|
السبت: 04/08/2007
قراءة نقدية
للاستشراق(1/2)
د. صلاح الجابري
(خاص للمعهد)
(1)
الوحي والإنسان
جاءت دعوة المستشرقين وتلامذتهم إلى تناول التراث الإسلامي بصورة تجرده من صفة
القداسة غير واضحة، وقد فهم الكثير من المسلمين دعوة تجريد التراث من القداسة،
بأنها إنكار الأصل الإلهي للقرآن. والمسلمون هنا محقون جزئيا كما سوف يبين البحث
الآتي. لأن التجريد من القداسة بمعنى الحياد العلمي الذي يتناول الموضوع خارج
الاعتقاد المسبق والعاطفة، شيء، والإنكار المطلق للأصل الإلهي للأصول الإسلامية شيء
آخر، لا علاقة له بمنهج البحث العلمي. والمستشرقون كانوا يقصدون المعنى الثاني، أي
الإنكار(1). وهم مخطئون في ذلك تماما فقد وقعوا فيما يسمى منطقيا بالخطأ التكويني.
ومصدر هذا الخطأ هو إنهم تجاوزوا موضوع البحث العلمي وبحثوا في الأصول، أي منابع
الكشف، وهي عوامل نفسية لا يمكن ضبطها عن طريق المنطق البشري المحدود.
وهنا أريد أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أن المعلومات المطروحة سواء كانت نماذج أو
أنظمة معرفية لا تُقيَّم قياسا إلى مصدرها، وإنما بالقياس إلى قدرتها على طرح نفسها
وفق منطق محدد قادر على إضاءة الواقع ومعالجته. والإنسان صاحب النموذج سواء وضعه
ابتكارا أو اكتشافا أو ادعى أنه تسلمه عبر وحي الغيب، فمصداقية النموذج تقاس بقدرة
ذلك الشخص على تقديم البينة المنطقية على صدق تلك الأفكار، ومن ثم علاقتها بالواقع،
أي بالقدرة التشغيلية للنموذج، ولا علاقة للتسويغ هنا بالأصل الذي نشأت عنه الأفكار.
ولو أن الأفكار تقاس بالأصل الذي يعتقد أنها نشأت عنه، لاقتضى ذلك أن نرفض الكثير
من الأفكار العلمية والفلسفية. فالأفكار الفلسفية لديكارت لا نعالجها استنادا إلى
ادعاء ديكارت بأنها جاءته نتيجة أحلام أو رؤى صوفية، وإنما نعالجها من حيثية
انسجامها المنطقي ومدى إمكانية إثباتها وفق الأساليب المنطقية البرهانية. ويصدق
الأمر عينه على الأفكار أو النظريات الرياضية، فعلى سبيل المثال ادعى الرياضي
الهندي رامانجان أن بعض المعادلات الرياضية جاءته وحيا في منامه من آلهة ناما كال،
لكن هذا الادعاء لا علاقة له بصدق الصيغ والبرهنة المنطقية عليها؛ لأن تسويغ هذه
الصيغ يرتبط ببراهينها الرياضية التي صاغها رامانجال بعد استيقاظه من نومه، ولذلك
فنحن لا نستطيع أن نقول لرامانجال إن صيغك خاطئة؛ لأنك تلقيتها من آلهة ناما كال،
وإذا فعلنا ذلك، فسنكون كمن يعترض على نظرية النسبية لا لشيء إلا لكون مكتشفها كان
يهوديا.
إذن سواء كانت المصادر التي منها استمد ديكارت أفكاره رؤى صوفية أو مصادر طبيعية،
وسوء كان الذي زود رامانجان بمعادلاته الرياضية آلهة ناما كال أو اللاوعي الذاتي له،
وسواء كان سقوط التفاحة هو الذي كشف لنيوتن الجاذبية أو غيره، فإن ذلك كله لا علاقة
له بصدق الأفكار المكتشفة أو بطلانها. وإنما يقاس صدق الأفكار بمقدار حجم البينة
المقدمة ونوعها، فالأفكار الرياضية تحتاج إلى بينة رياضية وانسجام منطقي، ويتوقف
تسويغ النظريات العلمية على البينة النظرية المدعومة بالتحقق التجريبي. وباختصار
يتوقف التسويغ على البينة النظرية ولا يتوقف على العوامل السيكولوجية التي كشفت عن
النظرية.
ومثلما أن تلك القوانين اكتشافات إنسانية فاللغة هي اكتشاف إنساني أيضا، أي أن
وظيفة اللغة تفصح عن طابعها الإنساني فقط ولا تشير في حد ذاتها إلى أصلها الإلهي،
لكنها، في الوقت نفسه، لا تنفيه. وإذا حاول العقل نفي الأصل الإلهي للغة فقد ينزلق
إلى خارج مجال قدرته الاستدلالية والبرهانية. ولا يشير النص القرآني إلى الأصل
الإلهي للغة بشكل صريح، والأرجح أنه أراد بإشاراته اللغوية الفكر، كعملية نفسية،
وليس اللغة بوصفها أدوات اكتشفها الإنسان لاحقا. فالقول بالأصل الإلهي للغة
المنطوقة والمكتوبة يفترض أولا عدم وجود لحظة تاريخية كان فيها الإنسان غير متكلم
بلغة لفظية محددة واحدة، ويفترض ثانيا ثبات اللغة وسكونيتها وعدم تطورها، الأمر
الذي يرفضه التطور المتواصل للبشرية ولغتها وثقافتها. إذن الله تعالى ترك للإنسان
مهمة اكتشاف اللغة وتطويرها مثلما ترك له مهمة الكشف عن قوانين الطبيعة والحياة.
ولذلك فإن دعوى أن القرآن يرفض التطور اللغوي للعربية أمر غير واقعي، لأن ينطوي على
تساؤل افتراضي فحواه أنه إذا تم تطوير العربية وتم تجاوز اللغة القديمة ووضعت لغات
ولهجات مشتقة منها هل يبقى القرآن قرآنا بمعناه الإعجازي البلاغي والبياني أم الأمر
يفترض تجاوز النص القرآني بوصفه نصاً قديماً؟ هذا السؤال الافتراضي لا يمكن الإجابة
عليه قبل أن ينجز الإنسان ما افترضه بشكل فعلي. فعلى الإنسان أن يقوم بهذا الإنجاز
العلمي ثم يعرضه على القرآن فينظر هل استطاع تجاوز النص القرآني فعلا، وهل هذا
التجاوز يلغي النص وهل سيقف النص عائقاً أمام الإنجاز؟؟؟ فلا يمكن رفض الأشياء على
أسس افتراضية. فأوروبا اليوم أسست رؤيتها ومنهجها على اكتشافاتها، وليس على مجرد
أسئلة افتراضية، والأسئلة الافتراضية أمر إجرائي يوضع ليتم تجاوزه لا ليبنى عليه،
وإنما يبنى على الحقيقة المكتشفة من خلال الأمر الافتراضي.
هذا الموضوع يحيلنا إلى فقه اللغة الأوربي الذي نشأ في منتصف القرن الثامن عشر
وبداية القرن التاسع عشر كجزء لا يتجزأ من سياق الفكر العلماني الأوروبي. ونحن لا
نختلف معه في التشديد على الطابع الإنساني للغة، ولكننا نختلف معه في رسمه للتناقض
بين الجانب الإنساني والجانب الإلهي، ونختلف معه أيضا على تأسيسه لرفض الإلهي على
أساس الإنساني. ونحن لا نريد أن نؤسس الإلهي على حساب الإنساني أبدا، لكننا نرى أن
تأسيس الجانب الإنساني لا يحيل إلى إلغاء الإلهي، وإن المنهج يعجز عن هذا الإلغاء،
بل إن عملية الإلغاء عبر منهج عقلي إنساني هي نفس طابع إثبات ذلك عبر نفس المنهج،
فإذا كنت تستطيع أن تعالج شيئا إثباتا أو نفيا، فهذا يعني أن منهجك قادر على
استيعاب ذلك الشيء واحتوائه، وهذا يتناقض مع إنكارك لوجوده أو على الأقل لدوره. أما
إذا كنت تستبعده لأنه لا ينسجم مع المنهج أو هو خارج إطار المنهج، فلا يصح منك هذا
إلا إذا عُدت إلى التحديد الكانطي وأثبت حدودا للعقل، ولا يصح، وفقا لهذا المنهج،
نفيه إلا إذا كنت تعد منهجك مطلقا في إثبات حقائق الوجود كافة. ومن هنا إذا قلت
إننا ندرك بمنهجنا العلمي الجانب الإنساني من اللغة فقط ولا ندرك الجانب الرباني أو
الإلهي فهو أمر نوافقك عليه عندما لا يكون هذا الأمر دليلا على رفض الإلهي أصلا.
باختصار لا يشكل اكتشاف البعد الإنساني للغة دليلا كافيا على استبعاد بعدها الإلهي،
وإن كان يشكل نقطة انطلاق ضرورية للدراسات العلمية، ومن هنا ففي العلم نتحدث عن
البعد الإنسان بوصفه أصلا للغة، لكننا يجب أن لا نتحدث عن البعد الإلهي إثباتا أو
نفيا فكلا الموقفين المثبت والنافي بحاجة إلى دليل إضافي غير البعد أو الأصل
الإنساني، وهذا ما لا يتوفر في المنهج العلمي والفلسفي العقلي. لكننا يجب أن نفهم
أن المستشرقين أعدوا فقه اللغة داخل إطار الثقافة الأوروبية وموقفها من الفكر
الديني الكنسي وهو أمر ربما كان ينطوي على مفارقة ضدية لاختلاف المصادر والدلالات.
لا شك أن فقه اللغة نشأ في أوربا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر كعلم
علماني مضاد تماما للرؤية الدينية المسيحية، وربما كان حصيلة تحول أرنست رينان من
الإيمان الديني إلى العلمانية كما يذكر في مذكراته.
«ذلك أننا، كلما ذكر «فقه اللغة» حول نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر،
يراد لنا أن نفهم أن المقصود هو فقه اللغة الجيد الذي كان بين نجاحاته الرئيسية
النحو المقارن، وإعادة تصنيف اللغة إلى عائلات، ثم الرفض النهائي للاعتقاد بالأصول
الإلهية للغة. وليس من المبالغة أن يقال إن هذه الإنجازات كانت إلى حد بعيد نتيجة
مباشرة لوجهة النظر التي اعتبرت اللغة ظاهرة إنسانية بصورة مطلقة. وقد راجت هذه
النظرة حين اكتشف تجريبيا أن ما سمي اللغات المقدسة (والعبري بشكل خاص) لم تكن
تنتمي إلى زمن بدئي ضارب في القدم، كما أنها لم تكن ذات مصدر إلهي. ولذلك فإن ما
أسماه فوكو «اكتشاف اللغة» كان حدثا علمانيا أدى إلى تنحية تصور ديني عن كيفية منح
الله اللغة للإنسان في جنة عدن، والحلول محله. وبالفعل، فلقد كانت إحدى عواقب هذا
التغير، الذي أزيح به مفهوم اشتقاقي سلالي للتواشج اللغوي عن طريق نظرة إلى اللغة
بوصفها مجالا قائما بذاته تشده بنى داخلية وانسجامات داخلية غير مصقولة، الانحسار
الاحتدامي للاهتمام بمشكلة أصول اللغة»(2).
تشير الفقرة السابقة إلى المنحى العلمي في دراسة اللغة، الذي ليس من شأنه البحث في
الافتراضات الميتافيزيقية؛ لأن التطور اللغوي في أوربا اقترن باستحداث مناهج علمية
لا تستند إلى تلك الافتراضات، وذلك أمر واقعي فقد شق علم اللغة طريقه من دون
الاستناد إلى فرضيات ميتافيزيقية، لكن التناقض يبرز بوضوح عندما يراد من استبعاد
الفرضيات الميتافيزيقية من حقل البحث العلمي إلغاء الواقع الميتافيزيقي في حد ذاته،
وتأسيس فلسفة إلحادية عبر تلك المناهج العلمية، وهذا فضلا عن تناقضه مع المنهج
العلمي الذي يستبعد الفرضيات الميتافيزيقية؛ لأنها لا تنسجم مع حقل البحث وأبعاد
المنهج، فهو يؤسس ميتافيزيقا سلبية بنقله للمنهج العلمي من مجاله الخاص إلى مجال
البرهنة السلبية على إنكار الواقع الميتافيزيقي.
ويكمن حل التناقض في الإفصاح عن دلالة الفصل بين المناهج العلمية والافتراضات
الميتافيزيقية، وهي دلالة لا تتعدى الكشف عن إمكانات المنهج العلمي المستحدث نفسه،
بتعبير آخر، إنها تستبطن تحديد مجال البحث العلمي وفصله عن مجال البحث الميتافيزيقي
احترازا من تداخل الدلالات. وهذا الفصل في حد ذاته لا يتعدى الفصل المنهجي المصطنع
بين الميادين العلمية ذاتها. وعلى الرغم من كونه مصطنعا إلا أنه ذو فائدة منهجية
كبيرة عندما يستبطن تحصينا من التداخلات الأيديولوجية، وحدودا لا ينزلق خارجها نحو
الإثبات أو النفي الوجودي لميادين خارجية.
لذلك قرر وليم جونز في كتابات تذكارية (1785-1792)، و فرانز بوب في مقارنات نحوية
(1832)... «إن السلالة الإلهية للغة قد مزقت كفكرة تمزيقا نهائيا وأُعلن إفلاسها.
وأصبح تصور تاريخي جديد ضرورة؛ لأن المسيحية بدت عاجزة عن البقاء بعد الدليل
التجريبي الذي ضاءل المكانة الإلهية لنصها الرئيسي...»(3).
واستنادا إلى التصور الذي حددناه بين المنهج العلمي والافتراضات الميتافيزيقية،
وحدود الفصل بين الميدانين، فإن الافتراض الميتافيزيقي القائم على الأصل الإلهي
للغة لا يخدم المسعى العلمي، وأصبح التصور التاريخي للغة بوصفها ظاهرة علمية أمراً
ضروريا للأغراض المنهجية، لكنه لا يلغي البعد الميتافيزيقي إلغاءً وجودي، ولذلك
فنحن لا نقبل تعبيرات جونز وبوب مثل «مُزِّقت»، و«... نهائي»؛ لأنها تعبيرات لا
يقرها النهج العلمي ذاته، فالمسألة لا تنطوي على إلغاء وجودي للموضوع، بقد ما هو
تحييد آراء واستبعادها من إطار المنهج العلمي التاريخي، واكتشاف آليات منهجية أخرى
قائمة على رؤى علمية تخدم المنهج العلمي وتقوده إلى أمام. ولذلك فإن الدراسة
العلمية للغة أدت إلى تاريخ وفلسفة ليس من مبادئهما مفهوم لغة بدئية (إلهية).
بيد أن التصور اللاهوتي للغة الذي فرضته سلطة الكنيسة لا مجال له في ساحة العلم
والفكر الموضوعيين، بل من الممكن رفضه نهائيا مادام التفسير الواقعي للغة أثبت
وجوده بقوة بطريقة علمية تجريبية. ولكن تصور المسيحية هذا للغة يختلف عن تصور
الإسلام لها، فالقرآن لم يصرح بأن اللغة التي نزل بها هي لغة إلهية، بل أكد على
أنها لغة عربية واضحة؛ فالقرآن نزل بلغة المجتمع، وبتراكيب لغوية ذات طابع اجتماعي
محض، لكنه استخدم لغة المجتمع بطريقة إبداعية من الناحية البيانية والبلاغية وهذا
هو مكمن الإعجاز اللغوي فيه.
وبما أن لغة القرآن هي لغة مجتمع قائم في الواقع يخضع لصيرورة الحياة وارتقائها،
فلا بد أن تكون تلك اللغة جزءاً جوهرياً منه، وقابلة للتطور لكي تنسجم مع التطور
الاجتماعي، وهو ما حصل بالفعل. فالغنى اللغوي الذي منحته الحضارة وتطور العلوم
والفكر لا يمكن مقارنته بما كانت عليه العربية في العصر الجاهلي أو بعيده بقليل،
وإنما يمكن فهمه من خلال حركة التطور الفكري والعلمي التي قطعها المجتمع الإسلامي
في المراحل التاريخية التي مرت بها حضارته. وحتى لو تصورنا، ولو على مستوى الإمكان
فحسب، إمكانية اشتقاق لغات جديدة مستحدثة من اللغة العربية الأصلية أو الحضارية،
فإن هذا لا يعني تجاوز اللغة الأم، فسيبقى لكل لغة قواعدها وأصولها، فاللغات
المستحدثة، إن وجدت، من المستحيل أن تلغي التراكم التاريخي والحضاري للغة الأم،
فضلا عن أن تستغني عنها أصلاً.
«كان إرنست رينان، فقيه اللغة الشرقي، ذا حس معقد وشيق بالطريقة التي ينشبك بها كل
من فقه اللغة والثقافة الحديثة أحدهما بالآخر. ففي كتاب مستقبل العلم الحديث(الذي
كتب عام 1848 لكنه لم ينشر حتى 1890) كتب يقول «إن مؤسسي العقل الإنساني هم فقهاء
لغة». وأي شيء هو العقل الحديث، إن لم يكن العقلانية، والنقد، والتحررية (الليبرالية)،
التي تأسست جميعا في اليوم نفسه الذي ولد فيه فقه اللغة؟» ويتابع رينان قائلا: إن
فقه اللغة هو، في آن واحد، مذهب مقارن لا يمتلكه إلا المحدثون ورمز للتفوق الحديث (الأوربي)،
وكل تقدم حققته الإنسانية منذ القرن الخامس عشر يمكن أن يعزى إلى عقول ينبغي أن
نسميها فقه ـ لغوية. ومهمة فقه اللغة في الثقافة الحديثة هي أن يستمر في رؤية
الواقع والطبيعة رؤية واضحة، ويدمر، بهذه الطريقة، الخارق للطبيعة، وأن يظل قادرا
على مجاراة الاكتشافات التي تقوم بها العلوم الطبيعية. غير أن فقه اللغة فوق هذا
كله، يجعل ممكنا تحقيق نظرة عامة للحياة الإنسانية ولنظام الأشياء»(4).
لم يكن رينان في الكتاب يتحدث حديث فرد إلى جميع البشر، بل كان يتحدث بوصفه صوتا
تأمليا، متخصصا اعتبر عدم المساواة بين الشعوب والسيطرة الضرورية من قبل أقلية منها
على الأكثرية، أمرا بديهيا باعتباره قانونا، من قوانين الطبيعة والمجتمع، لا
ديمقراطيا(5). من هنا تظهر المفارقة بين علم اللغة كعلم موضوعي وبين رينان كمفكر
عنصري.
ويتساءل إدوارد سعيد كاشفا عن واقع فقه اللغة والفقيه اللغوي العنصري الذي تمثل في
شخص رينان: «لكن كيف كان بمقدور رينان أن يضع نفسه وما كان يقول به في مثل هذا
الموضع المليء بالمفارقة الضدية؟ إذ، أي شيء كان فقه اللغة، من جهة أولى، إن لم يكن
علما للإنسانية بأكملها، علما ينطلق من مقدمة تقول بوحدة الأجناس البشرية كلها
وبقيمة كل جزئية إنسانية؟ ورغم ذلك، فٍأي شيء كان فقيه اللغة، من جهة ثانية، إن لم
يكن ـ كما برهن رينان نفسه بتحيزه العنصري المستطير الشهرة ضد أولئك الساميين
الشرقيين الذين منحته دراسته لهم اسمه المهني ـ مقسما فظا للبشر إلى عروق متفوقة
وعروق دونية، وناقدا تحرريا طوى عمله بين كشحيه أكثر التصورات غرابة وسرية عن
الزمانية، والأصول، والتطور، والعلاقة، والقيمة الإنسانية؟ إن جزءا من الإجابة على
هذا السؤال هو أن رينان، كما تظهر رسائله المبكرة ذات المحتوى فقه اللغة إلى فيكتور
كوزان، وميشليه، والكساندر فون همبولدت، كان ذا حس ذوقي بالنقابية كباحث محترف،
ومستشرق محترف، حس خلق، في واقع الأمر، مسافة فاصلة بينه وبين عامة الناس. غير أن
ما هو أكثر أهمية، كما أعتقد، هو تصور رينان الخاص لدوره بوصفه فقيه لغة شرقيا في
تاريخ فقه اللغة الأشمل وتطوره، وأهدافه، كما رآها هو. وبكلمات أخرى، فإن ما قد
يبدو لنا مفارقة ضدية كان النتيجة المتوقعة للنحو الذي تصور به رينان موقعه السلالي
في ميدان فقه اللغة، في تاريخه، واكتشافاته التدشينية، وما فعله هو، رينان، بهذا
الميدان. لذلك ينبغي أن يوصف رينان لا باعتباره يتحدث حول فقه اللغة، بل بالحري
باعتباره يتحدث فقه ـ لغويا بكل القوة التي يمتلكها مؤسس يستخدم اللغة المرمزة لعلم
جيد ذي مكانة سامية، علم لا يمكن لأي من عباراته عن اللغة ذاتها أن تصاغ بطريقة
مباشرة أو بطريقة ساذجة»(6).
بين العلمانية ونفي الأصل الإلهي للغة وشائج تاريخية تعبر عن إلتزام أيديولوجي مؤطر
بالحداثة أو الرؤية العلمية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر. تلك الأيديولوجية التي
تقابل بين التطور الحيوي والأصل الإلهي للإنسان، وبين اللغة كنشاط إنساني متطور
والأصل الإلهي لها.
يبدو إن هذه التقابلات تنتمي إلى سياق واحد هو ما أطلق عليه رينان العلم العلماني.
وبقدر ما يعبر العلم العلماني عن علم تتحكم به العقائد والأيديولوجيات كذلك تعبر
روحانية العلم عن نفس الأدلجة ولكن بصورة مقلوبة. أن تطلق على العلم صفة العلمانية
أمر لا يمكن فصله عن أيديولوجيا الروحنة، وفي كلا الأمرين إخراج للعلم من طابعه
الموضوعي.
والحقيقة أن المنهج العلمي حيادي تجاه البعد الإلهي للعالم، سواء فيما يخص الأصل
النهائي للإنسان أو الأصل الإلهي للغة. فالإنسان واللغة بالنسبة للعلم موضوعان
حقيقيان قابلان للتطور، وهذا لا يلغي الجوانب الميتافيزيقية التي تخرج عن إطار
المنهج العلمي والرؤية العلمية. فاللغة تنتمي إلى سياق طبيعي من التطور سواء ارتبطت
بأصل إلهي أو لم ترتبط. لكن عندما يحاول مبحث الأصل الإلهي أن يلغي التطور، أو
يحاول المنهج العلمي أن يلغي البعد الميتافيزيقي فإن هذا يعبر عن انزلاق المنهجين
خارج حدودهما المقررة لهما بحكم إطاريهما ومجال تطبيقهما. فسواء كانت اللغة ذات أصل
إلهي أو لم تكن، والأرجح لدينا إنها اكتشاف إنساني، فإنها متطورة ومتغيرة، وستخضع
على افتراض كلا التقديرين لقوانين تاريخية محددة في نشوئها وتطورها. وهذا ينطبق على
الإنسان الذي يخضع في بنائه وتطوره لقوانين الطبيعة والحياة من دون أن يلغي ذلك
مصدر خلقه الإلهي، كما أن كونه مخلوقا لله لا يلغي انسجامه مع قوانين الطبيعة، فلا
وجه للتناقض بين البعدين إذا كان الأول سبباً أعمق للثاني، بل وفقا لهذا اللون من
السببية سيشكلان عنصرين في سياق واحد.
ولذلك فإن ما فعله المستشرقون والكثير من تلامذتهم في العالم الإسلامي هو حصر
أنفسهم بمجال خارج حدود البحث العلمي، فتراهم يبحثون عن أصل القرآن أو الوحي نفسه،
فيجهدون أنفسهم في البحث عن كيفية اكتشاف الرسول (ص)، على حد زعمهم، للقرآن. وفي
رأينا فإن هذا النوع من البحوث غير مجدي تماما.
ولو عدنا إلى تعييننا السابق للبعدين الإلهي والبشري في الدعوة الإسلامية لاستطعنا
أن نرسم مجالا مفيدا للبحث العلمي يجعل من الممكن أن ننتظر منه نتائج مفيدة.
فالبحث العلمي يجب أن ينحصر إذن في الجانب البشري، أما البعد الإلهي فلا يمكن
استكشافه بالمنهج العلمي؛ لأنه أكبر من أن يحتويه منهج بشري، فهو مسألة تتجاوز
العقل البشري، فلا يعثر العقل فيه على محددات دقيقة لانطلاق البحث فضلا عن أنه غير
مشخّص في حد ذاته في الواقع، ولذلك يؤخذ مأخذ المسلمات المصدق بها بقرينة النبوة.
والنبوة بوصفها فعلا تاريخيا مجاله الميدان الاجتماعي فهي تخضع للسنن التاريخية
والكونية، ولذلك يمكن بحث هذا الجانب البشري باستخدام المنهج العلمي بقطع النظر عن
مصدره الإلهي.
ومن ذلك نستنتج أن التراث هو مجموعة الجهود البشرية التي بذلت لترجمة المبادئ
والمفاهيم والقضايا التي طرحها الدين الإسلامي إلى الواقع العملي بأبعاده
الاجتماعية المختلفة، بقطع النظر عن حقيقة كون هذه الترجمة كانت أمينة وواقعية أم
كانت منحرفة. فمن الجائز علميا أن نحدد طبيعة العلاقة بين القرآن والواقع في مرحلة
زمنية معينة. لكن هذا التحديد لا يمكن أن يعيِّن هذه العلاقة متجاهلاً العامل
البشري الذي يتوسط بين القرآن والواقع العملي، ومن ثم يمكننا أن ندرس الاسقاطات
الذاتية التي يفرضها الوعي في الوقت الذي يحاول فيه أن يترجم الأطروحة القرآنية إلى
الواقع العملي. وهذه العملية المعقَّدة ليس من السهولة تحديد تفصيلاتها الدقيقة
بشكل يقيني ولذلك لا يمكن الجزم في الأحكام التي يكوِّنها الباحث عن تلك العلاقة
المعقّدة (النص ـ الوعي ـ الواقع العملي).
من ذلك نستنتج أن الوحي لا يمكن اصطياده إلا من خلال الترجمة البشرية له إلى واقع
عملي. الوحي في التاريخ هو ليس كالوحي في السماء، الوحي في التاريخ، بوصفه مجموعة
الجهود البشرية لصياغة نظام الحياة وفقا لمبادئ محددة، يخضع للسنن التاريخية، ولذلك
يمكن دراسته وفق المنهج العلمي. أما الوحي كما هو في السماء فلا يمكن أن يمسك به
البحث العلمي ولا يمكن طرحه كموضوع قابل للإدراك. فهذا الجهد البشري سواء الذي بذله
الرسول (ص) أو الأئمة من بعده هو عبارة عن أنسنة الوحي، ذلك إن من دون هذه الأنسنة
لا يمكن أن يتحول الوحي إلى مبادئ عمل. كما أنه إذا افترضنا إن أولئك البشر هم
بمستوى الوحي أو بمستوى الملائكة أو الإله كما تدعي المسيحية، لكان من غير المجدي
دعوة البشر إلى تلك المبادئ لأنها سوف تكون دعوة إلى طبيعة أخرى غير الطبيعة
البشرية، وهذا أمر متعسّر تكوينيا، فضلا عن الاستحالة التشريعية.
ولذلك عندما نقول إن هدف الوحي هو «إلباس الأرض ثوب السماء» هو عين المعنى عندما
نقول «أنسنة الوحي». فالمعنى الأول يعني ترجمة مبادئ السماء إلى واقع عملي على
الأرض أو الارتقاء بالأرض ونظامها إلى مستوى مبادئ السماء. أما المعنى الثاني فيعني
إن مبادئ الوحي لا يمكن أن تشتغل وتقود عملية تغيير مستمرة على الأرض إن لم تكن
إنسانية أي ما لم يحولها الوعي البشري إلى جزء من كيانه، وبهذا المعنى تكون العملية
أنسنة للوحي بالمعنى الإيجابي، وليس بالمعنى السلبي الذي يُقصد منه قطع العلاقة مع
السماء، ولا هو المعنى المغالي الذي تصورته المسيحية عندما أضفت صفة الألوهية على
البشر؛ لأن هذا المعنى الإيجابي لا يمكن أن يتم إلا من خلال المعنى الأول وهو
الارتقاء بالمجتمع الأرضي إلى مستوى المبادئ التي حددتها السماء له، وعلاقة الإنسان
بهذه المبادئ وشروط تلك العلاقة ليست كعلاقة كائنات السماء مثل الملائكة بتلك
المبادئ، فالشروط مختلفة وهي أمور تخضع للطبيعة الخاصة بكل منهما. فيشترط أن تكون
تلك المبادئ بمستوى الإنسانية، ويجب أن يكون الإنسان الحامل لها بمستوى رسالة
السماء أي بمستوى المسؤولية في تنفيذ تلك الرسالة. فإذا كانت تلك الرسالة تتجاوز
الإنسانية وطاقاتها وتحلق في عوالم مثالية وخيالية، فإنها سوف تكون مستحيلة التطبيق
والتنفيذ، ولذلك هي بالفعل بمستوى الإنسانية وبمستوى الواقع، ولكن هل كان الإنسان
بمستوى المسؤولية، أو ارتقى إلى ذلك المستوى كما أرادت له الرسالة أن يكون؟ إن هذا
الأمر نسبي ومتفاوت من إنسان إلى آخر، ومن هنا نشأ الاختلاف.
واستنادا إلى المقدمات السابقة يتبلور المحرك الجوهري للتاريخ في الإسلام وأعني به
تمثل الإنسان للمعطى الإلهي(الوحي). فإن هذا التمثل وسميناه أيضا أنسنة الوحي، يشكل
من خلال الإنسان دافعا للتاريخ. وكلما كان الإنسان أمينا على هذا المعطى كان أقدر
على ترجمته إلى عمل، وبالتالي إلى حركة تاريخية متصلة، وكلما ابتعد الإنسان عن هذا
المعطى الرباني وأفرغ ساحة وعيه منه، كلما انحط وتباطأ في حركته حتى يقف التاريخ
يراوح مكانه.
ويمكن للإنسان أن ينساق خلف معطيات بديلة قد تنجح بدفع حركة التاريخ، لكنها ستغيِّر
اتجاهه وفقاً لطبيعة تلك المعطيات. ولكن الإنسان الذي بنى تاريخا وحضارة وفقا لعمل
المعطى الإلهي لا يمكنه أن يغير في منتصف الطريق ليتبنى معطى جديداً مغايراً في
طبيعته للمعطى الأول، فإن ذلك التبديل سيؤدي إلى الانهيار كما حدث للإمبراطورية
السوفيتية في العصر الحديث، وما حدث للدولة الإسلامية أيضا؛ لأن الانقسام الذي بدأ
ضئيلاً بعيد وفاة الرسول (ص) تضخم بمرور الزمن ليفرغ الساحة من المعطى الإلهي
وتسيطر، بدلاً منه، عوامل أخرى على الذهنية العربية مثل عاملي الغنيمة والقبيلة،
وهي عودة مقصودة في بداياتها إلى روح العصر الجاهلي، ويسمى هذان العاملان اليوم
بعاملي المصلحة والقومية. وهي عوامل نقلت الحضارة إلى مستوى الظاهرة التي تتحكم بها
القوانين التاريخية والطبيعية التي قادتها بشكل طبيعي إلى نهاية حتمية أسوة
بالحضارات الوضعية الأخرى.
إذن الحركة الجوهرية للتاريخ تكمن في ذات الإنسان، وتقاس قوة اللحظة التاريخية
وضعفها استنادا إلى درجة الإيمان بمضمون تلك الحركة الجوهرية وهو المعطى الإلهي.
وهذه الحركة تكمن في قلب التاريخ؛ لأن الإنسان تبوَّء في المنظور الإسلامي محور
المركب الحضاري، ولذلك فإن النهوض الحضاري مرتبط بتصعيد مستوى تلك الحركة الجوهرية،
وهذه الحركة كما قلنا من قبل هي حركة غائية، لأنها حركة وعي ينزع نحو تكامله.
وعندما كان الرسول الكريم (ص) هو قائد اللحظة التاريخية الأولى كان التصعيد الجوهري
في أعلى مستوى له، إلا أن هذه الحركة بدأت تتضاءل شيئا فشيئا بمرور الزمن بعد وفاة
الرسول، لتسيطر على الميدان التاريخي محاور الحركات الجابذة والنابذة التي تحكمها
قوانين عمياء غير هادفة انتهت بالحضارة إلى الانهيار.
وعلى الرغم من هذا الضعف الذي انتاب الحركة الجوهرية، أو الأصح بالرغم من الابتعاد
النفسي والميداني عن مضمون تلك الحركة وعزله من الناحية النفسية والتاريخية، إلا
أنه بقي حيا وحاضرا لدى الوعي العالِم.
إذن إذا كان المعنى المقصود بتجريد التراث من القداسة ينصرف إلى الفعل البشري بوصفه
فعلا تاريخيا، فهذا أمر صحيح وواقعي، أي إذا فهمنا تجريد التراث من دعوى القداسة في
ضوء المنهج الذي عرضناه في الصفحات السابقة، والذي شخص لنا بعدين في علمية التغيير
التي يقودها القرآن الكريم، وهما البعد الإلهي والبعد البشري، فإن جزءا كبيرا من
البعد الثاني بعيد كل البعد عن القداسة.
ومن هنا فإن المنهج العلمي الموضوعي يتعامل مع الموضوعات بروح حيادية ومن دون
افتراضات مسبقة سواء تلك الافتراضات التي تصادر القداسة كمسلمة أو تصادر نقيضها، بل
يمكن للمنهج العلمي أن يتشكك في بداية البحث، لطرد كل احتمال للاسقاطات المسبقة على
البحث تمهيدا لاستخلاص نتائج موضوعية.
الهوامش
ـــــــ
(1) وهذا ما يدل عليه جهودهم في إثبات بشرية القرآن، كما سوف نتناولها في الفصل
القادم.
(2) إدوارد سعيد، الاستشراق، ص157.
(3) إدوارد سعيد، الاستشراق، ص157.
(4) المصدر نفسه، ص153.
(5) إدوارد سعيد، الاستشراق، ص154.
(6) المصدر نفسه، ص154.
|