الحضارية «دراسات شرقية غربية»

 

 

إدوارد سعيد وإنتاج الخطاب المعرفي بحث في الأدبيات الأستشراقية

بقلم:أرجون سذي

ترجمة د.صباح واجد

(خاص للمعهد)

من الأفكار الأساسية لإدوارد سعيد هي أن المعرفة عن الشرق قد تولدت ليس من خلال الحقائق بل من خلال البنى المتصورة التي وضعت الشرق في قالب الضد من الغرب .إنها معرفة قبلية(a priori) تم تركيبها بواسطة النصوص الأدبية والسجلات التاريخية التي تميزت بقصور رؤيتها فيما يتعلق بالفهم لمعطيات ومتغيرات الحياة في الشرق الأوسط.
وكما يرى الناقد لوكمان Lockman بأن سعيد يقدم نقدا «للطرق التي يتم فيها تصوير العرب والمسلمين في الإعلام الغربي على أنهم إما شيوخ نفط أثرياء قذرون، أو إرهابيون». وبهذا يوحي لنا لوكمان ان الشرق قد صنف بلغة مبالغ فيها لغة ذات بعد واحد ونمطية وليس على انها تمثل الحقيقة. إن الأدب الغربي كان مسؤولا الى حد كبير جداً في إعطاء هذه الصورة النمطية السلبية.ولعل الشاعرين شلي Shelley و كبلنك Kipling قد يكونا مسؤولين عن هذه الصورة، فعندما يسأل السلطان العثماني ــ في أحد أعمال شيلي ــ أحد جنوده أن يجد «اطفالا (مسيحيين) كفار ليخوزقهم على الرماح» فهو يمثل النظرة السائدة للقرن التاسع عشر؛ إن المسلمين هم أعداء المسيحية وانهم لايترددون في قتل الأطفال المسيحين الأبرياء في عطشهم الدائم «للدم المسيحي».
ومن الأهمية بمكان قول شيلي أن المسلمين لا يفرقون بين الدين والثقافة، إذ يعزو استجابتهم حول المسيحية الى ردود أفعالهم للثقافة اليونانية، واصفا الاغتصاب الوحشي للعذارى اليونانيات واللواتي في ذات الوقت ضحايا للجنود الذين أصبح «صراخهن وتتقلصات أجسادهن ودموعهن لذة يستمتعون بها»! وهو بهذا يترجم فكرة الغرب عن الشرق الى دوافع المسلمين، موحيا بأن الشرقيين لايميزون بين الغربيين، إلا إن العكس هو الصحيح في حقيقة الأمر، وكما يشير لوكمان فإن معرة من هذا النوع عن الامبراطورية العثمانية أوحت أن «تلك الأراضي كانت راكدة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا قبل احتكاكهم بالغرب» بيد أن أحدث الدراسات المعاصرة كانت قد كشفت أن هذه الصفة الريفية لم تكن موجودة في المملكة العثمانية، بل في أذهان المؤرخين الذين قصدوا تصويرها على هذا النحو.
وعلى نحو أشد نوعا ما يصور كبلنك الشرق- وهو على العكس من شيلي إذ كان يقطن الهند- على أنه يعج بالمتوحشيين البرابرة الذين يجب انقاذهم عن طريق تعليمهم طرق الغرب، وذلك بالطلب من الغرب إرسال أفضل تربوييهم.. وهو هاهنا يبدو عنصريا بشكل مخيف، إذ يستحضر التعطش الهتلري لـ «تنشئة» أعراق نقية.وبتقديم كبلنك الدعاية للعبارة المشهورة «حمل الرجل الأبيض» يفشي عن طريق كتابته لعبارة الرجل الأبيض بحروف استهلالية كبيرة أهمية اللون والجنس في تحديد الهوية الأوربية.وأظف الى ذلك وصفه للشرقيين على انهم «أسرى» تثقل كاهل أرضهم «المجاعة» و «المرض» في إشارة منه الى الإنجيل لأرض ملعونة يملؤها الوثنيون.ويصف السكان الأصليين بأنهم «نصف شيطان ونصف طفل» ملمحا الى عدم وجوب توجيه اللائمة على جهلهم بسبب من عدم معرفتهم بما هو أفضل ويجب تعليمهم سبل الرقي والحضارة من قبل الغرب الذين دفعهم نبلهم الى اختيار ان يكونوا في «المنفى» exile في مكان متوحش لياخذوا على عاتقهم «حمل» إراحة هؤلاء «التعساء» و «العدائيين» من اساليبهم الجهولة.
ويرى لوكمان بان تفكير من هذا النوع وحسب مايرى إدوارد سعيد قد «أعطى صورة أو تمثيلاً معينا عن الشرق تمثيلاً لايمت بصلة لأجزاء العالم االحقيقي الذي تم تصويره«.
تمثل كلمات كبلنك الشهيرة فكرة مفادها أن الشرقيين عبارة عن أقوام همجية ليس بمقدور أحد إنشاء اتصال بهم بشكل عقلاني، ولا يفهمون سوى لغة العنف والقوة. لقد استبدلت خيالات كتاب مثل هؤلاء الحقائق عن الشرق بالزيف الذي ابتدعوه، وقد تم التسليم بها في الغرب واصبحت من البديهيات وعلى أنها نظرات ثاقبة للهوية الشرقية.
وساهمت كذلك روايات الرحالة بإعطاء هذه الانطباعات عن الشرق.وفي هذه المجال بمقدورنا مشاهدة تصانيف ميشيل فوكوFoucault المعكوسة في فكر سعيد Said لاسيما اشتقاق الأول «أن المعرفة هي أداة للقوة» ومعنى ذلك أن خلق المعرفة هي أن نسيطر عليها.يلمح فوكو إلى أن ليس هناك مايسمى بالحقيقة الموضوعية، وبأن «مانسلم به على أنه الحقيقة هو في الواقع نتاج طريقة معينة في تصوير أو تمثيل االواقع أو تمثيل الخطاب» معين، أي نظام مركب للمعنى يشكل ماندركه ونفر به ونفعله. يشير فوكو إذاً الى اختراع المعرفة بلغة الإدراك، ويلمح إلى أن الحقيقة هي على الأغلب مركبة بأشكال ذاتية مبنية على الإدراك وليس الواقع الموضوعي.فروايات الرحالة قد تتؤول لغة هذه المفاهيم الذاتية.
يصور لنا وصف أحد الرحالة من القرن التاسع عشر لاسطنبول الوضع التالي: «يتسائل الغريب فيما إذا كانت كل هذه الأشكال المحجبة بإزارات ذات ألوان براقة هي حفلة تنكرية أو راهبات أونساء مخبولات...يجد المرء نفسه مكرها على الوقوف والتفكر حول تلك الأشكال والعادات الغريبة».
إن حقيقة كون الغربي «غريبا» مبالغ فيها، فهو يبدو لامنتميا بشكل واضح، ولكنه وبدلا من أن يشعر بالغربة وعدم الإنتماء للمكان يقوم بوصف السكان المحليين وعاداتهم الغريبة.فالمرأة المحجبة بالنسبة له لايمكن إلا أن تكون راهبة أو مخبولة، فهو يؤول ما يشاهده وفقاً لمنظورات ولدتها الخبرة، رافضا أن يسمح لإمكانية أن يكون هناك تراث ليس بغربي دون أن يشك به، ولهذا التراث شرعية بقدر مالنظيره الغربي.
وترى رحالة بريطانية على نحو مماثل للجحيم في عادات ليس أوروبية كتعدد، الزيجات، بدون أن تتأمل الدوافع الدينية والإجتماعية لتلك الممارسات، يتسم جدلها بالقياس المنطقي: «أقول باننا إذا مابحثنا عن جحيم على الأرض فهو حيث يوجد تعدد الزيجات، وبما أنه يواجه معارضة كبيرة في مصر فانها ليست في الدرك الأسفل من تلك االجحيم». فبالنسبة لها فان تعدد الزيجات مساو للجحيم، وبهذا من المنطقي أن تبقى مصر جحيما أيضا رغم ذلك لأن تعدد الزيجات لايزال متفشيا.
أن المنطق المغلوط لنظرة من هذا االنوع تتفاقم فقط بواسطة الشعور بأنها أقوم من الأخرين فهي، تؤمن كثيرا بأنها قد بحثت بعناء عن شيء يمكن أن ينقذ مصر، إلا أنها لم تجد ماينقذها من تلك الجحيم.
إن السجلات والتصريحات الرسمية التي يتبناها من في موقع السلطة السياسية قد تعشي بأنه إستبدادي بطبيعته إذ يضع الشرق في موضع الند للغرب.لايمنح الشرق هوية مستقلة وحرة من المفاهيم المعدة سلفا، بل إنه يوضع في قالب جاهز يجعله غيبا وممثلا لكل مالايمثله الغرب.
وحسب منظور الرحالة االبريطانية ورؤيتها التسلطية تقرر بأن «الشرقي على المستوى الفردي عاجز عن التفكير االمنطقي» عن طريق زج العربي البسيط في خانة الهوية ذات البعد الواحد لمعتوه لاعقلاني.
يصرح أحد الساسة البريطانيون ومن قادة الأستيطان في القرن التاسع عشر أن العربي «عاجز عن يستنتج أبسط الأشياء من ابسط المقدمات المنطقية». وهنا فأن هناك دعوة لكل ألأوربيين الطيبين أن يفهموا أن ثقافتهم مبنية على التفكير المنطقي والمقدمات المعقولة والتي من العصي على الشرقيين سبر أغوارها، فهم لايمتلكون شيئاً من ملكة التفكير.وبهذه االطريقة فان خطاب من هذا النوع يتحول الى مصفاة أو عدسة يرى من خلالها الغرب الشرق.إن الإيحاء بأن «الأوربي هو مفكر دقيق وبأن عباراته عن الحقيقة خالية من أي لبس فهو بذلك منطقي بالفطرة حتى وإن لم يدرس المنطق» يلمح هذا السياسي البريطاني إلى ان الأوربيين قادرين نوعا ما على التفكير العقلاني وإن لم يدرسوا المنطق.إنه يقول وبشكل متناقض تماما إن الشرقي يتصرف ويتكلم أو يفكر بطريقة أو باخرى على االعكس تماما من الأوربي. وهكذا نرى النمطية التي وضعت ليس فقط للشرقيين بل للأوربيين. إن هذا السياسي من القرن االتاسع عشر لاسيتطيع أن يجد في نفسه مقدرة على تثمين وتحديد الاختلافات ضمن الثقافات ولون البشره فكل البيض يفكرون ويتصرفون بشكل متشابه وكذلك يفعل الملونون.فبالنسبة له من غير المتخيل أن الاختلافات الثقافية يمكن أن تكون متشعبة ومعقدة وتتجاوز الدين والبشرة.
وبهذه الطريقة يتموضع الشرق من خلال نصوص المستشرقيين على شكل رمز لكل ماهو غير متحضر ولاعقلاني.يستخدم العديد من تلك النصوص الشرق ضد نفسه، إذا جاز التعبير، لاسيما فيما يتعلق بالجنس الأنثوي.فالحجاب يرى على أنه «حفل تنكري» ينظر الى التضحية بالمرأة على أنها تمثيل لكل ماهو وحشي حول الشرق فنساء الشرق «كسالى ومحرومات وحبيسات بلا عمل ماخلا النميمة وفنون الاثارة» وهن ملائمات للاستهلاك فقط أو إشاباع رغبات أسيادهن الجنسية.لم يشغل سعيد باله حسبما يرى لوكمان بالجنس الأنثوي، لكن كتابه جاء في وقت كانت الأنثوية Feminism كتيار تحرز تقدما كحركة سياسية وأكاديمية.
وفضلا عن ذلك فلربما كان من أشد الانحيازات خطورة هي ماتتمظهر في شكل نصوص من المفترض أن تكون موضوعية.ففي أعمال كالقطع الأدبية الصغيرة او الكتابات الشخصية للرحالة يتوقع المرء أن يجد أمثلة لمنظورات شخصية تهيمن على الحقائق الموضوعية بما أن الحاجة أن نكون صادقين تخضع لاجازات التعبير الابداعي. ومع ذلك فان تصوير المواقف المنحازة في أعمال كالموسوعات التي تدعي أن تكون حاسمة هي في الحقيقة مقنعة ومخفية وراء جدار من الموثوقية. ففي إحدى موسوعات القرن التاسع عشر يظهر تحت إسم «محمد» ما يلي: «إنه الأفاق المشهور، ومؤلف البدعة التي اتخذت الدين ستارا لها والذي نسميه المحمدي» وكما أسلفنا فإن أية فكرة لديانة غير االمسيحية يجب أن لايتم التسامح معها وتلصق صفة الهرطقة بها أوتوماتيكيا. إن توليد المعرفة حسب مايمثله النص يوضع هو لآخر ضمن عملية مستمرة من خلال طريقة تقلل من أهمية مشروعية التعددية. إن أراء المؤرخين مثل بيرنارد لويس Bernard Lewis تقع ضمن صنف الكتابات التي تدعي بأنها موضوعية وتدعي كذلك أنها تمثل الواقع بطريقة حيادية، بيد أنها في حقيقة الأمر تستخف بالشرق بناء على انحياز عميق الجذور.فعلى سبيل المثال يقول لويس بشكل غير قابل للجدل أنه بما أنه لم تعد هناك قوى عظمى في الغرب «فإن بلدان الشرق الأوسط تستطيع أن تحكم نفسها وبإمكانها تحقيق مصيرها». وبعبارة أخرى إن الامبريالية أوقفتها الى الحد الذي أصبحت فيه بلدان الشرق الأوسط بلا هوية، بينما ماتزال القوى الامبريالية تعمل.وبهذا يخضع لويس الشرق لمنظورات الغرب بدون أن يحلل إدراك الشرق لنفسه.. ليس للشرق القوة ليفكر او يعرف هويته فبالنسبة للويس فقط بعد أن إنهارمفهوم الامبراطورية. فأن بأمكان الشرق أن «يطلق حرا». من المفترض من خلال جهود منظرين كلويس نفسه من الذين في اعتتقادهم أنهم أصبحوا منقذي بلدان الشرق بواسطة تفكيك مفهوم الامبراطورية.وعلى نحو مشابه يصرح لويس باعتقاد جازم أن الإسلام كان سبب سقوط الشرق الأوسط، فبسبب هذا الدين تم خلق «فجوة تتسع بإضطراد بين الواقع والأيديولوجية» في المنطقة.إن هذه «الفجوة» كما يرى لويس هي بسبب «نظام الإعتقاد الإسلامي» وليس بسبب المسيرة التاريخية للشرق الأوسط، وليس أيضا بسبب سياسياتها وأوضاعها المادية.
وختاما ينبغي الإشارة الى أننا نجد أكثر التحامل في نصوص تبدوا ظاهريا على أنها مساندة للشرق الأوسط. إن فكرة «الشرقي في شرقه» توحي بخارطة للعالم حيث يوجد مكان لكل هوية.ورغم ذلك فبالتلميح الى أن «الناس بأزيائهم، والشوارع المكتظة هي فقط كما هي الحال في زمن السيد المسيح» فان الكاتب يلمح إلى أن المكان يستحق الزيارة فقط لأنه مكان ولادة المسيحية .وكذلك عند التصريح بأن «لاشيء قد تغير وكنت سعيدا بذلك» يؤسس لصورة عن الشرق تظهره راكدا غير متغير، أو مكان ينتظر أن تكتشفه عيون الغرب، ميت ولايمكن للتغيير الغربي أن يخترقه أو يؤثر فيه.
وبناء على خطاب سعيد فإن الأستشراق هو بنية تفرض مفاهيم مسبقة على نسيج الهوية الشرق أوسطية، زاجة إياها في قالب لايناسب واقعها. ففي النصوص التي تم مناقشتها سلفا نجد تعميمات وبنى مغلوطة عن هوية الشرق الأوسط التي ماتزال موجودة بشكل ضار الى يومنا هذا. إن اختراع وتطبيق أصناف التفكير والتأويل هذه في طريقة الشرقي قد تشربت في الفكر الغربي بطريقة لاسبيل للخلاص منها.