|
السبت: 18/08/2007
تشكلات
السلطة وأثرها في تشكيل الوعي الغربي
أ. م. د.
عامر عبد زيد(*)
(خاص للمعهد)
إن السلطة تمر بمراحل حتى تتشكل في شكلها النهائي
كسلطة إذ تبزغ كقوة تشكلت عبر نسيج من العلاقات داخل الواقع الاجتماعي والثقافي،
وتكون هذه القوة نتيجة مباشرة للتقدم التقني للعلم الذي يحدث تغييرا في النسيج
الاجتماعي، فتكون الطبقات الاجتماعية نتيجة له وليس هو نتيجة لها. تتحول القوة إلى
سلطة، عندما تصبح تلك القوة صاحبة سيطرة كنتيجة لحاجة الصراع الذي تخوضه مع القوة
المضادة التي تتوجه بسيطرة تلك القوى وتصبح عندها سلطة فاعلة تملك فعالية سياسية،
لأنها ساعتها سوف تكون مالكة لأدوات الإنتاج المادي، والرمزي.. وقد ظهرت سلطات
تعاقبت في الهيمنة على الفكر الغربي، وأهمها: سلطة الكنيسة وسلطة الملكية.
برزت سلطة الكنيسة كقوة في أول أمرها في مقاومتها (لروما) إلا أنها استطاعت أن تفرض
سيطرتها عندما انهارت روما تحت رماح البرابرة، استطاعت الكنيسة أن تكون سلطة وهي
تراوح بين نص القديس أوغسطين الإيماني ونص القديس توما الذي يندرج في سلالة كتابات
أرسطو، إذ كان القديس توما حريصا على نظام فاضل راسخ في رؤيا العالم الوجودي –
النظري.. كانت السياسة تخدم هدفا أسمى يرتكز بدوره إلى نظام أوسع يمكننا معرفته،
وكان التفكير السياسي فناً يقود الناس إلى السعادة في عالم غير كامل، وهو فن على
نهج الطريقة التي نظم بها الله الطبيعة(1).
لكن سرعان ما ظهرت قوة جديدة دخلت في صراع مع الكنيسة، ألا وهي (الملكية)، إذ كانت
الملكية تمثل بداية ظهور هيمنة الدولة التي مرت بمراحل كانت السلطة، أو الحق المطلق
للملك، ثم سلطة الدولة كما قدم وصفا لها جون لوك، ثم الجمهورية الفرنسية مع
مونتيسيكو، إذ كانت هناك مراحل تشكل الملكية بدايتها. في وقت كانت الممالك كلها
تخضع لسلطة الكنيسة تعرضت للحرمان، لكن، أتاح النمو التقني للعلم ظهور هذا النموذج
الثاني للنظم السياسية الذي تشكل في عصر النهضة ويقترن به عموما اسم (ماكيافللي)
يرشد ماكيافللي الأمير إلى أذكى طريقة للحفاظ على دولته، وكان هذا يشكل انفصالا
مهما جدا عن التقليد الغربي السياسي، إذ لم يعد يحسب حسابا للاعتبارات
الميتافيزيقية ولا الأهداف المقصودة أبعد من سلطة الأمير، إذ الهدف الأسمى هو
ازدياد سلطة الأمير ورسوخها، لا حرية المواطن وفضيلته، ولا سلامته وطمأنينته، وقد
عرفت في الأدب الكلاسيكي وهي التي تمثل السلطة الملكية إذ حدث تطابق بين الأدب
والملك فالأدب هو الملكية(2)، وقد تغلبت المعرفة العملية والتقنية على الاعتبارات
الميتافيزيقية، وباتت المسائل الاستراتيجية أساسية. وقد قاد ذلك إلى الحداثة التي
صاحبت النهضة وكانت ترمي إلى إيجاد حلول للمشاكل التي خلقها النمو المدني
والاقتصادي والسياسي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت تسعى إلى بناء رؤية ومنهج
يشكلان استجابة ويخلقان قطيعة مع تلك القيم التي شكلت الرأسمال الرمزي الذي عبر عن
فكرة (العصر الذهبي) القائل: «إن تاريخ البشرية هو تاريخ تدهورها وان الفكر هو
تاريخ أخطائه»(3).
وقد تحالفت سلطة الدولة الملكية مع العلم الذي كان يزودها بمنجزاتها التي تجعله غير
محتاج إلى عون (صكوك الغفران) الكنيسة، وقد حاولت الكنيسة التي اتخذت من حريق (برونو)
(1548 ـ 1600) ومن إرهاب غاليلو (1564 ـ 1642) أسلحة ضد الفكر النهوضي، الأمر الذي
دفع ديكارت (1596 ـ 1650) إلى المهادنة إلا أن ذلك لم يحل دون :
أولا ـ النزعة النقدية القائمة على استبعاد مكونات الفكر الفلسفي والعلمي الوسيط
الذي لم تمر مكوناته من خلال منافذ المعرفة (الحواس والعقل) بل مدت إلى العقل عبر
التبني.
ثانيا ـ اعتمدت البنائية لتشكل منهجا جديدا ينجز المهمة الأولى (النزعة النقدية)
ويرسم أبعاد نظرية معرفية جديدة للعالم (طبيعة ومجتمعا وإنسانا) وينجز عن طريق
الاعتماد على هذا المنهج، إعادة قراءة التراث السابق وتقويمه من زاوية نقدية(4).
تقوم على رفض اللاهوت وتعمل على بناء نظرية علمية(5). كما لدى (كوبر نيكوس) (1473 ـ
1543) وكيلر (1571 ـ 1630) أو ديكارت (1596 ـ 1650)، وقد ساهم في تقوية تلك الحركة
لسلطة الدولة الملكية اتساع الاكتشافات الجغرافية في القرن الخامس عشر واكتشاف
الطرق البحرية إلى الهند و اكتشاف أمريكا، قد أنعشت التجارة واتساع نفوذ التجار
الذين اعتمدت عليهم الملكية كبديل عن الإقطاعيين الذين انهار نظامهم بعد أن أصبح
حجر عثرة أمام النمو التجاري، وتدفق ذهب أمريكا وفضتها فاغرق أوربا وتسرب إلى كل ما
في النظام الإقطاعي من ثغرات، وقد استبدل الإنتاج الحرفي بنظام العمل اليدوي مما
سمح بتطور إنتاج النسيج، لكن ازدادت حدة الاضطهاد للجماهير البرجوازية الصغيرة
والعاملة في المدن فقد تفجرت الثورات البرجوازية الرامية إلى هدم النظام
الإقطاعي(6). وفتح المجال أمام تطور الرأسمالية وإيقاف الحروب الدينية التي كانت
تشنها الملكية على المخالفين لها، والتفرد في صنع القرار السياسي. فظهر نموذج ثالث
(نظرية داعي المصلحة العليا للدولة) المرحلة الثالثة من تطور الفكر السياسي، وهي
تتميز عن المرحلتين الأخريين مع أن جميع المنظرين الأوائل ل (نظرية داعي المصلحة
العليا للدولة) قد ظهروا في وقت متزامن مع ماكيافللي وتضامنوا غالبا معه، وقد أعدت
برامج مخصصة للتطبيق العملي في تنظيم الأفراد وضبطهم مع الاستمرار في استخدام
التيار التقليدي للفكر السياسي من أجل إخفاء مخططاتهم.. لكن هذا التيار أصبح واضحا
أكثر مع ظهور البرجوازية كقوة فاعلة(7)، إذ لم يعد الهدف سعادة الأمير بل إخضاع
الرعايا لنظام أكثر صرامة إلى توسيع مجال السلطة من أجلها بالذات.
لقد جاء فكر جون لوك (1632 ـ 1704) الذي انطلق من نقد السلطات السابقة ذات الجذور
الدينية التي تقوم على أن أمر الله هو الذي قرر تلك القواعد وجعل لها عقوبات،
بالمقابل يصنع قواعد ميثاق اجتماعي عبارة عن اتفاق بين أفراد يجتمعون ليستخدموا
قواتهم الجماعية في وضع تلك القوانين الطبيعية موضع التطبيق مكتفين بالتالي عن
إنقاذهم بقوتهم الفردية. إذ من حق الرعية أن تثور على كل انتهاك للقانون، وقد حدث
هذا عندما اجبر الملك على ترك عرشه وحل محله الملك الجديد (وليم 1689) الذي قبل
بشروط البرلمان فيما يخص الحكم المدني ورسالة التسامح(8).
كانت تلك إحدى العلامات في غياب السلطة الملكية، أما العلامة الأخرى فهي سقوط
الملكية في فرنسا حيث ظهر (المفكرون الانسانيون) المتأثرون ب (جون لوك).. كان هدفهم
التصدي للملكية، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فكانت المعرفة الإدارية تسعى إلى
تجميع المعلومات حول بيئة الدولة نفسها وسكانها ومواردها والمشكلات التي عليها أن
تواجهها، إذ أصبحت دراسة السكان هدفا سياسيا كما هو في روح القانون ـ مونتسكيوـ حول
المناخ والجغرافيا والسكان، لقد أصبح للبرجوازية هيمنة كبيرة على الدولة التي كانت
تسعى إلى تحقيق القوة من خلال تأمين هذا الفرد ومراقبته، إذ أصبحت الجريمة تشكل
انتهاكا لشروط العقد الاجتماعي بكون المجتمع بأسره ضحية لها.. بعد أن كانت في زمن
الملكية تشكل اعتداءً على جسد الملك، أصبحت مع الدولة البرجوازية تشكل انتهاكا
للقانون والمجتمع، وقد كانت البرجوازية التي أصبحت تملك أدوات «الإنتاج المادي
والرمزي تعيد إنشاء تمثل للواقع وتقدمه على أنه حقيقة، وهي تعتمد على الدولة
والمؤسسات في فرض تلك الايدولوجيا التي تحولت إلى فعالية سياسية تعتمد التمثيل في
تعزيز دور الرأسمالية في صنع القرار وهذا يظهر من خلال تلك النزعة التنظيمية
والإدارية المنظمة والعاملة على بناء إداري منظم، وقد تحول إلى نزعة مؤسساتية فرضها
التحكم بالواقع والسيطرة عليه وجعله في خدمة المشروع الاقتصادي الرأسمالي. وقد
اضطلعت تلك النزعة أيضا بعمليات تشريع قانوني تهدف إلى منح المؤسسات التي تعد مسوغا
عقليا لممارساتها، حتى أصبحت تلك النزعة الفردية لا تعثر فيها على ملكوت الإنسان،
إلا في الكائن الداخلي وفي نهاية المطاف بشكل لا واقعي بعد أن عملت الرأسمالية على
تنظيم المجتمع وبأسره لصالحها وعلى صوتها إذ تعمل كايدولوجيا تطعن بالايدولوجيا
المضادة وتقدم مضمونها الطبقي سابغة عليه طابع الشمول، فيصبح بالتالي قابلا للتلقي
كحقيقة عامة شمولية تتجاوز المضمون الطبقي الخاص، معتمدة في تحقيق هذا الهدف على
الصحف بعد أن أصبحت واسعة الانتشار، أخذت السلطة باستخدام هذه الصحف لتوصيل أفكارها
الرئيسة إلى اكبر رقعة اجتماعية ممكنة. وبهذا أمست المطبوعات الوسيلة الأولى الاعمق
تأثيرا في تحقيق هيمنة أفكار الطبقة المسيطرة وجعلها أيديولوجيا ورسمية، ومعتمدة
على الاحتواء الاجتماعي فقد قامت الدولة على جذب الفرد بشكل تدريجي إلى مركزها»(9).
أما في الجانب الثقافي فقد انتقل الأدب من المرحلة الكلاسيكية والإنسانية الشمولية
إلى مرحلة أخرى شبه دعائية ومباشرة، عبر اعتماد الأدب كسلطة على مستوى الشكل
والمضمون. ولقد كان للتطور التقني أثره في فعالية الرأسمالية وهي تساهم في نتاج
نموذج تسعى إلى صياغته داخل الحياة اليومية العامة، حتى أصبحت قادرة على حذف أداء
الآخرين والتحكم بوعيهم.. وبذلك يصبح النموذج الليبرالي للدولة الحديثة يستند في
الأساس على جمع رأي المواطن العادي وتحديده ضمن الأطر الرسمية الموجودة، عاملة عبر
الدعاية على تجميع وتكثيف السلوكيات التي تمثل جوابا بالموافقة على استلابية
المؤسسة القائمة بوساطة قبول المجتمع الذي أصبح مستعدا للهتاف بحياة النظام السياسي
والحكومة الراهنة، معتمدا بذلك على جيش من الباحثين(10). الذين يقدمون خدماتهم في
بناء وتكريس سلطة المؤسسة السياسية الغربية.
الهوامش
ــــــــــــ
(*) استاذ جامعي، العراق.
1- اوييودريقوس و يول رايينوف، مشيل فوكو مسيرة فلسفية، ترجمة : جورج أبي صالح،
مركز الإنماء القومي، بيروت (د.ت)، ص 120.
2- رولان بارت، هسهسة اللغة، ترجمة منذر عياش، مركز الإنماء الحضاري، ط 1، حلب،
1999، ص
3- عبد السلام بن عبد العال، الميتافيزيقيا والعلم والايدولوجيا، بيروت، ص 25.
4 و5- محمد جلوب فرحان، بنية الفكر الفلسفي الحديث، مكتبة بسام، الموصل، (د.ت)، ص
19.
6- ل – سيفال، لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ، دار دمشق، (د.ت)، ص 34.
7- اوييودريقوس و يول رايينوف، مشيل فوكو مسيرة فلسفية، ص 126.
8- عربي اسلام (جون لوك، سلسلة أعلام الفلاسفة، دار الثقافة، القاهرة، (د.ت)، ص 54.
9- ادوارد سعيد، تمثيلات المثقف، م / الموقف الثقافي: 1 – 2، بغداد.
10- علاء طاهر – نظرية هابرماز النقدية الفكر العربي المعاصر، ع1، مركز الإنماء
القومي، بيروت، 1986، ص 51.
|