الحضارية «دراسات شرقية غربية»
الاثنين: 16/07/2007

الاسلام في عيون الغرب
Islam Through Western Eyes

أدوارد سعيد
ترجمة: د.صباح واجد علي
(خاص للمعهد)

أصبحت وسائل الإعلام مهووسة بشيء يدعى "الإسلام" والذي اكتسب حسب معاجمهم الأنيقة معنيين لاغير، وكلاهما غير مقبول، ويحاول تفريغ الإسلام من محتواه. ويمثل الإسلام تهديدا من ناحية تتمثل في شكل رجعي resurgent atavism لاتوحي فقط بأنها تهديدا في العودة الى القرون الوسطى، بل إنها وكما يرى عضو مجلس الشيوخ الأمريكي (دانيال باتريك موينهان) تحطيم النظام الديمقراطي في العالم العربي. ومن ناحية اخرى أيضاً يُنظَر إلى الإسلام بصفته تهديدا لاسيما عندما يكون المسلمون الطيبون مثل السعوديين والأفغان "مقاتلو الحرية" ضد الإتحاد السوفيي السابق، تحت المسائلة.. ولذا فإن أي شيء يقال دفاعا عن الإسلام يدفع تقريبا نحو شكل من أشكال الدفاع عن العقيدة الذي يكون أشبه بالإلتماس حول إنسانية الإسلام ومساهماته في الحظارة والتطور، ولربما حتى بطلب اللطف الديمقراطي.
وبمؤازرة ذلك النوع من الاستجابة المضادة توجد الحماقة العرضية التي تحاول أن تساوي الإسلام مع موقف آني لبلد إسلامي ما، والتي كما هي الحال في قضية إيران إبان الإطاحة الفعلية بالشاه كانت استرتيجية معقولة، بيد أن بعد تلك الفترة المميزة وخلال أزمة الرهائن أصبحت الإستراتيجية عملا يتطلب حذرا شديدا.فما يسع المدافع عن الدين الإسلامي او كما تم نقله في19 من ايلول 1979 من قبل رويترز-ان أية ألله روح الله الخميني يعلن بأن أعداء الثورة الإسلامية سيتم تدميرهم؟ إن القصد من هذا كله هو كلا المعنيين لوسائل الإعلام يعتمد على الأخر وكلاهما مرفوض لإطالة الربط المزدوجج.
إن ضيق المجال االدلالي ومحدوديته جوهريا أصبحت واضحة لي بعد ظهور كتابي الاستشراق Orientalism وعلى الرغم من معاناتي في إيصال فكرة أن الجدل حول الإسلام والشرق والعرب أسس على منطلقات ومقدمات خيالية Fictional ، وقد أول الكتاب على أنه دفاع عن الإسلام «الحقيقي» إنما أردت أن أبينه هو أن أي حديث عن الإسلام كان مغلوطا بشكل كبير، ليس فقط بسبب أن إفترضا غير مضمون يتم تحضيره، مفاده أن تعميما أيديولوجيا قد يشمل كل خصوصية الحياة الإسلامية الغنية المتنوعة(وهو شيء مختلف جدا) بل بسبب أعادته وببساطة أخطاء الاستشراق من أن الادعاء بأن النظرة الصحيحة للإسلام كانت (س أو ص او د). لا أزال أتلقى الدعوات من مؤسسات مختلفة لألقاء المحاضرات حول المعنى الحقيقي لجمهورية إسلامية، أو حول نظرة الإسلام للسلام، يجد المرء نفسه إما مدافعا عن الإسلام كما لو أن الدين بحاجة لذلك النوع من الدفاع، أو عندما تصمت فإنك تبدو متقبلا للتشهير بالإسلام، لكن الرفض وحده يقودنا بعيدا إذا ما ادعينا,وهو ما يجب أن نفعله, وهو أن الإسلام، حضارةً وديناً، يمتلك معنى يفارق أو يتسامى فوق الرأيين المطروحين حاليا.
يجب أن نكون أولا قادرين على توفير شيء ما في الفضاء الذي تكلم فيه عن الإسلام.. إن الراغبين في تفنيد البيان Rhetoric المتعارف عليه ضد العرب والإسلام والذي يطغى على وسائل الإعلام والخطاب النخبوي الليبرالي، أو الذين يتجنبون جعل الإسلام مثاليا(ناهيك عن تحويله إلى استسلام للعاطفة) يجدون أنفسهم واقفين على أرض هشة او مقيدين.
إن ردود الأفعال الغربية منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا حول الإسلام طغى عليها ضرب من التفكير يمكن أن تدعوه الإستشراقي.إن الأساس العام للفكر الاستشراقي هو جغرافية تخيلية تقسم الكلمة الى جزئين متساويين؛ أكبرهما والمختلف فيهما يدعى الشرق، الآخر هو الغرب.إن تقسيم من هذا النوع يحدث على الدوام عندما يفكر مجتمع أو ثقافة ما بالأخر المختلف عنها، ولكن المشوق أنه حتى وإن كان الشرق يعتبر جزءا متخلفا عن بقية العالم فإنه وُهب كلا من الحجم الكبير والقوة الكبيرة التي تفوق الغرب.
وبقدر ما ينظر إلى الإسلام على أنه يعود للشرق فإن مصيره الخاص ضمن البنية العامة للإستشراق يتم النظر إليه بكره وخوف خاصين.إن هناك بالطبع أسبابا سياسية ودينية ونفسية لذلك، لكن كل هذه الأسباب تشتق من معنى متعلقا بالغرب يخرج الى إن الإسلام لايمثل فقط منافسا عنيدا بل يشكل تهديدا جديدا للمسيحية. لم يكن بمقدوري كشف أية حقبة من التاريخين الأمريكي والأوربي منذ القرون الوسطى يتم فيها مناقشة الإسلام خارج إطار الانفعال العاطفي والتحيز والمصالح السياسية. قد لا يبدو هذا كشفا مذهلا ولكن التحريض يتظمن السلسلة الكاملة لفروع المعرفة العلمية والبحثية منذ بواكير القرن التاسع عشر والتي إما أطلقت على نفسها الإستشراق، أو حاولت التعامل بشكل منظم مع الشرق. قلّ من يجد في أن المعلقين الأوائل حول الإسلام اُمثال بيتر المبجل(1) Peter the venerable وبارثيلمي ديربيلوت(2) Barthelemy D'Herbelot كانا مجادلان مسيحيان متحمسان في ماقالاه.بيد أن هناك افتراض غير مبحوث وهو أن اوربا قطعت شوطا كبيرا في مجال التقدم العلمي الحديث وحررت نفسها من الخرافة والجهل، فلابد لهذا التقدم أن يشمل الإستشراق.ألم يكن صحيحا أن سيلفستر دي ساسي(3),Silvestre de Sacy، وإدوارد لَين(4) Edward Lane، وأيرنست رينان(5) Ernest Renan، وهاميلتون كب(6) Hamilton Gibb، ولوي ماسينيون(7) Louis Massignon كانوا من كبار المثقفين والباحثين الموضوعيين؟
أو لم يكن صحيحا أن متابعة لكل ظروف التقدم في القرن العشرين، كعلم الإجتماع وعلم الإنسان وعلم اللغة والتاريخ تفترض بمن يدّرسون الشرق الوسط والإسلام في جامعات هارفارد وبرنستين وشيكاغو أن يكونوا حياديين؟
الجواب هو (لا).. ليس لأن ألإستشراق يبعث على الإنحياز أكثر من ضروب المعرفة الأخرى كالعلوم الإنسانية والاجتماعية، فهو أيديولوجي وملوث من قبل العالم كبقية أنواع المعرفة.إن الإختلاف الأساسي هو أن المستشرقين يستخدمون سلطة صيتهم الحسن كخبراء لينكروا....لا بل ليخفوا مشاعرهم الدفينة حول الإسلام ببساط من اللغة الإصطلاحية المبهمة والتي يكون الغرض منها هو ضمان جودة «موضوعيتهم» و «عدم إنحيازهم العلمي».
هذه إحدى النقاط، أما الأخرى فهي تميز نوعا من الأنساق التاريخية فيما قد يكون تشخيصا غير محاب للإستشراق فحيثما وجد في وقتنا الحاضر توتر سياسي شديد بين الشرق والغرب ( أوبين الغرب وإسلامه) فإن هناك ميلا في الغرب للجوء ليس للعنف المباشر بل للتمثيل الموضوعي الظاهري ذو الصيغة العلمية غير المنحازة نسبيا.
وبهذه الطريقة فإن الإسلام يبدوا أكثر وضوحا، وكذلك طبيعته الحقيقية في التهديد تبدو للعيان، وعليه يتم تقديم اليات ضمنية للتعامل ضده.وينتهي كل من العلم والعنف ضمن هذا السياق الى شكل من أشكال الاعتداء على الإسلام.
إن هناك مثالين ملفتين للنظر يوضحان اطروحتي.بإستطاعتنا أن نرى إستعاديا retrospectively إن خلال القرن التاسع عشر أن هناك فترة سبقت احتلال فرنسا وإنكلترا لأجزاء من الشرق الإسلامي، فترة تم فيها كل وسائل البحث وفهم الشرق. فجاء الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830 بعد فترة عقدين من الزمان حاولت فيها الدراسة البحثية الفرنسية دراسة الشرق من فرع معرفة أثري إلى فرع عقلاني.كان هنالك بالطبع إحتلال نابليون بونابرت لمصر عام 1797 وعلى المرء أن يلاحظ حقيقة أنه قد حظر لحملته بواسطة مجموعة من العلماء ليحصل على مشروع احتلال مثمر وفعال.إن قصدي مع ذلك هو أن احتلال نابليون قصير الأمد لمصر قد أسدل الستار على فصل وبدا فصل آخر جديد، أصبحت فرنسا خلاله تحت إشراف دي ساسي لمؤسسات دراسة الإستشراق، القائد الجديد للإستشراق، وقد وصل هذا الفصل ذروته بعد فترة وجيزة عندما احتلت الجيوش الفرنسية الجزائر عام1830
لا اريد هاهنا ان اوحي بان هناك علاقة سببية بين شيء وشيء آخر ولا اريد ان اتبنى وجهة النظر اللانخبوية القائلة بان كل دراسة علمية تؤدي بالضرورة الى العنف والمعاناة.جل ما اريد قوله ان الامبراطوريات لا تولد من تلقاء نفسها ولم يتم إدارتها في وقتنا الحاضر بالارتجال.
إذا كان تطوير التعليم يتطلب إعادة تعريف حقول التجربة الإنسانية من قبل العلماء الذين يقفون فوق المادة التي يدرسونها، فسوف لن يكون خارج نطاق البحث أن نرى نفس التطور يحدث بين السياسيين الذين يتم إعادة تعريف مملكة السلطة لديهم لتشمل مناطق مختلفة من العالم، حيث يمكن اكتشاف مصالح قومية جديدة، وترى فيما بعد الى أنها بحاجة للإشراف عن كثب.أشك كثيرا في أن انكلترا أحتلت مصر بطريقة أسس لها على المدى الطويل مالم تستثمر في التعليم الاستشراقي أولا والذي أرسى قواعده علماء أمثال لين ووليام جيمز(8).
مثالي الثاني مثال معاصر: إن الشرق الإسلامي اليوم مهم بسبب موارده أو موقعه الجيوبولتيكي، ومع ذلك فلا أحد من هذين السببين يمكن أن يحل محل المصالح والحاجات وتطلعات اهل الشرق الأصليين.فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الولايات المتحدة مواقع للسيطرة والهيمنة في مواقع كانت تشغلها فرنسا وبريطانيا في يوم ما، ومع استبدال نظام إمبريالي بأخر ذهب شيئان، أولهما: نشوء ملحوظ للاهتمام الأكاديمي والمهني بالإسلام وثانيهما: ثورة غير اعتتيادية للتقنيات الموجودة لحقل الإعلام الخاص وصناعة الإعلام الألكتروني.
ساهمت هاتتين الوسيلتين والتي ينظوي تحت لوائهما مؤسسات جامعية عملاقة وخبراء أعمال حكوميين في دراسة الشرق الأوسط والإسلام وأصبح الإسلام بواسطتها معروفا لكل متتبع للأخبار.لم يصبح العالم الإسلامي فقط موضوعا يتناوله أكبر تشبع غربي إقتصادي ثقافي في التاريخ، لأن مامن مملكة ليست غربية سيطرت عليها الولايات المتحدة مثل العالم العربي الإسلامي اليوم.
وبقدر مايتعلق الأمر بالولايات المتحدة قد تبدوا مبالغة قليلة القول بان العرب والمسلمين ينظر اليهم بالأساس على أنهم إما مجهزون للنفط أو إرهابيون كمناء.إن الكثافة الإنسانية والعاطفة التي تتسم بها الحياة العربية الإسلامية قد دخلت حتى في وعي من يقوم بكتابة التقارير حول العالم العربي.إن مانمتلكه بدلا من ذلك هو سلسلة من الصور الكاريكاتورية الخام عن العالم الإسلامي، مقدمة بطريقة تجعل ذلك العالم قابلا للعطب والتعرض للاعتداء العسكري.

الهوامش
ـــــــــــــ
(1) بطرس المبجل:(1092-1156) وعرف أيضا باسم بطرس مونبواسييه، راهب دير بنديكتين في كلني وقد تم تشريفه كقديس ولكنه لم يطوب أو يضم الى قائمة القديسين.
(2) بارثيلمي:مستشرق فرنسي(1625-1695) أكمل تعليمه في جامعة باريس وكرس نفسه لدراسة اللغات الشرقية.
(3) أنطوان إسحاق بارون سيلفستر دي ساسي(1758-1838) لغوي ومستشرق فرنسي.
(4) مسشترق إنكليزي عاش في مصر فترة طويلة ولقب بمنصور أفندي.اشتهر بمعجمه «مد اللغة» وهو معجم عربي إنكليزي كبير.
(5) مؤرخ وناقد فرنسي درس اللاهوت، بيد أنه فقد إيمانه وكرس نفسه بعد ذلك الى دراسة تاريخ اللغات والأديان. من مؤلفاته: مستقبل العلمL'Avenir de la Science وتاريخ الأصول المسيحية L'Histoire des Origines du Christianisme. وفي كتابه (حياة يسوع) Vie du Jesus وصف السيد المسيح بانه شخص لايقارن بأحد لكنه مع ذلك ليس بالأله.
(6) السير هاملتون الكسندر روسكين كب(1895-1971) ويشار إليه أيضا بالحروف (ه. أ.ر.كب) باحث اسكتلندي في الدين الإسلامي والشرق الأوسط.ولد في الإسكندرية بمصر ثم عاد إلى اسكتلندا ليتم تعليمه بعمر 5 سنوات بعد وفاة أبيه.
(7) مستشرق فرنسي(1883-1962) عني بمؤلفات الصوفية واهتم بمؤلفات الحلاج، ترك مؤلفات هامة في الشؤون الإسلامية.
(8) فيلسوف وعالم نفس أمريكي واخ الروائي هنري جيمس، كان أحد من أوجد المذهب الذرائعي.