لكسب أصوات الجالية العربية. قالوا لي إن جون كيري زارهم، ولكن قيل لي أيضاً إن أحد مساعديه هو الذي جاء للزيارة.
أما أعلى شخصية عربية قابلتها من أبناء الجالية فكان نائباً للرئيس في بلدية Dearborn، وهو السيد يوسف (جو) بيضون، وهو رجل محبوب ولبق وكريم. وأبناء الجالية العربية يعملون في التجارة، وعندهم مطاعم بعضها مميز وأنيق، والعديد منهم يعملون في محطات الوقود. وفي بعض أحياء Dearborne تكتب أسماء المحلات التجارية باللغة العربية إلى جانب الإنكليزية، ويمكنك أن تتحدث في محطات الوقود باللغة العربية، وأنت على ثقة بأن واحداً أو اكثر من العاملين يتكلم العربية؛ لأنه إما من لبنان أو من العراق أو من اليمن.
ويلفت نظرك في Dearborne جامع أنيق في هندسته، تحسبه من جوامع أي بلد إسلامي عريق. كما أن بين العرب كلداناً من العراق وأشوريين وأرثوذوكساً قد بنوا مراكز ثقافية ومستوصفات وكنائس تتبع لها مدارس وحدائق للأطفال. وكلها توحي بأن الجالية العربية تتمتع برخاء نسبي.
غير أن الملاحظ أيضاً، أن الجالية العربية تشكو من المذهبية والطائفية بشكل يدعو إلى الأسف الشديد. فبدل أن يعتبر العرب الأميركيون أنفسهم نموذجاً في التعايش والانفتاح والمستوى العلمي والاجتماعي الرفيع، رأيتهم قد نقلوا معهم المذهبية والطائفية والانغلاق. وقد شعرت أحياناً أنني في ghetto عربي.
إن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية مليء بالأمثلة لجاليات دينية أو عرقية تعيش في ghetto، أي في معزل عن التيارات الأميركية الكبرى في المجتمع، أو ما يعرف بال main stream American . فكم من جماعة دينية أو عرقية في أميركا تعيش في معزل عن باقي المجتمع، والدولة تحمي حقها في اختيار العزلة طالما أنها تؤدي واجباتها القانونية وتدفع الضرائب ولا تسيء إلى النظام العام.
إن الجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة ستبقى ضعيفة وغير ذات شأن يذكر، طالما أنها لا تتحد لنفسها رسالة تلتزم بها، وتعمل بوعي ووفق مخطط مدروس على تنفيذها. وهذه الرسالة في نظري هي:
أولاً: أن تعمل على وحدة الكلمة، بعيداً عن عوامل التفرقة المذهبية والطائفية.
ثانياً: أن تقاوم النزعة إلى الانغلاق والعزلة. وذلك عن طريق الإقبال على العلم والحرص على التميّز فيه والاندماج بالمجتمع.
ثالثاً: الحفاظ على اللغة العربية والتمسك بالدين، وذلك لضمان استمرار الصلة مع الوطن الأم.
رابعاً: الوعي العميق بأن الجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة يمكن أن تكون نموذجاً تقتدي به الدول العربية والإسلامية في التعايش والتضامن، والفكر المنفتح. أما أن تعكس الجالية عيوب العرب والمسلمين في بلادهم الأصلية فهذا خطأ لا يغتفر.
إن عدد المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية يتراوح بين 15 مليوناً و30 مليوناً، وهم في تزايد مطرد. إن مثل هذا العدد، إذا حدد دوره ووعيت رسالته، يمكن أن يصبح قوة فاعلة لا يستهان بها في إبراز الوجه المشرق للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن هذا أمل ما يزال صعب المنال طالما أنه لا يوجد مخطط مدروس لتحقيق هذه الغاية فقد تبنى الجوامع والمدارس وتبقى ضعيفة وضيقة الأفق، شكلاً ومضموناً، فلا تغني المجتمع الأميركي ولا تغني الوطن الأم.
ما صيغة الحوار التي يجب اعتمادها مع الأميركيين؟
من الخطأ القول بأن هناك صيغة واحدة تجدي في الحوار مع أي شعب أو أية حضارة، فثمة ظروف تتحكم في الصيغة المثلى للحوار. لذلك فإن ما أقوله فيما يلي هو اقتراح لصيغة ممكنة، وجدتها بالاختبار الشخصي، الأكثر جدوى والأدعى إلى قيام علاقة سليمة بيننا كعرب ومسلمين وبين الأميركيين.
يجب أن نتذكر، أولاً، أن الأميركيين عموماً لا يعرفون شيئاً عن العرب والمسلمين. والمرء عدو ما يجهل. ومن يعرف منهم بعض الشيء عنا فإن معلوماته مشوهة أو مغلوطة أو مغرضة غالباً. هناك بالطبع المتخصصون، ومعلومات هؤلاء قد تكون غاية في الدقة والعمق، لكنهم فئة قليلة تضع معلوماتها في خدمة سياسة الدولة، أو يحصرون اهتماماتهم بالأبحاث في الأوساط الأكاديمية. ومن هؤلاء المتخصصين مغرضون ومتعصبون ضد العرب والمسلمين. ولكني أفضل هؤلاء على الجهلاء، اللهم إلا من أعماه التعصب. وقد صدق مَن قال (عدو عاقل خير من صديق جاهل).
ومن دلائل الجهل عند الأميركي العادي عن العرب والمسلمين.
1 ـ أنه لا يعرف عدد المسلمين في العالم. فعندما سألت في إحدى محاضراتي عن عدد المسلمين وعدد العرب في العالم، قال أحدهم إن المسلمين مئة مليون، وقال آخر ستة مليارات...
2 ـ يسأل الأميركي العادي بماذا يؤمن المسلمون؟ هل يؤمنون بالآخرة وبالثواب والعقاب في يوم الحساب؟ يقول بعضهم إن المسلمين لا يؤمنون بالله (God) وإنما يؤمنون بـ (الله). ويقول بعضهم إنهم يعبدون محمداً.
إذا كان هذا مدى الجهل، فتصوروا كم يكون الحديث صعباً إذا تحدثنا عن القضاء والقدر، والشريعة، والتصوف، ودور العقل والقرآن الكريم والحديث، ونظام الحكم، والنظام الاجتماعي، وقانون الحرب والسلم في الإسلام وما إلى ذلك.
إن هذا الوضع يستدعي مسعىً مدروساً لإدخال تعليم أساسيات الإسلام وأساسيات الحضارة العربية في المدارس الثانوية، فضلاً عن الجامعات في الولايات المتحدة الأميركية.
وقد لاحظت، بالاختبار، أن مثل هذا المطلب ممكن التحقيق، لأن النقص الأميركي، خاصة في الأوساط التربوية، وفي الجامعات على الأخص، قابل للمعالجة إذا عرف المواطن الأميركي بهذا النقص. والمسؤولية تقع علينا إلى حدٍّ ما. فإذا تركنا الساحة فارغة استغل أعداؤنا، وهم كثر، جهل الأميركي بالإسلام؛ للإساءة إلى صورة العرب والمسلمين دون رادع أو حسيب.
غير أنه يجب علينا التنبه إلى أن من غير المفيد، إن لم يكن من المضرّ، أن تخاطب الأميركيين كمبشرين أو دعاة، فالأميركي عموماً يمج أسلوب الدعاية الدينية، على الرغم من انتشارها في أوساطه. كما أنه من المضر أن ندعي أن مجتمعاتنا الإسلامية اليوم لا تشكو من عيوب، أو أن تاريخنا كله مثاليات. ولكنه من الظلم أن نتهم أنفسنا بكل المفاسد، في الوقت الذي يشهد العالم العربي والإسلامي جهوداً دؤوبة للإصلاح والتقدم. فإن لم تثمر جهود الإصلاح بالسرعة المرجوة، فإن لذلك أسباباً يجب بيانها.
لا أستطيع أن أغادر هذا المنبر دون الإشارة إلى موضوع المأزق الأميركي في العراق. وهو مأزق يرتبط بالقضية الفلسطينية وبقضية أفغانستان.
لا شك عندي بأن المناهضين للحرب في العراق في الولايات المتحدة الأميركية هم أكثر بكثير من أنصارها. ففي محاضرة حاشدة ألقاها بول بريمر، الحاكم الأميركي السابق للعراق في أيلول الماضي في Grand Rapids والتي أمضى فيها 35 دقيقة من أصل 40 دقيقة يعدّد (جرائم صدام حسين)، والدقائق الخمس الباقية كانت مقدمات وخواتم. وتساءل أحد السامعين بعد المحاضرة، مّن الذي يناقش في مظالم وجرائم صدام حسين؟ المهم الآن هو كيف الخروج من هذا المأزق؟
إن الأميركي قلق على مصير هذه الحرب القذرة، وهذا الاحتلال الذي يعتمد على القوة. إن بعض المحللين الأميركيين يقولون صراحة بأن اعتماد الولايات المتحدة الأميركية على القوة العسكرية في فرض الحلول، مبنى على كونها تتمتع بقوة عسكرية هائلة، وكذلك فهي تحبذ الاحتكام للقوة العسكرية في حل النزاعات، ولكن هذه نظرة قصيرة النظر وستكلف الولايات المتحدة دماء العديد من شبابها، وتسيء إلى الولايات المتحدة كدولة عظمى، وتفسح المجال لأوروبا أن تنال تأييداً وثقة عالية أكبر.
إن الأميركي يدرك كل هذا ويبحث عن مخرج ينهي به احتلاله للعراق، شرط ان لا يؤدي ذلك إلى تعريض مصالح أميركا في العراق إلى أي خطر. إن الولايات المتحدة الأميركية تعلم يقيناً أن وحدتها واستمرار قيادتها للعالم يتوقفان على رخاء شعبها. لذلك فإن كل ما يهدد هذا الرخاء مرفوض لا محالة.
وأختتم هذا الحديث بكلمات موجزة عن موقف الأميركي المثقف من النقد أو الانتقاد الذي يمكن أن يوجه اليه كمجتمع أو كدولة.
إن أي تعميم بهذا الشأن غير صحيح، كما هي الحال في يكل تعميم عن شعب أو جماعة، فالأفراد يختلفون باختلاف أمزجتهم ونشأتهم وتربيتهم. وإنما يستطيع الإنسان، بناء على الخبرة الطويلة، أن يتبين بعض الملامح العامة. وهذا ما سأعرضه عليكم بشأن موقف الأميركي المثقف من النقد أو الانتقاد.
يجب أن ندرك أن ثمة قضايا عند كل شعب إذا أثيرت، في معرض الانتقاد تثير ردود فعل عكسية أو عدائية.
فمن القضايا الحساسة، بالنسبة للأميركي، مسألتان ترتبطان بتاريخ أميركا، وهما قضية معاملة الأميركي الأبيض للأميركي الأسود، ومعاملة الأميركي الأبيض للهنود الحمر، أي للسكان الأصليين لأميركا الشمالية. وهما مسألتان عرقيتان كما هو معلوم.
ولا أريد أن أستعرض قصة الاضطهاد والأذى الفادحين اللذين تعرض لها الأميركيون ذو الأصل الأفريقي، والهنود الحمر. مع أنها قصة مثيرة وجديرة بالدراسة المتأنية من حيث الدوافع والوقائع والنتائج، وإنما سأقتصر على ردود الفعل المحتملة للأميركي المثقف عندما ينتقد لسوء تصرفه العرقي والعنصري.
إن ردة فعله تكون إما الاستماع بهدوء، أو الاعتراف بأن هذا التصرف العنصري هو من رواسب الماضي، الذي يحاول المجتمع الأميركي المعاصر أن يتخلص منها بدرجات متفاوتة من النجاح حسب الولايات. فإن من أدب الحوار عند الأميركي المثقف حسن الاستماع وعدم الرد على النقد، خاصة إذا جاء من زائر أجنبي. فإن اضطر إلى الرد. رد باختصار شديد، فقط لإبداء عدم موافقته. ولكن الأميركي يصنف المنتقد فوراً كعدو، ويبتعد عنه، خاصة إذا كان عربياً أو مسلماً. وهو يعتقد، صادقاً، أن المنتقد حاسد للأميركي؛ نظراً لما يتمتع به من بحبوحة في العيش ولذلك فهو ينتقده للتعبير عن حسده.
بالمقابل، فإن الأميركي يسعد كثيراً بالثناء وإظهار المحبة، حتى وإن كان ذلك تملقاً أو رياءً.
إن النقد الوحيد المقبول عنده هو النقد العلمي، الذي يأتي في معرض الدراسة الموضوعية، خاصة إذا كان هذا النقد مدعوماً بالأرقام. ذلك أن للأرقام سحراً خاصاً، وكذلك الرسوم البيانية. والسكوت على النقد لا يعني القبول به أو الرضى به، بل قد يعني عكس ذلك تماماً. وقد تبينت بالاختبار أن وراء البساطة والتواضع الأميركي، اعتداداً بالنفس لا يترك مجالاً واسعاً للتسامح.
هذه ملاحظات وآراء مبنية على اختبارات شخصية، أرجو أن تسهم في (التفاهم والتفهم) بيننا وبين المجتمع الأميركي، وأن تستحث غيري من الدارسين والباحثين على بذل المزيد من الدراسات للمجتمع الأميركي، في عصر بات التعامل فيه مع الولايات المتحدة الأميركية ضرورة لحل جميع القضايا الكبرى في العالم.

الهوامش
ــــــــــ
(*) باحث لبناني، رئيس المعهد العالي للدراسات الإسلامية، رئيس مجلس إدارة المعاهد العليا في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ـ بيروت.
المصدر: النهوض العربي ومواكبة العصر، مجموعة من الباحثين، مراجعة وتقديم صلاح جرار، مؤسسة عبد الحميد شومان ـ عمان الأردن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 2005.
(1) هذا مع العلم أن الإبحاث الحديثة عن أساتذة الجامعة الاميركية في بيروت، ومواقفهم من العرب والمسلمين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تبين أن صورة الإعجاب والتقدير الكامل التي اضيفت على هؤلاء الأساتذة، تستدعي إعادة النظر في ضوء الوثائق. أنظر، مقال أسامة مقدسي في مجلة American Historical Review.