|
الاثنين: 23/07/2007
الاستشراق
من الانفعال إلى المنهج العلمي
مناهج متعددة لرؤية واحدة
د. صلاح
الجابري(*)
(خاص للمعهد)
شكل الإسلام، منذ الفتوحات الإسلامية المبكرة، مصدر
تهديد مرعب للعالم الغربي. رافق ذلك الشعور بالتهديد، لدى الغرب، نمو وتصاعد الشحنة
العدوانية تجاه الإسلام. وتجذرت تلك الشحنة العدوانية في التكوين النفسي للمجتمع
الأوربي، وقد حرصت الكنيسة على تغذيتها وتركيزها بوسائل متنوعة، منها، تصوير
الإسلام، بطريقة مفرطة، بالبشاعة واللاإنسانية. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على مستوى
الكتابات والتصريحات في تلك الفترة.
لكن هذا العامل النفسي (السلبي) تنوع وتعقد وفقاً لتغير الظروف التاريخية وما
رافقها من تطور للوعي، فأفرز بدوره عوامل متصلة الحلقات عبر السلسلة الزمنية التي
تشكل نسيج الأحداث التي مرت بها علاقة الغرب بالعالم الإسلامي منذ العصور الوسطى
وحتى العصر الراهن.
إن مصدر هذا الموقف الإنفعالي هو شعور الأوربيين بأن المسلمين يشكلون تهديدا حقيقيا
للعالم المسيحي الغربي، وتخيلوا العرب بأنهم شعبٌ هائج أطلقوا عليه اسم «السراسنة»(1)،
عدّوا وصولهم إلى إيطاليا وأسبانيا كارثة، وأطلقوا عليهم أيضا البرابرة. ولقد وصف
أوبيد المبجل، بمراجعة تاريخ الإنجليز قبل وفاته سنة 735م، كره الغرب لهؤلاء
السراسنة (العرب المسلمين) بقوله: «قام الوباء المتمثل بالسراسنة المسلمين بتخريب
مملكة بلاد الغال بعد مجازر أليمة بائسة لكنهم سرعان ما لقوا عقابهم الذي يستحقونه
على غدرهم»(2).
ولهذه النظرة السلبية تجاه العرب أصولها في ما قبل الإسلام، فقد تبلورت عندما سمع
الغرب عن السراسنة (العرب) قبل الإسلام بزمن طويل، ويذكر تاريخ للعالم يرجع إلى
القرن الرابع «أن السراسنة كانوا يحصلون بقوة القوس والنهب على ما يحتاجون إليه في
الحياة، وكان الجدال يحتدم حول اسم السراسنة المشتق من سارة زوج إبراهيم بالرغم من
أنهم من سلالة هاجر»(3).
وقد تعززت تلك الصورة الأسطورية عن المسلمين حين سيطرتهم على اسبانيا، فقد أدى ذلك
إلى رد فعل ديني من قبل القساوسة دفاعا عن عقيدتهم المسيحية التي باتت مهددة من قبل
الزحف الإسلامي، فتناولوا الاسلام بالتشويه والتزييف.
وقد فشلت الحملات المسيحية لاقناع المسيحيين بضرورة الحرب والاستشهاد، ولم يلتفتوا
خلال القرن السابع إلى ضرورة فهم فكر الخصوم (المسلمين) وعقيدتهم.
وقد نجح البابوات فيما بعد في تكوين وحدة مسيحية لاسترداد الأراضي، وهي الحرب التي
شنت من أجل استرداد اسبانيا، ثم تكونت الوحدة الأيديولوجية العدائية ضد العرب
والمسلمين في المجتمع اللاتيني المسيحي، حيث برزت الصورة أو الرؤية الواضحة لصورة
العدو (المسلمين)، وأدت بذلك إلى حشد الطاقات والجهود لشن الحروب الصليبية. وتزايد
الأمر على هذا الأساس العدائي، عندما كان حجّاج بيت المقدس من المسيحيين يرجعون إلى
بلادهم وهم يحملون صورة العداء الكامل للبدو الرحّل، خصوصا عندما ارتفعت في أوربا
أصوات تنادي بضرورة مد يد العون إلى المسيحيين في بلاد الشرق، وخصوصا في القدس،
وأصبح ذلك واجبا دينيا مقدسا.
وهكذا تم خلق صورة مشوَّهة عن المسلمين من قبل الحجّاج، فقد كان أولئك السراسنة في
نظر الحجّاج أنماطاً من البشر يزداد عددهم، ولا فائدة من وجودهم وأنهم مجرد (كفّار)
و(تافهين) وقصة (حج شارلمان) الخرافية في أواخر القرنين الحادي عشر والثاني عشر
مجرد خرافة تُظهِر هذا الامبراطور يتجوّل في مدينة القدس وحده دون أن يحتك بأحد.
وقد بدت الصورة الخرافية عن الإسلام أكثر وضوحا في أغنية رولاند في نفس المرحلة
المذكورة، وإن أعطت تلك الأنشودة صورة أقوى للإسلام المتحدي الذي يهبُّ أتباعه كما
تقول الأغنية متّحدين وهم من النوبيين والزنوج والأفار(4).
وكان ذلك كله تمهيدا لانطلاق الحملات العسكرية المعاكسة فقد «انطلق روجر دي تفيل
النورمندي لاستعادة صقلية عام 1060، ودخل الفونسو السادس طليطلة عام 1085، وغوفري
القدس عام 1099، وقد أدى فتح هذه الجبهات الثلاث إلى اتصال وثيق مع المسلمين، فأخذت
صورة الإسلام تتأثر لعدة قرون بتشويهات المنافسة الأيديولوجية التي لا بد منها»(5).
انعكست تلك النزعة العدوانية المباشرة، سلباً، على الفكر الغربي ذاته، بوصفها رؤية
تقليدية (ساذجة)، غير علمية، موجهة بمسبقات عقائدية مناهضة للروح الموضوعية. انبثق
هذا التقييم من الفكر الغربي نفسه، الذي بالرغم من وعيه بالطابع الذاتي (اللاموضوعي)
لتلك الرؤية أو الموقف السلبي، لم يتخل عن الهدف الجوهري لذلك الموقف، وانما عمل
على تزويق الأداة والارتقاء بالخطاب من طابعه المباشر (التجريح والوصف السوقي)، إلى
نوع من التورية المنهجية الموحية بالإيجابية الظاهرية، المستبطنة لمحاولة تفريغ
الإسلام من بعده السماوي، ونزع طابع القدسية عن أصله، في محاولة لـ (طبعنة) أو (تطبيع)
الإسلام، بتحويل العنصر الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه إلى عنصر طبيعي، وذلك بالبحث
عن امتداداته في العصر التاريخي القريب منه، أو العصور السابقة بأديانها المختلفة،
أو قرنه باسقاطات الفكر الأسطوري. وقد عبر إدوارد سعيد عن هذا التطور المنهجي
بقوله:«في القرنين التاسع عشر والعشرين كان ثمة بين المستشرقين ذاك الطموح لصياغة
اكتشافاتهم، وتجاربهم، ونظراتهم الثاقبة، بلغة حديثة مناسبة، و لجعل أفكارهم حول
الشرق على اتصال وثيق بالواقع الحديث. فقد صيغت دراسات رينان اللغوية للسامية عام
1848 مثلا، بأسلوب استقى، من أجل توثيق نفسه، من الدراسات المعاصرة في النحو
المقارن، والتشريح المقارن، والنظرية العرقية، وقد أضفى ذلك على استشراقه امتيازا
وجعل الاستشراق معرّضا للطعن من قبل التيارات الفكرية الرائجة، والتيارات الجديّة
التأثير في الغرب في الوقت نفسه. وأخضع الاستشراق للإمبريالية، والوضعية المنطقية،
والطوباوية، والتاريخانية، والداروينية، والعرقية، والفرويدية، والماركسية،
والاشبنعلريّة.
غير أن الاستشراق، مثل كثير من العلوم الطبيعية، والاجتماعية، كان قد اصبح له
منطلقات للبحث، وجمعياته العلمية، ومؤسسته الخاصة. وخلال القرن التاسع عشر اكتسب
هذا الميدان امتيازا متعاظما، كما تعاظمت أيضا السمعة والنفوذ اللذان تمتعت بهما
مؤسسات مثل «الجمعية الآسيوية» «الجمعية الملكية الآسيوية»، «الجمعية الألمانية
للدراسات الأجنبية»، و«الجمعية الاستشراقية الأمريكية». وقد ازداد مع تنامي هذه
المؤسسات، عبر أوربا كلها، عدد كراسي الأستاذية في الدراسات الشرقية، بدءا من مجلة
مناجم الشرق (1809)، كمية المعرفة، كما ضاعفت عدد التخصصات»(6).
إن ذلك التطور أمر طبيعي، فالموقف العدواني اتخذ نمطاً مباشراً، كرد فعل أولي تجاه
تهديد قوي وخطير، ولكن عندما انقلبت أطراف المعادلة لصالح الغرب تغيرت صيغة
المواجهة، واتخذت نمطا مدروساً واستراتيجية خاصة، فالتحول من الدفاع إلى الهجوم أدى
إلى تعديل الموقف وإعادة بناء الطرق والمنهجيات، وانطوى هذا التعديل وإعادة البناء
على دوافع وأهداف مركبة، ومتنوعة بتنوع المطامع؛ فالتنصير هدف ودافع في وقت واحد؛
فالدافع ديني، والوسيلة هي الإطلاع على ثقافة الآخر ومرتكزات حضارته، استهدافا
للكشف عن مصدر قوته، وكسر شوكته.
والاستشراق إذا فهمناه في انشباكه بالاستعمار، فسيبدو أداة معلوماتية مهمة بيد
القادة السياسيين والعسكريين، مثال على ذلك (دور المستشرق الهولندي سنوك مرغرونيه
في السياسة الاستعمارية الهولندية في إندنوسيا، ودور ماسينيون في خدمة الحكومات
الفرنسية المتعاقبة كضابط في الجيش والمخابرات، وهناك اليوم عاملون كثيرون في مضمار
ما يسمى بدراسات الشرق الأوسط وضعوا أنفسهم في خدمة الصهيونية بفلسطين المحتلة؛ مثل
المستشرق المعروف برنارد لويس الذي تخرج على يديه عشرات الطلاب العرب واليهود…)(7).
وسيبدو الاستعمار نتيجة أو هدف يسعى من خلاله الآخر إلى إخضاع العالم الإسلامي
لأرادته بالقوة العسكرية، اقتناعا بمبدأ الإرادة الواحدة (الأقوى)، مبدأ الإرادة
الآمرة والأخرى الخاضعة. ذلك المبدأ الذي اتخذ في عصرنا الراهن صورة مبدأ قيادة
العالم الذي تدشنه اليوم مقولة العولمة(8) (Globalization).
وللاستعمار دافع اقتصادي أيضا، إذا نظرنا إليه بوصفه نهباً لثروات الأمم الضعيفة،
وسرقة موارد عيشها، واستغلال أبنائها، ابشع صور الأستغلال، التي تستهين بكرامة
الإنسان، كما حدث في أفريقيا، إذ اقتيد آلاف الناس كرقيق؛ لاستخدامهم أيدي عاملة في
تدشين أسس مدنية الغرب الراهنة، ومرافقها العمرانية.
إذن التنصير، والاستشراق، أنشطة ذات دوافع مركبة ومتداخلة فلا يمكن فهم الاستشراق
من زاوية واحدة، على سبيل المثال، النظر إليه بوصفه وسيلة للتنصير فحسب، أو أداة
تشريعية أو استشارية للقادة فقط، ولا هو ذلك المسعى العلمي المجرد من تلك الأغراض
جميعاً، بل هو كل ذلك مرة واحدة. بمعنى آخر، إن الاستشراق مسعى علمي لا يخلو من
الغرضية، فهو بحث موجه بمسبقات الذهنية الغربية، وهو أداة تحليلية لثقافة الآخر
ومجتمعه، والعلاقات الداخلية لذاك المجتمع، ولطبيعة الأفكار والعقائد السائدة،
ومستوى القوى المتنابذة التي تتصارع فيه، وطبيعة العلاقات الإنتاجية، والمستوى
الطبقي، ونمط الاستهلاك. ومن الطبيعي أن يوظَّف هذا التحليل العلمي سياسياً في صراع
الغرب مع العالم الإسلامي. ومن الطبيعي أيضا أن يوظِّف الاستعمار المعلومات
الجغرافية والاجتماعية المستقاة من الاستشراق لتسهيل مهامه، ولذلك فالتساؤل عن موقف
المستشرقين من الاستعمار يتضمن معنى المشاركة؛ فالاستعمارـ في حينه على الأقل ـ
يمثل وعياً جماعياً للعالم الغربي. وبرزت المواقف السلبية من قبل بعض المستشرقين
تجاه الاستعمار بعد فترة الاستعمار المباشر. والحقيقة أن المستشرقين، في الوقت
الراهن، بدءوا ينأون بأنفسهم عن الدور الاستعماري في البلاد الإسلامية، ويتنصَّلون
من مسؤولياتهم عن مآسي العالم الثالث، ومساهماتهم المباشرة أو غير المباشرة في ذالك.
إذا كان الجذر الحقيقي للاستشراق هو التنصير الذي بدأ كنشاط موجه من الباباوات، فإن
هذا واقع تاريخي مؤثر، لكنه متحرك، إذ أفرزت حركته توجهات جديدة متأثرة بالنزعة
العلمية ومنهجيتها كهمٍّ أو مسعى يحاول أن يضفي الخاصية الإستنتاجية على البحث
الاستشراقي. لكن ذلك التوجه العلمي لم يخل من مسبقات فكرية، إن لم تكن دينية فهي
فلسفية ـ عقائدية، أو أفكار أفرزتها أيديولوجيات جديدة ظهرت في الميدان الفكري على
طول الفترة الزمنية الفاصلة بين سقوط القسطنطينية وبدايات القرن العشرين؛ إذ ظهرت
في غضون تلك الفترة اتجاهات متنوعة وفق تسلسل زمني متعاقب. ظهر أولاً نوع من
المقاربة بين الإسلام والإصلاح الديني ـ الاجتماعي. فصورت المسألة الإسلامية (كحدث
تاريخي) بأنها حركة مصلح اجتماعي سعى إلى تغيير الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي
لأبناء قومه، أملاً في ترسيخ العدل الاجتماعي، والقضاء على التفاوت الطبقي، ومحاربة
تركيز الثروة بيد الأقلية على حساب الفقراء والضعفاء، أو هي حركة مصلح ديني ثائر
على الوثنية وتقاليدها الزائفة وطقوسها الخرافية، واضعاً بدلاً عنها خطة فكرية
قاعدتها الوحدانية المستمدة من أديان وأفكار سابقة. وهكذا تتابعت الصور من المصلح
الاجتماعي الثائر، إلى البطل الذي امتلك خصائص فريدة مكنته من تجاوز الصعاب لإنجاز
مهمة مخطط لها مسبقا. فكانت مسألة إضفاء خصائص البطولة والعبقرية مقدمة لاستفراغ
الإسلام من بعده السماوي، وطرحه كنتاج واقعي لحركة التغيير الاجتماعي التي قادها
ذالك البطل(9).
وكما أوضحنا من قبل، إن تلك المقدمات لا تنفي البعد الإلهي للدعوة الإسلامية، أو
المصدر الإلهي للرسالة، الأمر الذي حاول المستشرقون إثباته من خلالها، وهي مجرد
أفكار بنيت على جانب من جوانب الحياة في العصر الإسلامي.
بعد انتشار المناهج الحديثة، سواء ذات الصبغة الماركسية أو الليبرالية، أو الفكرية
المستقلة نسبيا عن الأيديولوجيات السياسية، ظهرت مصطلحات جديدة تصف الواقع التاريخي
الإسلامي، مثل مصطلح نمط الإنتاج الآسيوي، أو النظام الاقطاعي، والتفاوت الطبقي (الطبقة
المستغلِة والطبقة المستغلَّة). كما ظهرت المناهج الوضعية واللغوية أيضا، لاسيما
المنهج التاريخي والفيلولوجي الذي سيطر على عقول المستشرقين طول الفترة الزمنية
الممتدة بين منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهايات القرن العشرين. وتطورت المناهج
الإستشراقية في منتصف القرن العشرين، بتأثير الأنثروبولوجيا البنيوية وعلم
اللسانيات الحديث وعلم الاجتماع المعاصر، إلى منهجية جديدة تدعى «منهجية التاريخ
غير الوقائعي: أي تاريخ العقليات والأخلاق والعادات….الخ، وهذا التاريخ يعيد طرح
المشكلات ضمن إطارات المسارات السوسيولوجية والإنتروبولوجية»(10).
بمعنى آخر إن بؤرة البحث انزاحت نحو دراسة التاريخ الثقافي لا الوقائعي. ومع كل ذلك
التحول المنهجي بقيت الأهداف الجوهرية ذاتها لم تتغير؛ لأن المنهجية لاتضمن بذاتها
الموضوعية إذا كانت خاضعة لتأثير رؤية قبلية مناقضة للرؤية المدروسة (رؤية الآخر).
ولذلك فإن دعوى النزاهة العلمية والموضوعية لاتعني أكثر من الالتزام بتلك المنهجية
والرؤية المنبثقة عنها.
إن دعوى الموضوعية في الجدل الاستشراقي أحادية الطرف. ولذلك فهي لم تخرج من إطار
المركزية الغربية، بل هي انبثاق عنها، وصياغة جديدة لمبدأ الانتقاص القيمي من الآخر.
إنها نوع من الاحتكار ينقل من إطاره السلعي الضيق، ليوظَّف كعامل نفي واستبعاد أو
أداة قمعية لفكر الآخر.
يدّعي المستشرقون، في إطار الجدل المنهجي، أن المسلمين لا يصلحون كدارسين لتراثهم،
بسبب سيطرة عقدة التقديس على أذهانهم، وهذا ما يفقدهم الرؤية الموضوعية. ويستثنى من
ذلك مجموعة من المثقفين انخرطوا وراء المستشرقين، وهم أولئك الذين يصفهم المستشرقون
بأنهم أصحاب ثقافة علمية ورؤية موضوعية(11)، ويعدّهم المناهضون (الإسلاميون) أتباعا
وعملاء للاستشراق وموقفه العدواني من الإسلام وحضارته«إن عملاء التبشير والاستشراق..
هم الذين دربتهم دعوة التبشير على إنكار المقومات التاريخية والثقافية والروحية في
ماضي هذه الأمة وعلى التنديد والاستخفاف بها»(12)، وعبر عن ذلك الموقف أيضا مالك بن
نبي بقوله: «إن بعض هؤلاء المشارقة المتتلمذين للمستشرقين يُخفون عملهم التخريبي ضد
الإسلام، بإيعاز واضح من أوساط استعمارية، تحت رداء تقدمية جوفاء تحاول سلب الإسلام
من كل قيمة حضارية، بل تنسب له حالة التخلف الراهنة في العالم الإسلامي»(13).
في المقابل، يرى الإسلاميون أن المستشرقين وأتباعهم لا يصلحون كدارسين، موضوعين
وحياديين، للإسلام، بسبب سيطرة عقدة العدوانية التاريخية (أو الشحنة الأوربية
السلبية) ضد الإسلام(14).
وهناك بعض جوانب نقص علمي حتمي أشار إليها الدكتور محمد حسين الصغير بقوله:«أما
نواحي الاعجاز فهو مما يخص المسلمين، وقضايا البلاغة شؤون عربية قد لا يحسنها غير
العربي الأصيل، وجرس الألفاظ لا تعيها إلا أذن بدوية، والالتفات من الفنون البديعية
التي ترتبط بالبلاغة العربية، والتفسير الجزئي أو الكلي أو الموضوعي، لا سبيل له في
مفهوم المستشرقين، لأن القرآن كتاب هداية وارشاد وتشريع للمسلمين لا للمستشرقين»(15).
ويتضح هذا الفرق بين المستشرقين والمسلمين في نقد الدكتور الصغير لجوستاف لوبون حين
اعتبر هذا الأخير القرآن قليل الارتباط، خاليا من الترتيب، فاقد السياق كثيرا. يقول
الدكتور الصغير: «ويعود سبب هذا الخطأ الفاحش بطبيعة الحال إلى جهله غير المتعمَّد
بكُنْهِِ النظم القرآني، وارتباط الآية بما قبلها، وما بعدها، وانتهاء الموضوع
للبدْء في موضوع آخر، ومواكبة الغرض الفني للغرض الديني بلاغيا وتشريعيا، ورقة
الالتفات من الغيْبة إلى الحضور، ومن الخطاب إلى الغيْبة، ومن الأفراد إلى الجمع
وبالعكس، ومن المضمر إلى المظهر، مما لا يكاد يُحْسِنُ فهمه الدقيق إلا العربي
المحض، أو مَن تمرّس بلغة العرب ذوقا ولسانا وإحاطة»(16).
الاتهامات إذن متبادلة، الاتهام الأول يتعلق بالتكوين العلمي، ويشدد الثاني على
التكوين النفسي للغربي، بوصفه امتداداً تاريخياً لعداء مستحكم تجاه الإسلام، وعلى
نقص بعض الجوانب العلمية أيضا كما أشار إلى ذلك الدكتور الصغير.
إلا أن المستشرقين يدّعون بأنهم متدرّبون على المنهج العلمي ـ التاريخي، والرؤية
الموضوعية بحكم ارتباطهم بحضارة علمية حية. ويبدو المسلمون في نظرهم ـ وربما في
الواقع ـ منتمون إلي حضارة منزوية في التاريخ، وقد انزوى معها الفكر العلمي الذي
يمكّن العقل من الرؤية الموضوعية للواقع، ولذلك فهم يقدّسون واقعاً ميتاً، أو
بالأحرى تاريخاً ميتاً، ليس إلا لأنه ميت، وكلما بَعُدَ ذلك التاريخ في الزمن
ازدادت عقدة التقديس، وازدادت محاولات أسطرة ذلك الواقع. والحل الذي يقدّمه
الاستشراق لهذا المشكل المتخيّل هو إعادة طرح ذلك التاريخ وفق المنهجية العلمية
المقترحة من قبلهم، لتجريده من قدسيته، وربما، من ثم، رفضه تماماً. ولا يخفى على
بالنا بأن واحدة من المهام الأساسية العديدة للمستشرقين هي السعي لطرح منهجية تجريد
التراث الإسلامي من أية عناصر مقدسة (إلهية)، والترويج لتلك المنهجية وسط المثقفين
المسلمين تمهيداً لإقناع العالم الإسلامي (الوعي الإسلامي) بعدم جدوى النموذج
المقدس، ووجوب الانسياق وفق دين العلم الجديد والأيديولوجيا الغربية ـ الأمريكية
النازعة إلى قيادة العالم، وإخضاعه لإرادتها.
الهوامش
ــــــــــ
(*) استاذ الفلسفة المساعد في جامعة ذي قار، العراق.
(1) السراسنة SARAZINS كلمة لاتينية أصلها SARACENUS من أصل يوناني SARAKENOS أطلق
أول مرة على بدو مابين النهرين في القرن الأول الميلادي الذين كانوا يهددون التجارة
أو يحمونها بتكليف من الرومان – والفرس والكلمة تعني ساكني الخيام. ويقال أنها
معناها شرقي SHARGHI. أنظر: المسلاتي، مصطفى نصر، الاستشراق السياسي، ص31.
(2) عن مصطفى نصر المسلاتي، الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين، ،
منشورات إقرأ، طرابلس، الطبعة الأولى، ص31-32.
(3) EXPOSITIO TOTIUS MUNDI ET GENTIUM XXED J. PUOGE PARIS 1760. نقلا عن المسلاتي،
مصطفى نصر، المصدر السابق، ص32.
(4) المسلاتي، مصطفى نصر، الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين، ص33.
(5) شاخت وبوزوت، تراث الإسلام، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب، الكويت، أغسطس، 1978، ص32.
(6) إدوارد سعيد، الاستشراق، ص74.
(7) دي بلو، فرانسوا، في نقد الاستشراق، مجلة الفكر العربي، العدد 32، نيسان /
حزيران، 1983، ص145-146.
(8) ذلك إن العولمة تنطوي على صراع إرادات، فهي تمثل إرادة الأقوى التي يراد
تسويغها بوصفها قطباً تتمحور حوله إرادات الشعوب الأضعف وتدور في فلكها، انظر:
مقالنا، العولمة وتصادم القيم، جريدة الدعوة الإسلامية، ليبيا، العدد 714، في 14.
3. 2001م.
(9) هذه الآراء متأثرة بنظرية البطل لـ كارليل.
(10) محمد أركون وآخرون، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، ترجمة هاشم صالح، دار
الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1994، ص93 فما بعدها.
(11) المصدر نفسه، ص104، مدح رودنسون لهشام جعيط على كتابه (أوربا والإسلام)، ص115.
(12) البهي، د. محمد، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، دار الفكر،
بيروت، ط5،1970، ص519.
(13) مالك بن نبي، إنتاج المستشرقين، وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، مجلة الفكر
العربي، عدد خاص عن الاستشراق، العدد 32، لسنة 1983،136.
(14) انظر، على سبيل المثال، الدكتور عبد اللطيف الطيباوي، المستشرقون الناطقون
بالإنجليزية ومدى اقترابهم من حقيقة الإسلام، مجلة الفكر العربي المذكورة سابقا،
ص94 فما بعدها.
(15) الصغير، الدكتور محمد حسين، المستشرقون والدراسات القرآنية، المؤسسة الجامعية
للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1986، ص86.
(16) المصدر نفس، ص87.
|